مَن لِمَن؟..
حين تُدار حواضر الرافدين بعقلية الغنيمة والسمسرة
حميد مجيد محمد
قراءة تخرق وجه الريح لتكشف تفاصيل الجلسة الأخطر في تاريخ بلاد النهرين، حيث تلاشت الخطب المنبرية وتعرّت وجوه الطغمة التي تبيع السيادة بدراهم معدودة، ليبقى السؤال الحاسم: مَن لِمَن؟
بين مطارقِ الوصايةِ وسندانِ التواطؤ، يجلسُ العراقُ اليومَ في غُرفةِ "المداولةِ" الكبرى؛ لا كقاضٍ يزنُ الجنايةَ بميزانِ العدل، بل كوطنٍ يُساقُ إلى المقصلةِ بدمٍ بارد، وتحتَ عباءةِ نصوصٍ ومحاضرَ صاغَتها أصابعُ الهواةِ وأمْلتْها أهواءُ الغزاة. إنها الجلسةُ الأخطرُ في تاريخِ بلادِ النهرين، حيثُ لم يعدِ السؤالُ المطروحُ فوقَ طاولةِ الساسةِ: "كيفَ ننهض؟"، بل غدا السؤالُ الفاضحُ العاري: "مَن لِمَن؟!"
إقطاعيات ممسوخة: حين تباع النخيل بدراهم معدودة
مَن لِمَن؟ ومطامعُ الجوارِ تنهشُ الخاصرة، والولاءاتُ العابرةُ للحدودِ تبيعُ النخيلَ بثمنٍ بَخسٍ دراهمَ معدودة! مَن لِمَن؟ والسيادةُ صارت خِرقَةً باليةً تتقاذفُها عواصمُ القرار، بينما ينظرُ ابنُ الرافدينِ إلى أرضِ أبائهِ وأجدادهِ فلا يرى سوى "إقطاعياتٍ" ممسوخة، تُدارُ بعقلياتِ الغنيمةِ لا بروحِ الدولة. لقد جُرِّدَ السيفُ من غِمده، ولم يعدْ في الوقتِ متسعٌ للمجاملاتِ الباردةِ أو الخطبِ المنبريةِ المتساقطةِ كأوراقِ الخريف؛ فإما وطنٌ يستردُّ أنفاسَهُ بضربةِ حقٍّ قاطعة، أو غيابٌ أبديٌّ في غياهبِ التبعية.
سماسرة الأزمات: الواهمون خلف كواليس الحبر المسموم
إنَّ الذينَ يظنونَ أنَّ العراقَ مجردُ ورقةٍ في ملفِ المفاوضاتِ الإقليمية, أو حصةٍ لشركةٍ قابضةٍ تُوزَّعُ أرباحُها خلفَ الكواليس، واهمونَ حدَّ الفجيعة. فهذهِ الأرضُ التي علَّمتِ البشريةَ النطقَ والكتابة، لا تُمحى بجرَّةِ قلمٍ من حبرٍ مسموم، ولا تستسلمُ لرجالِ صدفةٍ قذفتْ بهم أمواجُ الأزماتِ إلى كراسي الحكم. العلةُ ليست في جسدِ العراق، بل في هذهِ الطغمةِ التي أدمنتِ العيشَ في جلبابِ السمسرة، وتخلتْ عن شرفِ الانتماءِ لأعرقِ حضارةٍ عرفَها الوجود.
سقوط الأقنعة الرمادية: السيف أصدق أنباءً من خطب التهدئة
وفي هذهِ المداولةِ المصيرية، تخرقُ الحقيقةُ وجهَ الريحِ كشفرةِ سيفٍ يمانيٍّ صقيل: الوطنُ ليسَ لِمن يسكنُ القصورَ المحصنةَ بالخوف، بل لِمن يحملُ همَّ الجائعينَ والمحرومينَ في الشوارعِ الخلفية. الوطنُ لِمن يحرسُ حدودَهُ بعينينِ لا تنامان، لا لِمن يفتحُ الثغورَ للغرباءِ ليقبضَ ثمنَ الخيانةِ مناصبَ زائفةً وعروشاً من ورق. لقد سقطتِ الأقنعةُ كلُّها، وتعرّتِ الوجوه، ولم يعدْ هناكَ منطقةٌ رماديةٌ نختبئُ خلفَها؛ فالسيفُ أصدقُ إنباءً من خطبِ التهدئة، والحسمُ اليومَ لم يعدْ خياراً، بل هو شريانُ الحياةِ الأخير.
حسم الوعي: مزبلة التاريخ بانتظار السجانين وقضبانهم
بناءً على ذلك، فإنَّ الجوابَ الحاسمَ لـ "مَن لِمَن" يكتبُهُ اليومَ وعيٌ عراقيٌّ جديد، يرفضُ المداهنةَ ويقطعُ حبالَ الوهم. العراقُ للعراقيينَ الذينَ لم تتلوثْ ضمائرُهم بأموالِ السُّحتِ الخارجي، ولم تنحنِ قاماتُهم لسيدٍ وراءَ البحارِ أو خلفَ الجبال. ستنتهي جلسةُ المداولةِ هذهِ عاجلاً أم آجلاً، وسيخرجُ القضبانُ والسجانونَ واللافتاتُ المستعارةُ إلى مزبلةِ التاريخ، ليبقى وجهُ العراقِ ناصعاً، طاهراً، وحراً؛ عصياً على الكسر، ومستعصياً على البيعِ والشراء.
2026/6/27

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق