استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي
د.نزار السامرائي
جزء ٢
بداية يمكن أن نأخذ تركيا كمؤشر على مواقف الدول التي حاولت التوسط لوقف الحرب، وكل منها له دوافعه الخاصة التي قد تلتقي مع أهداف الآخرين وقد لا تلتقي، كما سأتناول بالعرض مواقف باكستان ودول مجلس التعاون الخليجي، بشأن الحرب العبثية الخطط، المجهولة الأهداف، الغامضة النتائج، ولكل طرف من تلك الأطراف مبرراته، بصرف النظر عن وجاهتها أو عدمها، ولكل منها أهدافه الحقيقية أو المعلنة.
شهدت تركيا منذ وصول حزب التنمية والعدالة إلى دفة الحكم، تحولات مهمة على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية، إلا أنها لم تفقد حلمها القديم بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي، كهدف اقتصادي يعزز حضورها السياسي في القارة الأوربية، وما كان يحول دون ذلك هو هويتها الإسلامية، وحرصها على الإمساك بالعصا من الوسط بشأن صراع الهويات، وهو ما يجعل من تحديد هويتها السياسية الجغرافية، مثار جدل بصوت عال داخل أوربا التي عبّرت أكثر من مرة عن هويتها المسيحية، وداخل تركيا نفسها كحلم لا يغادر مخيلة العلمانيين للحد من المضي أبعد مما حصل حتى الآن في التوجه الإسلامي، كما أن وجود تركيا كأكبر قوة برية في الجناح الجنوبي لحلف شمالي الأطلسي، يطرح تساؤلات جادة عن أيٍ من الهويات التي تفضل تركيا الانتماء إليه أو التعامل معه؟
ربما جاء نشوب الحرب الأخيرة، بتوقيت محرج لتركيا التي حاولت المحافظة على خط انتشار إقليمي سريع في الوطن العربي، وذلك بإزالة كثير من جدران التحفظ التي كانت سائدة مع المملكة العربية السعودية ومصر والامارات العربية بسبب ما يُنسب للإخوان المسلمين في تعكير الأمن الداخلي فيها، صحيح أن دور تركيا في دعم الثورة السورية التي أسقطت نظام بشار الدموي، وهو ما ساعد في إزاحة الوجود الإيراني في سوريا واهتزاز وجودها في لبنان وطرح تساؤلات عن مدى متانة وجودها في العراق، أزاح من طريقها الكثير من المصدات الأيديولوجية التي بقيت حاجزا بينها وبين بعض النظم العربية، إلا أن الصحيح هو أن الدور السابق لتركيا في تقديم العون المباشر لطهران للتحايل على العقوبات الاقتصادية الأمريكية، والتي اتهم بجانب منها نجل الرئيس التركي أردوغان، قد جعل منها شريكا مطلوبا من قبل إيران في بعض الظروف الحالكة.
تعمدت تركيا الغموض في التعاطي مع الحرب التي يخوضها حليفها الاستراتيجي الأول في العالم أي الولايات المتحدة، بمشاركة طرف حافظ على مكانته كصديق إقليمي تقليدي أي إسرائيل، وعلى الرغم من كثرة الانقلابات العسكرية التي عصفت بتركيا الحديثة، وعلى الرغم من أن إسرائيل شنت منذ قيامها عام 1948 أكثر من خمس حروب على الأخ في الدين، إلا أن إسرائيل حافظت على مكانة مرموقة لدى العقل السياسي في أنقرة، وهذا ما حصر تركيا في زاوية ضيقة بين حليف استراتيجي "أمريكا" وصديق تقليدي "إسرائيل" من جهة، يخوضان حربا ضد شقيق جديد في الدين "إيران" من جهة أخرى، وهما يرفعان شعارا إسلاميا بطريقة إدارة الدولة، مع أن العلاقات بينهما تميزت بالعداء التاريخي الذي طبع مرحلة طويلة من علاقتهما، ونشبت بينهما حروب كثيرة وقع بعضها في الأرض العراقية ولم يتمكن أي منهما من حسمها، على الرغم من أن عمرها يزيد على خمسة قرون.
ومع عدم وجود موقف تركي صريح مما يجري على مقربة من حدودها، أو على تماس مباشر مع مجالها الحيوي، مع أن عالم السياسة إذا دخلت عليه الصراحة أفسدته كما يُقال، بل على الرغم من أن أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة، تعرضت لقصف صاروخي بالستي إيراني، ربما تسبب بجرح كبرياء البلد المضيف، كان يحرص على التباهي به في علاقاته في محيطه الإقليمي ومع العرب خاصة.
لقد مارست تركيا ضبط نفس لم نعهده يوما في سياستها الخارجية سابقا كما كان يحصل في علاقاتها مع اليونان وهي شريكتها في حلف شمالي الأطلسي، وهو ما أثار تساؤلات جدية عن حقيقة ما يجري وراء الغرف المغلقة من صفقات ومن هي أطرافها؟ وعلى حساب مَن مِن دول الشرق الأوسط المبتلاة بثلاثة مشاريع عقائدية بعضها يرتبط بأساطير دينية تلمودية، وبعضها يستند على تفسيرات تاريخية فقط، والثالث يستل واحدة من أسوأ الصفحات في التاريخ الإسلامي، ولكنها تتطابق في أنها تحمل نزعة توسعية، تتنافس فيما بينها على توسيع نطاق حدودها الجغرافية والحصول على أكبر قدر من المنفعة من ثروات المنطقة.
تركيا لا تخشى كثيرا من انتصار إيران في الحرب كما يحصل لدى البعض، لأنها عَبَرت منطقة الخطر التي كانت تعيشها منذ قيام الدولة التركية الحديثة، لكن العودة إلى دروس الماضي البعيد، لا يترك لنا هامشا من الشك في أن استذكار تاريخ العلاقات العثمانية مع الدولة الصفوية التي قامت عام 1501، والتي كانت قد خاضت معها حروبا طويلة، وكأن العالم لا يوجد فيه عدو لفارس إلا الدولة العثمانية، بل فتحت لها جبهات أثناء حروبها في الجبهة الأوربية، مما أدى إلى خلخلة في أوضاع القوات العثمانية في أوربا وأضطرها إلى سحب قواتها وتوجيهها إلى جبهة بلاد فارس.
ومع كل ذلك تبقى مخاوف تركيا الحديثة تفوق كثيرا مخاوف دول عدة في المنطقة من انتصار إيران، لأن أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية ستتعرض لأخطار بسبب النزاع التاريخي بين المشروعين التركي والفارسي، غير أن تركيا لا تريد رؤية هزيمة كبيرة لإيران سواء أمام الولايات المتحدة أو أمام إسرائيل، صحيح أن العلاقات الإسرائيلية التركية تميزت بالتطور اللافت منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948، بسبب النزعة الأتاتوركية، إلا أن التحولات الكبيرة بالنموذج التركي منذ صعود حزب التنمية والعدالة التركي إلى الحكم، لاسيما بعد أن تعزز الدور التركي في سوريا، وما تركه من مخاوف إسرائيلية من النموذج الإسلامي التركي السني على الأمن القومي الصهيوني، لأن أنقرة لا تريد رؤية إسرائيل دولة قوية ترى في وجود تركيا على حدودها عامل قلق قد يستدرجهما إلى نزاعات في وقت يرى كل منهما أن الوقت لم يعد وقت نزاعات مسلحة جديدة بينهما قد تزعزع استقرار المنطقة.
هناك دافع آخر يدفع تركيا للتوسط لوقف الحرب، فهي لا تريد رؤية إيران مهزومة في الحرب مما قد يعرض وحدتها الترابية إلى خطر التشرذم، وهو ما قد يغري المكونات القومية في المنطقة إلى المطالبة بحق تقرير المصير، لأن هذا الاحتمال قد ينتقل إلى دول أخرى، وتركيا من بينها، ويُطلق يد إسرائيل كقوة مهيمنة في منطقة صراع المشاريع المتنافسة.
وعند الحديث عن الدور الباكستاني في الوساطة المُستَجداة من قبل إسلام آباد، ستبرز أمامنا حقائق كثيرة، والتي يمكن إجمالها بثلاث نقاط، الأولى هي أن باكستان بحاجة إلى القيام بهذا الدور مهما كانت نتائجه نجاحا أو فشلا، أكثر مما تحتاجه الولايات المتحدة وإيران معا، ويبدو أن إسلام آباد تتطلع إلى فتح كوة صغيرة من الأمل لعلاقات كاملة مع إسرائيل بعد قطيعة استعراضية طويلة مارست طقوسها لإرضاء العرب، لا سيما وأن حساسية الوضع في شبه القارة الهندية، شهد تقلبات في التحالفات الدولية، فعلى الرغم من أن باكستان كانت محسوبة على التحالف الغربي وما تزال، وهنا لا بد من التذكير بدورها في تأسيس حلف بغداد عام 1955، إلا أن علاقات إسلام آباد مع الصين تَحَولَ إلى كابوس يزعج الولايات المتحدة وأخذ طابعا أكثر الحاحا في المدة الأخيرة، لا سيما عندما بدأت الصين تمثل التهديد الاقتصادي الأكبر للولايات المتحدة، وهي الحليف الدولي لباكستان، مما قد يثير الريبة لدى الجانب الأمريكي، في الجانب الآخر من المشهد نرى أن الهند تحولت تدريجيا من حليف للمعسكر الشرقي ممثلا بالاتحاد السوفيتي السابق تحت لافتة مجموعة عدم الانحياز، وكذلك تبدي تعاطفا مدروسا مع قضايا العرب، كل هذا خلط الأوراق على أكثر اللاعبين فطنة وترك المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات.
لكن سوء العلاقات بين الجيران الثلاثة "الصين والهند وباكستان" لم تستقر على حال ودي فيما مضى، فالدول الثلاث المتجاورة وهي دول نووية، مما يضع أي توتر في علاقاتها في ميزان مختلف عن موازين القدرة العسكرية التقليدية، ولهذا فإن كثيرا من رسائل صداقتها مع الدول الأخرى، لا يتم النظر إليها بكثير من الجدية، لأنها غير قابلة للانتقال من مكاتب وزارات الخارجية إلى أرض الواقع، مما يجعل التعامل فيما بينها من جهة وفيما بينها وبين دول العالم وخاصة الدول الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا، محفوفة بصعوبات جمة، وعلى ما يبدو فإن دخول باكستان كوسيط غير مرغوب فيه، كان يحمل في جيبه مشروعا وطنيا يهدف أولا إلى دخول باكستان على قائمة الدول المطلوبة الدور إقليميا ودوليا، مع ما يوفره من وجاهة لقيادتها أو لكل طامح بكسب نقاط أكثر على حساب الفريق الحاكم، وهذا إن تحقق لها فإنها سترشح نفسها لمهمات أخرى حتى لو فشلت في وساطتها الحالية.
والثانية أنها تسعى لتكريس مصالح سياسية واقتصادية في أغنى بقعة في العالم في الوقت الحاضر، مما يعني استعارتها لدور الدول الاستعمارية في بداية عصر النهضة الأوربية، عندما تنافست الدول فيما بينها على البحث عن أسواق لتصريف منتجاتها المصنعة، بعد أن أشغلت نفسها في البحث عن المصادر الطبيعية لجلبها لإدامة حركة الصناعة عدة قرون، ربما تستعيد ذلك الدور بأقصى ما تمتلك من قوة، لتطوير الاقتصاد المحلي على حساب اقتصادات الدول النائمة، باكستان لا تختلف كثيرا عن معظم الدول الصاعدة في مجال الصناعات المختلفة، ولكنها تمتلك شعارات أكثر قبولا في بيئة عربية مأخوذة بقصائد التمجيد التاريخي والحديث عن الحضارة القديمة وروابط الدين، فباكستان لا تمتلك تاريخا من العلاقات السلبية مع العرب، ولم تخض ضدهم حربا، لهذا جاءت إلينا بعربات مزركشة بكل ألوان الخديعة، لتعميق مصالحها التي حرصت على طرحها بلغة ودية لا نتوءات حادة فيها، مستغلة عدم ثقة العرب بالجارين التركي والإيراني، بسبب تاريخ طويل من الحساسيات القديمة مع ما اعتبره العرب نوايا غير نزيهة لهما في الوطن العربي، فاستطاعت باكستان التي لم ترتبط بتاريخ سلبي مع العرب بأي شكل من الأشكال، إن تقدم نفسها كصديق صادق للعرب في قضاياهم العادلة وخاصة في مواجهة الاحتلال الصهيوني والدفاع عن قضية فلسطين التي اتخذها كثير من مسوقي بضاعتهم شماعة يعلقون عليها اخفاقاتهم في محاور أخرى، وحتى في النزاع الأخير سارعت إسلام آباد لعقد معاهدة دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية، وراحت تكرر أنها لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء أي أخطار تتعرض المملكة، ولكن السعودية تعرضت لهجمات منسقة بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة من جانب إيران، ولم تحرك باكستان ساكنا بل واصلت وساطتها بوقاحة أكبر لوقف الحرب، فهل يحق لمتعاهد أن يقوم بالوساطة بين طرفين أحدهما متعاهد معه، وآخر طرف معتد مؤشر عليه إقليميا ودوليا بأنه أكثر طرف مثير لعوامل الاضطراب والتأزم الإقليمي؟.
والثالثة أن باكستان التي قوبلت في الوطن العربي بصدور رحيبة، لم تراقب نشاط جالياتها في الخارج وخاصة في الوطن العربي وأين تتجه بوصلة ولائهم، وخاصة بعد عام 1979أي السنة التي وصل فيها الخميني للحكم في إيران، ورفع شعاره سيء الصيت "تصدير الثورة"، فباكستان لم تعاني لا كثيرا ولا قليلا من ويلات هذا الشعار، لأنه موجه نحو غرب الحدود الإيرانية، وربما هذا ما دفعها للترحيب كثيرا بفكرة تصديره إلى البلاد العربية لأن ذلك يُبّرد الكثير من الشحن المذهبي في الداخل، والأكثر من هذا أن شيعة باكستان تحولوا إلى أدوات بيد الحرس الثوري الإيراني الذي شكّل منهم مليشيا "زينبيون" الباكستانية عام 2013، لقمع الشعب السوري الذي اندلعت ثورته قبل عامين فقط من تشكيل هذه المليشيات التي ارتكبت فظائع وانتهاكات ذهب ضحيتها مئات الآلاف من السوريين، فباكستان والحال هذه، كانت حريصة على تجنيب وضعها الداخلي الدخول في أي احتقانات قد تعصف بالسلم الأهلي، ولو عن طريق تصدير أزمة داخلية حادة للخارج، أو غض النظر عمن يقوم بذلك، علينا ألا نغفل هذه العوامل في تحرك باكستان للوساطة عن تسليط الضوء على بعض صفحاتها الخفية.
فهل هناك هواجس لدى الحكم الباكستاني من تحرك مذهبي منظم تدعمه إيران قد يتسبب بكثير من الاضطراب الداخلي يؤدي إلى إغراء الهند بتجربة حظها في إضعاف الخصم الباكستاني، ولهذا تعرض باكستان كل ما لديها من ود ومن خبرة لخدمة إيران ومنع سقوط نظامها؟



































