حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية
د. نزار السامرائي
جزء ٣
هل كانت فكرة سريعة طرأت في رأس الرئيس الأمريكي كي يتحول ذلك التحول الذي أدهش المراقبين السياسيين، عندما انتقلت من أكثر الشعارات تطرفا ضد إيران، إلى إصرار أعمى على التوصل معها إلى اتفاق شامل، فهل يمثل هذا التحول صراع نفوذ أو اختلاف في وجهات النظر داخل المراكز العليا في الإدارة الأمريكية، وهل هناك تحت الطاولة أشياء لن تظهر للعلن إلا بعد زمن قد لا يكون قصيرا.
من المقطوع فيه وبالتجربة الميدانية، أن إيران لا يمكن أن تبعث برسائل تطمين لأي طرف أو دولة من الدول، ويستوى في ذلك الأصدقاء والخصوم والأعداء على حد سواء، ذلك أنها لم تلتزم طيلة تاريخها المُدَون بما تُوقع من اتفاقيات، أو تُعطيه من تعهدات مكتوبة أو شفهية، وذلك يَنطبق على علاقاتها مع الدول الكبرى أو الدول الصغيرة، بل لعلها أكثر شطارة وجسارة في التنصل من أي التزام تقطعه على نفسها، في المباحثات أو في الوثائق بما فيها الموثقة لدى المنظمات الدولية، ذلك أن الدول الكبرى تظن أنها قادرة على تصويب المسار وقتما انحرف عن الطريق المرسوم، أما الدول الصغيرة فإنها قد تجد نفسها مضطرة لتوقيع اتفاق الفرصة المتاحة، أو أنها بحكم معرفتها بالسلوك الإيراني المُوغل بالقِدم من تجربتها مع دولة فارس، كانت أكثر حذرا من الدول الكبرى في تعاملها مع إيران، فتكون أكثر دقة في اختيار النصوص وسد الطرق على الطرف الآخر لمنعه من تقديم التفسيرات القابلة للتأويل.
وترى إيران في سلوكها هذا، شطارة نادرة تعزوها إلى مفاوضيها الذين يثيرون الملل لدى كل من يفاوضهم، وعلى من يفكر بالدخول بمفاوضات مع الإيرانيين حتى لو كان ذلك مخصصا لشراء معزة، أن يَعدَ نفسه لماراثون طويل أطول من المارثون الرياضي بعدة أضعاف، فمن مقترح إلى مقترح بديل ومن فقرة في بداية الديباجة إلى شرطٍ في نهاية الاتفاق، ومن أخذِ وقتٍ لدراسة الرد، وأخذ استراحة للعودة إلى المراجع داخل البلد، ثم طلب تمديد الوقت لأن الدراسة لم تستكمل حلقاتها، ومن تغيير موضع النقطة، إلى تغيير كلمة إلى أخرى، مع العلم أن الكلمة المطلوب تغييرها جاءت بمبادرة من الجانب الإيراني نفسه، هكذا تجري المباراة "المفاوضات"، ثم يطلب المفاوض الإيراني العودة إلى بلاده كي يَحضر عيد ميلاد جدته التي كانت قد توفيت قبل عشر سنوات على أقل تقدير.
أذكر مرة أن موشي دايان أجاب عن سؤال صحفي عن العوامل التي مكنت إسرائيل من الانتصار على العرب، على الرغم من أنهم يفوقونها عدداً وثروة وعمقاً استراتيجياً فقال، هناك جنرال يقاتل معنا ضدهم اسمه الجنرال ملل، فالعرب سريعو الملل لا يطيقون الصبر، مع أن دينهم يحضهم على الصبر في أكثر من موقع في كتابهم، ويقال إن دايان قد اقتبس هذا المثل من قول مشهور للجنرال السوفيتي جوكوف الذي يوصف بأنه صانع النصر السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما قرر سحب الجيوش السوفيتية أمام الغزو النازي وأفرغ المدن من أي شيء يمكن أن ينفع الجيش النازي، وعندما كان يُسئل عن أسباب ذلك كان يقول سنسلم العدو للجنرال ثلج الذي سيُلحق بهم الهزيمة الأخيرة.
ويبدو أن إيران نجحت بالتلاعب بأعصاب المفاوض الأمريكي عبر الربط المحكم بين التمنع والرضا واللهفة، من أجل التوصل إلى حل يضمن لها أعلى ما ترغب بتحقيقه من إنجازات ونتائج، دفعت من أجل الوصول إليها ثمنا باهظا، ليس أكبرها وأهمها فقدان المرشد، بعد أن استهدفته القوات الإسرائيلية بغارة ناجحة، أودت بحياته وحياة كثير من مساعديه ومستشاريه، ومع الشعور بالحرج الشديد الذي تعيش تحت سقفه الزعامة الإيرانية الجديدة، من اختيار طريق التفاوض مع قاتلي الزعامة الإيرانية، بسبب ما ستطرحه من تساؤلات عقائدية عن صواب التعاطي مع أعداء من هذا الطراز أم لا؟ مما قد يطرح على المستوى الشعبي سؤالا جدياً هل يجوز التفاوض مع جيش يزيد على سبيل المثال، أو يقع ذلك ضمن دائرة المحرمات الشرعية؟ فما هي التفسيرات التي ستطرحها إيران أمام نفسها وأمام الشعب، بل وأمام التاريخ، في ضوء ما كان يطرح سابقا من أن لا لقاء مع قوى الاستكبار مهما طال الزمن، فهل هناك فتوى دينية تسوغ اللقاء بين ممثلي الرحمن كما يصف الإيرانيون أنفسهم وممثلي الشيطان وهو الوصف الذي يطلقونه على الولايات المتحدة، باعتبارها الشيطان الأكبر.
الزعامة الإيرانية التي شغلت مراكز القيادة في إيران بعد القضاء على الخطين الأول والثاني من القيادة السابقة، لم تزل لغزا محيّرا للإدارة الأمريكية، وهذا ما يزعج ترمب أكثر من أي شخص آخر، لأن الرئيس الأمريكي، يفضل التعامل مع خصم عنيد، على طرف مجهول حتى لو كان ضعيفا أو يحمل مرونة محتملة أو عالية، فالتعمد الذي اختارته إيران بعد شباط/فبراير 2026، في حجب هوية الرجال الذين يمسكون بالحكم في طهران كان جزءا من خطة مدروسة أعدت على عجل، للتحرك على الساحة الخارجية والجلوس على مائدة المفاوضات وليس للعودة إلى حرب قد تُجهز على ما تبقى تحت يد القيادة من إمكانات أو قدرات مادية لا غنى لأي دولة عنها، التي لهذا ولغيره من الدوافع، ما يزال مركز القوة في السلطة الجديدة في طهران، مجهولاً في قدرته على فرض كلمته على التيارات المتصارعة داخل البلاد، في مرحلة انعدام الوزن في بلد كانت تتركز فيه السلطة بيد رجل واحد، لم يُعد نفسه لفراغ في مركز السلطة بصورة فجائية.
ربما ركز ترمب معظم وقته ليتعرف على من يحكم في طهران فعلا، أكثر من تركيزه على ما يجب تناوله في المباحثات التمهيدية، وكيف ينتقل الأمر إلى الصفحة التالية، وهي صفحة مزدحمة بالملفات التي تكتسب أعلى درجات الأهمية لدى الجانب الإيراني، وربما تكتسب أهمية لدى دول الإقليم وتتخطاه إلى أوربا، لأن غرور القوة التي تشعر به الولايات المتحدة، والتي طالما تفاخر بها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب، بحيث أشغله ذلك عن التفكير السليم بأن القوة العسكرية حين تصل إلى حدودها القصوى، تتحول إلى عبء ثقيل على مالكها أكثر مما تسببه من قلق لدى خصومها، فالولايات المتحدة التي تظن أن أمنها مُصان وعصيّ على أي تهديد خارجي، لعوامل تاريخية وجغرافية ولأنها لم تخض حربا فوق أراضيها أبدا باستثناء حرب الاستقلال والحرب الأهلية، ونتيجة تضخم القوة العسكرية التي تمتلكها وتنوع ما لديها من أحدث ما أنتجته عقول العلماء الأمريكان وغيرهم من أسلحة فتاكة وأسلحة دمار شامل وصواريخ عابرة للقارات، وغواصات تجوب البحار وأعماقها وحاملات طائرات نووية ليست بحاجة إلى التزود بالوقود إلا بعد وقت طويل، كل هذه الحلقات المتعددة أعطت صناع القرار الأمريكي ومنفذيه حالة اطمئنان إلى أن بلادهم، قادرة بقرار واحد فرض الاستسلام على أي بلد حتى في حال استبعاد أسلحة الدمار الشامل.
وكأي حرب كان لا بد أن تنتهي عبر التفاوض المباشر أو بوساطة أطراف محايدة أو باستسلام أحد الطرفين، وفي الحرب الأمريكية الإيرانية حري بنا أن نسأل سؤالا محددا، من هو المنتصر ومن هو المهزوم، وعندما لا يأتينا جواب محدد، لا بد أن ننتقل إلى أسئلة أخرى، وهي من هو الذي يريد التفاوض؟ وماذا يريد من المفاوضات؟ وهل يسعى الطرف المنتصر للتنازل عن جزء من مكاسبه التي حققها في جبهات الحرب ولماذا يفعل ذلك؟ وهل تُخاض الحروب لدوافع إنسانية كي نتوقع منها تَخلّي المنتصرين عن انتصاراتهم بلا ثمن؟ ولعل السؤال الكبير الذي لم يجد إجابة قاطعة حتى الآن بشأن كل الحروب التي كانت إيران طرفا فيها، هل هي حروب تحريك المشهد لفرض حقائق سياسية واستراتيجية جديدة؟ أم أن الهدف منها تحجيم دور إيران الإقليمي ودفعها للتراجع إلى داخل حدودها السياسية؟ والانتقال من مرحلة الثورة وتصديرها إلى الخارج، إلى مرحلة الدولة الطبيعية التي تحترم القوانين الدولية ولا تتدخل في شؤون الآخرين، وكيف تريد أن يتحقق ذلك بصورة تدريجية أو بصورة دراماتيكية؟
حقيقة الأمر لا توجد أجوبة جاهزة عن هذه الأسئلة ولهذا يجري البحث عن إجابات قد تبدو متصادمة في معظم الأحيان ولا يمكن أن توصلنا إلى تفسيرات نهائية.
لقد ارتكبت أخطاء جسيمة من قبل المتحاربين أنفسهم، وحتى من قبل الذين امتنعوا عن المشاركة في الحرب، مما أدى إلى أن يدفع الجميع أثمانا متقاربة، ولكننا قد نجد أن الذين ظنوا أن النأي بالنفس في تلك الحرب المدمرة نتيجة حسابات خاطئة، سيجدون أنفسهم يتحملون من أثمان حرب المنتصرين والمهزومين معاً.
ما صدر من الجانبين ومما اعتبره كل طرف منهما، أنه سيرجح كفته في تلك المفاوضات، قد تدعم مسار التفاوض وقد تدق مسمارا في نعشه، ولكن هناك مؤشرات على أن إيران ستلتقط فرصة ما حققته من نجاح جزئي لاسيما في منع المنتصرين عسكريا من تحويل انتصارهم إلى نصر سياسي، وهذا سيعزز من قدرة إيران في إحداث شرخ في تحالف المنتصرين.
وقد لاحظ المراقبون أن إيران حققت نجاحا ملموسا في ملفين سياسيين حتى الآن على الأقل، الأول تحويل قضية مضيق هرمز إلى واحد من إفرازات الحرب، على الرغم من أن المضيق ظل مفتوحا أمام الملاحة الدولية حتى بعد أيام عديدة من نشوب الحرب، ولم يكن أحد أسباب اندلاعها، والثاني ربط ملف وقف اطلاق النار بالملف اللبناني، ولأن إيران توصلت إلى قناعة يقينية أن ترمب وصل إلى الحد الأعلى من الجزع من استمرار الحرب، من دون أن يلوح بالأفق بصيص أمل بالخروج من الحرب بشيء من الفخر الذي تبجح به ترمب طويلا، وهذا هو الذي أعطى إيران أرجحية في التفاوض مع الولايات المتحدة لا في ساحات المعارك، فبعد عدة محاولات للجلوس على مائدة واحدة بين المتفاوضين، وجدت واشنطن أنها وضعت قدماً على بداية طريق أضاعت بدايته، من خواتيمه ولا تدري إلى أين سيوصلها هذا الخيار.
وقد مارست إيران أعلى درجات الخديعة، عندما كانت تُسَوقُ حُزماً متناقضة من الأخبار والتصريحات لكبار المسؤولين، بعضهم من الحرس الثوري وتيار المتشددين، وبعضهم مما يسمى بالتيار الإصلاحي الذي يطلق عليه وصف جماعة المعتدلين، ولاحظنا في مباحثات منتجع بورغنشتوك السويسري، أن الوفد الإيراني هدد علناً بالانسحاب منها، وقام بحركات استعراضية، الهدف منها ليس جلسة المفاوضات ولا كاميرات المراسلين، بل الشارع الإيراني الذي يحتاج كثيرا إلى وصلة ترفع معنوياته، وذلك بحجة أن إسرائيل شنت هجمات على مواقع حزب الله اللبناني، في حين أن نائب الرئيس الأمريكي فانس أكثر المسؤولين الكبار في إدارة ترمب حماسا لعقد الصفقة مع طهران، قال إن الوفدين التقيا في القاعات المغلقة لمدة تسع ساعات كاملة، وهذه من أبسط الأدوات التي تتقنها إيران على أفضل الوجوه، وذلك في رسائل للداخل الإيراني للظهور بمظهر الطرف الممتنع عن الحوار بمقابل طرف متهالك عليه، مستندة إلى تحليل منطقي يقول إن الطرف الساعي إلى التفاوض هو الطرف الأضعف، فما كان من الوسطاء إلا أن يبلعوا الطعم ويهبّوا دولا مجتمعة أو منفردة، في لعبة علاقات عامة أبهرت المتابعين للمشهد على شاشات الفضائيات، التي أهملت بطولة العالم لكرة القدم ووجدت أن تلك البضاعة كسدت، وحصل تحول دراماتيكي في اهتمامات الموطنين في كل القارات نحو القضايا الجادة، والتي لها الفضل الأول في تحرك عجلة الاقتصاد العالمي، بدلا من مشاهد الرياضة واللهو التي كانت تحتل المرتبة الأولى في اهتمامات المشاهدين، فصارت المباراة السياسية بين الولايات وإيران في مقدمة البرامج التي تحتل أعلى درجات المشاهدة، لأن ذلك الملف صار جزءاً من الفاتورة المالية التي على الفرد أن يتابع فرص تقليصها بأي شكل من الأشكال، فتلك الفاتورة كانت تستنزف مدخوله كلاً أو جزءاً، وعرقل حركة تنقله من مكان إلى آخر بسبب ارتفاع سعر غالون بنزين السيارات ووقود الطائرات.


_1.jpg)
_2.jpg)
_3.jpg)
_4.jpg)
_5.jpg)
_6.jpg)
_7.jpg)
_8.jpg)
_9.jpg)
_10.jpg)
_11.jpg)
_12.jpg)
_13.jpg)
_14.jpg)
_15.jpg)
_16.jpg)
_17.jpg)
_18.jpg)











