الثلاثاء، 8 سبتمبر 2026

اختبارات كثيرة بانتظار معرفة جدية حلف مكة/ بقلم د.نزار السامرائي

 اختبارات كثيرة بانتظار معرفة جدية حلف مكة

د.نزار السامرائي

الأحلاف لا تعقد لمجرد إشاعة أجواء الطمأنينة في بعض النفوس القلقة أو الدول الضعيفة، ولا تعقد لإضافة رقم إلى الأحلاف التي عرفتها منطقتنا العربية، وهي أكثر المناطق في العالم التي رُفعت فيها شعارات "لا لسياسة الأحلاف لا للقواعد الأجنبية".

صحيح أن النظم الراديكالية هي وحدها التي رُفعت فيها تلك الشعارات، ولكنها وجدت لها قاعدة شعبية واسعة من الدعم والتأييد مما أدى إلى تشهد تلك الدول حالة من عدم الاستقرار بسبب الصدام بين زاويتي نظر متباينتين، لأنها عرفت بالفطرة بأن الضعفاء غير قادرين على رسم مواقف الأقوياء سياسيا أو عسكريا، ولأن تلك الأحلاف ما عُقدت إلا بهدف تأمين مصالح الكبار في معادلة التوازن الدولي، وعلى الرغم من أن تركيا وباكستان لهما تجربة طويلة من خلال دخولهما في أحلاف غربية أو آسيوية، أو شرقية غربية مثل حلف بغداد أو "حلف المعاهدة الوسطى" بعد سقوط حلف بغداد عام 1958، إلا أنهما ما زالتا تصران على تقديم عروضهما في سيرك الأحداث الدولية لأهداف خفية خاصة بهما، فعلى الرغم من أنهما تعرفان أن تحالفاتهما السابقة والتي ما زالتا تحتفظان بعضويتها، لم تقدم لهما الكثير في نزاعاتهما الثنائية، وعلى الرغم من أن توقيت الإعلان عن حلف مكة قد تزامن مع أزمة المنطقة بعد تعرض إيران لهجوم أمريكي إسرائيلي منسق، أدى إلى حذفِ كمٍ غير يسير من قدرات إيران العسكرية والاقتصادية، أو الأكثر قيمةً من الناحية المعنوية على شعب ظل يتعامل مع على المعنويات أكثر مما يأكل من الخبز، أي فقدان الخطوط الأولى والثانية وربما الثالثة من زعاماتها الدينية والسياسية، ومع ذلك ظل محتفظا بالجزء الظاهر من تماسكه.

المهم أن حلف مكة تم عقده بين باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية التي أخذت نصيبا غير قليل من ردود الفعل الإيرانية الانتقامية على الضربات الموجعة التي كانت تتلقاها من الولايات المتحدة، إلا أن عقد الحلف في هذا الظرف بالذات أعطى انطباعا سريعا بأن القصد منه هو إظهار الدعم السياسي الباكستاني التركي للسعودية لا أكثر، عن طريق التلويح لإيران بعصا صغيرة ناعمة الملمس، مع أن الأطراف الثلاثة المتعاهدة السامية، تعي جيدا أن إيران لا تخيفها الشعارات المطروحة وإن كانت تزعجها، وتتخذ من ذلك مسوغا لردود فعل لا تخلو من طيش وحمق يتجاوز حدود حق الدفاع عن النفس أو حقوق الجيرة الجغرافية، إيران إن لم تُردع بالقوة والمطرقة المرفوعة فوق رأسها لن تتردد بإثارة القلاقل في كل مكان لأنها باتت على يقين أن العالم بحاجة إليها بنظامها القائم وابتزاز العرب به.

طالما أن إيران ضمنت عدم التصعيد الأمريكي إلا في حسابات لا صلة لها بسلامة الدول الإقليمية وإنما لحسابات أمريكية خالصة، فقد قادها ذلك إلى الدخول في حالة الوهم عن قوتها مقارنة بقوة الولايات المتحدة، فأساءت الأدب ووصلت إلى الخطوط الحمر التي وضعها العالم لنفسه في حال تعلق الأمر بالمشكلات الإقليمية في مناطق الإنتاج الرئيسي للطاقة الدولية.

تجربة حروب باكستان في حروبها السابقة مع الهند أعطتها درساً واحداً، وهو أن كل التحالفات التي عقدتها سابقا، ليس لم توفر لها الدعم الميداني أو الاستراتيجي، بل تركها تعيش حالة استرخاء سياسي انتظارا لدعم لا يأتي إلا عندما يظن الطرف المقدم للدعم أن مصالحه توجب عليه التحرك قبل أن يخسر فرصا سياسية كثيرة، معظم حلفاء باكستان اكتفوا بإصدار بيانات التضامن معها وأحيانا تدعوها والهند إلى ضبط النفس لا أكثر، فكان الدرس الوحيد الذي خرجت به من حروبها السابقة، أن الحلفاء لا يضيفون شيئا إلى رصيدها العسكري إلا البيانات السياسية الحافلة بالشجب بأعلى العبارات وما شابه ذلك من أدوات التعبير عن التضامن، فلم يحرك أحد منهم سرب طائرات أو فرقة مدرعة أو لواء قوات خاصة أو أسطولا بحريا لنجدتها، لهذا وجدت أن اعتمادها على قوتها الذاتية هو الضمانة الوحيدة لأمنها القومي، لهذا وظفت كل ما أتى إليها من دعم مالي سعودي في تطوير قدراتها الحربية، فصنعت السلاح النووي فصارت عضوا في النادي النووي الدولي وامتلكت الردع النووي المتبادل مع الهند العدو الودود والصديق اللدود وهذا الدرس هو ما تسعى إيران لاستنساخه.

أما تركيا العضو في حلف شمالي الأطلسي "الناتو" وهي من حيث الجغرافية بعيدة عن الأطلسي بل هي لا تمتلك في أوربا إلا الجزء الأوربي من مدينة اسطنبول، فقد كانت من الدول المؤسسة لحلف بغداد مع كل من بريطانيا العراق وتركيا وإيران وباكستان، وعلى الرغم من أن الحلف بالأصل هو فكرة أمريكية، كجزء من خطتها لمواجهة المد الشيوعي المدعوم بثقل الاتحاد السوفيتي السابق، إلا أن الولايات المتحدة لم تنتم إليه، بل وعدت بتقديم كل أشكال الدعم السياسي والعسكري له، لكن تركيا التي عاشت أزمات متناسلة مع اليونان العضو الآخر في الحلف المذكور، أيقنت أن عضوية أثينا في الناتو سوف لن تعطي أياً من تركيا أو اليونان الدعم الذي تطلبانه، مع أن الأطلسي لا يفرط بقوة تركيا باعتبارها تمتلك أقوى ثقل عسكري تقليدي في الجناح الجنوبي للناتو، وفي الجانب الآخر فإن العواطف الدينية تبقى أكثر تعلقا باليونان منها مع تركيا، على الرغم من أن تركيا ظلت ومنذ سقوط الدولة العثمانية ترفع شعارا اتاتوركياً علمانيا متطرفاً، أي يحاول شراء الدعم السياسي بثمن التخلي عن الثوابت الدينية المتأصلة في المجتمع التركي إذا سلخنا عنه التوجهات السياسية المتطرفة.

وكانت المملكة العربية السعودية التي كانت بعيدة جدا عن التحالفات العسكرية الجماعية، تحرص على توقيع اتفاقيات عسكرية ثنائية، وإن لم تهمل الالتزامات السياسية الجماعية المتبادلة، فقد حاولت الاحتفاظ بمسافة مدروسة مع الأطراف الدولية شرط أن تؤمن لها مصالحها الوطنية وتحفظ أمنها القومي، في ظل هذه التوترات الدولية الإقليمية تم توقيع حلف مكة من أجل تقديم الدعم لها في حال تعرضها لعدوان إيران.

هنا لا بد من التوقف عند هذه النقطة بالذات، وما مدي سريان التفسير القانوني على إيران في حال شن طرف من أدواتها أو مليشياتها التي نجحت في تشكيلها في عدة بلدان بعد أن تمكنت من خرق المنظومة الأمنية فيها، أو استغلت حالة انعدام الأمن أو الاضطراب في بعض الأقطار العربية، كما حصل في لبنان والعراق وسوريا واليمن، إذ كانت التشكيلات شبه العسكرية والتنظيمات الإيرانية المسلحة خارج الحدود الإيرانية، وكأنها قواعد عسكرية متقدمة أو قوات تدخل إيراني سريع خارج حدودها، بعد أن توصلت الزعامة الإيرانية العسكرية والسياسية ثم الدينية، إلى يقين راسخ بأن تجربة حرب الثماني سنوات يجب ألا تغيب عن ذهن المخطط الاستراتيجي الإيراني، وأن ضرورات حماية الأمن القومي الإيراني تحتم ابعاد شبح أي مواجهة عسكرية مستقبلية عن الداخل بأي ثمن، فكانت فكرة تشكيل خلايا تابعة للحرس الثوري، وأن تلفعت بشعارات جاذبة للتعاطف عن تحرير فلسطين والقدس والأقصى، ثم ربطت تلك التشكيلات بما يسمى بفيلق القدس الذي خاض معارك في معظم المدن العربية الشرق أوسطية، ولكنه لم يوجه بندقية واحدة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة.

إيران مسؤولة قانونيا وأخلاقيا، مسؤولية دولية عن كل ما يفعله أي تشكيل من التشكيلات التي أنفقت عليها وسلحتها ودربتها وأطلقت لها العنان لنعبث بأمن دول المنطقة من أجل الحصول منها على مكاسب سياسية، وإلا فإن العلاقات الدولية ستتعرض إلى أفدح الأخطار عن طريق ضياع المسؤولية الجنائية عن دور الأطراف الداعمة للإرهاب الدولي من وراء ستار وكأن عالم اليوم يعيش في تعتيم استخباري كما كان يعيشه في القرون السابقة.

لهذا فعلى المجتمع الدولي تحميل إيران مسؤولية كل فعل تأتي به التنظيمات والتشكيلات المسلحة وشبه المسلحة التي تحمل ولاءً معلناً لولاية الفقيه، لأن إيران مسؤولة عن تأسيس هذه التشكيلات ومواصلة دعهما ماليا وتسليحيا وتوفر لها مظلة الحماية السياسية، وبرز ذلك جليا حتى خلال المباحثات التي قام بها الوسطاء الثلاثة "باكستان وقطر وعًمان" لحصر تأثيرات الحرب الحالية في أضيق نطاق فطهران كانت تصرّ على شمول هذه الساحة أو تلك بأي هدنة مؤقتة أو وقف تجريبي لإطلاق النار.

إيران يمكن أن تنفي صلتها بهذا التشكيل أو ذاك عندما يصب ذلك في مصلحتها، ولكنها هي التي تحرك الجبهات الساكنة عندما يناسبها ذلك، وتسكن الجبهات المتحركة عندما تقتضي مصلحتها التفاوضية بقاءها ساكنة، وهذا ما يعزز القناعة بأن كل فعل يأتي به عملاؤها مثل حزب الله في لبنان أو المليشيات في العراق أو الحوثي في اليمن، هو فعل لا يأتي من مصلحة للبلدان التي تتحرك بها تلك القوى بل من أجل تعظيم الموقف التفاوضي لإيران، صحيح أن القذيفة تحملها يد لا ترطن باللغة الفارسية، إلا أن ولاءها هو لمركز التوجيه العقائدي في قم وطهران، وبالتالي فإن مطاردة الفاعل الميداني فقط وإهمال الموجه له سيقدم إغراءً عاليا لإيران للتنصل من المسؤولية الجنائية عما ترتكبه أذرعها من جرائم واعتداءات هنا وهناك.

إن تعرض جنوبي المملكة العربية السعودية لعدوان حوثي شكلاً وإيراني فعلاً، يمكن أن يطرح جملة من الأسئلة على الزعامة السعودية عن جدوى التزامها بشروط الوساطة الصينية التي توصلت إليها عبر الدبلوماسية السرية، فأنهت قطيعة مع إيران وانعكست أوتوماتيكيا على أوضاع اليمن، فهدأت الجبهات هناك وتوقف الحوثيون عن قصف الأجزاء الجنوبية من السعودية، هنا لا بد من طرح سؤال آخر عن طية الموقف الصيني في مثل هذه الأحوال، هل تعتقد السعودية أن إيران تحولت بين ليلة وضحاها من وحش جريح إلى حمل وديع؟

الاتفاقيات والتفاهمات الثنائية أو الجماعية تفرض درجة عالية من الحذر الاستباقي، لا إلى الاطمئنان الزائف إلى نوايا كانت تطلق من دون حساب، في زمن كان الغدر صفته الراجحة على ما عداه من نوايا الخير والوفاء بالتعهدات والالتزامات القانونية المتبادلة، صحيح يجب أن تُمد الأيدي لتتصافح بعد توقيع أية اتفاقية ثنائية مع ابتسامات عريضة أو تطلق بميزان، ولكن الحذر يجب إلا يغيب عن العقول الراجحة المدركة لمسؤوليتها التاريخية عن مصير الأمم ومستقبل الأجيال القادمة.

هل تشارك تركيا وباكستان السعودية زاوية النظر في طبيعة توصيفها للعدوان الحوثي ومن يتحمل مسؤوليته الجنائية؟ أي بعبارة أكثر وضوحا هل تشارك الدولتان السعودية في تحميل إيران مسؤولية ما وقع إن كانت تنظر إليه من هذا المنظار، والآن علينا أن نقف لنفهم ما جاء في بيان وزارة الخارجية السعودية الذي أعقب العدوان الحوثي وتحدثت فيه عما تعرض له جنوبها، فقد حصرت ما جرى وألقت بمسؤوليته على مليشيا الحوثي، ربما كانت تفكر بغير هذا التوصيف ولكن هذا ما صدر، فهل من حقنا أن نسأل عن طبيعة الاتصالات التي أجرتها الرياض مع أنقرة وإسلام آباد، إن كانت قد أجرت مثل هذه الاتصالات فعلا، ماذا طلبت السعودية من تركيا وباكستان، وهل يتصور أحد بأن النص الأهم في حلف مكة وهو "تقديم الدعم لأي طرف يتعرض للعدوان"، هل يكتفي البَلَدان ببيانات الشجب والاستنكار وهو ما يمكن أن أفعله أنا بكل أريحية، أو تفعله المنظمات الحقوقية وكذلك الأمم المتحدة، إن كانت تقف على الحياد حتى الآن فكل المؤشرات تقول إن المنظمة الدولية لم تغادر موقعها المنحاز إلى جانب عصابات الحوثي، انسجاما منها مع الموقف البريطاني والذي استطاع أن يستدرج معه موقفا أمريكياً وروسياً وصينياً مماثلا، لأن الحوثي دور مطلوب الآن وفي المستقبل المنظور، طالما أن العالم لم يغير من قناعته بشأن وضع حد للعبث الإيراني في المنطقة والعالم، فهل كان أحدنا يتوقع أنه سيحيا إلى زمن تعجز فيه الولايات المتحدة عن اسقاط النظام الإيراني في غضون ساعات لو أرادت؟

وماذا بعد؟ 

لا أظن أن أي حلف ثنائي أو ثلاثي أو أوسع، يمكن أن ينوب عن القوة الذاتية التي يجب أن يمتلكها أي طرف فيه، فالدول لا تتطابق مصالحها تحت أي ظرف، ولنأخذ مثلا هي الوسيط المفضل لدى واشنطن وطهران للوصول إلى حلول وسط في الأزمة الراهنة، حتى بفرض أن الطرفين يعيان جيدا أن إسلام آباد تقوم بالوساطة لتحقيق وجاهة سياسية افتقدتها منذ أن خسرت شطرها الشرقي المسمى اليوم ببنغلاديش، فأرادت أن تعزز مكانتها السياسية الدولية بعد أن أصبحت قوة نووية ضمن حسابات خاصة بشبه القارة الهندية، وكأنها تريد أن تستقل مركبة فضاء لتخرجها من المجال الجوي للأرض وتضعها في مدار آخر.

أما تركيا فقد عرضت وساطتها ولكنها قوبلت بصدود من الطرفين، الدور التركي لم يكن مرحبا إيرانياً لأنها تعتقد أن تركيا يجب أن تحافظ على دورها السري الذي أدته في تمرير الكثير من الصفقات الأساسية للاقتصاد الإيراني وسط ضجيج ما يسمى بسياسة الخنق الاقتصادي الأمريكي لإيران.

أعود إلى السؤال الرئيسي، ماذا يمكن أن تقدم تركيا وباكستان للمملكة العربية السعودية بعد العدوان الحوثي على منشآت نفطية لجأت إليها البلاد للتحرر الجزئي من ضغط التنمر الاستعراضي الإيراني الأخير؟ بل ما الذي تتوقعه السعودية منهما؟ 

غالب الظن سيكتفي الباكستانيون والأتراك بترك رسالة للسعودية إن سألت بالطبع، إننا نتعامل مع الدول وما تفعله ولسنا معنيين بما تفعله المنظمات الإرهابية الموصوفة بهذا الوصف دوليا؟

الأربعاء، 19 أغسطس 2026

مجلة صوت الطلبة عدد ٦٦ للسنة ٧ ١٩ آب ٢٠٢٦

 مجلة صوت الطلبة 

عدد ٦٦ للسنة ٧ 

١٩ آب ٢٠٢٦
















مجلة صوت الطلبة 
عدد ٦٦ السنة ٧
١٩ آب ٢٠٢٦
اضغط على رابط التصفح الالكتروني ادناه
https://online.anyflip.com/rnvg/ulpp/mobile/index.html


الجمعة، 7 أغسطس 2026

مكاشفة ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم/ بقلم هاتف الثلج

  مكاشفة

ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم

هاتف الثلج

قبل أن تتكلم البنادق، كانت الكلمات تخوض حروبها الهادئة. وقبل أن تُرسم الخرائط بالنار، كان هناك رجال يرسمونها بالحجة، ويؤجلون سقوط الأوطان بما يملكون من عقل ومعرفة وبلاغة. في تاريخ الدول شخصيات تعبر المناصب كما يعبر المسافر الجسور، فلا تترك أثراً في الذاكرة، وشخصيات أخرى تتحول إلى جزء من الذاكرة نفسها، لأنها لم تكن مجرد موظفين في جهاز الدولة، بل كانت تعبيراً عن مرحلة كاملة بكل ما فيها من صعود واختبارات ومواجهات.ومن هذا الطراز يبرز اسم الدكتور ناجي صبري الحديثي، بوصفه واحداً من أكثر الوجوه العراقية حضوراً في ميدان الثقافة والإعلام والدبلوماسية، ورجلاً تشكلت خبرته عبر عقود متصلة من العمل الفكري والإداري والسياسي، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.السير المهنية لا تُقرأ باعتبارها قوائم من الوظائف، وإنما باعتبارها خارطة للعقل الذي انتقل من محطة إلى أخرى وهو يضيف لبنة جديدة إلى مشروعه الشخصي وخدمة دولته. وهكذا كانت رحلة ناجي صبري؛ بدأت من الجامعة محاضراً في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب في جامعة بغداد، مؤمناً بأن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل جسر تعبر عليه الحضارات، وأن من يمتلك لغة الآخر يستطيع أن يخاطبه من موقع الند لا من موقع التابع.

وحين انتقل إلى لندن مستشاراً في السفارة العراقية خلال المدة الممتدة من عام 1975 إلى عام 1980، لم يكتفِ بأداء الواجب الدبلوماسي التقليدي، بل أسس الدائرة الصحفية في السفارة، ثم أسس المركز الثقافي العراقي عام 1977، ليؤكد أن صورة الدول لا تصنعها البيانات الرسمية وحدها، بل تصنعها الثقافة، والفكر، والكتاب، والفن، والحوار مع المجتمعات الأخرى. كما أسس ورأس تحرير مجلة أور الناطقة بالإنجليزية، التي قدمت الثقافة العراقية والعربية الحديثة إلى القارئ الغربي بلغة يفهمها ومنهج يحترمه.وعند عودته إلى بغداد، بدأ فصل جديد من العمل الثقافي. أسس دار المأمون للترجمة والنشر مطلع عام 1980، لتصبح واحدة من أهم المؤسسات العراقية التي نقلت المعرفة العالمية إلى اللغة العربية، ورسخت مفهوم الترجمة بوصفها صناعة حضارية لا عملاً هامشياً. وفي الوقت نفسه تولى رئاسة تحرير صحيفة بغداد أوبزرفر الناطقة بالإنجليزية، فكان يدير نافذة إعلامية تخاطب العالم، وتقدم الرواية العراقية بلغته، في زمن كانت فيه معركة الصورة لا تقل أهمية عن معركة السياسة.

ولم تتوقف مساهماته عند الإدارة الإعلامية، بل امتدت إلى تأسيس مجلة كلكامش باللغة الإنجليزية، المتخصصة بالثقافة العراقية الحديثة، وإلى منصب نائب رئيس اللجنة الوطنية العراقية للتربية والثقافة والعلوم، حيث جمع بين العمل الثقافي والإداري، مؤمناً بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات، وأن الأمم التي تهمل ثقافتها تضعف قدرتها على حماية سيادتها.وفي مطلع التسعينيات دخل مرحلة أكثر حساسية، فتولى إدارة الإعلام الخارجي، ثم أصبح وكيلاً لوزارة الثقافة والإعلام، قبل أن يعمل مستشاراً في ديوان رئاسة الجمهورية، وهي مسؤوليات فرضت عليه التعامل مع عراق يواجه عزلة دولية وضغوطاً غير مسبوقة، فكان عليه أن يوظف خبرته الإعلامية والثقافية في الدفاع عن صورة الدولة في الخارج، وفي إدارة خطابها أمام عالم تتغير موازين القوى فيه بسرعة كبيرة.ثم جاءت المحطة الدبلوماسية الكبرى عندما عُيّن سفيراً للعراق لدى النمسا، وممثله الدائم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، ومكتب الأمم المتحدة في فيينا. هناك برزت قدرته التفاوضية في واحدة من أكثر الساحات الدولية تعقيداً، حيث لم تعد اللغة مجرد وسيلة تعبير، بل أصبحت أداة لحماية المصالح الوطنية، وإدارة الملفات الحساسة، ومواجهة الضغوط السياسية والقانونية.وعندما تولى وزارة الدولة للشؤون الخارجية، ثم أصبح وزيراً للخارجية عام 2001، دخل العراق أخطر منعطف في تاريخه الحديث. كانت العواصف الدولية تتجمع، وكانت قرارات الحرب تُصاغ في العواصم الكبرى، غير أن ناجي صبري كان من أبرز الوجوه العراقية التي خاضت معركة الدبلوماسية حتى اللحظات الأخيرة، وساهم في الجهد السياسي الذي حال دون حصول الولايات المتحدة وبريطانيا على غطاء دولي صريح يضفي الشرعية على مشروع غزو العراق واحتلاله، وهو دور بقي موضع اهتمام لدى كثير من الباحثين في تاريخ تلك المرحلة، بوصفه مثالاً على استخدام أدوات القانون الدولي والخطاب الدبلوماسي في مواجهة قرارات القوة.ولم يكن رجل سياسة فقط، بل ظل المثقف ملازماً له في كل المناصب. فقد ترجم إلى العربية أعمالاً فكرية وأدبية مهمة، منها كتاب «عبقرية شو» لمايكل هولرويد، وكتاب «أوجه السيرة» لأندريه مالرو، كما نقل عدداً من المؤلفات العربية إلى اللغة الإنجليزية، مؤمناً بأن الترجمة ليست نقل كلمات، وإنما نقل رؤى وتجارب إنسانية، وأن الحضارات لا تتعارف بالسلاح، بل بالمعرفة.إن قراءة سيرة ناجي صبري بعيداً عن الاستقطابات السياسية تقود إلى حقيقة أعمق؛ وهي أن الدولة تحتاج دائماً إلى رجال يجمعون الثقافة والدبلوماسية والإدارة في شخصية واحدة. فالمفاوض الذي لا يقرأ يصبح أسيراً للنصوص، والمثقف الذي لا يعرف الدولة يبقى حبيس التنظير، أما الذي يجمع الاثنين فإنه يتحول إلى عقل مؤسساتي قادر على مخاطبة الداخل والخارج في آن واحد.

لقد مرت الدولة العراقية بمحطات شديدة التعقيد، وتعاقبت عليها أجيال من المسؤولين، لكن القليل منهم استطاع أن يترك بصمة تمتد من قاعات الجامعة إلى المنابر الدولية، ومن مراكز الترجمة إلى أروقة الأمم المتحدة، ومن الصحافة إلى وزارة الخارجية. وهذا التنوع في المسؤوليات لم يكن انتقالاً وظيفياً بقدر ما كان دليلاً على شخصية امتلكت أدواتها في أكثر من ميدان، واستثمرت المعرفة لخدمة موقعها، وخدمة الدولة التي مثلتها.تبقى الشخصيات الكبيرة مادة للتأمل أكثر من كونها مادة للجدل، لأن الزمن يعيد ترتيب التفاصيل، ويجعل الإنجاز المهني هو المعيار الأصدق في تقييم الرجال. وناجي صبري واحد من تلك الأسماء التي لا تُختزل في منصب، ولا في ظرف سياسي، بل تُقرأ بوصفها تجربة عراقية جمعت بين الفكر والثقافة والدبلوماسية، وقدمت نموذجاً للمسؤول الذي أدرك أن قوة الدولة تبدأ من قوة الكلمة، وأن هيبة الوطن تُبنى أيضاً في قاعات الحوار، وعلى طاولات التفاوض، كما تُبنى في ميادين أخرى. ولهذا يبقى حضوره في الذاكرة المهنية العراقية شاهداً على مرحلة كاملة، ورمزاً لمدرسة آمنت بأن الكفاءة والمعرفة والقدرة على تمثيل الوطن بأرفع صورة هي رأس المال الحقيقي لأي دولة تسعى إلى أن يبقى صوتها مسموعاً في العالم.

الأحد، 2 أغسطس 2026

استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي/ د. نزار السامرائي / جزء ٢

  استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي

د.نزار السامرائي

جزء ٢

بداية يمكن أن نأخذ تركيا كمؤشر على مواقف الدول التي حاولت التوسط لوقف الحرب، وكل منها له دوافعه الخاصة التي قد تلتقي مع أهداف الآخرين وقد لا تلتقي، كما سأتناول بالعرض مواقف باكستان ودول مجلس التعاون الخليجي، بشأن الحرب العبثية الخطط، المجهولة الأهداف، الغامضة النتائج، ولكل طرف من تلك الأطراف مبرراته، بصرف النظر عن وجاهتها أو عدمها، ولكل منها أهدافه الحقيقية أو المعلنة.

 شهدت تركيا منذ وصول حزب التنمية والعدالة إلى دفة الحكم، تحولات مهمة على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، إلا أنها لم تفقد حلمها القديم بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي، كهدف اقتصادي يعزز حضورها السياسي في القارة الأوربية، وما كان يحول دون ذلك هو هويتها الإسلامية، وحرصها على الإمساك بالعصا من الوسط بشأن صراع الهويات، وهو ما يجعل من تحديد هويتها السياسية الجغرافية، مثار جدل بصوت عال داخل أوربا التي عبّرت أكثر من مرة عن هويتها المسيحية، وداخل تركيا نفسها كحلم لا يغادر مخيلة العلمانيين للحد من المضي أبعد مما حصل حتى الآن في التوجه الإسلامي، كما أن وجود تركيا كأكبر قوة برية في الجناح الجنوبي لحلف شمالي الأطلسي، يطرح تساؤلات جادة عن أيٍ من الهويات التي تفضل تركيا الانتماء إليه أو التعامل معه؟

ربما جاء نشوب الحرب الأخيرة، بتوقيت محرج لتركيا التي حاولت المحافظة على خط انتشار إقليمي سريع في الوطن العربي، وذلك بإزالة كثير من جدران التحفظ التي كانت سائدة مع المملكة العربية السعودية ومصر والامارات العربية بسبب ما يُنسب للإخوان المسلمين في تعكير الأمن الداخلي فيها، صحيح أن دور تركيا في دعم الثورة السورية التي أسقطت نظام بشار الدموي، وهو ما ساعد في إزاحة الوجود الإيراني في سوريا واهتزاز وجودها في لبنان وطرح تساؤلات عن مدى متانة وجودها في العراق، أزاح من طريقها الكثير من المصدات الأيديولوجية التي بقيت حاجزا بينها وبين بعض النظم العربية، إلا أن الصحيح هو أن الدور السابق لتركيا في تقديم العون المباشر لطهران للتحايل على العقوبات الاقتصادية الأمريكية، والتي اتهم بجانب منها نجل الرئيس التركي أردوغان، قد جعل منها شريكا مطلوبا من قبل إيران في بعض الظروف الحالكة.

تعمدت تركيا الغموض في التعاطي مع الحرب التي يخوضها حليفها الاستراتيجي الأول في العالم أي الولايات المتحدة، بمشاركة طرف حافظ على مكانته كصديق إقليمي تقليدي أي إسرائيل، وعلى الرغم من كثرة الانقلابات العسكرية التي عصفت بتركيا الحديثة، وعلى الرغم من أن إسرائيل شنت منذ قيامها عام 1948 أكثر من خمس حروب على الأخ في الدين، إلا أن إسرائيل حافظت على مكانة مرموقة لدى العقل السياسي في أنقرة، وهذا ما حصر تركيا في زاوية ضيقة بين حليف استراتيجي "أمريكا" وصديق تقليدي "إسرائيل" من جهة، يخوضان حربا ضد شقيق جديد في الدين "إيران" من جهة أخرى، وهما يرفعان شعارا إسلاميا بطريقة إدارة الدولة، مع أن العلاقات بينهما تميزت بالعداء التاريخي الذي طبع مرحلة طويلة من علاقتهما، ونشبت بينهما حروب كثيرة وقع بعضها في الأرض العراقية ولم يتمكن أي منهما من حسمها، على الرغم من أن عمرها يزيد على خمسة قرون.

ومع عدم وجود موقف تركي صريح مما يجري على مقربة من حدودها، أو على تماس مباشر مع مجالها الحيوي، مع أن عالم السياسة إذا دخلت عليه الصراحة أفسدته كما يُقال، بل على الرغم من أن أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة، تعرضت لقصف صاروخي بالستي إيراني، ربما تسبب بجرح كبرياء البلد المضيف، كان يحرص على التباهي به في علاقاته في محيطه الإقليمي ومع العرب خاصة.

لقد مارست تركيا ضبط نفس لم نعهده يوما في سياستها الخارجية سابقا كما كان يحصل في علاقاتها مع اليونان وهي شريكتها في حلف شمالي الأطلسي، وهو ما أثار تساؤلات جدية عن حقيقة ما يجري وراء الغرف المغلقة من صفقات ومن هي أطرافها؟ وعلى حساب مَن مِن دول الشرق الأوسط المبتلاة بثلاثة مشاريع عقائدية بعضها يرتبط بأساطير دينية تلمودية، وبعضها يستند على تفسيرات تاريخية فقط، والثالث يستل واحدة من أسوأ الصفحات في التاريخ الإسلامي، ولكنها تتطابق في أنها تحمل نزعة توسعية، تتنافس فيما بينها على توسيع نطاق حدودها الجغرافية والحصول على أكبر قدر من المنفعة من ثروات المنطقة.

 تركيا لا تخشى كثيرا من انتصار إيران في الحرب كما يحصل لدى البعض، لأنها عَبَرت منطقة الخطر التي كانت تعيشها منذ قيام الدولة التركية الحديثة، لكن العودة إلى دروس الماضي البعيد، لا يترك لنا هامشا من الشك في أن استذكار تاريخ العلاقات العثمانية مع الدولة الصفوية التي قامت عام 1501، والتي كانت قد خاضت معها حروبا طويلة، وكأن العالم لا يوجد فيه عدو لفارس إلا الدولة العثمانية، بل فتحت لها جبهات أثناء حروبها في الجبهة الأوربية، مما أدى إلى خلخلة في أوضاع القوات العثمانية في أوربا وأضطرها إلى سحب قواتها وتوجيهها إلى جبهة بلاد فارس.

ومع كل ذلك تبقى مخاوف تركيا الحديثة تفوق كثيرا مخاوف دول عدة في المنطقة من انتصار إيران، لأن أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية ستتعرض لأخطار بسبب النزاع التاريخي بين المشروعين التركي والفارسي، غير أن تركيا لا تريد رؤية هزيمة كبيرة لإيران سواء أمام الولايات المتحدة أو أمام إسرائيل، صحيح أن العلاقات الإسرائيلية التركية تميزت بالتطور اللافت منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، بسبب النزعة الأتاتوركية، إلا أن التحولات الكبيرة بالنموذج التركي منذ صعود حزب التنمية والعدالة التركي إلى الحكم، لاسيما بعد أن تعزز الدور التركي في سوريا، وما تركه من مخاوف إسرائيلية من النموذج الإسلامي التركي السني على الأمن القومي الصهيوني، لأن أنقرة لا تريد رؤية إسرائيل دولة قوية ترى في وجود تركيا على حدودها عامل قلق قد يستدرجهما إلى نزاعات في وقت يرى كل منهما أن الوقت لم يعد وقت نزاعات مسلحة جديدة بينهما قد تزعزع استقرار المنطقة.

هناك دافع آخر يدفع تركيا للتوسط لوقف الحرب، فهي لا تريد رؤية إيران مهزومة في الحرب مما قد يعرض وحدتها الترابية إلى خطر التشرذم، وهو ما قد يغري المكونات القومية في المنطقة إلى المطالبة بحق تقرير المصير، لأن هذا الاحتمال قد ينتقل إلى دول أخرى، وتركيا من بينها، ويُطلق يد إسرائيل كقوة مهيمنة في منطقة صراع المشاريع المتنافسة.

وعند الحديث عن الدور الباكستاني في الوساطة المُستَجداة من قبل إسلام آباد، ستبرز أمامنا حقائق كثيرة، والتي يمكن إجمالها بثلاث نقاط، الأولى هي أن باكستان بحاجة إلى القيام بهذا الدور مهما كانت نتائجه نجاحا أو فشلا، أكثر مما تحتاجه الولايات المتحدة وإيران معا، ويبدو أن إسلام آباد تتطلع إلى فتح كوة صغيرة من الأمل لعلاقات كاملة مع إسرائيل بعد قطيعة استعراضية طويلة مارست طقوسها لإرضاء العرب، لا سيما وأن حساسية الوضع في شبه القارة الهندية، شهد تقلبات في التحالفات الدولية، فعلى الرغم من أن باكستان كانت محسوبة على التحالف الغربي وما تزال، وهنا لا بد من التذكير بدورها في تأسيس حلف بغداد عام 1955، إلا أن علاقات إسلام آباد مع الصين تَحَولَ إلى كابوس يزعج الولايات المتحدة وأخذ طابعا أكثر الحاحا في المدة الأخيرة، لا سيما عندما بدأت الصين تمثل التهديد الاقتصادي الأكبر للولايات المتحدة، وهي الحليف الدولي لباكستان، مما قد يثير الريبة لدى الجانب الأمريكي، في الجانب الآخر من المشهد نرى أن الهند تحولت تدريجيا من حليف للمعسكر الشرقي ممثلا بالاتحاد السوفيتي السابق تحت لافتة مجموعة عدم الانحياز، وكذلك تبدي تعاطفا مدروسا مع قضايا العرب، كل هذا خلط الأوراق على أكثر اللاعبين فطنة وترك المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات.

لكن سوء العلاقات بين الجيران الثلاثة "الصين والهند وباكستان" لم تستقر على حال ودي فيما مضى، فالدول الثلاث المتجاورة وهي دول نووية، مما يضع أي توتر في علاقاتها في ميزان مختلف عن موازين القدرة العسكرية التقليدية، ولهذا فإن كثيرا من رسائل صداقتها مع الدول الأخرى، لا يتم النظر إليها بكثير من الجدية، لأنها غير قابلة للانتقال من مكاتب وزارات الخارجية إلى أرض الواقع، مما يجعل التعامل فيما بينها من جهة وفيما بينها وبين دول العالم وخاصة الدول الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا، محفوفة بصعوبات جمة، وعلى ما يبدو فإن دخول باكستان كوسيط غير مرغوب فيه، كان يحمل في جيبه مشروعا وطنيا يهدف أولا إلى دخول باكستان على قائمة الدول المطلوبة الدور إقليميا ودوليا، مع ما يوفره من وجاهة لقيادتها أو لكل طامح بكسب نقاط أكثر على حساب الفريق الحاكم، وهذا إن تحقق لها فإنها سترشح نفسها لمهمات أخرى حتى لو فشلت في وساطتها الحالية.

والثانية أنها  تسعى لتكريس مصالح سياسية واقتصادية في أغنى بقعة في العالم في الوقت الحاضر، مما يعني استعارتها لدور الدول الاستعمارية في بداية عصر النهضة الأوربية، عندما تنافست الدول فيما بينها على البحث عن أسواق لتصريف منتجاتها المصنعة، بعد أن أشغلت نفسها في البحث عن المصادر الطبيعية لجلبها لإدامة حركة الصناعة عدة قرون، ربما تستعيد ذلك الدور بأقصى ما تمتلك من قوة، لتطوير الاقتصاد المحلي على حساب اقتصادات الدول النائمة، باكستان لا تختلف كثيرا عن معظم الدول الصاعدة في مجال الصناعات المختلفة، ولكنها تمتلك شعارات أكثر قبولا في بيئة عربية مأخوذة بقصائد التمجيد التاريخي والحديث عن الحضارة القديمة وروابط الدين، فباكستان لا تمتلك تاريخا من العلاقات السلبية مع العرب، ولم تخض ضدهم حربا، لهذا جاءت إلينا بعربات مزركشة بكل ألوان الخديعة، لتعميق مصالحها التي حرصت على طرحها بلغة ودية لا نتوءات حادة فيها، مستغلة عدم ثقة العرب بالجارين التركي والإيراني، بسبب تاريخ طويل من الحساسيات القديمة مع ما اعتبره العرب نوايا غير نزيهة لهما في الوطن العربي، فاستطاعت باكستان التي لم ترتبط بتاريخ سلبي مع العرب بأي شكل من الأشكال، إن تقدم نفسها كصديق صادق للعرب في قضاياهم العادلة وخاصة في مواجهة الاحتلال الصهيوني والدفاع عن قضية فلسطين التي اتخذها كثير من مسوقي بضاعتهم شماعة يعلقون عليها اخفاقاتهم في محاور أخرى، وحتى في النزاع الأخير سارعت إسلام آباد لعقد معاهدة دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية، وراحت تكرر أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي أخطار تتعرض المملكة، ولكن السعودية تعرضت لهجمات منسقة بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة من جانب إيران، ولم تحرك باكستان ساكنا بل واصلت وساطتها بوقاحة أكبر لوقف الحرب، فهل يحق لمتعاهد أن يقوم بالوساطة بين طرفين أحدهما متعاهد معه، وآخر طرف معتد مؤشر عليه إقليميا ودوليا بأنه أكثر طرف مثير لعوامل الاضطراب والتأزم الإقليمي؟.

والثالثة أن باكستان التي قوبلت في الوطن العربي بصدور رحيبة، لم تراقب نشاط جالياتها في الخارج وخاصة في الوطن العربي وأين تتجه بوصلة ولائهم، وخاصة بعد عام 1979أي السنة التي وصل فيها الخميني للحكم في إيران، ورفع شعاره سيء الصيت "تصدير الثورة"، فباكستان لم تعاني لا كثيرا ولا قليلا من ويلات هذا الشعار، لأنه موجه نحو غرب الحدود الإيرانية، وربما هذا ما دفعها للترحيب كثيرا بفكرة تصديره إلى البلاد العربية لأن ذلك يُبّرد الكثير من الشحن المذهبي في الداخل، والأكثر من هذا أن شيعة باكستان تحولوا إلى أدوات بيد الحرس الثوري الإيراني الذي شكّل منهم مليشيا "زينبيون" الباكستانية عام 2013، لقمع الشعب السوري الذي اندلعت ثورته قبل عامين فقط من تشكيل هذه المليشيات التي ارتكبت فظائع وانتهاكات ذهب ضحيتها مئات الآلاف من السوريين، فباكستان والحال هذه، كانت حريصة على تجنيب وضعها الداخلي الدخول في أي احتقانات قد تعصف بالسلم الأهلي، ولو عن طريق تصدير أزمة داخلية حادة للخارج، أو غض النظر عمن يقوم بذلك، علينا ألا نغفل هذه العوامل في تحرك باكستان للوساطة عن تسليط الضوء على بعض صفحاتها الخفية.

فهل هناك هواجس لدى الحكم الباكستاني من تحرك مذهبي منظم تدعمه إيران قد يتسبب بكثير من الاضطراب الداخلي يؤدي إلى إغراء الهند بتجربة حظها في إضعاف الخصم الباكستاني، ولهذا تعرض باكستان كل ما لديها من ود ومن خبرة لخدمة إيران ومنع سقوط نظامها؟

الأحد، 26 يوليو 2026

استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي/ د نزار السامرائي / جزء اول

  استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي


د. نزار السامرائي

جزء اول 

ربما تجد جميع الأطراف المتنازعة والدول التي تبحث لنفسها عن موقع في عالم الكبار، بإبداء رغبة ملحة بلعب دور الوسيط وخرج بعضها من تحت ركام النسيان وبعضها من عالم الإهمال المتعمد، وكذلك الدول الصامتة إزاء مسار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي شاركت إسرائيل فيها ببداية اندلاعها بشكل فعال، أنها تسعى لتحقيق الهدف المستحيل من الحرب، أي ألا يخرج أي طرف من أطرافها منتصرا، لأن فكرة ألا يخرج منتصر في حرب ما، هي فكرة الدول الكبرى عندما تندلع حروب إقليمية بين دول صغيرة لا تجد الدول الأكبر منها، سواء كانت إقليمية أو دولا كبرى، ففي مثل تلك النتيجة قد تبرز قوة فتخرج على قواعد اللعبة الدولية وتعيد ترتيب الأوضاع الإقليمية بما يحقق لها نفوذا أكبر مما تسمح به دوائر صنع القرار الدولي.

على العموم تبقى فكرة الخروج من أي نزاع مسلح بلا غالب ولا مغلوب، فكرة محصورة في الدول الصغيرة، لأن النتائج المترتبة على أي انتصار حاسم لأحد أطرافها سيعيد خلط أوراق اللعبة الدولية وقد يخلق توازنات جديدة أو أزمات أكبر من سابقاتها، ربما هي الأكثر إثارة للقلق في تاريخ الحروب الحديثة، بحيث يصعب معها كثيرا على بقية دول المنطقة تكييف أوضاعها السياسية وتحالفاتها الإقليمية والدولية مع إفرازات النزاعات الأخيرة ولحقبة قد تكون طويلة الأمد.

ولنطرح سؤالاً صغيراً، ماذا يحصل للمنطقة، لو أن حققت إيران نصرا مؤكدا أو مفترضاً، هل تشهد المنطقة تعاظما في أزماتها الراهنة؟ أنها ستميل إلى استقرار أكثر بسبب خروج أحد أطراف النزاع من المنازلة حتى ولو بصفة مؤقتة؟

إن إيران بما تمتلكه من أدوات الخداع وتزييف الحقائق، وبحكم ما تمتلكه من أدوات غير إيرانية، قادرة على إقناع قطاعات واسعة من البسطاء المؤمنين  بدورها المركزي في المنطقة سياسيا وعقائديا، إذ سيتم التسويق لوجهات النظر الإيرانية مهما كانت درجة مصداقيتها هابطة، عبر ماكنة الدعاية الضخمة التي تمتلكها إيران وأدواتها الإقليمية، ستبقى إيران تروج لفكرة أنها حققت انتصارا لامعا حتى لو وقفت جيوش أعدائها فوق جبال البرز بل على قمة أشنو، وخاصة لدى طرح فكرة عدم سقوط النظام، لأن هذا الهدف مؤشر عليه كأهم شواهد انتصار إيران في الحرب.

لقد تباينت أهداف الحرب تبعا لكل مرحلة منها، وذلك نتيجة لعدم ادراك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لطبيعة التفكير الإيراني الموغل في القدم، الذي يستمرئ لعبة مراكز تعدد مراكز القوى داخل المؤسسة الحاكمة في طهران، ثم إن عدم امتلاك الرئيس الأمريكي تصورا عاقلا لخريطة طريق لإنهاء الحرب، وتخبطه في خيارات متصادمة بين التهديد بالحد الأعلى من التدمير الذي سيلحق بإيران في حال تعنتت في الاستجابة لشروطه، وبين الركوع على أبوابها على نحو لم يحصل لسمعة الولايات المتحدة طيلة تاريخها الممتد لمئتين وخمسين عاما، وعدم استقرار الخطاب السياسي الأمريكي على توجه واحد يعكس قدرتها العسكرية التي طالما تبجح بها ترمب أكثر من أي رئيس أمريكي آخر، وهو ما عزز من ثقة النظام الإيراني بنفسه وبقدرته على امتصاص معظم الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تعرضت لها في الحرب، لا سيما وأن النظام الحاكم بنى تجربته بممارسة أقسى درجات القمع في تعامله مع انتفاضات الشعب الإيراني، وإرغامه على التعايش مع الواقع المعاشي المتردي، وانعدام الخدمات منذ 1979، ولأنه كان يتعامل بمنتهى القسوة والوحشية مع كل من يعترض على البطالة وتفشي الفقر وانعدام الخدمات وارتفاع نسبة التضخم.

هل فكر الرئيس الأمريكي أو أحد مساعديه، بالصورة الراهنة للمشهد العام للنزاع الحالي بعد مواجهات لا تختلف كثيرا عن أفلام الأكشن الأمريكية، والذي يجسد فيه البطل أعلى درجات التسامح والفروسية مع ألد خصومه، هذا المشهد الممل الذي استمر عرضه أكثر من سنة بين الولايات المتحدة وإيران، وكان الرئيس ترمب يقول إن إيران في أضعف حالاتها العسكرية، مقابل أعتى قوة عسكرية عرفتها البشرية منذ أن عرف الإنسان تشكيل الجيوش الوطنية لحماية البلدان وسيادتها واستقلالها، كيف سيكون شكل النزاع لو أن إيران كانت أكثر قوة مما حصل لها بعد التدمير الذي تحدث عنه ترمب؟ وماذا لو أنها استطاعت خداع المجتمع الدولي وامتلكت السلاح النووي في غفلة منه، وهي بلا شك قادرة على تأدية أكثر ألاعيب الخداع والتضليل كفاءة، فإذا كانت إيران قد فقدت ثلاثة خطوط من زعاماتها السياسية والعسكرية وهي تحافظ على هذا المستوى من العناد والمناورة، فكيف ستكون إذا عززت قدراتها العسكرية بسلاح نوعي في زمن لا تخضع فيه سوق السلاح الدولية، لأية رقابة أو قدرة على التحكم بصفحاتها أو صفقاتها؟ فطالما هناك رؤية ثنائية أو ثلاثية للمشهد، وطالما هناك أكثر من إغراء مالي أو استراتيجي يتعلق بواقع المنطقة الأكثر استقطابا للتنافس الدولي، فهناك دول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية التي ستجد في نفسها رغبة في إيجاد موطئ قدم استراتيجي فيها، وكسب جولة صغيرة في معركة طويلة الأمد بين مراكز الاستقطاب القائمة حاليا أو في طريقها للتشكل، ثم أن برامج إيران في مجال تطوير أسلحتها الخاصة واحتمال حصولها على السلاح النووي، هذا كله سيعزز من قدراتها العسكرية في مواجهة أي تحرك عسكري مضاد، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.

الحديث يتواصل هذه الأيام بسذاجة مفرطة عن الموقع المنيع للجغرافية الإيرانية، بحيث يوحي للمتلقي بأن إيران عصية على أي هزيمة عسكرية ومن أية قوة خارجية، ويُصورها كقلعة منيعة لا يمكن اختراق أسوارها، صحيح أن إيران نجحت في توزيع معامل برنامجها النووي، في مواقع ذاتية التحصين، ولكن مواصلة الحديث عن هذا الملف يراد منه زرق إبرة معنويات إضافية للإيرانيين وتصوير بلدهم بأنه بعيد عن أي اختراق خارجي، وتعطيها تطمينا بأنها تواجه العالم اليوم بسلاح أمضى من السلاح النووي، والذي لو كانت امتلكته حقا، لما تأخرت دقيقة واحدة في استخدامه بوجه أي تهديد خارجي أو حتى داخلي يهدف إلى اسقاط النظام فلن يتردد لحظة في قمع أي تحرك مهما بلغ الثمن، وزرع اليأس والإحباط في نفس كل من يفكر بالتصدي للمشروع الإيراني التوسعي.

لو أن الرئيس الأمريكي ينتقل من الضرب المتكرر لأهداف ثبت بالتجربة عدم قدرتها على إلحاق القدر الكافي من الألم بالوضع الإيراني سياسيا واقتصاديا، إلى اختيار أهداف نوعية قادرة على فرض حالة من الشلل الاقتصادي في البلاد وفي حركة المجتمع اليومية، كضرب محطات توليد الطاقة الكهربائية ومصافي النفط ومنصات التصدير الإيرانية للغاز أو للنفط، وضرب الطرق والجسور، لما استطاعت إيران الصمود ساعة واحدة وبذلك تسقط تلك الدينوصورات التي عجز ترمب عن التعاطي معها بما تستحق من أساليب.

إيران هذه التي تزعم الدوائر الغربية وخاصة مراكز الدراسات الأمريكية بهدف تثبيط العزائم، ويشار إليها بالقول إن إيران بسبب اتساع رقعتها الجغرافية، وبسبب تضاريسها المعقدة غير قابلة للهزيمة، ولكن إيران هذه نفسها بجغرافيتها وتضاريسها وفارق السكان الذي يميل لصالحها بثلاثة أضعاف، هُزمت شر هزيمة في الحرب العراقية الإيرانية التي تواصلت بلا انقطاع لمدة ثمانية أعوام، مع  وجود الخميني الذي يحمل لوحده حاصل جمع عناد الإيرانيين، ومع ذلك أرغمه العراقيون على تجرع كأس السم عندما اختار الأهداف المفصلية التي يجب أن تضرب، عندما كان العراق لا يمتلك واحدا بالألف مما تمتلكه الولايات المتحدة من تفوق عسكري هائل، الفارق الوحيد هو امتلاك الإرادة السياسية لإحراز النصر مع وجود رؤية واضحة للوصول إلى هذا الهدف.    

لا أعتقد بوجود دولة واحدة في العالم على استعداد لقبول فكرة خروج إيران منتصرة من الحرب مع الولايات المتحدة، بل لا تريد أية دولة أن تسمع من إيران المزاعم التي تعودت على إطلاقها مع كل مواجهة تخوضها مع أي طرف آخر، عن انتصار بأي قدر من المقادير، لأن إيران إن خرجت منتصرة فعلا فإنها بما تمتلكه من أذرع كاملة الولاء لأطروحة ولاية الفقيه، والمندفعة وراءها بحماسة تفوق حماسة معظم الإيرانيين وراء تلك الأطروحة، وستفرض هيمنة سياسية واقتصادية وتحكم بقبضة من حديد، حركة المجتمع استنادا إلى قناعات عقائدية، عليها وعلى معظم دول المنطقة وتُحَول تلك الدول إلى أقمار صغيرة تدور في فلكها بل حيثما استطاعت الوصول، وتسيطر على مواردها الاقتصادية تحت ذرائع الولاية الدينية التي تجعل من أي بلد خارج الحدود الإيرانية مجرد منجم واجبه رفد الخزينة الإيرانية بكل مداخيله كي تغتني حتى لو عاشت الأقاليم الأخرى تحت حادلة الانسحاق الإنساني، وحينذاك ستكون الدولة الإيرانية الجديدة أكبر كتلة اقتصادية وقوة عسكرية إقليمية، وذلك بتأسيس مليشيات مرتبطة فنيا وسياسيا بالحرس الثوري الإيراني، ولن تختلف أوضاع  المجتمعات الجديدة عما حصل في العراق ولبنان واليمن وسوريا قبل اسقاط الشعب السوري لنظام بشار.

مجلة صوت الطلبة / بغداد العدد ٦٥ ٢٦ تموز ٢٠٢٦

مجلة صوت الطلبة / بغداد 

العدد ٦٥

٢٦ تموز ٢٠٢٦

رابط مجلة صوت الطلبة الالكتروني 

https://online.anyflip.com/rnvg/azcz/mobile/index.html





















الاثنين، 20 يوليو 2026

أوهام الأيديولوجيا القومية والواقع العربي المأزوم بالعنف والتطرف والحروب الأهلية / ورقة بحثية تحليلية لمناقشة ونقد تحديات الواقع العربي/ د. غازي فيصل حسين

  أوهام الأيديولوجيا القومية والواقع العربي المأزوم بالعنف والتطرف والحروب الأهلية

ورقة بحثية تحليلية لمناقشة ونقد تحديات الواقع العربي


 د. غازي فيصل حسين

مقدمة

يعاني العالم العربي منذ عقود من أزمات بنيوية عميقة تتجلى في العنف المنظم، الحروب الأهلية، الانهيار الاقتصادي، تفكك الدولة الوطنية، وصعود الأيديولوجيات المتطرفة الإسلامية التي فشلت في بناء مشروع تنموي أو سياسي للدولة قابل للحياة. ورغم كثافة الخطابات القومية والدينية التي رافقت هذه المرحلة، إلا أن الواقع العربي يكشف عن فجوة خطيرة بين الأوهام الأيديولوجية وبين الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة العربية ليست نتاج مؤامرة خارجية فحسب، بل نتيجة فشل داخلي في فهم الدولة الحديثة، وإدارة التنوع، وبناء اقتصاد منتج، والاندماج العقلاني في النظام الدولي.

أولاً: الإطار الإشكالي: أزمة المشروع العربي

منذ تأسيس جامعة الدول العربية، طُرحت عشرات المشاريع التكاملية:

1. السوق العربية المشتركة

2. حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال

3. التعاون البحثي والعلمي

4. الأمن الغذائي العربي

إلا أن أياً من هذه المشاريع لم يُنفذ فعلياً. وتشير البيانات إلى أن: أكثر من 95% من التجارة العربية تتم مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، والدول الاسيوية، وتستحوذ التجارة العربية البينية على أقل من 5% فقط وهو ما يعكس فشلًا هيكليًا في بناء تكامل اقتصادي عربي حقيقي.

ثانياً: الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للانهيار العربي

تشير تقارير استراتيجية (منها تقرير المنتدى الاستراتيجي، الإمارات 2017) إلى أرقام صادمة، منها: 3   ترليونات دولار عائدات نفطية للدول العربية خلال 1950–2000. ضاع منها تريليون دولار في الفساد المالي وتريليون في التسلح وحروب الهزيمة ثم تريليون في مشاريع تنموية فاشلة.

الخسائر المباشرة:

1. سوريا: دمار يتجاوز 920 مليار دولار وإعادة الاعمار التي تكلف 340 مليار دولار

2. خسائر سنوية تُقدّر بـ 640 مليار دولار من الناتج المحلي للبلدان العربية

3. اليمن، ليبيا، السودان: انهيار شبه كامل للبنية التحتية الاقتصادية

المؤشرات الإنسانية:

1. أكثر من 30 مليون عاطل عن العمل

2. 57 مليون أمي

3. 70 مليون تحت خط الفقر

4. 50 مليار دولار سنوياً تكلفة اللجوء بسبب الحروب والعنف والاستبداد

5. يمتلك العالم العربي أكبر عدد من اللاجئين والمشردين عالمياً لأسباب تتعلق بالحروب والاضطهاد الديني والقومي والثقافي

ثالثاً: الدولة الغائبة وصعود العنف المقدّس

تشترك معظم الحركات المتطرفة المتمثلة بالسلفيات المتشددة والمعتدلة الشيعية والسنية: داعش، القاعدة، المليشيات الطائفية في سمة مركزية مشتركة: عدم الإيمان بالدولة الوطنية ولا بالدستور ولا بالمواطنة بل تأخذ بنظرية الولاية

هذه الحركات: تهدم الحدود لبناء دولة الخلافة وتقدّس الجهاد والعنف كما تستبدل القانون بـ “الشرعية المقدسة” وتُحوّل الدين أو القومية إلى أداة للصراع بين الشعوب. النتيجة: تفكك الدولة في العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان، لبنان وتحولها إلى ساحات صراع مفتوحة.

رابعاً: إشكالية الهوية وإدارة التنوع

تفترض الأيديولوجيات العربية التقليدية وجود: أمة عربية واحدة متجانسة، بينما الواقع يشير: ان العالم العربي يضم مئات الهويات الإثنية والدينية والثقافية، وأشار المبعوث الأمريكي توم باراك الى وجود 27 دولة في العالم العربي تضم 110 من المجموعات الاثنية التي لا تتوافق على مفهوم مشترك للدولة.

فشل الدولة في إدارة التنوع أدى إلى: حروب أهلية؛ نزاعات طائفية؛ انفصال اجتماعي؛ إن إنكار التعددية القومية والثقافية والسياسية أدى الى الفشل في تحقيق الوحدة العربية، وأنتج مشكلات بنيوية ووظيفية مضاعفة في البلدان.

خامساً: المقارنة مع تجارب ناجحة: ماليزيا – تركيا – الصين

ماليزيا: دولة إسلامية متعددة الأعراق والقوميات والاديان

تبنت: اقتصاد السوق المفتوح؛ الديمقراطية التعددية؛ الانفتاح على العولمة والنظام الاقتصادي الدولي ونجحت في الانتقال من الفقر والتخلف عام 1952 إلى قوة اقتصادية آسيوية.

تركيا: دولة إسلامية علمانية متعددة الأعراق نجحت في بناء هوية ثقافية مشتركة وفي بناء: الصناعة؛ وتبني اقتصاد السوق المفتوح؛ تعزيز علاقات الشراكات الاقتصادية والسياسية الدولية وأصبحت اليوم تحتل المرتبة 15 في الاقتصاد العالمي.

الصين: دولة شيوعية أيديولوجياً لكنها حرق كتاب ماو توسي تونغ: انفتحت على النظام الاقتصادي العالمي وانضمت لمنظمة التجارة العالمية والعولمة الاقتصادية وأخرجت 800 مليون إنسان من الفقر والجوع، وتحولت لاحتلال المرتبة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة

السؤال الجوهري: لماذا تنجح هذه الدول، بينما تفشل بلدان العالم العربي؟

سادساً: فشل مشاريع الوحدة العربية ونهاية الخطاب المثالي القومي

الوحدة العربية: فشلت تاريخياً تجربة الوحدة بين مصر وسورية بعد ان اصطدمت بـ: الدولة الأمنية؛ غياب الديمقراطية؛ قمع التنوع مع تبني سياسات اشتراكية اقتصادية انتجت رأسمالية الدولة مع استمرار الخطاب الشعبوي والتنظيم السياسي الواحد مما مهد للانقلاب على الوحدة والانفصال بفعل عوامل خارجية وداخلية.

كما أن النظام الدولي اليوم: يؤكد من خلال ميثاق الأمم المتحدة على سيادة الدول وعدم المساس بمبدأ وحدة الأرض وسلامة الحدود وحق تقرير الشعوب لمصيرها واختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية واعتماد التعايش السلمي بي بين الدول والشعوب على اختلاف الأنظمة السياسية والاقتصادية.

بناء على ما تقدم، يجرّم ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة لتغيير الحدود، مما يجعل أي مشروع للوحدة القسرية عبر الاحتلال مستحيلاً قانونياً وسياسياً، لان احتلال دولة لدولة يمثل انتهاكا صارخا لمبدأ وحدة الأرض وسلامة الحدود واذا ما اندلعت نزاعات حدودية فبإمكان الدول اللجوء لمحكمة العدل الدولية في لاهيا كما حالة البحرين وقطر.

سابعاً: الدولة الحديثة كشرط للإنقاذ من التخلف وتحقيق التنمية المستدامة

أزمة العالم العربي ليست في: الدين؛ الهوية، الجغرافيا. بل في: غياب الدولة الحديثة وضعف المؤسسات الدستورية واحترام حقوق الانسان والتداول السلمي للسلطة واستمرار تحكم الأيديولوجيا بالعقل السياسي والاقتصادي مما يقود الى الجمود العقائدي.

الدولة الحديثة تقوم على: المواطنة، الدستور، الفصل بين السلطات، إدارة التنوع الديني والقومي والاجتماعي؛ اقتصاد انتاجي بدلا عن الاقتصاد الريعي في الدول النفطية.

خاتمة

يكشف الواقع العربي أن الأيديولوجيات الكبرى سواء القومية أو الدينية والثورية، تحولت من مشاريع خلاص إلى أدوات تدمير ذاتي. ولم يعد ممكناً الاستمرار في خطاب خمسينيات او ستينات وسبعينات القرن الماضي، بعد ان تفكك النموذج الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والدول الاوروبية الشرقية الاشتراكية والتي تحولت نحو الليبرالية واقتصاد السوق المفتوح، وانهار منظمة الكوميكون التجارية وحلف الناتو العسكري، بينما تعيش المجتمعات العربية في القرن الحادي والعشرين.

إن الخروج من الأزمة يتطلب: الاعتراف بفشل النموذج الأيديولوجي؛ إعادة بناء الدولة الوطنية، تبني العقلانية الاقتصادية؛ احترام التعددية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مواءمة الخطاب السياسي مع الواقع؛ فالتغيير لا يبدأ بالحلم، بل بفهم ومواجهة تحديات الواقع.