الخميس، 8 يناير 2026

من مبدأ مونرو إلى فنزويلا/ بقلم محمود الجاف

 بسم الله الرحمن الرحيم

من مبدأ مونرو إلى فنزويلا 

محمود الجاف

الجغرافيا ليست مساحة صامتة، بل ذاكرة صراعات تحدد خطوط النفوذ والسيطرة . كل أرضٍ خضعت للسطوة تحمل أثر التدخل، وكل بحرٍ صار حدًا بين المسموح والمحرَّم . مبدأ مونرو ليس مجرد نص من الماضي، بل منطق سياسي حي يعاود الظهور كلما اهتزت التراتبية العالمية . استدعاؤه اليوم لا يُراد منه الحكمة، بل تبرير الإحكام والسيادة، وكأن الماضي يمنح امتيازًا والقانون الدولي مجرد واجهة لتكريس النفوذ . بعض الحكومات تُعفى من المساءلة، وبعضها يُجبر على البقاء بعيدًا أو الخضوع . وفي عالم لم يعد يعترف بالمناطق المحظورة، يصبح السؤال واحدًا :  

من يُسمح له بالاقتراب، ومن يُمنع؟ 

السياسة ليست سردًا للأحداث، بل إعادة إنتاج القوة، والهيمنة، والظلم تحت ستار الشرعية .

جوهر مبدأ مونرو : من الدفاع إلى الاحتكار

أولًا : ما هو مبدأ مونرو؟

أُعلن مبدأ مونرو عام 1823 على لسان الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، ونصّ جوهره على أن القارة الأمريكية لم تعد مجالًا مفتوحًا للتوسع أو التدخل الأوروبي، مقابل تعهّدها بعدم التدخل في شؤون أوروبا . ظاهريًا، بدا المبدأ دفاعيًا، لكن باطنيًا كان إعلانًا مبكرًا عن احتكار النفوذ في العالم الجديد . ولم يكن نجاحه في بداياته نابعًا من القوة الأمريكية وحدها، بل من الدعم الضمني البريطاني، إذ رأت لندن في منع عودة الاستعمار الإسباني والفرنسي حمايةً لمصالحها التجارية . ومع الزمن، تحوّل من شعار حماية الاستقلال إلى أداة هيمنة، ثم إلى ما يمكن تسميته اليوم : النسخة المُحدَّثة من مونرو، حيث لا يُسمح بوجود خصم استراتيجي في المجال الغربي، لا عسكريًا ولا اقتصاديًا ولا طاقيًا .

 ثانيًا : من الدفاع إلى الخنق الاستراتيجي

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد السيطرة تعني الاحتلال المباشر، بل التحكم بالمصادر، والممرات، والعُقَد . وفنزويلا هي مورد الطاقة الحيوي للصين، حيث تصدّر اليها  80 % من نفطها خارج المنظومة الغربية . وبذلك شكّلت خرقًا صريحًا لمنطق مونرو الجديد . وما جرى ويجري فيها لا يُفهم فقط بوصفه صراعًا داخليًا أو تغيير نظام، بل كجزء من إعادة ضبط لسلسلة الإمداد الطاقي الصينية، وإعادة فرض السيطرة الأمريكية على المجال الغربي، ومنع أي قوة صاعدة من بناء رئة اقتصادية مستقلة فيه . أما الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي كان يتولى حمايته طاقما كوبيا فقد خطف مع زوجته من احد الحصون السبعة التي جهزها للاختباء وكانت فيها غرف فولاذية يصعب اختراقها فمن الذي ابلغ عن موقعه في تلك اللحظة ؟. علما ان قوة دلتا تدربت على مبنى مشابه له في احدى قواعدها منذ شهرين قبل التنفيذ .

 من الذي قاده الى نفس المكان الذي خططوا لالقاء القبض عليه منه ؟ 

ثم نقل الى ( سجن بروكلين السيء السمعة - (MDC Brooklyn   الذي وصفته بعض الصحف بالجحيم على الأرض . ومن الاسماء البارزة التي احتُجزت فيه . غيسلين ماكسويل، سام بانكمان - فرايد، وشون ديدي كومبس .

ثالثًا : شرايين العالم . حين يصبح المرور سلاحًا

إذا كانت فنزويلا “المورد”، فإن قناة بنما وقناة السويس هما “الشرايين”. الصين، بوصفها قوة تجارية صناعية، تعتمد على تدفقات بحرية طويلة، وأي ضغط على هذه العُقَد لا يحتاج إلى حرب، بل إلى إدارة توتر ذكية ترفع الكلفة وتُبطئ الإيقاع . هنا يظهر شكل جديد من الحصار : حصار بلا إعلان، وخنق بلا مدافع .

رابعًا : أوكرانيا ليست فنزويلا . بل كسر الجناح

في المقابل، تمثّل أوكرانيا ساحة مختلفة تمامًا . الهدف هناك ليس الصين مباشرة، بل روسيا بوصفها الجناح العسكري والجغرافي الذي يمنح بكين عمقًا استراتيجيًا . استنزافها وإبقاؤها في مواجهة مفتوحة، يمنع تشكّل محور صيني - روسي متماسك قادر على تحدي النظام الدولي القائم .

فنزويلا = خنق المورد

أوكرانيا = استنزاف الحليف

والغاية واحدة:  تفكيك القوة لا مواجهتها دفعة واحدة .

خامسًا : إيران . البديل الممكن والاشتعال الدائم

تظهر إيران هنا بوصفها “فنزويلا الشرق” المحتملة للصين : موارد طاقة ضخمة، موقع جغرافي حاسم، واتفاقيات طويلة الأمد.  لكنها ليست بديلًا آمنًا؛ فهي محاصرة، وأسواقها مقيّدة، وأي تصعيد حولها يهدد الخليج بأكمله.  لهذا، يمكن لها أن تمنح الصين وقتًا، لا طمأنينة؛ أن تكون حلًا مؤقتًا، لا قاعدة مستقرة  .

سادسًا : تايوان . العقدة التي لا تُقايَض

أما تايوان، فليست موردًا ولا ممرًا، بل عقدة وجودية :

شريان التكنولوجيا المتقدمة وموقع بحري مفصلي ورمز سيادي داخلي للصين . لهذا، لا تُقايَض بالنفط، ولا تُباع مقابل صمت طويل . أقصى ما يمكن هو تأجيل، إدارة توتر، شراء وقت . قد تصمت تكتيكيًا، لكنها لن تصمت استراتيجيًا، لأن الصمت هنا يمسّ شرعية الدولة نفسها .

سابعًا : من شهادة فيونا هيل إلى الواقع الراهن

حين حذّرت فيونا هيل التي كانت تدير الشؤون الروسية في مجلس الامن القومي في ادارة ترامب الاولى في شهادتها امام الكونكرس عام 2019 من الروايات المضللة التي تخدم الخصوم، كانت تشير دون أن تسمي هذا النمط من الصراع : صراع لا تُدار فيه السياسة بالعقيدة، بل بالمقايضات، وباستخدام الملفات الخارجية كأدوات في لعبة النفوذ الكبرى . وما نراه اليوم هو ترجمة عملية لذلك التحذير : سياسة خارجية تُدار كشبكة ضغط متعددة الساحات . لقد قالت : 

 ( ترامب وبوتين اتفقوا على ان تكون فنزويلا مقابل اوكرانيا )

حين أعاد ترامب الحديث عن مبدأ مونرو، لم يفعل ذلك بوصفه مؤرخًا، بل كونه رجل صفقات يرى العالم خرائط نفوذ لا منظومات قانون . يقوم خطابه على أفكار مركزية هي : العالم يعود إلى مناطق نفوذ والقرب الجغرافي يمنح حق السيطرة والأمن القومي يسبق القانون الدولي . في هذا السياق، لا يعود مبدأ مونرو مجرد سياسة خارجية، بل يتحوّل إلى تصور بدائي 

للسلطة، يمكن اختصاره بالقول :

( ما يجاورني يجب أن يكون تحت عيني، أو تحت يدي )

 غرينلاند : لماذا هذه الجزيرة؟

لم يكن الحديث عن غرينلاند نزوة سياسية، بل تطبيقًا صريحًا لعقلية مونرو خارج سياقها التقليدي . فهي جزيرة شاسعة، غنية بالمعادن النادرة، ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية في القطب الشمالي، وتابعة قانونيًا للدنمارك . ومن منظور هذا المبدأ المُحدَّث، يصبح الوجود الأوروبي الفعّال قرب المجال الحيوي الأميركي تهديدًا والقطب الشمالي ساحة التنافس المقبلة مع روسيا والصين وتُقدَّم الجغرافيا حجة تتجاوز مفهوم السيادة . بمعنى آخر، إذا كان مبدأ مونرو يقول : ( لا لأوروبا في الأميركيتين ) فإن النسخة الترامبية تهمس : ولا حتى أوروبا القريبة جدًا.

الآثار القانونية : تصادم مع النظام الدولي

إن إحياء مبدأ مونرو بهذه الصيغة يخلق إشكالات قانونية عميقة، في مقدمتها : 

1 : انتهاك مبدأ السيادة

فالقانون الدولي المعاصر يقوم على سيادة الدول، وعدم جواز التهديد أو الإكراه، وحريتها في اختيار تحالفاتها . وأي محاولة لفرض منطقة نفوذ حصرية تتعارض مباشرة مع ميثاق الأمم المتحدة .

2 : تقويض مبدأ المساواة بين الدول

إذ يفترض مبدأ مونرو، ضمنيًا، وجود دول راعية وأخرى تابعة، وهو ما يتناقض مع  الأساس الأخلاقي للنظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية .

3 : شرعنة منطق القوة

حين يُستخدم التاريخ لتبرير السيطرة، يتحوّل القانون إلى أداة انتقائية بلا مرجعية أخلاقية شاملة، ويُفتح الباب أمام قوى أخرى لتقليد النموذج ذاته في مناطق نفوذها .

الآثار الدولية : عودة عالم ما قبل القواعد

سياسيًا، يعني إحياء مبدأ مونرو بهذه الطريقة تصاعد التوتر مع القوى الكبرى، ودفع الدول الصغيرة إلى الارتماء في تحالفات مضادة، وتآكل الثقة في النظام الدولي . إنه انتقال من عالم تحكمه القواعد إلى عالم تحكمه الخرائط والغريزة الأمنية 

التاريخ، حين يُستدعى بلا وعي أخلاقي، يتحوّل من معلم إلى سلاح . ومبدأ مونرو، يعود اليوم بلغة إمبراطورية جديدة . والخطورة لا تكمن في المبدأ ذاته، بل في الفكرة التي توحي بأن الماضي يمنح حقًا دائمًا في السيطرة . فإذا أصبح القرب الجغرافي مبررًا للهيمنة، وصار الأمن ذريعة لتجاوز السيادة، فلن يبقى في العالم دول، بل دوائر نفوذ تنتظر من يرسمها بقلم أقوى. وفي عالم كهذا، لا يعود السؤال: من يملك الحق؟ بل: من يملك القوة الكافية ليُقنع الآخرين أن حقه تاريخي؟ ليس العالم على أعتاب حرب واحدة كبرى، بل داخل متاهة صراعات مُدارة، مبدأ مونرو لم يمت، بل تبدّل شكله: من حدود جغرافية إلى حدود طاقية، وتقنية، ونفسية . وفي هذا العالم، لا تُسحق الدول دائمًا بالدبابات، بل تُنهك بقطع المعنى عنها: معنى الأمان، ومعنى الاستقلال، ومعنى القدرة على الاختيار. وحين نفهم ذلك، ندرك أن الصراع الحقيقي ليس على الأرض فقط، بل على الحق في أن يكون للآخر مجالٌ يتنفّس فيه . فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يهمس دائمًا بالسؤال ذاته :

من يملك العالم؟ 

ومن يُسمح له أن يحلم داخله؟

08 . 01 . 2026

السبت، 3 يناير 2026

الخطة ( ج) والفوضى الخلاقة ( الأقاليم )، د. فالح حسن شمخي

  الخطة ( ج) والفوضى الخلاقة 

( الأقاليم )

د- فالح حسن شمخي 

تقسيم الدول إلى أقاليم كما هو معروف عالميا لاهداف  تنظيمية تسهل  الإدارة وتوفر  الخدمات التي تقدم للمواطنين ، فالتقسيم الإداري (محافظات، ولايات، مقاطعات) أو الإقليمي (مناطق جغرافية)، وتعتمد على أسس تاريخية وجغرافية واجتماعية، وقد تكون هذه الأقاليم ذاتية الحكم لضمان المشاركة أو نزع فتيل النزاعات كما هو الحال في اقليم كردستان في العراق .

ان من أهداف التقسيم الإداري والإقليمي التي ذكرناها أعلاه هي كما قلنا هي  تسهيل وصول الخدمات العامة للسكان ، تعزيز فعالية تطبيق القوانين والحفاظ على النظام و زيادة المشاركة الديمقراطية لتمكين مشاركة المواطنين في الحكم ، بالإضافة إلى 

تحقيق الكفاءة الإدارية ، اي توزيع المهام والاختصاصات بكفاءة ، والحد من الهجرة الداخلية بما يعني تقليل الضغط على المدن الكبرى. 

ماتقدم إطار نظري طرح لتنفيذه في سويسرا والسويد وغيرها من الدول التي لم تمر بتاريخها بمرحلة البداوة التي لم يتحدث عنها المفكر كارل ماركس في نظريته عن التطور التاريخي وذكرها باسهاب عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي ، ان من ينحدر من أصول بدوية لايمكنه ان يفهم نظري الاقليم المطروحة أوربيا ، ولايعرف معنى الديمقراطية ، فالديمقراطية تتنافى مع القوانين القبلية ، والتي نسميها في العراق (العشائرية ) ، وعلينا ان لاننسى ماقاله ابن رشد ومالك ابن نبي الذين حدثونا عن الدولة واعتمادها الغلبة والعصبية ، وهؤلاء هم خير من عبر ويعبر عن واقعنا العربي .

بالإضافة إلى ماتقدم فان الإسلام الحنيف ونظرية الحكم لدية معروفة ( الشورى )، والدستور في كل البلاد العربية التي أكثريتها مسلمة الذي يعتمد دستورها الإسلام اولا  ، وبالتالي فالإسلام لايقر نظام الأقاليم ، حتى وان عمل بالولايات ، فتقسيم الولايات لايعتمد العرق والطائفة والجغرافية ، وبالتالي لايمكن ان يستقبل العرب والمسلمين نظرية الأقاليم وينقلوها الى الواقع .

ان تصدير نظرية الأقاليم والغرب الامبريالي يعرف انها غير مقبولة وستثير صراع طائفي وعرقي وقبلي وسوف تجزء المجزء الذي تجزء بقرار سايكس بيكو ، وهم يعرفون الموروث العربي والإسلامي ، لكنهم وكجزء من الفوضى الخلاقة والخطة ( ج) التي حائت  بعد الفشل بتنفيذ الخطة (أ) التي استهدفت فلسطين ولبنان وسوريا ، والخطة ( ب) التي استهدفت اليمن والسعودية ومصر والسودان وليبيا ، فالخطة ( ج) ، تتلخص بعملية الضحك على الذقون والتلاعب بمشاعر الناس واستغفال الاغبياء، فالأهداف النظرية مشروعة ومقبولة ، لكنهم اخفوا الاهداف التي يريدونا والتي تخدم الكيان الغاصب في فلسطين ، فتقسيم الوطن العربي إلى أقاليم طائفية وعرقية وقبلية ستقود  إلى حروب مثل داحس والغبراء ( حرب البسوس) ومثل النزاعات بين الـ ايزيرج وعشيرة البزون في محافظ ميسان في العراق على ايهما احق بالماء ، وهنا يكون الكيان هو المسيطر وبيديه الحل والربط .

اختم بقول هرتزل الذي كان يعمل بوزارة الخارجية البريطانية الذي ارسل رسالة للوزارة يقول فيها ( اتمنى ان ننصب على كل بئر نفط شيخ ، حتى نتمكن من السيطرة عليهم)، الأقاليم حق يراد به باطل .

الجمعة، 2 يناير 2026

سيرة الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله. بقلم / باباه ولد التراد

 

سيرة الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله.

بقلم / باباه ولد التراد 

 ولد صدام حسين يوم 28/نيسان/1937 في قرية "العوجة" التابعة للمحافظة التي أنجبت صلاح الدين الأيوبى الذى حرر مدينة القدس من الصليبين سنة 1187م. وأنقذ مصر من دولة الفاطميين .

وقد انضم صدام حسين الى صفوف حزب البعث العربي الإشتراكى بعد أشهر قليلة من العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 في مناخ وطنى وقومى حار وملتهب .

وبعد أن انحرفت ثورة 14 تموز 1958 عن مسارها وانتصبت المشانق فى ساحة "أم الطبول" وغصت السجون بالمناضلين ومن بينهم صدام الذى قضى فى السجن ستة أشهر، كلف الحزب مجموعة من الرفاق من ضمنهم صدام حسين بضرب عبد الكريم قاسم ، وتم تنفيذ المهمة يوم07/10/1959 .

وأسفرت النتائج عن جرح قاسم وإصابة اثنين من المهاجمين من بينهم صدام الذى ستقرت رصاصة فى رجله ولم يستطع أن يذهب بها إلى المستشفى ، وبدلا من ذلك قررالهرب بعد أن أخبره مسؤوله الحزبى أن رفاقه الذين اشتركوا معه فى العملية تم القبض عليهم ، عند ذلك اتجه الى أحد الحقول واشترى فرسا وكان يسير فى الليل ويختفى فى النهار، وعندما وصل الى نهر دجلة لم يجد بدا من عبوره سباحة نظرا لأنه لم يجد أي عبارة تنقله الى الضفة الأخرى لأن العبور ممنوع في اليل في تلك الفترة .

بعد ذلك التحق صدام بمجموعة من رفاقه وظل مختفيا معهم حتى قام الحزب بتهريبهم إلى سوريا ، ومن ثم توجه إلى مصرالتي عاش فيها ما يزيد على ثلاث سنوات أكمل فيها الثانوية ، والتحق بكلية الحقوق ،وواصل نضاله الحزبي من موقعه كعضوقيادة في اللجنة التي تشرف على التنظيمات الحزبية في شمال إفريقيا وقطاع غزة ومصر والسودان.

وعندما قامت ثورة 8/شباط/ 1963 عاد إلى العراق وألحقه الحزب عضوا في مكتب الفلاحين المركزي وظل يعمل فيه حتى وقع انقلاب عبد السلام عارف 18/11 /1963 .

وفي هذه الفترة حدثت انشقاقات حزبية خطيرة داخل الحزب في العراق وقد تصدى لها صدام بقوة وشجاعة ، فقد توجه إلى دمشق والتقى بمؤسس الحزب ميشيل عفلق وعاد إ لى بغداد يحمل معه وسائل الطباعة الضرورية ، وسعى لتشكيل نواة قيادية مؤقتة إلى أن جاء قرار القيادة القومية بتعيين قيادة قطرية جديدة في العراق من ضمنها صدام حسين الذي أسندت له مسؤوليات المكتب العسكري .

وعاد الأمل بقيام عمل ثوري ضد نظام عبد السلام عارف ، وتحددت ساعة الصفر، لكن فجأة اكتشفت الخطة يوم 5/9/1964 ، وتم اعتقال جميع أعضاء القيادة ومعظم كوادر الحزب .

وقد استطاع صدام أن يقوم بتهريب كافة أعضاء المكتب العسكري من السجن قبل أن يتمكن هو من الهرب ، وظل يناضل داخل العراق هو ورفاقه إلى أن قاموا بثورة 17/تموز/1968 التي كان صدام حسين من أبرزالمخططين والمنفذين لها والساهرين على مسارها ، سواء في الفترة التي كان فيها نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، أوفي الفترة التي أصبح فيها رئيسا لجمهورية العراق في 17/تموز/1979 ، وذلك وفق ما ذكره أمير اسكندر في كتابه :"صدام حسين مناضلا ومفكرا وإنسانا" .

وبعد أن تسلم حزب البعث السلطة في العراق ركز صدام حسين على تحقيق الاستقرار في وطن مزقته الصراعات ، وقام بتعزيز الاقتصاد العراقي وتطوير برامج التنمية. وأمم شركة النفط الوطنية ، ونقل العراق الى مصاف الدول المتقدمة  ، وقضى على الامية كليا في العراق ، وفقا لتقارير الامم المتحدة  ، كما أنشأ واحدة من أحدث أنظمة الرعاية الصحية في المنطقة وكان ذلك سبباً لمنحه جائزة من منظمة اليونسكو.

وقد وضع صدام حسين مواهبه وقدرات العراق في خدمة الأمة العربية ، فكان حريصا على حزب البعث الذي أصبح هوأمينه العام بعد رحيل الأمين العام السابق الأستاذ ميشيل عفلق الذي وصف صدام حسين ذات مرة بأنه "هدية البعث للعراق وهدية العراق إلى الأمة " .

غير أن القوة العسكرية التي بناها صدام للعراق أرقت كافة الأعداء ، وتم اعتبارها إخلالا بالتوازنات الإستراتيجية ، لذلك أصبح القضاء على صدام والتخلص من نظامه  من أهم أولويات أمريكا والمتعاونين معها في المنطقة ،كما يقول سعد البزاز في كتابه  "حرب تلد أخرى التاريخ السري لحرب الخليج" .

ففي سنة   1980شنت إيران الحرب على العراق لمدة ثماني سنوات من أجل الإطاحة بنظام صدام ومن ثم تصديرالثورة ، ومع ذلك انتصر العراق رغم فضيحة "إيران غيت".

وبما أن العراق خرج من هذه الحرب وهو يتمتع بكل أسباب القوة بما في ذلك التفوق في الصناعات العسكرية التي كادت أن تخرج العراق من دائرة العالم الثالث ، فقد استخدمت أمريكا كافة الضغوط الإقتصادية بواسطة حلفائها في المنطقة ، وإثر ذلك دخلت القوات العراقية الكويت في 2 أغسطس 1990. كما هوموضح في كتاب "الخليج بيننا قطرة نفط بقطرة دم " لمؤلفه حمدان حمدان .

غير أن الأمريكيين وحلفائهم تجاوزوا المتطلبات السابقة  وشنوا عدوانا على العراق فجر 17 /يناير/1991 ، وكانت أول مجموعة  من صواريخ اكروز مبرمجة لضرب مركز القيادة ، وذلك تنفيذا لخطة اسمها الرمزي "الخلاص من صدام " وفق ما يقول محمد حسنين هيكل في كتابه "حرب الخليج أوهام القوة والنصر" .

وفي هذه الأثناء انتزعت أمريكا من مجلس الأمن عدة قرارات عقابية ضد العراق ، وكان من أكثرها خطورة القرار661 الصادر بتاريخ 6/8/1990 الذي يقضي بفرض عقوبات اقتصادية على العراق ، والقرار687 الصادر بتريخ 3/4/1990 ، الذي تم بموجبه إنشاء اللجنة المكلفة بتدمير ومراقبة أسلحة التدمير الشامل العراقية  ، وهو أطول وأقسى قرار يصدر عن مجلس الأمن ، كما يقول  د.حسن نافعه في كتابه "الأمم المتحدة في نصف قرن " .

ومع أن هذه القرارات كانت جائرة  ، فقد استغلتها الولايات المتحدة  لإطالة أمد الحصارعلى العراق ، وبعد ذلك استخدمتها كذريعة للعدوان عليه ، ففي سبتمبر 2002 أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن نظام صدام يشكل تهديداً مباشراً للأمن العالمي . بسبب تحديه السافر لقرارات مجلس الأمن التي تقضي بإزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية .

ففي صبيحة 20 مارس2003 بدأ العدوان الأمريكي على العراق، و بعد ذلك سقطت بغداد في 9 ابريل من نفس السنة ، وظل صدام حسين ملاحقاً من القوات الغازية التي قتلت  أبناءه الثلاثة :عدي وقصي ومصطفى ، في معركة بالموصل في 22 يوليو 2003.

وفي 14 ديسمبر من العام نفسه تم أسرالرئيس صدام حسين من طرف الآمريكيين ، وطلبوا منه أن يوقف المقاومة لكنه امتنع وظل يحرض المومنين على القتال ، إلى أن حكموا عليه بالإعدام ،وقاموا بقتله شهيدا فجر يوم عيدالأضحى 30/12/2006.

وقد استنكر المراقبون هذا الاستعجال بتنفيذ حكم الإعدام ، وفي لحظة التنفيذ لم يبد على البطل صدام حسين الخوف أو التوتر ، و كان آخر كلامه : الشهادتين .

ودفن الشهيد صدام بمسقط رأسه بالعوجة حيث قام الآمريكان بتسليم جثمانه لعشيرته. وأقام ذووه مجالس العزاء .

غيرأن رحيل الشهيد صدام حسين لم يؤد إلى وقف المقاومة العراقية التي كبدت القوات الآمريكية خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات والإقتصاد ، وهو ما أجبر الولايات المتحدة على الإنسحاب من العراق .

ـ دور صدام حسين في حماية الثغور العربية :

ـ لقد وقف صدام حسين في وجه الأطماع الإيرانية في منطقة الخليج والعراق حيث اشتبك مع إيران في حرب طاحنة  لمدة ثماني سنوات  ، وكان من نتائج هذه الحرب أن انتصر العراق ، بعد أن أعلن " الخميني" في يوم 18/ 07/1988 أنه يأمر القوات الإيرانية بوقف إطلاق النار (شاعرا أنه يتجرع كأسا من السم ) .

لأن عراق صدام حسين شكل عملياً جدارا قوياً في طريق المد الصفوي الإيراني وتصدير الثورة إلى دول المنطقة .

ـ وفي حرب 1973 كان الجيش العراقي - الذي يشرف عليه صدام حسين شخصيا - هو الذي أنقذ دمشق من السقوط بيد جيش الكيان الصهيوني، وذلك بعد أن تقهقر الجيش السوري من الجولان، على إثر الهجوم الإسرائيلي المضاد.

ـ ومع أن العراق قد اشترك في حرب أكتوبر1973 ضد إسرائيل ، فقد دكت صواريخه أوكار العدو الصهيوني خلال حرب الخليج الثانية ، و بذلك تكون العراق أول دولة تضرب إسرائيل بالصواريخ ،إلا أن ما قدمه صدام حسين للقضية الفلسطينية ،والقضايا العربية عموما لايمكن حصره لأن ذلك يعتبر"غيض من فيض" .

ـ كذلك حينما سيطر المتمردون عام 1985 على أجزاء واسعة من السودان، وكادت قوات جون قرنق أن تدق أبواب الخرطوم، عند ذلك أسرعت حكومة الصادق المهدي، بإرسال الوفود إلى العواصم العربية ، تنذرهم بالخطر القادم، وتستجدي منهم المساعدة ، فلم يتجاوب معها أحد.

وأخيرا توجه الوفد نحو بغداد فاستقبلهم صدام حسين بكل حفاوة ، ووفر لهم كافة الأسلحة التي كانوا يريدونها وفوقها دعم مادي، وبذلك استطاع الجيش السوداني كبح جماح المتمردين .

ـ أما في موريتانيا فلا زال الكثيرمنا يتذكرتلك المواقف النبيلة التى اتخذها صدام حسين

فى الدفاع عن موريتانيا خلال أزمتها الحادة مع السنغال سنة 1989إلى أن أصبحت من أقوى دول غرب إفريقيا عسكريا ، كما أكد ذلك عبد جوف الرئيس السنغالي السابق في مذكراته حيث يقول : (سعيت دائما إلى تجنب الحرب مع موريتانيا في تلك الحقبة، كما أن الحرب لم تكن ملائمة للسنغال، لقد كانت القوات المسلحة الموريتانية أفضل تسليحا من السنغالية.

لقد زود صدام حسين موريتانيا بصواريخ قادرة على تدمير سينلوي وداكار وكانت ستطلق عندما تتحرك السنغال؛ وقد نقل معلومات الدعم العراقي لموريتانيا السفير ماصمبا ساري نقلا عن سفير العراق في باريس.

هذا الأخير قال في لقاء في العاصمة الفرنسية باريس إنه يأسف لما وصلت إليه العلاقات بين البلدين الشقيقين، لكنه أردف أنه في حالة وصول الموقف إلى حرب فإن العراق ستقف في صف موريتانيا، وبرر ذلك بكون موريتانيا تشكل جزء من الأمة العربية ).

الخيانة حين تتخفّى بالأعذار*

 

 الخيانة حين تتخفّى بالأعذار*


ما فعله نواف الزيدان

ليس تفصيلًا في فوضى الاحتلال، ولاحادثة يمكن دفنها تحت ركام التبريرات، بل لحظة كاشفة لانهيار أخلاقي كامل.

القضية لم تكن يوما عدي أو قصي ولاموقفا من نظام، القضية كانت بسيطة وواضحة

عدو أجنبي قطع آلاف الأميال ليحتل بلدا، وطارق باب استجار بصاحبه، هنا لا تُقاس المواقف بالسياسة بل بالكرامة، إما أن تكون إنسانا

أو تتحول إلى أداة، كل ماقيل وسيُقال لتبرير هذا الفعل ساقط. الخوف لايصنع مخبرين ولا يحوّل البيوت إلى إحداثيات عسكرية

عدم تأييد النظام لايمنحك رخصة لتكون دليلًا للاحتلال فالخيانة لا تُقاس بموقفك من السلطة بل بموقفك من العدو، أما ادعاء الانتقام للعراقيين، فهو أقذر الأكاذيب، لأن من يتحدث عن الانتقام كان أصلا ينعم بخيرات النظام، ويُحسب عليه وعاش آمنا في ظل حتى دخل المحتل، فاكتشف فجأة ضميرا وطنيا متأخرا.

هذا ليس انتقاما بل انتهازية رخيصة، قفز من مائدة إلى أخرى، ومن سيد إلى سيد مع فارق أن السيد الجديد محتل، ومن يريد أن ينتقم لشعب، لايفعل ذلك بتسليم مستجير، ولابتحويل البيت العراقي إلى فخ ولا بالوقوف في صف من دمّر المدن ونهب الدولة وأهان الناس.

ثم تأتي القذارة الكاملة

حين نعرف أن الوشاية لم تكن مجانية بل صفقة

ملايين الدولارات مقابل تسليم ضمير مقابل رصيد، وشرف مُسعَّر بالدولار، هنا يسقط آخر قناع، لاخوف، ولاوطن، ولاانتقام، مجرد تجارة سمسرة خيانة وبيع معنى الرجولة بثمن الاحتلال لم يشترِ معلومة، بل اشترى رجلا واستخدمه ثم رماه، كما يُرمى كل من يظن أن الخيانة يمكن أن تكون موقفا، أو مهنة، العار الحقيقي ليس في الأشخاص ولا في التاريخ بل في محاولة تبرير الفعل وتقديم الخيانة كحكمة، أو نجاة

أو موقف وطني.

الاحتلال يرحل والأنظمة تتغير، لكن من سلّم من استجار به وقبض الثمن

يبقى اسمه مرادفا للسقوط لاأكثر.


سيبدأ نواف بعرض روايته على شكل سرد ممنهج، حلقة بعد أخرى، وسيحرص على ذكر كل ما يدّعي أنه سيئ وسيضخّم ويبالغ وربما يؤلف، لا بحثا عن حقيقة بل دفاعا عن صفقة.

هذا النوع من السرد لا يُقدَّم لكشف الوقائع بل لبناء مرافعة نفسية تبرر فعلا لا يُبرَّر، لأن من قبض ثمن الوشاية لايكفيه أن يقول فعلت، بل يحتاج إلى مسلسل كامل ليُقنع نفسه قبل غيره.

أن الخيانة كانت ضرورة

وأن بيع المستجير كان خيارا أخلاقيا.

ولو وُجدت إساءات، ولو وُجدت تجاوزات، ولو كانت الشخصيات سيئة، فذلك لا يغيّر جوهر الفعل، ولا يحوّل البيت إلى فخ، ولا المال إلى مبدأ.

العدو لا يصبح أقل احتلالًا، لأن الرواية قُدمت في برنامج ولا الخيانة تُغسَل بعدد الحلقات، ولا بكثرة الكلام.

من يسلّم من احتمى به ثم يقبض الثمن لايملك رواية بل ذريعة مصوّرة، ولاشهادة، بل دفاعا طويلا عن عار ثابت.


فشل الفوضى الخلاقة في بلاد العرب/ د. فالح حسن شمخي

  فشل الفوضى الخلاقة في بلاد العرب


د- فالح حسن شمخي 

بدأت الفوضي الخلاقة بعد احتلال العراق العام 2003 ، وتجلت بشكل واضح وجلي منذ الحرب الطائفية في العراق بين العام  2006 إلى العام 2008 ، وقد تم اعتبار ماسمي  ثورات الربيع العربي عام 2011 والتي تطورت لحروب أهلية دامية بأنها بداية الفوضي الخلافة في باقي الدول العربية التي وعدت بها الأمريكية كونداليزا رايس، والتي قالت ان هذه الفوضى ستؤدي في نهاية المطاف للديمقراطية في المنطقة والحقيقة غير ذلك .

الفوضى الخلاقة بدات بالخطة (أ) الأمريكية والصهيونية لتحقيق مشاريعهم في تقسيم المقسم وتفتيت المفتت في الوطن العربي على اسس طائفية وعرقية وعشائرية ليكون الكيان الغاصب لفلسطين هو الأقوى والمسيطر عبر مشاريع التطبيع الكوشنيرية والابراهيمية .

لقد تحركوا للخطة ( ب)  بعد ان فشلت امريكا والكيان بتحقيق الخطة (أ) ، التي كانت تهدف إلى احتلال غزة والضفة الغربية وتهجير الشعب الفلسطيني إلى سيناء والأردن ، والسيطرة على مناطق حدودية لبنانية وسوريا ، تفتت الخطة (أ) على صخرة الصمود العربي الفلسطيني واللبناني وهتافات الجيش السوري الجديد يوم الاستعراض ، وموقف مصر والأردن الثابت والذي حال دون التهجير ، وكان موقف السعودية بربط التطبيع بحل الدولتين لايستهان به.

 الفوضى الخلاقة بالخطة ( ب) تهدف لتقسيم ليبيا والسودان ، ومشاغلة مصر بمشكلة مايسمى بسد النهضة في إثيوبيا ، بعد الهزيمة التي تكبدها الكيان في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، كشرت امريكا والكيان وذيلهم الإمارات العربية ، فكانت فكرة الاعتراف بمايسمى ارض الصومال ( صومال لاند)، ودفع المليشيات الانفصالية في جنوب اليمن لاحتلال حضرموت ومايحيط بها ، والهدف هو استهداف مصر والسعودية والخليج العربي بشكل مباشر تمهيدا للخط ( ج) التي تتلخص بتقسيم مصر والسعودية والعراق والسودان وليبيا وسوريا ولبنان واليمن .

الموقف السعودي اليوم بتحذير الإمارات ومساندة العشائر العربية اليمنية البداية في فشل الخطة (ب)، التي تشكل مليشيات الإمارات راس الحرب فيها ، الموقف السعودي سيحفز مصر لإنهاء مشروع التقسيم في السودان ، وسيحفز المغرب العرب لحل مشكلة ليبيا ، علينا ان لانستهين بما يحدث اليوم في اليمن ، فما فعلته المقاومة في غزة ولبنان في افشال الخطة ( أ)، فستفعل السعودية ومصر في افشال الخطة (ب)، بما فيها ارض الصومال والتحرشات الإثيوبية ، وستفشل الخطة (ج)، حتما وبالتالي فأن الفوضى الخلاقة المصدرة امريكيا ستنتهي ان لم تكن قد انتهت .

شخصيا أنا متفائل في ان المشاريع الأمريكية الصهيونية ستنتهي بفضل الوعي العربي وبفضل تخبط الكيان واستهتاره بالعرب ، العرب قوم لديهم حكمة وصبر لكنهم يعرفون كيف يدافعون عن كرامتهم والتاريخ يشهد لهم بذلك ، القومية العربية قومية حية تنهض بعد كل كبوة فلا نستمع إلى الإعلام والدعايات والحرب النفسية التي تشنها امريكا والكيان والامارات لاستهداف الوعي والإرادة والهمة والايمان بالمستقبل الأفضل ، المستقبل لنا ، لشبابنا الواعي ، لأجيالنا ، انها معركة وعي وارادة حر ، والعرب هم اصحاب إرادة وهمة على رغم الاحباط وامتلاك العدو لأسلحة ابادة ، علينا ان فكرنا ان نقابل الموت ان نقابله مبتسمين واقفين فقد وعدنا الله جلة قدرته والنبي المصطفى بجنات النعيم .

الجمعة، 26 ديسمبر 2025

البعث بين العروبة والإسلام/ د. فالح حسن شمخي

  

 البعث بين العروبة والإسلام 

د- فالح حسن شمخي 

جزء اول .....

(عقيدة البعث حققت الربط بين العروبة والاسلام فكريا ، هذا ماتعتقد به ونطرحه للحوار )


ان من اهم سمات الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الامة العربية في المرحلة الراهنة هو الامعان في تجزئتها  لتحقيق اهداف استعمارية شتى ببعديها الاقليمي والعالمي .

و يأتي استهداف العروبة ومقومات الهوية القومية والتشكيك بها ومحاربة الفكر الوحدوي الجامع في طليعة الاستراتيجيات لتحقيق تلك الاهداف الشريرة ، باعتبار ان المرحلة هي مرحلة تقسيم المقسَّم وتفتيت ما تبقى منه بشتى الطرق وتحت مختلف الحجج والذرائع .  

ولتحقيق ذلك تستعِر الحملات التي تستهدف حزب البعث العربي الاشتراكي واجتثاث فكره الموحِّد باعتباره فكراً جامعاً للامة ، اذ قدّم قضية وحدتها فجعلها تتبوأ اولوية مطلقة بين اهدافه الاستراتيجية  كما وعبّر عنها في شعاره المركزي .

ولان البعث كان من الرواد الاوائل في تاريخنا المعاصر في الربط بين العروبة والاسلام سواء على صعيد الفكر وبلورة الهوية ، اوعلى صعيد حشد قوى الامة وتوحيدها ضد اعدائها ، فلا غرابة ان يكثر الحديث  بين الحين والاخر عن تلك العلاقة فنجد البعض يقوم بشن حملات شعواء تستهدف  فكر البعث الذي عبر عنه قادته وفي المقدمة منهم  قائده المؤسس.

فما هي منطلقات تلك العلاقة بين العروبة والاسلام وكيف ساهمت في نهضة الامة المعاصرة ؟

بالعودة الى الينابيع الاولى لمنطلقات ذلك الفكر بهدف القاء الضوء عليها وتحليلها نجد ان القائد المؤسس قد عاش طيلة حياته مؤمناً  بالربط العضوي بين العروبة والإسلام ، وقد عبر عن ذلك في مواقفه وسلوكه وفي اغلب احاديثه وطروحاته الفكرية منها والسياسية .

وان المتتبع لذلك العطاء الفكري والإرث النضالي يستخلص  ان القائد المؤسس كان ينطلق في ذلك من وعيه التام بتاريخ الامة المجيد وعناصره ، اضافة الى ادراكه العميق للعديد من المفاهيم ومنها معنى علاقة العبد بربه ، ووعيه التام لمحاولات البعض استغلال الموقف من الدين  ، و الثأثير الذي من ممكن ان يحدثه ذلك على جماهير الامة العربية .

ومن جهة اخرى فان تلك الطروحات انسجمت مع طبيعة شخصيته الصريحة والجريئة  ، فقدعرفته امته عبر مسيرته النضالية الطويلة، رجل افعال لا اقوال، حيث تسامي خلقه ونَبُلَتْ مقاصده  ، و ترفَّع عن المغريات والمطامح الدنيوية الفانية ، و تحدى الظروف الصعبة التي واجهته فلم يركع يوماً ولم يهادن. وكان جريئا في الدفاع عن العروبة وعن جوهرالدين وحقيقته . فكان الايمان بالنسبة له ليس في المظاهر بل يتجسد بالفعل والعطاء والابداع والايمان بمقدرات الامة التي انجبت الرسول محمد (صلّى الله عليه وسلّم) .  لذا فقد اكسبه كل ذلك مصداقية جعلته قدوة لجيله وللاجيال التالية من بعده.  وقد عبر عن ذلك خير تعبير في مواقفه وفي احاديثه وخطبه.

ففي مقالته التي حملت عنوان " ذكرى الرسول العربي" والتي كتبت عام 1943 يقول :  

" ان الإسلام بالنسبة للعرب ليس عقيدة أخروية فحسب، ولا هو أخلاق مجردة، بل هو أجلى مفصح عن شعورهم الكوني ونظرتهم إلى الحياة، وأقوى تعبير عن وحدة شخصيتهم التي يندمج فيها اللفظ بالشعور والفكر، والتأمل بالعمل، والنفس بالقدر. وهو فوق ذلك كله أروع صورة للغتهم وآدابهم، وأضخم قطعة من تاريخهم القومي، فلا نستطيع أن نتغنى ببطل من أبطالنا الخالدين بصفته عربيا ونهمله أو ننفر منه بصفته مسلما".

ثم يضيف قائلاً:

"قوميتنا كائن حي متشابك الأعضاء، وكل تشريح لجسمها وفصل بين أعضائها يهددها بالقتل فعلاقة الإسلام بالعروبة ليست إذن كعلاقة أي دين بأية قومية. وسوف يعرف المسيحيون العرب، عندما تستيقظ فيهم قومتيهم يقظتها التامة ويسترجعون طبعهم الأصيل، أن الإسلام هو لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم".

---------------------------

الجزء الثاني 

( عقيدة البعث حققت الربط بين العروبة والإسلام فكريا ، هذا مانعتقد به ونطرحه للحوار )

على الرغم من ان الطبيعة التكوينية لحزب البعث العربي الاشتراكي وايديولوجيته هي ليست دينية ،  وتأكيده المستمر على ضرورة الفصل بين السياسة والدين ، ونضاله من اجل ترسيخ الدولة المدنية ، الا انه يؤكد دائماً وعبر مراحل نشأته و نضاله على انه حزب مؤمن . فهو ( مع الايمان ضد الالحاد ) ، كما انه  يربط ربطاً جدلياً بين العروبة والإسلام  . وقد عبر عن ذلك قائده المؤسس بالقول (لولا العرب لما انتشر الاسلام ولولا الاسلام لما وُجِدَ العرب ) معتبراً ان العلاقة بين الاثنين هي علاقة وجود .

و لم يقتصر ذلك الربط  على ترسيخ الهوية العربية وحسب ، وانما تعدّاها لتشمل صعيداً اخر وهو شمولية التغيير المنشود وعمقه.  فايماناً من البعث  بثورية رسالة الاسلام التي حملها العرب الى امم الارض وشعوبها، فقد عمل على استلهامها و بعثها من جديد معتمداً النهج الثوري ومعتبرا العمل على تحقيق هذا الانبعاث الجديد للامة وتحقيق نهضتها المعاصرة هو الرسالة الخالدة لاجيالها الصاعدة. وجسد  كل ذلك في شعاره

(امة عربية واحدة       ذات رسالة خالدة) .

وقد اكد دائماً على الرسالة الحضارية للامة موضحاً  ان هذا الفهم القومي العروبي للإسلام لا يتنافى مع عالميته وإنسانيته، فيقول :

"كل امة عظيمة عميقة الاتصال بمعاني الكون الأزلية تنزع في اصل تكوينها الى القيم الخالدة الشاملة. والإسلام خير مفصح عن نزوع الأمة العربية الى الخلود والشمول، فهو

اذاً في واقعه عربي وفي مراميه المثالية إنساني، فرسالة الإسلام انما هي خلق إنسانية عربية".

بل ويضيف بان الطابع الإنساني العالمي للإسلام،  المقترن بروح القومية العربية، هو ما يشكل خصوصية هذه القومية فيقول :

"ان العرب ينفردون دون سائر الأمم بهذه الخاصة وهي :

 ان يقظتهم القومية اقترنت برسالة دينية، او بالأحرى كانت هذه الرسالة مفصحة عن تلك اليقظة القومية، فلم يتوسعوا بغية التوسع ولا حكموا البلاد استناداً الى حاجة اقتصادية مجردة، او ذريعة عنصرية، او شهوة للسيطرة والاستعباد... بل ليؤدوا واجباً دينياً كله حق وهداية ورحمة وعدل وبذل".

وهكذا وبمثل هذا الارتباط الوثيق بين العروبة والإسلام اصبحت العروبة جسماً روحه الإسلام لذا فلم يشتط العرب في قوميتهم، وتميزوا عن غيرهم فلم ينزلقوا الى هوة العنصرية او العصبية.

ولا شك من ان ايمان القائد المؤسس وربطه بين العروبة والإسلام قد انطلق من استلهامه لسيرة الرسول الاعظم  استلهاما حقيقيا لاغبار عليه وقد عبر عن ذلك في مقاله المعنون (ذكرى الرسول العربي) بقوله :

" يجب أن تتحد الصلاة مع العقل النير مع الساعد المفتول، لتؤدي كلها إلى العمل العفوي الطلق الغني القوى المحكم الصائب".  

كما ويعبِّر قول القائد المؤسس اعلاه على مدى تأثره بسيرة السلف  الصالح من القادة العرب المسلمين الاوائل الذين حملوا راية السماء بسواعدهم واوصلوا الفتوحات على ظهور خيولهم، تقودها قبل كل ذلك عقولهم النيرة وتفكيرهم العقلاني ومعالجاتهم الواقعية  وتفاعلهم الحيّ مع متغيرات  زمنهم ومتطلبات عصرهم .

كما ان في قوله هذا تشخيص لمقومات النهوض الثلاثة، فالفكر النير وحده لا يكفي بل لابد أن يتَّحِد مع الايمان  ومع الفعل الشجاع من اجل الوصول الى الاهداف.

وفي معرض تشخيصه لاهم اسباب انتصار الامة العربية  وتقدم دورها الحضاري يقول :

"كانت الشخصية العربية كلا موحدا، لا فرق بين روحها وفكرها بين عملها وقولها بين أخلاقها الخاصة وأخلاقها العامة، وكانت الحياة العربية تامة، ريانة، مترعة يتضافر فيها الفكر والروح والعمل وكل الغرائز القوية"

فيحدد بذلك العناصر الاساسية للنهوض بما يلي :

1- استلهام الماضي المجيد في النهضة المعاصرة للامة اي ان لا تنشأ هذه النهضة بمعزل عن ذلك التراث المجيد او تكون متناقضة معه .

2- ضرورة الجمع بين الروح والفكر ، بين المشاعر والعقل .

3- لا تكفي الدعوة بالكلام لتحقيق التغيير وانما يجب ان يقترن القول بالعمل.

4- ان تتوحد الاخلاق العامة مع الاخلاق الخاصة فيجسد الفرد سمات الامة الناهضة السليمة ، وتنسجم اهداف حياته الخاصة مع طموحات امته في التطور والتقدم.

5- ان تتسم الحياة بالحيوية والتفاعل القوي مع روح عصرها وسماته ، فلا تكون بعيدة عنه او معزولة عما يجري فيه.

وبقدر ما حدد القائد المؤسس مقومات النهوض هذه فانه شخَّصَ بالمقابل امراض المجتمع الفتاكة ، وخاصة تلك التي تهدد وحدته وتقدمه . لذا فقد اكد على ان الانبعاث الجديد كما يراه  لايأتي على اسس طائفية كما يتبناها الاسلام السياسي في وطننا العربي في زمننا الراهن  وكما افرزته بشكل واضح وجليّ تجربته في العراق بعد الاحتلال الامريكي الغاشم عام 2003.

كما شخص الامراض الموجودة في الشخصية العربية المعاصرة التي تتسم بازدواجية التفكير، والتناقض بين القول والعمل ، وانفصال العاطفة والايمان عن التفكير والعقلاني النيِّر . تلك الازدواجية وذلك التناقض الذي نجده في البعض ممن يتسترون بالدين  لكنهم في الواقع لايجسدون الاسلام حق تجسيد، لا في روحه ولا في قيمه ولا في مبادئه .

وعلى العكس من ذلك  نجد ان الكثيرين ، وربما الاغلبية من العرب  المسلمين وغير المسلمين يعتزون بانتمائهم القومي ويجسدون الاسلام الحقّ في سلوكهم وتعاملهم بعيداً عن التبجح والتظاهر والتعصب الاعمى.

فيقول في ذلك :

" أما نحن، فلا نعرف غير الشخصية المنقسمة المجزأة، ولا نعرف إلا حياة فقيرة جزئية، إذا أهلها العقل فان الروح تجفوها، وان داخلتها العاطفة فالفكر ينبو عنها ، إما فكرية جديبة، أو عملية هوجاء، فهي أبدا محرومة من بعض القوى الجوهرية، وقد آن لنا أن نزيل هذا التناقض فنعيد للشخصية العربية وحدتها، وللحياة العربية تمامه".

ولقد اغاض هذا الربط المعاصر اعداء العروبة والاسلام معاً، مما جعل البعث وقادته يواجهون هجمة شرسة تتسم بكونها مركبة ومضاعفة ، من قوى عالمية استعمارية تريد اجتثاث الفكر العروبي ، وذلك امعانا بالتفتيت والتقسيم ،  حيث تلتقي مصالح تلك القوى الفاعلة وتتكامل مع قوى اقليمية طائفية تهدف الى الهيمنة على مقدرات الامة. وقد عزز كل ذلك وجود قوى شعوبية وغير شعوبية، تتسم بالظلامية  والتحجر، ممن حملت وتحمل حقدا دفيناً على البعث ومؤسسيه .

لذا فان انتصار الامة على مؤامرات تفتيتها لا يتم الا بديمومة الفكر العروبي الموحِّد الجامع لقدراتها وامكانياتها الذي يمثله البعث  وفكره القومي وانتصاره في معركته التي يخوضها ضد الشيطنة والاجتثاث .  

كما ان انتصار الامة لا ياتي الا عبر تمسكها بما دعى اليه القائد المؤسس حين قال:  

" لقد كان محمد كل العرب فليكن كل العرب اليوم محمدا

لقد حقق القائد المؤسس بهذا الربط  بين العروبة والإسلام  ريادة تاريخية لا على صعيد التحليل والوصف فقط  وانما على صعيد التشخيص الدقيق للطريق السليم لتحقيق نهضة الامة العربية  في تاريخنا المعاصر . وهذا ما جعل جماهير الامة العربية  ومفكريها ومثقفيها يحتفون به كاحد اكبر رواد الفكر القومي في تاريخ الامة العربية المعاصر.

واليوم وفي ظل ما تواجهه الامة العربية من هجمات شرسة تستهدف هويتها ووجودها في الصميم علينا التصدي لكل حملات اجتثاث وشيطنة الفكر العربي الموحِّد لهذه الامة والذي تأتي عقيدة البعث في طليعته من خلال استلهام احاديث واقوال قادته المؤسسين وتحويلها الى واقع حي وصولا الى انتصار الامة الحتمي على اعدائها .

نص الوصية الأخيرة التي كتبها الرئيس القائد العربي المسلم صدام حسين المجيد الشاهد والشهيد قبل إعدامه بثلاثة أيام.

  نص الوصية الأخيرة التي كتبها الرئيس القائد العربي المسلم صدام حسين المجيد الشاهد والشهيد قبل إعدامه بثلاثة أيام.



وفيما ياتي النص الكامل للوصية:

بسم الله الرحمن الرحيم

قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا

صدق الله العظيم

ايها الشعب العراقي العظيم..

 ايها النشامي في قواتنا المسلحة المجاهدة.. 

ايتها العراقيات الماجدات.. 

يا ابناء امتنا المجيدة.. 

ايها الشجعان المؤمنون، في المقاومة الباسلة.

كنتُ كما تعرفوني في الايام السالفات، واراد الله سبحانه ان اكون مرّة اخري في ساحة الجهاد والنضال علي لون وروح ما كنا به قبل الثورة مع محنة اشد واقسي.

ايها الاحبة ان هذا الحال القاسي الذي نحن جميعاً فيه وابتُلي به العراق العظيم، درس جديد وبلوي جديدة ليعرف به الناس كلٌ علي وصف مسعاه فيصير له عنواناً امام الله وامام الناس في الحاضر وعندما يغدو الحال الذي نحن فيه تاريخاً مجيداً، وهو قبل غيره اساس ما يُبني النجاح عليه لمراحل تاريخية قادمة، والموقف فيه وليس غيره الامين الاصيل حيثما يصحُ، وغيره زائفاً حيثما كان نقيض... وكل عمل ومسعي فيه وفي غيره، لا يضيّع المرء الله وسط ضميره وبين عيونه معيوب وزائف، وان استقوي التافهون بالاجنبي على ابناء جلدتهم تافه وحقير مثل اهله، وليس يصح في نتيجة ما هو في بلادنا الا الصحيح، امّا الزبدُ فيذهب جفاء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض، صدق الله العظيم.

ايها الشعب العظيم.. 

ايها الناس في امتنا والانسانية.. 

لقد عرف كثير منكم صاحب هذا الخطاب في الصدق والنزاهة ونظافة اليد والحرص علي الشعب والحكمة والرؤية والعدالة والحزم في معالجة الامور، والحرص علي اموال الناس واموال الدولة، وان يعيش كل شيء في ضميره وعقله وان يتوجّع قلبه ولا يهدأ له بال حتي يرفع من شان الفقراء ويلبي حاجة المعوزين وان يتسع قلبه لكل شعبه وامته وان يكون مؤمناً اميناً.. من غير ان يفرّق بين ابناء شعبه الا بصدق الجهد المبذول والكفاءة الوطنية.. وها اقول اليوم باسمكم ومن اجل عيونكم وعيون امتنا وعيون المنصفين اهل الحق حيث رفت رايته.

ايها العراقيون.. يا شعبنا واهلنا، واهل كل شريف ماجد وماجدة في امتنا... 

لقد عرفتم اخوكم وقائدكم مثلما عرفه اُهليه، لم يحن هامته للعُتاة الظالمين، وبقي سيفاً وعلما على ما يحبُ الخُلّص ويغيظ الظالمين.

اليس هكذا تريدون موقف اخوكم وابنكم وقائدكم..؟! بلى هكذا.. يجب ان يكون صدام حسين وعلى هكذا وصف ينبغي ان تكون مواقفه، ولو لم تكن مواقفه على هذا الوصف لا سمح الله، لرفضته نفسه وعلى هذا ينبغي ان تكون مواقف من يتولّي قيادتكم ومن يكون علماً في الامة، ومثلها بعد الله العزيز القدير.. ها انا اقدّم نفسي فداء فاذا اراد الرحمن هذا صعد بها الى حيث يامر سبحانه مع الصدّيقين والشهداء. وان اجّل قراره على وفق ما يري فهو الرحمن الرحيم وهو الذي انشانا ونحن اليه راجعون، فصبراً جميلاً وبه المستعان علي القوم الظالمين.

ايها الاخوة.. ايها الشعب العظيم..

 ادعوكم ان تحافظوا على المعاني التي جعلتكم تحملون الايمان بجدارة وان تكونوا القنديل المشع في الحضارة، وان تكون ارضكم مهد ابي الانبياء، ابراهيم الخليل وانبياء آخرين، على المعاني التي جعلتكم تحملون معاني صفة العظمة بصورة موثقة ورسمية، فداء للوطن والشعب بل رهن كل حياته وحياة عائلته صغاراً وكباراً منذ خط البداية للامة والشعب العظيم الوفي الكريم واستمر عليها ولم ينثن.. ورغم كل الصعوبات والعواصف التي مرت بنا وبالعراق قبل الثورة وبعد الثورة لم يشأ الله سبحانه ان يُميت صدام حسين، فاذا ارادها في هذه المرة فهي زرعه.. وهو الذي انشاها وحماها حتى الآن.. وبذلك يعزّ باستشهادها نفسُ مؤمنة اذ ذهبت على هذا الدرب بنفس راضية مطمئنة من هو اصغر عمراً من صدام حسين. فان ارادها شهيدة فاننا نحمده ونشكره قبلاً وبعداً.. فصبراً جميلاً، وبه نستعين على القوم الظالمين.. في ظل عظمة الباري سبحانه ورعايته لكم.. ومنها ان تتذكروا ان الله يسر لكم الوان خصوصياتكم لتكونوا فيها نموذجاً يُحتذى بالمحبة والعفو والتسامح والتعايش الاخوي فيما بينكم.. والبناء الشامخ العظيم في ظل اتاحه الرحمن من قدرة وامكانات، ولم يشأ ان يجعل سبحانه هذه الالوان عبثاً عليكم، وارادها اختباراً لصقل النفوس لصار من هو من بين صفوفكم ومن هو من حلف الاطلسي ومن هم من الفرس الحاقدين بفعل حكامهم الذين ورثوا ارث كسري بديلاً للشيطان، فوسوس في صدور من طاوعه على ابناء جلدته او على جاره او سدّل لاطماع واحقاد الصهيونية ان تحرّك ممثلها في البيت الابيض الامريكي ليرتكبوا العدوان ويخلقوا ضغائن ليست من الانسانية والايمان في شيء.. وعلى اساس معاني الايمان والمحبّة والسلام الذي يعزّ ما هو عزيز وليس الضغينة بنيتم واعليتم البناء من غير تناحر وضغينة وعلى هذا الاساس كنتم ترفلون بالعز والامن في الوانكم الزاهية في ظل راية الوطن في الماضي القريب، وبخاصة بعد ثورتكم الغراء ثورة تموز المجيدة عام 1968، وانتصرتم، وانتم تحملونها بلون العراق العظيم الواحد.. اخوة متحابين، ان في خنادق القتال او في سفوح البناء.. وقد وجد اعداء بلدكم من غُزاة وفرس، ان وشائج وموجبات صفات وحدتكم تقف حائلاً بينهم وبين ان يستعبدوكم.. فزرعوا ودقوا اسفينهم الكريه، القديم الجديد بينكم فاستجاب له الغرباء من حاملي الجنسية العراقية وقلوبهم هواء او ملأها الحاقدون في ايران بحقد، وفي ظنهم خسئوا، ان ينالوا منكم بالفرقة مع الاصلاء في شعبنا بما يضعف الهمّة ويوغر صدور ابناء الوطن الواحد على بعضهم بدل ان توغر صدورهم، على اعدائه الحقيقيين بما يستنفر الهمم باتجاه واحد وان تلوّنت بيارقها وتحت راية الله اكبر، الراية العظيمة للشعب والوطن... 

ايّها الاخوة ايها المجاهدون والمناضلون

 الى هذا ادعوكم الآن وادعوكم الى عدم الحقد، ذلك لان الحقد لا يترك فرصة لصاحبه لينصف ويعدل، ولانه يعمي البصر والبصيرة، ويغلق منافذ التفكير فيبعد صاحبه عن التفكير المتوازن واختيار الاصح وتجنّب المنحرف ويسدّ امامه رؤية المتغيرات في ذهن من يتصور عدواً، بما في ذلك الشخوص المنحرفة عندما تعود عن انحرافها الي الطريق الصحيح، طريق الشعب الاصيل والامة المجيدة.. وكذلك ادعوكم ايها الاخوة والاخوات يا ابنائي وابناء العراق.. 

وايها الرفاق المجاهدون.. 

ادعوكم.. ان لا تكرهوا شعوب الدول التي اعتدت علينا، وفرّقوا بين اهل القرار والشعوب، واكرهوا العمل فحسب، بل وحتي الذي يستحق عمله ان تحاربوه وتجالدوه لا تكرهونه كانسان.. وشخوص فاعلي الشر، بل اكرهوا فعل الشر بذاته وادفعوا شرّه باستحقاقه.. ومن يرعوي ويُصلح ان في داخل العراق او خارجه فاعفوا عنه، وافتحوا له صفحة جديدة في التعامل، لان الله عفو ويحب من يعفو عن اقتدار، وان الحزم واجب حيثما اقتضاه الحال، وانه لكي يُقبل من الشعب والامة ينبغي ان يكون على اساس القانون وان يكون عادلاً ومنصفاً وليس عدوانياً علي اساس ضغائن او اطماع غير مشروعة.. 

واعلموا ايها الاخوة ان بين شعوب الدول المعتدية اناسا يؤيدون نضالكم ضد الغزاة، وبعضهم قد تطوع محامياً للدفاع عن المعتقلين ومنهم صدام حسين، وآخرون كشفوا فضائح الغزاة او شجبوها، وبعضهم كان يبكي بحرقة وصدق نبيل، وهو يفارقنا عندما ينتهي واجبه..

 الى هذا ادعوكم شعباً واحداً اميناً ودوداً لنفسه وامته والانسانية.. صادقاً مع غيره ومع نفسه.

صدّام حسين.

رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة المجاهدة

الثلاثاء 6 ذو الحجة 1427/26 

كانون الاول (ديسمبر)