مجلة صوت الطلبة / بغداد
العدد ٦٨
١٦ تشرين اول ٢٠٢٦
أحلاف جديدة تُعقد وأخرى قديمة تغرق في أعماق البحر الأحمر.
د.نزار السامرائي
جزء ٣
لأي حلف أو تكتل سياسي أو عسكري أو اقتصادي، إيجابيات وسلبيات معلومة وخفية تتوزع على المتحالفين بنسب غير متساوية، ولست هنا في وارد تعدادهما أو إعطاء ترجيحات لأحداهما على الاخرى، لكنني أسارع لأقول، إن دول العالم في اختيارها للانخراط بحلف إقليمي أو دولي، إنما تتوقع أن تحصل على مكاسب هذا الانخراط، من دون أن تعقد صفقة خاسرة أو غير متكافئة، غير أن السياسة لا تقوم على أساس من الربح الثابت، فلا بد من القبول بخسارة كبيرة أو صغيرة، ولكن واقع الحال لا يقبل خسارة دائمة أو ربحا مؤكدا، وعالم اليوم شهد تحالفات كثيرة بين نظم سياسية متقاربة في توجهاتها، فتتوقع أن تحصل على فرص لتحسين مركزها السياسي أمام التكتلات والتحالفات الأخرى.
لا يوجد تطابق تام داخل كل حلف في المصالح وزوايا النظر إلى الأخطار القائمة أو المحتملة، ففي السياسة تتقدم المصالح على المبادئ، ولكن ما هي زاوية الميل في كلا الحالتين؟ وعلى الدول التي تتوافق على الدخول في حلف أن تكون على استعداد للتخلي عن حرية قرارها السياسي، بعبارة أكثر وضوحا عليها أن تتخلى عن جزء يسير من سيادتها، فحتى بفرض تعرض أمنها القومي لخطر خارجي، عليها أن تتشاور مع الدول الأعضاء في الحلف قبل أن يتقرر شكل الرد أو مداه، لأنها قد تطالب بحكم المسؤولية القانونية الجماعية لدول الحلف بالوقوف إلى جانبها، وهنا قد تبرز خلافات متراوحة المدى بين الدول الأعضاء، وفي هذا الخصوص أبرز مثال على تباين وجهات النظر هو ما حصل داخل مؤسسة الناتو "حلف شمالي الأطلسي" عندما نشبت الخلافات الحادة بين تركيا واليونان في عقد السبعينيات من القرن الماضي بشأن اختلافات جدية حول عائدية جزر مختلف عليها بينهما، وكانت وجهات نظر دول الحلف متباينة، فهي تؤيد اليونان لأسباب دينية ولكنها لا تستطيع المجاهرة بذلك لأسباب معروفة، ولكنها لا تريد إغضاب تركيا القوية والتي تمتلك أكبر جيش في الجناح الجنوبي في الحلف.
وبنفس المستوى من الأهمية فأية دولة في حلف ما، لا تستطيع أن تتصرف بشكل منفرد خارج نطاق الإرادة الجماعية للحلف وتوجهاته الاستراتيجية، في حال أرادت ان تُحسّن علاقاتها مع دولة تتعارض سياساتها العامة مع مصالح الحلف وتوجهاته أو مع طرف أو أكثر فيه، ولكن هذه المواقف تبقى في إطارها القانوني كلاً أو جزءً، ومن غير الممكن تحويلها إلى فعل ميداني على الأرض أوتوماتيكيا، بسبب التطور الهائل والسريع في دبلوماسية رؤساء الدول وسحب الكثير من صلاحيات وزارة الخارجية، وتضارب المصالح الاقتصادية بين الدول وسعي كل دولة لبناء اقتصاد وطني بمعزل عن التكتلات الاقتصادية، وبالمقابل قد يذهب الحلف لخيار سياسي أو عسكري وتنفرد دولة عضو فيه أو أكثر بالتزام الحياد لأنها لا تستطيع اتخاذ خطوة من شأنها تعكير علاقاتها مع دولة أخرى أقوى منها سياسيا واقتصاديا لها معها مصالح متشابكة، أو أقرب إليها جغرافياً من بقية أعضاء الحلف، ولا تريد الدخول في اختبار نوايا الحلفاء الآخرين بالوقوف معها، وهناك أمثلة كثيرة حصلت أثناء الحرب الباردة التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وإذا رجعنا إلى المنطقة العربية وأجرينا مسحاً سريعا لما عاشته في النصف الثاني من القرن العشرين وحصرا في عقد الثمانينيات، فإننا سنرى أن دول الخليج العربي أسست عام 1981 مجلس التعاون الخليجي، ويمكن النظر إلى هذا المجلس على أنه أول حلف عربي إقليمي بين مجموعة متجانسة في كل شيء "كما كانت تطرح نفسها في اللقاءات السياسية وعلى منابر الإعلام"، ولأن المجلس تم تأسيسه أثناء الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت في بداية شهر أيلول 1980، جاء تأسيس المجلس وكأنه رسالة للطرفين بل للعراق خاصة بأن دول الخليج العربي تقف على الحياد في النزاع.
لكن العراق البلد العربي المؤسس لجامعة الدول العربية والمُوّقع على معاهدة الدفاع العربي المشترك، رأى في تلك الخطوة التي طُبخت في مطابخ ترطن بلغات غير مفهومة في ليل مظلم، وكأنها رسالة سياسية واضحة السطور مفهومة الكلمات، على غير المعهود في لغة التخاطب الدبلوماسي، بأن الحرب التي كان يخوضها العراق في ذلك الوقت مع إيران هي حربه الخاصة وعليه أن يتحمل أوزارها لوحده، في حين أن العراق وعلى الرغم من أنه لم يتوقع في أي يوم من الأيام أن يقف إلى جانبه بلد عربي أثناء ما يتطلبه التعاضد العربي بسبب ما شاب العلاقات بين النظم السياسية العربية من التباسات حادة، على الرغم من أن العراق لم يَدع فرصةً لإبداء التضامن سياسيا واقتصاديا وعسكريا مع أي بلد عربي كان يستنجد به أو لم يطلب النجدة، مع أن بعض النظم العربية كانت توجه له رسائل سياسية وإعلامية بأنه كان يلتزم موقفا متشددا تجاه الحلول المقترحة للقضية الفلسطينية، لمجرد كونه بعيد جغرافيا عن فلسطين، وكانت تلك النظم تتجاهل أدوار العراق في حرب 1948 وحرب الأيام الستة عام 1967، أما دوره في حرب 1973 فمما لا يستطيع انكاره إلا جاحد، فعلى الجبهة المصرية وبشهادة الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان المصرية وأحد أهم مهندسي نصر أكتوبر عام 1973 الذي ذكر في مذكراته، أن الطلعة الأولى للطيران التي ضربت المواقع المتقدمة للجيش الإسرائيلي في غربي سيناء كانت من نصيب الطيارين العراقيين، ويذكر الفريق سعد الشاذلي في مذكراته عن الحرب أن قادة القوات المصرية التي عبرت قناة السويس بعد أن دمرت خط بارليف المحصن، كانوا يطالبون بإسناد الطائرات العراقية حصرا لقواتهم، أما في الجبهة السورية فالأمر مختلف كثيراً، فبعد أن أصبح الإسرائيليون على بعد 30 كيلومترا عن دمشق، وصلت القيادة السورية إلى الشلل التام عن قرار يعالج التداعي، انتقلت قوات الدروع العراقية من الناقلات إلى ميدان الحرب، وبعد أن وصل جزء كبير منها على سُرف الدبابات، نجحت من رد القوات الإسرائيلية على أعقابها، وحمت دمشق من السقوط بيد الإسرائيليين، ولو سارت الأمور كما خطط لها الإسرائيليون لكانت دمشق اليوم تحت سيطرة غير أهلها.
ويبدو أن دول مجلس التعاون أرادت الإعلان عن أول خروج جماعي غير رسمي على ميثاق الجامعة العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وأن دول المجلس تريد تمييز موقفها بطريقة لا تخلو من استعراضية الوضع السياسي والاجتماعي، فأرادت مسك العصا من الوسط في نزاع لا يمكن أن تحصره إيران في زاوية واحدة، لأنها أعلنت برنامجها بتصدير الثورة الذي لا يستثني بلدا، مما يعني أنها تمرحل خطوات قضمها لأية بقعة عربية وتجعل منها منصة وُثُوب إلى مناطق أخرى، ومع ذلك فإن هذه السياسة أكدت خطلها وخطأها على المستويين الميداني والاستراتيجي، فلا إيران تعاملت مع دول التعاون الخليجي على فرضية أنها نأت بنفسها عن دعم العراق، لأنها تعي جيدا أن العرب متفقون فيما بينهم وإن تعددت قراءاتهم ومواقفهم المطروحة على المستوى الإعلامي والسياسي، ولا سمحت تلك الدول أن ترى بنفسها العراق وهو يقدم القرابين على طريق حماية نفسه وعلى طريق التصدي للمشروع الفارسي التوسعي، فدول المجلس لم تنجح في تجنيب نفسها عداوة إيران الجمهورية الجديدة، وبالمقابل خسرت العراق على الرغم من أن العراق بقي حارسا للبوابة الشرقية، مع أنه كان يعرف غاطس ما يخطط له أشقاؤه.
وبدعم عربي رسمي واسع النطاق تم احتلال العراق عام 2003 بعد حصار مطبق عليه استمر ثلاثة عشر عاما، تمكنت إيران من تجيير المكاسب التي حققها المحتلون الأمريكيون في العراق لصالحها بتواطؤ معها على نحو غير مسبوق في مسيرة الاحتلالات في تاريخ الأمم والشعوب، وبخاصة في تاريخ الولايات المتحدة التي تميز تاريخُها بنزعة الهيمنة على الأرض والثروة في أي مكان وصلت إليه، ولما فوجئ الأمريكيون بردة فعل العراقيين على الغزو وتكبيد القوات الأمريكية خسائر هائلة أعادت للرأي العام الأمريكي ذكريات مُرة ما تزال تضغط على أعصاب المواطن هناك، نتيجة هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام، فخططت للانتقام من العراقيين بواسطة أحد أبرز وكلائها في المنطقة أي إيران، فدخلت المنطقة في أسوأ أزمة عرفتها في تاريخها، فلم يعد أحد يعرف من هو الصديق الحقيقي ومن هو العدو الحقيقي.
وكانت دول مجلس التعاون الخليجي قلقة من غدٍ مجهول النهايات، بعد أن عاشت حالة استرخاء مؤقت بعد تدمير قوة العراق وإخراجه من معادلة الأمن القومي، وعاشت على أمل يوم جديد تعيش فيه لهمومها الخاصة بعد أن تخلصت من الأخ الكبير الذي كان يقسو عليها أكثر مما ينبغي عندما يرى أن الأشقاء أو بعضهم قد ضيعوا اتجاهات البوصلة القومية وراحوا يبحثون عن دليل جديد يقطع بهم الصحارى والفيافي.
في هذه اللحظة اتضح أن لكل فريق حساباته الخاصة وتتمايز عن حسابات الآخرين، فالإحساس بخطر خارجي قد يقود إلى تقارب بالاجتهادات، وسرعان ما يفرقها الشعور بالطمأنينة، فبدأ كثير من الخلافات مما اختبأ وراء جدار معاداة العراق بين دول مجلس التعاون الخليجي يطفو على السطح، فالكل كان يريد التخلص من عراق قوي، ولكن أيّاً منهم لم يرد بخاطره أن يشغل مكان العراق أي طرف آخر من داخل الكتلة الخليجية الصلبة، بصرف النظر عن قدراته العسكرية والاقتصادية وعدد سكانه أو مساحته.
ولكن لما وصلت الرياض إلى قناعة بأنها خُذلت "كي لا أقول إنها تعرضت للخيانة" من أربع دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي أثناء عاصفة الحزم في اليمن، ولكل منها سببها، ولم تبق معها في المشهد إلا البحرين، استيقظت على حقيقة مفزعة، بأن عليها أن تواجه قدرها منفردة، فطفقت تبحث عن قوى بعيدة تشعر أنها أكثر قدرة وجدية لإسناد موقفها الأمني والاقتصادي في المنطقة، لاسيما وأنها أخذت تطرح نفسها كأكبر قوة سياسية في بيئة تمتلك حساسية عالية تجاه مقاييس الأكبر والأصغر، ويبدو أن هذه المعضلة تختبئ وراءها معظم مشاكل المنطقة حتى لو أخذت واجهات وأسماء أخرى، لا سيما وأنها لم تفضل خيار اللجوء إلى ما تمتلكه من قوة عسكرية بسبب ما تفرضه الولايات المتحدة من قيود على ما تصدّره من سلاح لزبائنها، بحيث تبقى مجرد خردة من حديد لا تساوي قيمة ما ينفق عليها من أموال لصيانها وتكاليف العاملين عليها، فلجأت إلى دولة معها ود مدفوع الثمن، وهي باكستان، ودولة حافظت العلاقات بينهما على مستوى من عدم الانسجام إلى أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا نهاية عام 2002، لتنفتح صفحة مشوبة بكثير من الالتباس لدى الطرفين، رافقته إجراءات وتدابير من كليهما عمقت من سوء الفهم المتبادل، فتم التحضير لطبخة حلف جديد أُعد على نارٍ سريعة، لم تنضج ظروف إعلانه بعد، إذ جلب للسعودية خاصة، من أسباب القلق أكثر مما وعدها بغدٍ مستقر، فالولايات المتحدة ردت برسالة لا تخلو من مغزى سياسي عسكري مزدوج على حلف مكة، بإعلان الرئيس ترمب بأنه تلقى رسائل من الحوثيين بأنهم لا يريدون محاربة الولايات المتحدة ولا حركتها التجارية في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب، بل ذهبوا إلى القول إنهم لا يريدون التعرض للسفن الإسرائيلية العابرة للمنطقة وأنهم سيحصرون عملياتهم باستهداف ناقلات النفط السعودية والسفن التجارة المتعاملة معها، وبذلك فقدت السعودية فرصة الحماية السابقة التي كانت تحصل من الولايات المتحدة، ولكنها بالمقابل لم تضمن لنفسها رادعا خارجيا من جانب حلف مكة أو بعض منه، ذهبت إلى هذا الخيار بدلا من الاعتماد على النفس في امتلاك الرادع الحقيقي القادر على تأمين سلامة أراضيها وأمنها القومي.
إن تكديس السلاح حتى لو كان من أحدث الأجيال والمناشئ، لا يمكن أن يغني عن بناء قوات مسلحة وطنية حديثة مدربة بأعلى مستويات التدريب وأكثرها حداثة، وتأخذ بكل أسباب القوة والمنعة، لكن المملكة العربية السعودية التي كدست أسلحة حديثة وبكميات كبيرة في زمن اقتنائها، تصرفت وكأنها تعقد تلك الصفقات لمجرد المباهاة ولإيجاد فرص عمل لآلاف من الأيدي العاملة المهددة بالبطالة في بلد بدأت تطفو فوق سطحه أكثر من مشكلة سياسية اقتصادية.
وكما شعرت المملكة العربية السعودية بأنها تعرضت للخذلان من جانب حلفاء الأمس في مجلس التعاون، فإن تلك الدول لم تخفِ أحساسها بالخذلان مما أصابها من مفاجأة الأداء المثير للخيبة الذي قدمته القوات المسلحة السعودية في مواجهات ليست مما يمكن أن يطلق وصف الحروب الكبيرة، وهذا دفع دول مجلس التعاون الخليجي أن يذهب كل منها في الاتجاه الذي يظن أنه يوفر له الحد الأدنى من متطلبات الأمن الخاص أو الجماعي.
إن عقد حلف مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ورغم كل التسويق الإعلامي الذي رافقه، وأحاديث التطمينات التي تداولتها التصريحات السياسية، والحديث عن "أن أي اعتداء على أي طرف في الحلف" سيُنظر إليه باعتباره اعتداءً على الأطراف الثلاثة، ومع أن المفهوم من هذا النص سرعان ما يجد تفسيره في سياق ظروف التأزم الحاصل بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، فإن الحلف سقط في أول اختبار لجدية النصوص التي وقّع عليها المتحالفون الثلاثة، فكل من باكستان وتركيا، لا يمكن أن تخوضا حربا لصالح السعودية أو نيابة عنها، ضد إيران التي راحت بلا كلل تشن هجمات على الأراضي والمصالح السعودية، في وقت انسحبت الولايات المتحدة عن التزاماتها السابقة بالدفاع عن مصالحها في تأمين امدادات النفط إلى الدول المستهلكة الكبرى له، فهل يجوز لمراقب أن يقول إن الولايات المتحدة تخلت عن تلك الالتزامات استنادا إلى تصورات جديدة بأن حلف مكة يمكن أن ينهض بهذا الواجب، وبذلك فقد وجدت فيه الفرصة الثمينة لإرسال رسالة لحليف قديم، بأنه لا يمتلك ترف مغادرة الساحة متى شاء لأنه حصل على شريك جديد.
إن باكستان وتركيا لا تصلحان لعقد تحالف قد يفسره المراقبون بأنه موجه ضد إيران، حتى لو أقيمت من أجل ذلك مئات المهرجانات أو عقدت عشرات المؤتمرات الصحفية لتنفي عنه هذا الهدف، لأنهما مرتبطتان بوشائج ومصالح مع إيران لا يمكن أن يغطيها أي طرف آخر، ولهذا فقد حرصتا على إظهار عدم الالتزام بما تسعى الولايات المتحدة فرضه من ضغوط اقتصادية على إيران، وبدلا من انخراطهما في النزاع فقد ذهبتا إلى القيام بدور الوسيط المرضي عنه من كلا الجانبين، وإن كانتا قد أعربتا عن تذمرٍ صامتٍ من عدم الاستجابة الإيرانية التي تمنحهما وجاهة دور سياسي تبحثان عنه بشتى الأساليب، فالوسيط لا يصلح حليفا، كما أن الحليف لا يصلح وسيطا، في عالم لم تَعد فيه الأخبار حبيسة جدران سميكة.
وتبقى الأحلاف قاصرة عن قتال النيابة فمثل هذا الدور لا تقوم الدول التي تحترم نفسها وشعبها، وتحرص على سلامة حدودها ووحدة أراضيها وأمنها القومي، من يصلح لتنفيذ صفحات القتال بالنيابة هي الدول عديمة الوزن السياسي، والعصابات والمليشيات المستأجرة ومن عنده استعداد ليربط مصيره بمصير غيره من الدول.
السلاح الوطني بأيد وطنية على استعداد للدفاع عن الوطن حتى الموت هو الأداة الوحيدة التي يمكن الركون إليها عن كل ملمة ونازلة تهدد أمن البلد وسيادته واستقلاله وأمنه القومي.
مجلة صوت الطلبة
عدد ٦٧
١٩ أيلول ٢٠٢٦ بغداد
للتصفح اضغط على الرابط الالكتروني ادناه
https://online.anyflip.com/rnvg/snka/mobile/index.html
اختبارات كثيرة بانتظار معرفة جدية حلف مكة
د.نزار السامرائي
الأحلاف لا تعقد لمجرد إشاعة أجواء الطمأنينة في بعض النفوس القلقة أو الدول الضعيفة، ولا تعقد لإضافة رقم إلى الأحلاف التي عرفتها منطقتنا العربية، وهي أكثر المناطق في العالم التي رُفعت فيها شعارات "لا لسياسة الأحلاف لا للقواعد الأجنبية".
صحيح أن النظم الراديكالية هي وحدها التي رُفعت فيها تلك الشعارات، ولكنها وجدت لها قاعدة شعبية واسعة من الدعم والتأييد مما أدى إلى تشهد تلك الدول حالة من عدم الاستقرار بسبب الصدام بين زاويتي نظر متباينتين، لأنها عرفت بالفطرة بأن الضعفاء غير قادرين على رسم مواقف الأقوياء سياسيا أو عسكريا، ولأن تلك الأحلاف ما عُقدت إلا بهدف تأمين مصالح الكبار في معادلة التوازن الدولي، وعلى الرغم من أن تركيا وباكستان لهما تجربة طويلة من خلال دخولهما في أحلاف غربية أو آسيوية، أو شرقية غربية مثل حلف بغداد أو "حلف المعاهدة الوسطى" بعد سقوط حلف بغداد عام 1958، إلا أنهما ما زالتا تصران على تقديم عروضهما في سيرك الأحداث الدولية لأهداف خفية خاصة بهما، فعلى الرغم من أنهما تعرفان أن تحالفاتهما السابقة والتي ما زالتا تحتفظان بعضويتها، لم تقدم لهما الكثير في نزاعاتهما الثنائية، وعلى الرغم من أن توقيت الإعلان عن حلف مكة قد تزامن مع أزمة المنطقة بعد تعرض إيران لهجوم أمريكي إسرائيلي منسق، أدى إلى حذفِ كمٍ غير يسير من قدرات إيران العسكرية والاقتصادية، أو الأكثر قيمةً من الناحية المعنوية على شعب ظل يتعامل مع على المعنويات أكثر مما يأكل من الخبز، أي فقدان الخطوط الأولى والثانية وربما الثالثة من زعاماتها الدينية والسياسية، ومع ذلك ظل محتفظا بالجزء الظاهر من تماسكه.
المهم أن حلف مكة تم عقده بين باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية التي أخذت نصيبا غير قليل من ردود الفعل الإيرانية الانتقامية على الضربات الموجعة التي كانت تتلقاها من الولايات المتحدة، إلا أن عقد الحلف في هذا الظرف بالذات أعطى انطباعا سريعا بأن القصد منه هو إظهار الدعم السياسي الباكستاني التركي للسعودية لا أكثر، عن طريق التلويح لإيران بعصا صغيرة ناعمة الملمس، مع أن الأطراف الثلاثة المتعاهدة السامية، تعي جيدا أن إيران لا تخيفها الشعارات المطروحة وإن كانت تزعجها، وتتخذ من ذلك مسوغا لردود فعل لا تخلو من طيش وحمق يتجاوز حدود حق الدفاع عن النفس أو حقوق الجيرة الجغرافية، إيران إن لم تُردع بالقوة والمطرقة المرفوعة فوق رأسها لن تتردد بإثارة القلاقل في كل مكان لأنها باتت على يقين أن العالم بحاجة إليها بنظامها القائم وابتزاز العرب به.
طالما أن إيران ضمنت عدم التصعيد الأمريكي إلا في حسابات لا صلة لها بسلامة الدول الإقليمية وإنما لحسابات أمريكية خالصة، فقد قادها ذلك إلى الدخول في حالة الوهم عن قوتها مقارنة بقوة الولايات المتحدة، فأساءت الأدب ووصلت إلى الخطوط الحمر التي وضعها العالم لنفسه في حال تعلق الأمر بالمشكلات الإقليمية في مناطق الإنتاج الرئيسي للطاقة الدولية.
تجربة حروب باكستان في حروبها السابقة مع الهند أعطتها درساً واحداً، وهو أن كل التحالفات التي عقدتها سابقا، ليس لم توفر لها الدعم الميداني أو الاستراتيجي، بل تركها تعيش حالة استرخاء سياسي انتظارا لدعم لا يأتي إلا عندما يظن الطرف المقدم للدعم أن مصالحه توجب عليه التحرك قبل أن يخسر فرصا سياسية كثيرة، معظم حلفاء باكستان اكتفوا بإصدار بيانات التضامن معها وأحيانا تدعوها والهند إلى ضبط النفس لا أكثر، فكان الدرس الوحيد الذي خرجت به من حروبها السابقة، أن الحلفاء لا يضيفون شيئا إلى رصيدها العسكري إلا البيانات السياسية الحافلة بالشجب بأعلى العبارات وما شابه ذلك من أدوات التعبير عن التضامن، فلم يحرك أحد منهم سرب طائرات أو فرقة مدرعة أو لواء قوات خاصة أو أسطولا بحريا لنجدتها، لهذا وجدت أن اعتمادها على قوتها الذاتية هو الضمانة الوحيدة لأمنها القومي، لهذا وظفت كل ما أتى إليها من دعم مالي سعودي في تطوير قدراتها الحربية، فصنعت السلاح النووي فصارت عضوا في النادي النووي الدولي وامتلكت الردع النووي المتبادل مع الهند العدو الودود والصديق اللدود وهذا الدرس هو ما تسعى إيران لاستنساخه.
أما تركيا العضو في حلف شمالي الأطلسي "الناتو" وهي من حيث الجغرافية بعيدة عن الأطلسي بل هي لا تمتلك في أوربا إلا الجزء الأوربي من مدينة اسطنبول، فقد كانت من الدول المؤسسة لحلف بغداد مع كل من بريطانيا العراق وتركيا وإيران وباكستان، وعلى الرغم من أن الحلف بالأصل هو فكرة أمريكية، كجزء من خطتها لمواجهة المد الشيوعي المدعوم بثقل الاتحاد السوفيتي السابق، إلا أن الولايات المتحدة لم تنتم إليه، بل وعدت بتقديم كل أشكال الدعم السياسي والعسكري له، لكن تركيا التي عاشت أزمات متناسلة مع اليونان العضو الآخر في الحلف المذكور، أيقنت أن عضوية أثينا في الناتو سوف لن تعطي أياً من تركيا أو اليونان الدعم الذي تطلبانه، مع أن الأطلسي لا يفرط بقوة تركيا باعتبارها تمتلك أقوى ثقل عسكري تقليدي في الجناح الجنوبي للناتو، وفي الجانب الآخر فإن العواطف الدينية تبقى أكثر تعلقا باليونان منها مع تركيا، على الرغم من أن تركيا ظلت ومنذ سقوط الدولة العثمانية ترفع شعارا اتاتوركياً علمانيا متطرفاً، أي يحاول شراء الدعم السياسي بثمن التخلي عن الثوابت الدينية المتأصلة في المجتمع التركي إذا سلخنا عنه التوجهات السياسية المتطرفة.
وكانت المملكة العربية السعودية التي كانت بعيدة جدا عن التحالفات العسكرية الجماعية، تحرص على توقيع اتفاقيات عسكرية ثنائية، وإن لم تهمل الالتزامات السياسية الجماعية المتبادلة، فقد حاولت الاحتفاظ بمسافة مدروسة مع الأطراف الدولية شرط أن تؤمن لها مصالحها الوطنية وتحفظ أمنها القومي، في ظل هذه التوترات الدولية الإقليمية تم توقيع حلف مكة من أجل تقديم الدعم لها في حال تعرضها لعدوان إيران.
هنا لا بد من التوقف عند هذه النقطة بالذات، وما مدي سريان التفسير القانوني على إيران في حال شن طرف من أدواتها أو مليشياتها التي نجحت في تشكيلها في عدة بلدان بعد أن تمكنت من خرق المنظومة الأمنية فيها، أو استغلت حالة انعدام الأمن أو الاضطراب في بعض الأقطار العربية، كما حصل في لبنان والعراق وسوريا واليمن، إذ كانت التشكيلات شبه العسكرية والتنظيمات الإيرانية المسلحة خارج الحدود الإيرانية، وكأنها قواعد عسكرية متقدمة أو قوات تدخل إيراني سريع خارج حدودها، بعد أن توصلت الزعامة الإيرانية العسكرية والسياسية ثم الدينية، إلى يقين راسخ بأن تجربة حرب الثماني سنوات يجب ألا تغيب عن ذهن المخطط الاستراتيجي الإيراني، وأن ضرورات حماية الأمن القومي الإيراني تحتم ابعاد شبح أي مواجهة عسكرية مستقبلية عن الداخل بأي ثمن، فكانت فكرة تشكيل خلايا تابعة للحرس الثوري، وأن تلفعت بشعارات جاذبة للتعاطف عن تحرير فلسطين والقدس والأقصى، ثم ربطت تلك التشكيلات بما يسمى بفيلق القدس الذي خاض معارك في معظم المدن العربية الشرق أوسطية، ولكنه لم يوجه بندقية واحدة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة.
إيران مسؤولة قانونيا وأخلاقيا، مسؤولية دولية عن كل ما يفعله أي تشكيل من التشكيلات التي أنفقت عليها وسلحتها ودربتها وأطلقت لها العنان لنعبث بأمن دول المنطقة من أجل الحصول منها على مكاسب سياسية، وإلا فإن العلاقات الدولية ستتعرض إلى أفدح الأخطار عن طريق ضياع المسؤولية الجنائية عن دور الأطراف الداعمة للإرهاب الدولي من وراء ستار وكأن عالم اليوم يعيش في تعتيم استخباري كما كان يعيشه في القرون السابقة.
لهذا فعلى المجتمع الدولي تحميل إيران مسؤولية كل فعل تأتي به التنظيمات والتشكيلات المسلحة وشبه المسلحة التي تحمل ولاءً معلناً لولاية الفقيه، لأن إيران مسؤولة عن تأسيس هذه التشكيلات ومواصلة دعهما ماليا وتسليحيا وتوفر لها مظلة الحماية السياسية، وبرز ذلك جليا حتى خلال المباحثات التي قام بها الوسطاء الثلاثة "باكستان وقطر وعًمان" لحصر تأثيرات الحرب الحالية في أضيق نطاق فطهران كانت تصرّ على شمول هذه الساحة أو تلك بأي هدنة مؤقتة أو وقف تجريبي لإطلاق النار.
إيران يمكن أن تنفي صلتها بهذا التشكيل أو ذاك عندما يصب ذلك في مصلحتها، ولكنها هي التي تحرك الجبهات الساكنة عندما يناسبها ذلك، وتسكن الجبهات المتحركة عندما تقتضي مصلحتها التفاوضية بقاءها ساكنة، وهذا ما يعزز القناعة بأن كل فعل يأتي به عملاؤها مثل حزب الله في لبنان أو المليشيات في العراق أو الحوثي في اليمن، هو فعل لا يأتي من مصلحة للبلدان التي تتحرك بها تلك القوى بل من أجل تعظيم الموقف التفاوضي لإيران، صحيح أن القذيفة تحملها يد لا ترطن باللغة الفارسية، إلا أن ولاءها هو لمركز التوجيه العقائدي في قم وطهران، وبالتالي فإن مطاردة الفاعل الميداني فقط وإهمال الموجه له سيقدم إغراءً عاليا لإيران للتنصل من المسؤولية الجنائية عما ترتكبه أذرعها من جرائم واعتداءات هنا وهناك.
إن تعرض جنوبي المملكة العربية السعودية لعدوان حوثي شكلاً وإيراني فعلاً، يمكن أن يطرح جملة من الأسئلة على الزعامة السعودية عن جدوى التزامها بشروط الوساطة الصينية التي توصلت إليها عبر الدبلوماسية السرية، فأنهت قطيعة مع إيران وانعكست أوتوماتيكيا على أوضاع اليمن، فهدأت الجبهات هناك وتوقف الحوثيون عن قصف الأجزاء الجنوبية من السعودية، هنا لا بد من طرح سؤال آخر عن طية الموقف الصيني في مثل هذه الأحوال، هل تعتقد السعودية أن إيران تحولت بين ليلة وضحاها من وحش جريح إلى حمل وديع؟
الاتفاقيات والتفاهمات الثنائية أو الجماعية تفرض درجة عالية من الحذر الاستباقي، لا إلى الاطمئنان الزائف إلى نوايا كانت تطلق من دون حساب، في زمن كان الغدر صفته الراجحة على ما عداه من نوايا الخير والوفاء بالتعهدات والالتزامات القانونية المتبادلة، صحيح يجب أن تُمد الأيدي لتتصافح بعد توقيع أية اتفاقية ثنائية مع ابتسامات عريضة أو تطلق بميزان، ولكن الحذر يجب إلا يغيب عن العقول الراجحة المدركة لمسؤوليتها التاريخية عن مصير الأمم ومستقبل الأجيال القادمة.
هل تشارك تركيا وباكستان السعودية زاوية النظر في طبيعة توصيفها للعدوان الحوثي ومن يتحمل مسؤوليته الجنائية؟ أي بعبارة أكثر وضوحا هل تشارك الدولتان السعودية في تحميل إيران مسؤولية ما وقع إن كانت تنظر إليه من هذا المنظار، والآن علينا أن نقف لنفهم ما جاء في بيان وزارة الخارجية السعودية الذي أعقب العدوان الحوثي وتحدثت فيه عما تعرض له جنوبها، فقد حصرت ما جرى وألقت بمسؤوليته على مليشيا الحوثي، ربما كانت تفكر بغير هذا التوصيف ولكن هذا ما صدر، فهل من حقنا أن نسأل عن طبيعة الاتصالات التي أجرتها الرياض مع أنقرة وإسلام آباد، إن كانت قد أجرت مثل هذه الاتصالات فعلا، ماذا طلبت السعودية من تركيا وباكستان، وهل يتصور أحد بأن النص الأهم في حلف مكة وهو "تقديم الدعم لأي طرف يتعرض للعدوان"، هل يكتفي البَلَدان ببيانات الشجب والاستنكار وهو ما يمكن أن أفعله أنا بكل أريحية، أو تفعله المنظمات الحقوقية وكذلك الأمم المتحدة، إن كانت تقف على الحياد حتى الآن فكل المؤشرات تقول إن المنظمة الدولية لم تغادر موقعها المنحاز إلى جانب عصابات الحوثي، انسجاما منها مع الموقف البريطاني والذي استطاع أن يستدرج معه موقفا أمريكياً وروسياً وصينياً مماثلا، لأن الحوثي دور مطلوب الآن وفي المستقبل المنظور، طالما أن العالم لم يغير من قناعته بشأن وضع حد للعبث الإيراني في المنطقة والعالم، فهل كان أحدنا يتوقع أنه سيحيا إلى زمن تعجز فيه الولايات المتحدة عن اسقاط النظام الإيراني في غضون ساعات لو أرادت؟
وماذا بعد؟
لا أظن أن أي حلف ثنائي أو ثلاثي أو أوسع، يمكن أن ينوب عن القوة الذاتية التي يجب أن يمتلكها أي طرف فيه، فالدول لا تتطابق مصالحها تحت أي ظرف، ولنأخذ مثلا هي الوسيط المفضل لدى واشنطن وطهران للوصول إلى حلول وسط في الأزمة الراهنة، حتى بفرض أن الطرفين يعيان جيدا أن إسلام آباد تقوم بالوساطة لتحقيق وجاهة سياسية افتقدتها منذ أن خسرت شطرها الشرقي المسمى اليوم ببنغلاديش، فأرادت أن تعزز مكانتها السياسية الدولية بعد أن أصبحت قوة نووية ضمن حسابات خاصة بشبه القارة الهندية، وكأنها تريد أن تستقل مركبة فضاء لتخرجها من المجال الجوي للأرض وتضعها في مدار آخر.
أما تركيا فقد عرضت وساطتها ولكنها قوبلت بصدود من الطرفين، الدور التركي لم يكن مرحبا إيرانياً لأنها تعتقد أن تركيا يجب أن تحافظ على دورها السري الذي أدته في تمرير الكثير من الصفقات الأساسية للاقتصاد الإيراني وسط ضجيج ما يسمى بسياسة الخنق الاقتصادي الأمريكي لإيران.
أعود إلى السؤال الرئيسي، ماذا يمكن أن تقدم تركيا وباكستان للمملكة العربية السعودية بعد العدوان الحوثي على منشآت نفطية لجأت إليها البلاد للتحرر الجزئي من ضغط التنمر الاستعراضي الإيراني الأخير؟ بل ما الذي تتوقعه السعودية منهما؟
غالب الظن سيكتفي الباكستانيون والأتراك بترك رسالة للسعودية إن سألت بالطبع، إننا نتعامل مع الدول وما تفعله ولسنا معنيين بما تفعله المنظمات الإرهابية الموصوفة بهذا الوصف دوليا؟
مجلة صوت الطلبة
عدد ٦٦ للسنة ٧
١٩ آب ٢٠٢٦