السبت، 27 يونيو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية/جزء ٤ / بقلم د. نزار السامرائي

  حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية

د.نزار السامرائي

جزء ٤

يعتقد بعض المراقبين أن الحرب التي شنتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في حزيران عام 2025، كانت مصممة لكي تنتهي بالشكل الذي يتيح لكل طرف أن يقول إنه انتصر وحقق كل أهدافه منها، فإيران التي تؤمن إيمانا مطلقا أن مجرد بقاء نظامها الراهن هو الاستثمار المقدس، الذي يستحق كل ما يُقدم من أجله من تضحيات بشرية ومادية استنادا إلى قول منسوب للخميني جاء فيه "إن حماية النظام من أوجب الواجبات"، خرجت من هذه الحرب وهي أكثر يقينا على قدرتها في التكيّف مع كل ظرف يتطلبه ذلك، حتى لو استجابت لكل الشروط التي يطلبها المجتمع الدولي منها، معتمدة في ذلك على خزين قديم من الخبرة على المناورة والمماطلة والتسويف، وهذه حقائق يعرفها عنها البعيد من الدول والقريب، لكن اللافت أن كثيرا من تلك الدول التي اكتوت بنيران نكث طهران للاتفاقيات الثنائية، ما زالت على استعداد لتجربة حظها والدخول في مفاوضات بلا هدف وبلا سقوف زمنية، مع ثعالب لا تحسن شيئا مثل خبرتها في المناورة والخداع.

كل هذا كان يحصل للجميع عن طيب خاطر واستعداد لطي صفحات الماضي، وصفحات نسيان الغدر التي وقع ضحيتها كثير من الدول الإقليمية، استنادا إلى مبدأ حسن الجوار الذي يقرر أن جميع المتجاورين لا مناص لهم ولا خيار، إلا تطبيع العلاقات على الحد الأدنى من التنازل عن الحقوق الصغيرة، ولكن إيران كانت على الدوام هي الطرف الرابح في كل صفقة يتم إبرامها ثنائياً أو جماعياً، ذلك أن إيران تمتلك أعلى شهية لقضم أراضٍ جديدة لتحسين مركزها الاستراتيجي، ونهماً للحصول على المزيد من التنازلات، ومع كل تلك التجارب التي ما زالت ماثلة للعيان، وقعت بعض القوى الدولية بما فيها الدول الكبرى ضحية لقدرة المناورة وإعطاء التعهدات لتقديم أفضل ما لديها من عروض سياسية واقتصادية مكتوبة أو على موائد الحوار، وعلينا أن نقرّ أن ارتكاب أي خطأ من قبل الدول الكبرى في ما تعقده من اتفاقيات مع إيران اعتقادا منها أنها قادرة على ترجيح كفتها التفاوضية مع طهران، إلا أن تلك الدول ترى في بعض الأحيان أن التزامها بالمواثيق الدولية دليل على أن معيار الرقي يكمن في احترام قواعد القانون الدولي وليس الخروج عليها، ومع أن أكثر من رئيس أمريكي قال إن "إيران لم تكسب حربا ولم تخسر مفاوضات"، لكن واشنطن استخدمت هذه المقولة لتبرير اخفاقاتها في كثير من صفحات علاقاتها مع إيران، وهي أي الولايات المتحدة أعطت لإيران دفعة معنوية للمضي في هذا النهج المتعالي ونشوة الإحساس بعبقرية المفاوض الإيراني وقدرته على وضع مفاوضي الدول الأخرى في موضع العاجز عن تحقيق أي خرق في جدار المنعة الإيراني العصي على الاقتحام.

وطيلة عقود كانت الولايات المتحدة أكثر دول العالم اندفاعا في تأمين مصالح إيران الاستراتيجية، رغم كل حالة العداء المتبادل، والأوصاف التي تطلق على أمريكا في الشارع الإيراني بأوامر من الزعامة الإيرانية التي ترفع لواء العداء للاستكبار العالمي وخاصة مع الشيطان الأكبر، في حين أنها ظلت تحافظ على خيوط متينة من التواصل مع واشنطن في أكثر الأوقات توترا معها، ويبدو أن ما كان قد قاله باراك حسين أوباما في وصف الحضارة الفارسية بأنها حضارة متكاملة الأركان ومتفوقة وتستحق الإعجاب، على خلاف العرب الذي يحملون تراكماً من التخلف والبداوة المتوارثة، بل ويريدون من الولايات المتحدة أن توفر لهم مظلة الحماية من أخطار حقيقية أو متصورة.

ونتيجة الأخطاء التي ارتكبها ترمب في ذروة المواجهات، وخاصة عندما أعلن عن وقف اطلاق النار في الوقت الذي كانت فيه إيران على وشك السقوط،  بادرها من تلقاء نفسه وألقى إليها بقارب النجاة في أشد حالات اختناقها، بدلا من استثمار الفوز وتطوير الهجوم الشامل، وهذا أحد أهم المبادئ التي يجب أن يعتمدها المتحاربون عندما تلوح بالأفق مؤشرات على قرب انهيار العدو، وذلك بإدامة زخم المعارك وتطويرها للضغط على العدو حتى يفقد ارادة القتال، وهنا علينا أن نسأل عدة أسئلة كي تتبين الصورة جلية عن أهداف بدء الحرب في منتصف عام 2025 وبداية عام 2026، وهل هناك مؤشرات على أن إسرائيل هي التي استدرجت الولايات المتحدة إلى الحرب وورطتها فيها  استنادا إلى وهم أكد زيف هذه الفرضية فيما بعد، من أن النظام الإيراني آيل إلى السقوط، بمجرد ضرب بعض المرتكزات الأساسية له، لا سيما الخط القيادي الأول لزعامته الدينية والسياسية والعسكرية، فتم ترحيل ثلاثة خطوط قيادية في البلاد دفعة واحدة وبضربة إسرائيلية واحدة، ومع لم  يسقط النظام، وهذا هو الذي أدخل الرئيس الأمريكي إلى نفق مظلم من القلق الذي لا ينسجم مع مواصفات رئيس دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، عندما عجز عن قراءة المشهد السياسي والعسكري استنادا إلى معلومات حقيقية من مصادر الاستخبارات الأمريكية نفسها وإخضاعها للدراسة والتحليل من جانب كبار المتخصصين الاستراتيجيين الذين تزدحم بهم الجامعات الأمريكية ومراكز الدراسات الاستراتيجية فضلا عن مجلس الأمن القومي، فمن لحظة الانكسار النفسي التي عاشها ترمب، بدأت قرارات الحرب تتضارب، وربما صارت قيادة القوات العاملة في المنطقة تتلقى في اليوم الواحد أكثر من عشرة قرارات ثم يتم إلغاؤها بعد دقائق معدودات، وهذا وحده كفيل بخلق حالةٍ من عدم اليقين وانعدام الرؤية الواضحة في منظومة القيادة والسيطرة.

فإذا كان نتنياهو قد أوقع ترمب في فخ خوض حرب غير معروفة الأهداف وغير محسوبة النتائج، فهل ذلك يدل على ضعف الشخصية القيادية لترمب أمام نتنياهو؟ أم يدل على أكبر قوة سياسية وعسكرية واقتصادية في العالم تدار من خارج الحدود؟ وهنا يكون من حق المراقب أن يستنتج أن ترمب الذي صار رهينة بيد نتنياهو، أقدم على خطوات في غاية الانفعال لإثبات عكس تلك الصورة النمطية المأخوذة عن معظم رؤساء الولايات المتحدة من أنهم أدوات تحركها الحركة الصهيونية، عند ذاك سنجد المبرر الذي دفع ترمب لإصدار أوامره لنتنياهو بإرجاع طائرات حربية إسرائيلية كانت على وشك أن تنقضّ على أهداف إيرانية، منها ما يتعلق بمقار حصينة لزعامات دينية ومنها ما يتعلق بضرب منشآت اقتصادية كمحطات تصدير النفط ومحطات توليد الطاقة الكهربية أو ضرب أهداف استراتيجية لها صلة بخطوط الامداد الحربي مثل طرق المواصلات والجسور، وكأن ترمب كان ينفس عن حالة احتقان بات يعيشها بسبب إضاعة طريق إنهاء معركة لم يخطط لها كما ينبغي، وتؤكد عجز منظومة الاستخبارات الأمريكية عن معرفة الطافي من قوة النظام الإيراني والغاطس منه.

الولايات المتحدة أكدت عبر تاريخ طويل من علاقاتها مع إيران الشاه، على دعمها في كل المحافل والمحاور،  وخاصة في كل ما من شأنه تعزيز قوتها العسكرية على حساب دول الخليج العربي والعراق، وعلى الرغم من سقوط الشاه ومجيء نظام ثيوقراطي راديكالي يتخذ من شعار الموت لأمريكا منهاجا على مستوى الشارع وعلى مستوى السلوك الرسمي، وعلى الرغم مما تركته عملية احتجاز أكثر من خمسين دبلوماسيا أمريكيا في مبنى سفارة بلادهم في طهران لمدة 444، فإن واشنطن كانت على استعداد للتنازل عن حقوقها من أجل ألا تفلت "هذه الجوهرة الثمينة" من يديها، وهنا لا بد من التأكيد بأن أوباما لم يكن يُلقي محاضرة على طلابه في جامعة هارفارد ثم يمضي في سبيله، ولم يعبّر عن رأي شخصي لرجل رومانسي في لحظةٍ عاطفية حالمة، عن إعجابه بحضارة فارس، وتوجيه الطعن للعرب وإنكار حضارتهم، ولم يكن شاعرا مفتونا بمآثر فارس جاء ليُلقي قصيدة ويغادر القاعة، بل هذا موقف راسخ لدى راسمي الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وضع للمستقبل كما كان تعبيرا عن صورة من الماضي، حتى يثبت العكس.

ولو غادرنا فارس قليلا، لألفينا أمة أخرى وهي "الأمة الأمريكية"، تحمل من الأفكار المتعالية في تعاملها مع دول المنطقة بل مع دول العالم بما فيها دول أوربا التي أقام مهاجروها الأوائل الصرح الذي تتباهى به الولايات المتحدة اليوم، وإن كان هذا في موازين الحاضر من الأخطاء الفادحة، لأن لغة المصالح هي التي تحدد مسار العلاقات بين الدول مجتمعة أو على المستوى الثنائي، ويبدو أن العرب أمة لا تستطيع التخلي عن شيء مما ورثته من الآباء والأجداد، ولو أن زعماء العالم بمن فيهم زعماء أمريكا قرأوا تاريخ المنطقة بصورة منهجية مستفيضة، لما أوقعوا أنفسهم في هذا المطب المعرفي المعيب، ولما وضعوا حجر عثرة في مصالح بلادهم نتيجة جهلهم، مع أن كثيرا من المسؤولين الأمريكيين يفكرون أن العرب سريعو النسيان وعلى استعداد للتسامح مقابل بيت شعر واحد في مديح بلد ما أو زعيمه، ثم يبدون الاستعداد لفتح الخزائن أمام كل متسول أو متفوق يريد فرض الجزية.

الدول الغربية والشرقية على حد سواء تنظر إلى إيران ككيان منفصل عن النظام الذي يحكم فيه، لأنها تعرف أن إيران أتقنت لعبة الأمم كما ينبغي وتتعامل بلغة المصالح في عصر تميّز بالصراع بين الكبار وتعمد ألا يترك مكانا للدول الصغيرة في التنافس على الثروات بما فيها ثرواتها الوطنية، ومهما ارتفعت حرارة الشعارات المدوية في المدن الإيرانية، هناك صوت واحد يدير المشهد وفي لحظة واحدة يستطيع اسكات كل الأصوات، ولنا في تجربة ما تم الاتفاق بين الولايات المتحدة ودولة الولي الفقيه، فعلى الرغم من العداء الذي بدأ الإيرانيون صفحته الأولى، بمجرد أن تم التوقيع على مذكرة التفاهم بوساطة باكستانية، أعلن في طهران عن وقف رفع أية شعارات تثير الكراهية بين البلدين، هذا كله في الجانب الإيراني، فماذا سنرى في الجانب العربي؟

هناك اثنان وعشرون صوتا يمكن أن يسمعها أي مفاوض دولي مع العرب، وقد تكون المواقف متصادمة أكثر مما هو قائم بين عدوين، فلا أحد على استعداد أن يتنازل لشقيقه عن اليسير مما يظنه حقا تاريخيا له، وهناك حالة من الاستقواء بين الدول العربية باللجوء إلى قوى خارجية للتأثير على مواقف دول عربية أخرى، وأجواء التنافس هذه لم ينجح ميثاق الجامعة العربية ولا معاهدة الدفاع العربي المشترك، ولا اتفاقيات تأسيس المجالس الإقليمية الفرعية، مثل مجلس التعاون الخليجي، ولا اتفاقية تأسيس الاتحاد المغاربي، وكذلك الحال مع مجلس التعاون العربي، في وضع حد لها والتقريب بينها أو التنسيق فيما بين الأعضاء للحصول على النتائج الملبية للحد الأدنى من متطلبات المصلحة الوطنية والقومية، وبقي الخطاب الرسمي العربي موزعا على اثنين وعشرين بلدا، ولم تنجح كل المحاولات التي بذلت من أجل تقريب وجهات النظر على عشرات القضايا المطروحة على بساط البحث مع الأطراف الخارجية، وهذا يجعل من التعاون الاقتصادي والفني بين دول العالم مع دولة واحدة أيسر بكثير، ولو ألقينا نظرة على أكثر التكتلات العربية انسجاما وهو مجلس التعاون الخليجي لرأينا أن دول المجلس اختلفت بعد وقت قصير من تأسيسه على قضايا رئيسية، لعل أهمها تأسيس مجلس نقد مشترك لدول المجلس وإصدار عملة واحدة، فالمملكة العربية السعودية رأت أنها بحكم كونها الدولة الأكبر في قوة اقتصادها، أنها أولى باستضافة مجلس النقد الخليجي المقترح، لكن الإمارات العربية أصرت على جعل المقر في "أبو ظبي"، وما زالت الإمارات تحاول إظهار اختلافها مع الجميع، ولعل آخر سلوك هو خروجها من منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك، أما سلطنة عمان فإنها عضو في مجلس التعاون الخليجي وربما ينظر البعض إلى هذه العضوية على أنها العضوية المفروضة، ويرى كثير من المراقبين أنها جلست في المكان الخطأ، ربما كان في ذلك مداراة لحرج استشعرته في حال بقائها خارج هذا الوعاء الخليجي في بداية تشكيل المجلس، بعد فترة وجيزة من نشوب الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، والذي قيل إنه تشكل ليستبعد العراق، كي يعلن أنه طرف غير معني بالنزاع الناشب على مقربة خزان النفط الرئيس في العالم.

وإذا عُدنا إلى الأمس القريب فإننا سنرى موقفا أثار تساؤلات عن مدى الانسجام داخل مجموعة كانت تصرّ على أنها أكثر البيئات العربية انسجاما واقتربا من العادات والطبائع البشرية، فبعد الانقلاب الذي قاده الحوثيون في اليمن، انسحبت قطر في وقت مبكر من التحالف العربي الداعم للشرعية، بل وأظهرت ميلا إلى جانب الحوثيين، تم التعبير عن مفرداته في تغطية قناة الجزيرة الفضائية لمجريات الحرب، وخاصة ما حصل في تغطية أخبار ميناء الحديدة اليمني، إذ كانت قد عُرضت في قناة العربية صور من سيطرة قوات الشرعية بدعم من التحالف العربي على الميناء، ولكن قناة الجزيرة كانت حريصة على دحض تلك المشاهد، أما ما جرى من توترات بين قطر والبحرين في مرحلة سابقة من القرن الماضي حول عائدية جزر "فشت الديبل" والتي من بينها جزيرة اسمها جزيرة "حوار"، أذكر أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي حينذاك، توسط بين الطرفين وقال كلمة معبرة "يجب أن يكون جهدنا لحل الأزمة منسجما مع اسم الجزيرة"، على العموم هذه الإشكاليات الفرعية بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، تلخص الخلافات البينية التي كانت مثل قنبلة موقوتة تهدد استمرار المجلس على قيد الحياة.

من هذا كله يمكن أن نستخلص نتيجة واحدة، وهي أن العرب منقسمون على أنفسهم وأن وحدتهم تظهر في المواقف المعلنة لا غير، وأن العالم سيظل يستخف بهم كما ظهر في الحرب الأخيرة عندما تعاملت معهم إيران على أنهم الضلع الأوهن في معادلة الحرب والسلام، وأنهم آخر من يؤخذ رأيه فيهما

مَن لِمَن؟.. حين تُدار حواضر الرافدين بعقلية الغنيمة والسمسرة/ بقلم حميد مجيد محمد

  مَن لِمَن؟.. 

حين تُدار حواضر الرافدين بعقلية الغنيمة والسمسرة

حميد مجيد محمد 

قراءة تخرق وجه الريح لتكشف تفاصيل الجلسة الأخطر في تاريخ بلاد النهرين، حيث تلاشت الخطب المنبرية وتعرّت وجوه الطغمة التي تبيع السيادة بدراهم معدودة، ليبقى السؤال الحاسم: مَن لِمَن؟

بين مطارقِ الوصايةِ وسندانِ التواطؤ، يجلسُ العراقُ اليومَ في غُرفةِ "المداولةِ" الكبرى؛ لا كقاضٍ يزنُ الجنايةَ بميزانِ العدل، بل كوطنٍ يُساقُ إلى المقصلةِ بدمٍ بارد، وتحتَ عباءةِ نصوصٍ ومحاضرَ صاغَتها أصابعُ الهواةِ وأمْلتْها أهواءُ الغزاة. إنها الجلسةُ الأخطرُ في تاريخِ بلادِ النهرين، حيثُ لم يعدِ السؤالُ المطروحُ فوقَ طاولةِ الساسةِ: "كيفَ ننهض؟"، بل غدا السؤالُ الفاضحُ العاري: "مَن لِمَن؟!"

إقطاعيات ممسوخة: حين تباع النخيل بدراهم معدودة

مَن لِمَن؟ ومطامعُ الجوارِ تنهشُ الخاصرة، والولاءاتُ العابرةُ للحدودِ تبيعُ النخيلَ بثمنٍ بَخسٍ دراهمَ معدودة! مَن لِمَن؟ والسيادةُ صارت خِرقَةً باليةً تتقاذفُها عواصمُ القرار، بينما ينظرُ ابنُ الرافدينِ إلى أرضِ أبائهِ وأجدادهِ فلا يرى سوى "إقطاعياتٍ" ممسوخة، تُدارُ بعقلياتِ الغنيمةِ لا بروحِ الدولة. لقد جُرِّدَ السيفُ من غِمده، ولم يعدْ في الوقتِ متسعٌ للمجاملاتِ الباردةِ أو الخطبِ المنبريةِ المتساقطةِ كأوراقِ الخريف؛ فإما وطنٌ يستردُّ أنفاسَهُ بضربةِ حقٍّ قاطعة، أو غيابٌ أبديٌّ في غياهبِ التبعية.

سماسرة الأزمات: الواهمون خلف كواليس الحبر المسموم

إنَّ الذينَ يظنونَ أنَّ العراقَ مجردُ ورقةٍ في ملفِ المفاوضاتِ الإقليمية, أو حصةٍ لشركةٍ قابضةٍ تُوزَّعُ أرباحُها خلفَ الكواليس، واهمونَ حدَّ الفجيعة. فهذهِ الأرضُ التي علَّمتِ البشريةَ النطقَ والكتابة، لا تُمحى بجرَّةِ قلمٍ من حبرٍ مسموم، ولا تستسلمُ لرجالِ صدفةٍ قذفتْ بهم أمواجُ الأزماتِ إلى كراسي الحكم. العلةُ ليست في جسدِ العراق، بل في هذهِ الطغمةِ التي أدمنتِ العيشَ في جلبابِ السمسرة، وتخلتْ عن شرفِ الانتماءِ لأعرقِ حضارةٍ عرفَها الوجود.

سقوط الأقنعة الرمادية: السيف أصدق أنباءً من خطب التهدئة

وفي هذهِ المداولةِ المصيرية، تخرقُ الحقيقةُ وجهَ الريحِ كشفرةِ سيفٍ يمانيٍّ صقيل: الوطنُ ليسَ لِمن يسكنُ القصورَ المحصنةَ بالخوف، بل لِمن يحملُ همَّ الجائعينَ والمحرومينَ في الشوارعِ الخلفية. الوطنُ لِمن يحرسُ حدودَهُ بعينينِ لا تنامان، لا لِمن يفتحُ الثغورَ للغرباءِ ليقبضَ ثمنَ الخيانةِ مناصبَ زائفةً وعروشاً من ورق. لقد سقطتِ الأقنعةُ كلُّها، وتعرّتِ الوجوه، ولم يعدْ هناكَ منطقةٌ رماديةٌ نختبئُ خلفَها؛ فالسيفُ أصدقُ إنباءً من خطبِ التهدئة، والحسمُ اليومَ لم يعدْ خياراً، بل هو شريانُ الحياةِ الأخير.

حسم الوعي: مزبلة التاريخ بانتظار السجانين وقضبانهم

بناءً على ذلك، فإنَّ الجوابَ الحاسمَ لـ "مَن لِمَن" يكتبُهُ اليومَ وعيٌ عراقيٌّ جديد، يرفضُ المداهنةَ ويقطعُ حبالَ الوهم. العراقُ للعراقيينَ الذينَ لم تتلوثْ ضمائرُهم بأموالِ السُّحتِ الخارجي، ولم تنحنِ قاماتُهم لسيدٍ وراءَ البحارِ أو خلفَ الجبال. ستنتهي جلسةُ المداولةِ هذهِ عاجلاً أم آجلاً، وسيخرجُ القضبانُ والسجانونَ واللافتاتُ المستعارةُ إلى مزبلةِ التاريخ، ليبقى وجهُ العراقِ ناصعاً، طاهراً، وحراً؛ عصياً على الكسر، ومستعصياً على البيعِ والشراء.

2026/6/27

الخميس، 25 يونيو 2026

الأستاذ أحمَد ميشيل عَفلَق وسؤال الأمة المُؤجّل: لِماذا يَعود الفِكر القومِي كُلّما تَعمّقَت التَجزِئة؟ أ‌. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة - السودان

 

الأستاذ أحمَد ميشيل عَفلَق وسؤال الأمة المُؤجّل:

 لِماذا يَعود الفِكر القومِي كُلّما تَعمّقَت التَجزِئة؟

أ‌. طارق عبد اللطيف ابوعكرمة - السودان

في مثل هذه الأيام، لا نستعيد ذكرى قائد رحل، بقدر ما نستعيد سؤالاً لم يرحل. فسيرة القادة تنتهي عادة عند قبورهم، أما أصحاب المشاريع الكبرى فإن قبورهم تتحول إلى علامات استفهام في التاريخ. ولذلك فإن استذكار أحمد ميشيل عفلق ليس استدعاءً لشخص غاب عن الدنيا، بل استدعاءٌ لفكرة ما زالت تبحث عن مكانها في عالم عربي يزداد تمزقاً كلما ظن أنه تجاوز الحاجة إليها.

الأستاذ احمد ميشيل عفلق، الذي ولد في دمشق عام 1910، ودرس الفلسفة في السوربون، وأسس حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1947 مع زملائه صلاح الدين البيطار وزكي الأرسوزي، لم يكن مجرد سياسي، بل كان مفكراً حاول أن يمنح الأمة العربية إطاراً لفهم ذاتها. وفي كتاباته، خاصة كتاب (في سبيل البعث) ومقالاته التأسيسية، ظل السؤال الأكبر حاضراً، كيف يمكن لأمة أن تنهض بعد انكسارها؟

لقد رحل عفلق جسداً في الثالث والعشرين من حزيران، لكن السؤال الذي كرّس حياته للإجابة عنه ما زال حياً، كيف يتحول الشعب العربي إلى أمة واعية بذاتها ورسالتها ومصيرها؟

في التاريخ، شخصيات تصنع الأحداث، وشخصيات تصنع الأفكار التي تفسر الأحداث. والنوع الثاني أندر بكثير. فالحدث ابن لحظته، أما الفكرة فهي ابنة المستقبل. ومن هنا تأتي أهمية الأستاذ احمد ميشيل عفلق. لقد ظهر في لحظة كان العرب فيها يخرجون من تحت ركام الاستعمار الأوروبي، وكانت الخرائط الجديدة تُرسم فوق الجغرافيا العربية بالسلاح والاتفاقيات والمصالح الدولية. وفي ذلك الوقت، لم يكن السؤال المطروح كيف نستقل فقط؟ بل كيف نمنع هذا الاستقلال من أن يتحول إلى تجزئة دائمة؟

رأى القائد المؤسس ما لم يره كثيرون. رأى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاستعمار وحده، بل في أن تنجح التجزئة في التحول من واقع سياسي مؤقت إلى وعي دائم. فالحدود أخطر حين تستقر في العقول منها حين تُرسم على الخرائط.

ولم يكن هذا الهاجس الفكري معزولاً عن ظروف عصره، فقد نشأ في مرحلة تشكل فيه الوطن العربي تحت تأثير اتفاقية سايكس ـ بيكو، وتصاعد المشروع الصهيوني في فلسطين، واستمرت فيها أشكال متعددة من الهيمنة الأجنبية السياسية والاقتصادية والثقافية. ثم جاءت لاحقاً موجات الانقسام الطائفي والإثني لتضيف تحديات جديدة إلى سؤال الوحدة والهوية. ولهذا لم يكن المشروع القومي عنده مجرد حلم رومانسي، بل محاولة فكرية للإجابة عن تحديات تاريخية ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.

كان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس الاحتلال وحده، بل فقدان الوعي بذاتها. فالاحتلال قد يسيطر على الأرض، لكن الهزيمة الحقيقية تبدأ عندما تفقد الأمة إيمانها بوجودها التاريخي، وعندما تتحول من فاعل في التاريخ إلى مجرد مادة تتحرك داخل تاريخ يصنعه الآخرون. لهذا لم يبدأ مشروعه من السياسة، بل من الوعي.   لم يسأل أولاً كيف نحكم؟ بل سأل من نحن؟ ولم يسأل كيف نبني دولة؟ بل سأل كيف نستعيد أمة؟ وفي هذا تكمن فرادته الفكرية. فمعظم الحركات السياسية العربية انشغلت بإدارة الواقع، أما هو فانشغل بتفسير أسباب تراجع الأمة نفسها ووضع الاستراتيجيات لنهوضها.

لقد عاش في زمن كانت الأمة العربية تبدو فيه وكأنها تنهض. الاستعمار ينسحب، حركات التحرر تتقدم، الجماهير تمتلئ بالأمل، والوحدة العربية تتحول من حلم ثقافي إلى مشروع سياسي. لكن الرجل كان يرى ما هو أبعد من المشهد المباشر. كان يدرك أن الأمة التي لا تمتلك وعياً بوحدتها ستعود إليها التجزئة مهما حققت من انتصارات، وأن الدولة التي لا تستند إلى مشروع حضاري ستتحول إلى جهاز إداري كبير بلا روح، وأن الاستقلال السياسي لا يساوي شيئاً إذا ظل العقل مستعمراً. ولم تكن هذه الرؤية مجرد شعارات، بل تجسدت في مثلث الأهداف الذي ظل محورياً في فكر البعث: الوحدة، الحرية، الاشتراكية. فكل هدف كان مرتبطاً بالآخر لا وحدة بدون تحرر من الاستغلال، ولا حرية بدون عدالة اجتماعية، ولا اشتراكية بدون إطار قومي يحميها.

غير أن أهمية هذا المثلث الفكري اليوم لا تكمن في استعادته بصيغته التاريخية كما ولد في منتصف القرن العشرين، بل في إعادة قراءته في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين.  فالوحدة لم تعد مجرد قضية حدود وجغرافيا، بل أصبحت قضية تكامل معرفي وتكنولوجي واقتصادي. والحرية لم تعد تعني التحرر من الاستعمار المباشر فحسب، بل امتلاك القدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في البيانات والتقنيات الحديثة. أما العدالة الاجتماعية فقد باتت مرتبطة بمكانة الإنسان العربي في اقتصاد رقمي عالمي تقوده الثورة المعرفية والذكاء الاصطناعي. ولذلك فإن سؤال النهضة الذي طرحه القائد المؤسس لا يزال قائماً، لكنه يطرح نفسه اليوم بلغة جديدة وأدوات جديدة وعالم مختلف.

بعد عقود من رحيله، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً. فالوطن العربي اليوم يملك اقطارا أكثر مما كان يملك زمن القائد المؤسس، لكنه يملك أمة أقل في الفعل. الحدود أصبحت أكثر صلابة، لكن الروابط أصبحت أكثر هشاشة. والاقطار أصبحت أكثر انشغالاً بحماية الكيانات السياسية والدولة الوطنية والوحدة المجتمعية المهدَّدة، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المتعلقة بالهوية والمصير المشترك ازاء الهجمات التقسيمية المتكالبة على العرب. 

ولهذا يعود القائد المؤسس إلى النقاش من جديد.  ليس لأن الناس يبحثون عن الماضي، بل لأن الواقع نفسه يعيد إنتاج الأسئلة التي حاول الإجابة عنها. فكلما تمددت مشاريع التفتيت الطائفي والإثني والمناطقي، عاد السؤال القومي إلى الواجهة. وكلما تحولت الأقطار إلى جزر معزولة، عاد السؤال الوحدوي إلى الواجهة. وكلما جرى اختزال الإنسان العربي في انتماءاته الطائفية والاثنية الصغيرة، عاد السؤال الحضاري الكبير، من يحافظ على جمع هذه الأمة التي هي في حقيقتها واحدة؟ ذلك لأن فكرة الأمة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة تاريخية. فالأمم لا تعيش بالجغرافيا وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا بالقوة العسكرية وحدها، بل تعيش أولاً بإيمانها بأنها أمة.

لم تنجح الدولة القطرية في بناء مشروع تاريخي بديل للمشروع القومي. ولهذا نجد أنفسنا اليوم أمام حالة غريبة، الدول موجودة، لكن الأمة غائبة. الحدود قائمة، لكن الأمن مهدد. المؤسسات تعمل، لكن المشروع الحضاري غائب. وكأن العرب ربحوا الجغرافيا وخسروا الفكرة. وربما تكمن المفارقة الأعمق في أن غياب الفكرة الجامعة لم يؤد فقط إلى تهديد الشعور القومي، بل انعكس أيضاً على الواقع العملي للأقطار العربية نفسها. فالحروب الأهلية، والتدخلات الخارجية، وتآكل منظومات الأمن القومي، وضعف التكامل الاقتصادي، كلها تعكس ثمن الانتقال من فضاء الأمة إلى فضاء الكيانات المنعزلة. ولذلك فإن سؤال الوحدة لم يعد مجرد قضية عاطفية أو أيديولوجية، بل أصبح سؤالاً مصيرياً في صراع البقاء والوجود، يتعلق بمستقبل الاستقرار والتنمية والقدرة على مواجهة تحديات العالم المعاصر.

ولعل المفارقة التاريخية الأكثر إثارة للتأمل أن كثيراً من الأفكار التي حذّر منها القائد المؤسس أصبحت اليوم جزءاً من الواقع العربي. فالتجزئة التي اعتبرها حالة مؤقتة تحولت في بعض الأحيان إلى سمة سياسية وثقافية تسعى لفرض ديمومتها، والهويات الفرعية التي خشي من صعودها أصبحت في بعض الأقطار تستهدف الهوية الوطنية لتكون اقوى منها، أما التدخلات الخارجية التي رآها نتيجة للضعف العربي فقد تحولت إلى عنصر شبه ثابت في إدارة أزمات المنطقة. وليس المقصود من ذلك القول إن التاريخ أنصف جميع أطروحاته أو أن التجربة القومية كانت بلا أخطاء، بل إن المقصود أن الأسئلة التي طرحها حول الوحدة والهوية والاستقلال الحضاري ما تزال مطروحة بإلحاح أكبر مما كانت عليه في زمنه، لابل ان التاريخ المعاصر بما يفرضه من تحديات يثبت كل يوم سلامة ما دعى اليه .

غير أن القيمة الحقيقية للقائد المؤسس لا تكمن في الأجوبة التي قدمها فقط، بل في الأسئلة التي تركها مفتوحة أمام الأجيال. فالرجل لم يورث العرب حزباً فحسب، بل ورّثهم قضية.  ولم يورثهم تنظيماً فحسب، بل ورّثهم رؤية للإنسان العربي باعتباره مشروع نهضة لا مجرد مواطن داخل حدود سياسية. فالأفكار الكبرى أكبر من تجاربها، وأطول عمراً من التنظيمات التي تتبناها، وأعمق من الأخطاء التي يرتكبها البشر باسمها.

إن القيمة الحقيقية للمفكر لا تُقاس بعدد الذين اتفقوا معه، بل بقدرته على البقاء داخل الأسئلة الكبرى لأمته والاجابة عليها. فهناك مفكرون يجيبون عن مشكلات عصرهم ثم يغادرون معه، وهناك مفكرون يتحولون إلى جزء من البنية الفكرية للتاريخ نفسه. وعندما يعود الناس بعد عقود طويلة إلى مناقشة أفكار رجل رحل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن أجوبته واهدافه قد تحققت، بل يعني أن الأسئلة التي طرحها والحلول التي اقترحها والتحديات التي شخصها ما تزال حية ومتفاعلة و تنتظر المزيد من النضال لتحقيقها. وفي هذا المعنى، ربما لا تكمن أهمية القائد المؤسس في أنه قدّم الحل النهائي لمسألة الأمة العربية، بل في أنه جعل هذه المسألة نفسها جزءاً دائماً من الوعي العربي الحديث.

خاتمة:  

إن الأمم العظيمة تُقاس بقدرتها على إنتاج الأفكار التي تظل قادرة على الحياة بعد رحيل أصحابها. وفي هذا المعنى، فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق لم يعد مجرد شخصية تاريخية. لقد أصبح جزءاً من الوعي العربي حول معنى الأمة ومعنى الحرية ومعنى الوحدة. ربما يكون أعظم ما يمكن أن يُقال في ذكراه اليوم، أن الرجل لم يكن يبحث عن سلطة، بل عن معنى. وكان يعلم أن السلطة تزول، والأنظمة تتبدل، لكن الأفكار التي تلامس جوهر الأمة تبقى قادرة على العودة كلما ظن الناس أنها غابت. وما دام هذا السؤال حياً، فإن الأستاذ أحمد ميشيل عفلق سيبقى حاضراً في الذاكرة العربية، لا بوصفه رجلاً من الماضي، بل بوصفه واحداً من أولئك الذين منحوا الأمة العربية صورةً لاستحقاقها الحقيقي هي أوسع من حاضرها، وأعمق من انقساماتها.

وإذا كان سؤال الأستاذ ما زال حياً، فإن الإجابة عنه اليوم، ليست في استعادة شعاراته، بل في قدرة جيل جديد على حمل الفكرة بوعي جديد. جيل لا يكتفي بالحنين إلى الماضي، بل يعيد قراءة المشروع القومي العربي في ضوء متغيرات العصر والمتمثلة في العولمة، الذكاء الاصطناعي، التحولات الاقتصادية، وتفتت الدولة الوطنية. فالأفكار لا تورث، بل يعاد اكتشافها. ففي ذكرى رحيله، لا نستذكر رجلاً مضى، بل نستحضر سؤالاً ما يزال ينتظر الإجابة، هل يستطيع العرب أن يتحولوا من شعب يجمعه الماضي إلى أمة يصنعها المستقبل؟ ذلك هو السؤال الذي عاش القائد المؤسس من أجله، وذلك هو السؤال الذي يجعل حضوره في الفكر والوجود العربي أكبر من حضوره في التاريخ السياسي.








الأربعاء، 24 يونيو 2026

ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية وإعادة تشكيل المستقبل./ الكاتب مهند المدني

  ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية وإعادة تشكيل المستقبل.


الكاتب مهند المدني*

تمر المنطقة العربية بمرحلة تحول جيوسياسي هي الأعنف والأكثر تعقيداً منذ عقود، حيث لم تعد الساحة الإقليمية مجرد ميدان لصراعات محلية، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز رئيسية في صراع القوى العظمى لإعادة صياغة النظام الدولي. ومن منظور يستند إلى تفكيك الواقع وتحليله عبر عدسة واقعية سياسية مجردة من العواطف، يصبح رصد هذه الملامح ضرورة استراتيجية لفهم كيف يُعاد تشكيل مستقبل المنطقة.

أولاً/ لم يعد النظام الدولي أحادي القطبية، فالمنطقة العربية تشهد اليوم تقاطعاً حاداً بين ثلاثة مشاريع دولية كبرى، يسعى كل منها إلى تأمين مصالحه الحيوية وجعل المنطقة جزءاً من مجاله الحيوي، وتتوزع ملامح هذا التنافس على النحو التالي:

أ- الولايات المتحدة الأمريكية: يتركز مستهدفها الاستراتيجي في الحفاظ على هيمنتها الأمنية التقليدية، وتأمين التدفق الحر لإمدادات الطاقة العالمية، إلى جانب محاصرة وتطويق النفوذ الصيني والروسي المتصاعد في المنطقة. وتعتمد واشنطن في تحقيق ذلك على شبكة شراكاتها الأمنية التاريخية، وانتشار قواعدها العسكرية، وإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.

ب- الصين: ينصب تركيزها الأساسي على البُعد الاقتصادي والتنموي، حيث تسعى لتأمين خطوط الإمداد الحيوية لصناعاتها، ودمج المنطقة العربية كحلقة وصل رئيسية في شبكة التجارة العالمية. وتتخذ بكين من المشاريع الاقتصادية الضخمة أداة تنفيذية لبسط نفوذها، من خلال مبادرة الحزام والطريق والاستثمارات الاستراتيجية الواسعة في البنى التحتية والموانئ الحيوية.

ج- روسيا: تتمحور استراتيجيته حول كسر حالة العزل الدولي التي يحاول الغرب فرضها عليه، وإيجاد موطئ قدم دائم ونفوذ جيوسياسي في البحر المتوسط والخليج العربي. وتعتمد موسكو في تمددها على أدوات الدبلوماسية العسكرية المرنة وعقد صفقات التسليح والاستثمار الاستراتيجي في قطاعات الطاقة والغاز وبناء تحالفات سياسية مباشرة مع الأطراف الإقليمية الفاعلة.

ثانياً/ ملامح المنافسة الجيوسياسية (أين يتركز الصراع؟):

تتخذ المنافسة الدولية في المنطقة أشكالاً متعددة تتجاوز المفهوم التقليدي للاحتلال العسكري، لتتركز في ثلاثة أبعاد أساسية:

أ- حرب الممرات المائية والمضايق الاستراتيجية:

تضم المنطقة العربية أكثر الممرات المائية حيوية في العالم (مضيق هرمز، باب المندب، وقناة السويس). وهذه السيطرة التنافسية سواء المباشرة أو عبر الوكلاء الإقليميين على هذه الممرات (كما هو حاصل الآن بالنسبة لمضيق هرمز) تعني التحكم في شريان التجارة العالمي وأمن الطاقة الدولي، وهو ما يفسر التواجد العسكري المكثف للقوى الدولية في مناطق مثل القرن الإفريقي وخليج عدن.

ب- ممرات الطاقة والربط البيني الجديد:

لم يعد التنافس محصوراً في قطاع النفط التقليدي، بل انتقل إلى غاز شرق المتوسط، ومشاريع الهيدروجين الأخضر، وممرات الربط البري والبحري التي تربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط. القوة التي ستتحكم في هندسة هذه الممرات ستملك القدرة على صياغة الشروط الاقتصادية للمستقبل.

ج- التنافس التكنولوجي والأمني الرقمي:

تطورت أدوات المنافسة لتشمل شبكات الاتصالات من الجيل الخامس والسادس، والأمن السيبراني، ومشاريع الذكاء الاصطناعي. لتحاول القوى الغربية الضغط لعدم اعتماد التقنيات الشرقية في البنى التحتية الحساسة للدول العربية، مما يضع القرار السيادي العربي تحت اختبار حقيقي.

ثالثاً/ القوى الإقليمية الفاعلة بين صراع النفوذ والتحوط الاستراتيجي:

أمام هذا التنافس الدولي، تبرز أدوار خمس قوى إقليمية رئيسية تحاول أن تُعيد صياغة موازين القوى في المنطقة وفقاً لمصالحها

1: المملكة العربية السعودية بقيادتها البراغماتية: تُمثل النموذج الأبرز لتطبيق استراتيجية (التحوط وتنويع التحالفات) حيث تدير علاقاتها ببراغماتية عالية ((شراكة أمنية مع واشنطن وتوازن طاقة مع روسيا عبر أوبك بلس وشراكة تكنولوجية مع الصين)) مستهدفةً تحويل التنافس الدولي إلى بيئة جذب لدعم رؤيتها التنموية 2030 وفرض ريادتها الاقتصادية.

2: إيران ومشروعها النفوذي والتسويات الحرجة: تعتمد إيران على استراتيجية (الدفاع المتقدم) عبر شبكة حلفائها وفصائلها في الساحات العربية، وبسبب الضغوط الغربية اتجهت نحو تعميق التحالف مع الصين وروسيا لكسر العزلة، مع إبداء مرونة براغماتية عالية في المفاوضات ومذكرات التفاهم الدولية للحفاظ على مكتسباتها الجيوسياسية.

3: تركيا والبراغماتية الصاعدة والربط اللوجستي: تُناور بذكاء كونها عضواً في الناتو وبوابة اقتصادية مفتوحة على الشرق (روسيا والصين). تسعى لفرض نفوذها الأمني والمائي على حدودها مع العراق وسوريا، وتطمح لأن تكون المركز اللوجستي العالمي الأول للطاقة والبضائع عبر الرهان على مشاريع الربط الكبرى وتصفير أزماتها مع المحيط العربي.

4: العراق باعتباره قلب المعادلة وجسر التوازن: يقع العراق في النقطة الأكثر حرجاً، كونه ساحة التجاذب الرئيسية. ويقف مستقبله بين سيناريوهين:

أ- إما البقاء كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات واستنزاف السيادة.

ب- أو التحول إلى (دولة الجسر) التي تفرض التوازن الاقتصادي والربط الدولي عبر مشاريع واعدة مثل (طريق التنمية وميناء الفاو) شريطة حماية قراره الداخلي.

5: إسرائيل وهيمنتها الأمنية وإعادة الهندسة الإقليمية: تتحرك كفاعل عسكري وتكنولوجي يسعى لفرض واقع جيوسياسي جديد يقوم على ركيزتين:

تفكيك وتقويض مفاصل محور المقاومة التابع لإيران لتأمين عمقها الاستراتيجي والسعي للاندماج في شبكات الربط الاقتصادي والأمني المدعومة أمريكياً وغربياً، مستهدفةً تحويل التنافس الدولي إلى غطاء لتثبيت تفوقها النوعي وجعل نفسها عنصراً إلزامياً في أي ترتيبات مستقبلية لأمن المنطقة وطاقتها.

رابعاً/ إعادة تشكيل المستقبل والسيناريوهات المتوقعة:

بناءً على تداخل أدوار القوى الدولية والإقليمية، يتأرجح مستقبل المنطقة بين سيناريوهين رئيسيين:

السيناريو الأول/ سيناريو الاستقطاب الحاد والحروب بالوكالة: وفيه تفشل القوى الإقليمية في إدارة التوازنات، مما يؤدي إلى ارتهان الدول الهشة للمحاور الدولية، وتعميق التفتيت، وتحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف دائم لمواردها وسيادتها لصالح الأقطاب الكبرى، وتقريباً هذا الذي يحصل الآن.

السيناريو الثاني/ سيناريو التوازن الذكي والبراغماتية الاقتصادية: وفيه تنجح العواصم الإقليمية المؤثرة في رفض معادلة (إما معنا أو ضدنا) لتفرض شروطها السيادية عبر تعظيم المصالح المشتركة مع جميع الأقطاب، وتحويل التنافس الدولي إلى فرصة تطوير للمؤسسات والبنى التحتية وتحقيق الاستقرار المستدام.

ختاماً إن وعينا يدرك أن المستقبل يُصنع ولا ينتظر. والمنافسة الدولية الراهنة على المنطقة العربية، رغم كل مخاطرها الجسيمة، تفتح نافذة للدول التي تملك رؤية براغماتية حقيقية لتعظيم مكاسبها. الخطوة الأولى تبدأ من الداخل عبر الوعي السياسي الواقعي، وإصلاح مؤسسي مرن، وقراءة دقيقة لموازين القوى الدولية دون الانحياز الأعمى لقطب على حساب الآخر.

(*) كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي.

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية/ د. نزار السامرائي / جزء ٣

  حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية


د. نزار السامرائي 

جزء ٣

هل كانت فكرة سريعة طرأت في رأس الرئيس الأمريكي كي يتحول ذلك التحول الذي أدهش المراقبين السياسيين، عندما انتقلت من أكثر الشعارات تطرفا ضد إيران، إلى إصرار أعمى على التوصل معها إلى اتفاق شامل، فهل يمثل هذا التحول صراع نفوذ أو اختلاف في وجهات النظر داخل المراكز العليا في الإدارة الأمريكية، وهل هناك تحت الطاولة أشياء لن تظهر للعلن إلا بعد زمن قد لا يكون قصيرا.

من المقطوع فيه وبالتجربة الميدانية، أن إيران لا يمكن أن تبعث برسائل تطمين لأي طرف أو دولة من الدول، ويستوى في ذلك الأصدقاء والخصوم والأعداء على حد سواء، ذلك أنها لم تلتزم طيلة تاريخها المُدَون بما تُوقع من اتفاقيات، أو تُعطيه من تعهدات مكتوبة أو شفهية، وذلك يَنطبق على علاقاتها مع الدول الكبرى أو الدول الصغيرة، بل لعلها أكثر شطارة وجسارة في التنصل من أي التزام تقطعه على نفسها، في المباحثات أو في الوثائق بما فيها الموثقة لدى المنظمات الدولية، ذلك أن الدول الكبرى تظن أنها قادرة على تصويب المسار وقتما انحرف عن الطريق المرسوم، أما الدول الصغيرة فإنها قد تجد نفسها مضطرة لتوقيع اتفاق الفرصة المتاحة، أو أنها بحكم معرفتها بالسلوك الإيراني المُوغل بالقِدم من تجربتها مع دولة فارس، كانت أكثر حذرا من الدول الكبرى في تعاملها مع إيران، فتكون أكثر دقة في اختيار النصوص وسد الطرق على الطرف الآخر لمنعه من تقديم التفسيرات القابلة للتأويل.

وترى إيران في سلوكها هذا، شطارة نادرة تعزوها إلى مفاوضيها الذين يثيرون الملل لدى كل من يفاوضهم، وعلى من يفكر بالدخول بمفاوضات مع الإيرانيين حتى لو كان ذلك مخصصا لشراء معزة، أن يَعدَ نفسه لماراثون طويل أطول من المارثون الرياضي بعدة أضعاف، فمن مقترح إلى مقترح بديل ومن فقرة في بداية الديباجة إلى شرطٍ في نهاية الاتفاق، ومن أخذِ وقتٍ لدراسة الرد، وأخذ استراحة للعودة إلى المراجع داخل البلد، ثم طلب تمديد الوقت لأن الدراسة لم تستكمل حلقاتها، ومن تغيير موضع النقطة، إلى تغيير كلمة إلى أخرى، مع العلم أن الكلمة المطلوب تغييرها جاءت بمبادرة من الجانب الإيراني نفسه، هكذا تجري المباراة "المفاوضات"، ثم يطلب المفاوض الإيراني العودة إلى بلاده كي يَحضر عيد ميلاد جدته التي كانت قد توفيت قبل عشر سنوات على أقل تقدير.

أذكر مرة أن موشي دايان أجاب عن سؤال صحفي عن العوامل التي مكنت إسرائيل من الانتصار على العرب، على الرغم من أنهم يفوقونها عدداً وثروة وعمقاً استراتيجياً فقال، هناك جنرال يقاتل معنا ضدهم اسمه الجنرال ملل، فالعرب سريعو الملل لا يطيقون الصبر، مع أن دينهم يحضهم على الصبر في أكثر من موقع في كتابهم، ويقال إن دايان قد اقتبس هذا المثل من قول مشهور للجنرال السوفيتي جوكوف الذي يوصف بأنه صانع النصر السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما قرر سحب الجيوش السوفيتية أمام الغزو النازي وأفرغ المدن من أي شيء يمكن أن ينفع الجيش النازي، وعندما كان يُسئل عن أسباب ذلك كان يقول سنسلم العدو للجنرال ثلج الذي سيُلحق بهم الهزيمة الأخيرة.

ويبدو أن إيران نجحت بالتلاعب بأعصاب المفاوض الأمريكي عبر الربط المحكم بين التمنع والرضا واللهفة، من أجل التوصل إلى حل يضمن لها أعلى ما ترغب بتحقيقه من إنجازات ونتائج، دفعت من أجل الوصول إليها ثمنا باهظا، ليس أكبرها وأهمها فقدان المرشد، بعد أن استهدفته القوات الإسرائيلية بغارة ناجحة، أودت بحياته وحياة كثير من مساعديه ومستشاريه، ومع الشعور بالحرج الشديد الذي تعيش تحت سقفه الزعامة الإيرانية الجديدة، من اختيار طريق التفاوض مع قاتلي الزعامة الإيرانية، بسبب ما ستطرحه من تساؤلات عقائدية عن صواب التعاطي مع أعداء من هذا الطراز أم لا؟ مما قد يطرح على المستوى الشعبي سؤالا جدياً هل يجوز التفاوض مع جيش يزيد على سبيل المثال، أو يقع ذلك ضمن دائرة المحرمات الشرعية؟ فما هي التفسيرات التي ستطرحها إيران أمام نفسها وأمام الشعب، بل وأمام التاريخ، في ضوء ما كان يطرح سابقا من أن لا لقاء مع قوى الاستكبار مهما طال الزمن، فهل هناك فتوى دينية تسوغ اللقاء بين ممثلي الرحمن كما يصف الإيرانيون أنفسهم وممثلي الشيطان وهو الوصف الذي يطلقونه على الولايات المتحدة، باعتبارها الشيطان الأكبر.

الزعامة الإيرانية التي شغلت مراكز القيادة في إيران بعد القضاء على الخطين الأول والثاني من القيادة السابقة، لم تزل لغزا محيّرا للإدارة الأمريكية، وهذا ما يزعج ترمب أكثر من أي شخص آخر، لأن الرئيس الأمريكي، يفضل التعامل مع خصم عنيد، على طرف مجهول حتى لو كان ضعيفا أو يحمل مرونة محتملة أو عالية، فالتعمد الذي اختارته إيران بعد شباط/فبراير 2026، في حجب هوية الرجال الذين يمسكون بالحكم في طهران كان جزءا من خطة مدروسة أعدت على عجل، للتحرك على الساحة الخارجية والجلوس على مائدة المفاوضات وليس للعودة إلى حرب قد تُجهز على ما تبقى تحت يد القيادة من إمكانات أو قدرات مادية لا غنى لأي دولة عنها، التي لهذا ولغيره من الدوافع، ما يزال مركز القوة في السلطة الجديدة في طهران، مجهولاً في قدرته على فرض كلمته على التيارات المتصارعة داخل البلاد، في مرحلة انعدام الوزن في بلد كانت تتركز فيه السلطة بيد رجل واحد، لم يُعد نفسه لفراغ في مركز السلطة بصورة فجائية.

ربما ركز ترمب معظم وقته ليتعرف على من يحكم في طهران فعلا، أكثر من تركيزه على ما يجب تناوله في المباحثات التمهيدية، وكيف ينتقل الأمر إلى الصفحة التالية، وهي صفحة مزدحمة بالملفات التي تكتسب أعلى درجات الأهمية لدى الجانب الإيراني، وربما تكتسب أهمية لدى دول الإقليم وتتخطاه إلى أوربا، لأن غرور القوة التي تشعر به الولايات المتحدة، والتي طالما تفاخر بها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب، بحيث أشغله ذلك عن التفكير السليم بأن القوة العسكرية حين تصل إلى حدودها القصوى، تتحول إلى عبء ثقيل على مالكها أكثر مما تسببه من قلق لدى خصومها، فالولايات المتحدة التي تظن أن أمنها مُصان وعصيّ على أي تهديد خارجي، لعوامل تاريخية وجغرافية ولأنها لم تخض حربا فوق أراضيها أبدا باستثناء حرب الاستقلال والحرب الأهلية، ونتيجة تضخم القوة العسكرية التي تمتلكها وتنوع ما لديها من أحدث ما أنتجته عقول العلماء الأمريكان وغيرهم من أسلحة فتاكة وأسلحة دمار شامل وصواريخ عابرة للقارات، وغواصات تجوب البحار وأعماقها وحاملات طائرات نووية ليست بحاجة إلى التزود بالوقود إلا بعد وقت طويل، كل هذه الحلقات المتعددة أعطت صناع القرار الأمريكي ومنفذيه حالة اطمئنان إلى أن بلادهم، قادرة بقرار واحد فرض الاستسلام على أي بلد حتى في حال استبعاد أسلحة الدمار الشامل.

وكأي حرب كان لا بد أن تنتهي عبر التفاوض المباشر أو بوساطة أطراف محايدة أو باستسلام أحد الطرفين، وفي الحرب الأمريكية الإيرانية حري بنا أن نسأل سؤالا محددا، من هو المنتصر ومن هو المهزوم، وعندما لا يأتينا جواب محدد، لا بد أن ننتقل إلى أسئلة أخرى، وهي من هو الذي يريد التفاوض؟ وماذا يريد من المفاوضات؟ وهل يسعى الطرف المنتصر للتنازل عن جزء من مكاسبه التي حققها في جبهات الحرب ولماذا يفعل ذلك؟ وهل تُخاض الحروب لدوافع إنسانية كي نتوقع منها تَخلّي المنتصرين عن انتصاراتهم بلا ثمن؟ ولعل السؤال الكبير الذي لم يجد إجابة قاطعة حتى الآن بشأن كل الحروب التي كانت إيران طرفا فيها، هل هي حروب تحريك المشهد لفرض حقائق سياسية واستراتيجية جديدة؟ أم أن الهدف منها تحجيم دور إيران الإقليمي ودفعها للتراجع إلى داخل حدودها السياسية؟ والانتقال من مرحلة الثورة وتصديرها إلى الخارج، إلى مرحلة الدولة الطبيعية التي تحترم القوانين الدولية ولا تتدخل في شؤون الآخرين، وكيف تريد أن يتحقق ذلك بصورة تدريجية أو بصورة دراماتيكية؟ 

حقيقة الأمر لا توجد أجوبة جاهزة عن هذه الأسئلة ولهذا يجري البحث عن إجابات قد تبدو متصادمة في معظم الأحيان ولا يمكن أن توصلنا إلى تفسيرات نهائية.

لقد ارتكبت أخطاء جسيمة من قبل المتحاربين أنفسهم، وحتى من قبل الذين امتنعوا عن المشاركة في الحرب، مما أدى إلى أن يدفع الجميع أثمانا متقاربة، ولكننا قد نجد أن الذين ظنوا أن النأي بالنفس في تلك الحرب المدمرة نتيجة حسابات خاطئة، سيجدون أنفسهم يتحملون من أثمان حرب المنتصرين والمهزومين معاً.

ما صدر من الجانبين ومما اعتبره كل طرف منهما، أنه سيرجح كفته في تلك المفاوضات، قد تدعم مسار التفاوض وقد تدق مسمارا في نعشه، ولكن هناك مؤشرات على أن إيران ستلتقط فرصة ما حققته من نجاح جزئي لاسيما في منع المنتصرين عسكريا من تحويل انتصارهم إلى نصر سياسي، وهذا سيعزز من قدرة إيران في إحداث شرخ في تحالف المنتصرين.

وقد لاحظ المراقبون أن إيران حققت نجاحا ملموسا في ملفين سياسيين حتى الآن على الأقل، الأول تحويل قضية مضيق هرمز إلى واحد من إفرازات الحرب، على الرغم من أن المضيق ظل مفتوحا أمام الملاحة الدولية حتى بعد أيام عديدة من نشوب الحرب، ولم يكن أحد أسباب اندلاعها، والثاني ربط ملف وقف اطلاق النار بالملف اللبناني، ولأن إيران توصلت إلى قناعة يقينية أن ترمب وصل إلى الحد الأعلى من الجزع من استمرار الحرب، من دون أن يلوح بالأفق بصيص أمل بالخروج من الحرب بشيء من الفخر الذي تبجح به ترمب طويلا، وهذا هو الذي أعطى إيران أرجحية في التفاوض مع الولايات المتحدة لا في ساحات المعارك، فبعد عدة محاولات للجلوس على مائدة واحدة بين المتفاوضين، وجدت واشنطن أنها وضعت قدماً على بداية طريق أضاعت بدايته، من خواتيمه ولا تدري إلى أين سيوصلها هذا الخيار.

وقد مارست إيران أعلى درجات الخديعة، عندما كانت تُسَوقُ حُزماً متناقضة من الأخبار والتصريحات لكبار المسؤولين، بعضهم من الحرس الثوري وتيار المتشددين، وبعضهم مما يسمى بالتيار الإصلاحي الذي يطلق عليه وصف جماعة المعتدلين، ولاحظنا في مباحثات منتجع بورغنشتوك السويسري، أن الوفد الإيراني هدد علناً بالانسحاب منها، وقام بحركات استعراضية، الهدف منها ليس جلسة المفاوضات ولا كاميرات المراسلين، بل الشارع الإيراني الذي يحتاج كثيرا إلى وصلة ترفع معنوياته، وذلك بحجة أن إسرائيل شنت هجمات على مواقع حزب الله اللبناني، في حين أن نائب الرئيس الأمريكي فانس أكثر المسؤولين الكبار في إدارة ترمب حماسا لعقد الصفقة مع طهران، قال إن الوفدين التقيا في القاعات المغلقة لمدة تسع ساعات كاملة، وهذه من أبسط الأدوات التي تتقنها  إيران على أفضل الوجوه، وذلك في رسائل للداخل الإيراني للظهور بمظهر الطرف الممتنع عن الحوار بمقابل طرف متهالك عليه، مستندة إلى تحليل منطقي يقول إن الطرف الساعي إلى التفاوض هو الطرف الأضعف، فما كان من الوسطاء إلا أن يبلعوا الطعم ويهبّوا دولا مجتمعة أو منفردة، في لعبة علاقات عامة أبهرت المتابعين للمشهد على شاشات الفضائيات، التي أهملت بطولة العالم لكرة القدم ووجدت أن تلك البضاعة كسدت، وحصل تحول دراماتيكي في اهتمامات الموطنين في كل القارات نحو القضايا الجادة، والتي لها الفضل الأول في تحرك عجلة الاقتصاد العالمي، بدلا من مشاهد الرياضة واللهو التي كانت تحتل المرتبة الأولى في اهتمامات المشاهدين، فصارت المباراة السياسية بين الولايات وإيران في مقدمة البرامج التي تحتل أعلى درجات المشاهدة، لأن ذلك الملف صار جزءاً من الفاتورة المالية التي على الفرد أن يتابع فرص تقليصها بأي شكل من الأشكال، فتلك الفاتورة كانت تستنزف مدخوله كلاً أو جزءاً، وعرقل حركة تنقله من مكان إلى آخر بسبب ارتفاع سعر غالون بنزين السيارات ووقود الطائرات.

الاثنين، 22 يونيو 2026

من هو احمد يوسف عفلق ؟/بقلم الاستاذ جابر خضر الغزي

 بسم الله الرحمن الرحيم

من هو احمد يوسف عفلق ؟


الاستاذجابر خضر الغزي

بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لوفاة القائد المؤسس

مرت سبعة وثلاثون عاما على وفاة المفكر العربي الكبير الاستاذ القائد المؤسس , ووفاء وعرفانا ودينا وعهدا لرجل وإنسان ومفكر ومناضل من احد طلابه الصغار الذين تعشقوا بفكره وتاريخه النضالي وبزهده وصبره وثباته على قيم المبادئ والمعاني العالية , كما اتسم رحمه الله بالتواضع والحب والصدق , وكل السمات الاصيلة في الامة والانسانية وكل السمات التي تميزت بتجربته الفكرية والنضالية , فعلينا اليوم ونحن امام نتاجاته الفكرية التي اغنى بها كل المكتبات العربية .

ومن الصعوبة الاحاطة بحياته وفكره , وهذا ما يحتاج الى بحوث ودراسات يشارك فيها ابرز المفكريين العرب والعالميين , كما حدث لنداءه للمستقبل سمي ( نداء المستقبل ) في حزيران 1985 الذي دعا فيه المفكرين والمناضلين العرب للقيام بدور نضالي جديد في ضوء الاحداث والوضع العربي , حيث عقدت هذه الندوة في باريس , وبعد وفاته عقدت عدة ندوات فكرية في بغداد عام 1990 وكذلك في القاهرة خلال 17 / 18 اذار / 1990 تحت عنوان تطور الفكر العربي لتقويم فكر القائد المؤسس .

وعلى ضوء هذه المقدمة لابد نجيب على السؤال : من هو القائد المؤسس ؟ .

لايخفي على المتابعين لفكر القائد المؤسس بأن البيئة لها الاثر الكبير على شخصيات المفكرين والسياسيين والادباء والشعراء ومنهم الاستاذ , ولعل مقولة بن خلدون عن اثر البيئه على الانسان.

كانت ولادته في التاسع من كانون الثاني عام 1910 م في زقاق الموصلي رقم 9 في حي الميدان في دمشق من عائلة معروفة كانت فيها أسرة والده يوسف عفلق فرعا من اسرة ابو عسلة من راشيا الوادي في البقاع , وكانت امه السيدة رسمية تنتسب الى اسرة زيدان من حمص .

نشأ الاستاذ في حي الميدان المعروف من أحياء دمشق القديمة وكانت اسرته جزء صميميا من هذا الحي المناضل العريق ,الذي كان معقل الوطنية والعروبة ومنبت الثورات الوطنية , فقد بدات الثورة السورية منذ عام 1925 وكان والده وأبناء الحي لهم المشاركة ضد الاستعمار التركي والفرنسي وفي كل ثورات فلسطين ," في هذه البيئة الوطنية العربية تفتحت عينا الاستاذ احمد ميشيل يوسف عفلق على صورة الابتهاج بأول حكم استقلال عربي عام 1918 بقيادة فيصل بن الحسين , ثم على صدمة الاحتلال الفرنسي , وعلى مشاركة اهل الميدان الواسعة في معركة ميسلون لمواجهة الاحتلال الفرنسي الذي قوضى استقلال سوريا عام 1920 " .

حي الميدان يحيط به حوران وجبل حوران , جبل الدروز وللحي صلات بقبائل البدو , وكذلك هناك علاقات اجتماعية وتجارية , بالاضافة الى هذا الحي تنطلق من خارجه إعداد كبيرة من الحجيج السوريين الى الديار المقدسة .هذه البيئة جذبت والده يوسف السكن في هذا الحي , فهو تاجر حبوب الذي يشتري محصول الفلاحين , ولم يكن والد الاستاذ المسيحي الوحيد الذي يسكن الحي , اي حي الميدان , حيث سكنت هذا الحي ( عائلة يوسف عفلق والشويري وتوما ورزق الله والخوري وابو حجرة ) . ومارست هذه العائلات نفس التجارة التي كان يمارسها والد الاستاذ " فما زال في حي الميدان يتذكرون يوسف عفلق من العوائل المسلمة منهم ال حباب وسكر ورحمون والعابد " . وكانت علاقتهم مع والد القائد المؤسس كأنه مسلما وربما كان  هذا مهيئا كثيرا في تفهم اولاده للاسلام ولاسيما الاستاذ المرحوم , حيث اعتقد ان هذه الجذورالاولى التي اثرت على شخصية القائد المؤسس وإسلامه , وما جاء في محاضرته ( في ذكرى الرسول العربي ) على مدرج جامعة دمشق قي 5 نيسان 1943 م الذي اخذ يهتم بالاسلام وبشخيصة الرسول العربي الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , كانت القراءات والمطالعات الاولى للاستاذ , حيث كانت المعاناة لهذه البيئة الوطنية العربية التي نشأ فيها , وكان خاله الدكتور شكري زيدان اثر كبير في توجييها , فقد تركزت تلك القراءات حول الادب والتاريخ العربيين وحول الشعر الوطني وادب المهجر , والاطلاع على حياة الرسول العربي .. وكذلك على بعض الكتابات العلمية والاحتماعية لاسماعيل مظهر , كما شملت مطالعاته الادبية والفكرية منذ وقت مبكر لزوميات ابي العلاء المعري وديوان المتنبي , وروايات جرجي زيدان عن التاريخ العربي الاسلامي .. وكان لذلك كله الاثر في تفتق ذهنيته ووعيه الوطني والقومي .

إما امه من آل زيدان مؤسس دار الهلال في القاهرة وصاحب الروايات التاريخية المشهورة , وقد رزقت ( ام احمد ) خمسة اولاد ابنتان وثلاثة ذكور , ثانيهم الاستاذ المرحوم , وتلقوا معظم دراساتهم في مدرسة ( الآسية ) .

وفي عام 1916 م تقع عيني الصبي على مرائ الجنود الاتراك يقتحمون المنزل لاعتقال والده يوسف بسبب نضاله ضدهم , وكذلك كان الصبي يستمع إلى اخبار بطولات شهداء السادس من ايار .

1918 استقبل الامير فيصل الاول اول حاكم عربي في دمشق وفي بيت والده يوسف عفلق بالذات وفي عام 1925 قامت هذه الاسرة بدور رئيسي في الثورة الوطنية الكبرى التي قادها سلطان باشا الاطرش .

وفي عام 1928 تم إيفاده في بعثة إلى فرنسا مع المرحوم صلاح الدين البيطار, الاول يدرس مادة التاريخ والثاني مادة العلوم , واقترن اسم صلاح البيطار باسم القائد المؤسس وصار صنوة في تاسيس حزب البعث العربي ولايقل عنه تميزا, فهو ايضا من سكنت حي الميدان , ومن اسرة ذات صلة قوية بالديار المقدسة بالمدينة المنورة بالذات .

وفي عام 1933 عادا الى دمشق يحملان شهادة ( الليسانس ) البكلوريوس , وفي تلك الفترة تحديدا 1928 _ 1933 تبلور تجاه فكري لدى الاستاذين بضرورة تحقيق الوحدة العربية .

عين الاستاذ صلاح البيطار في مدارس حمص والاستاذ احمد يوسف في ثانوية تجهيز الاولى في دمشق واسمها حاليا ( جودة الهاشمي ) بالقرب من فندق ( فور سيزن ) مدرسا للتاريخ , ولم يمض على انجاز ثانوية التجهيز الاولى اكثر من ستة اشهر حيث كانت هناك ثانويتان حكوميتان , واحدة في حلب والثانية في دمشق قبل عودته إلى سوريا حصل على إجازة التاريخ .ونجاحه في إجازة السنة الثانية في دراسة الحقوق , وكان في نيته متابعة دراسة التاريخ للحصول على الدكتوراه ( وقد حصل على دبلوم في تاريح الفن اليوناني الذي كان معجبا به وجعل طريقه إلى فرنسا من اليونان والتعرف إلى أثاره الا إن مرض والده ووفاته ) .

مما اضطر بالعودة نهائيا والالتحاق بوظيفة التدريس , حيث انخرط في العمل الادبي وفي الحياة السياسة معا .

" كان بارعا وناجحا بل ساحرا في إلقاء دروسه للصف السابع في التاريخ القديم , يوناني _ روماني _ فارسي , يجذب انتباه الطلاب " حتى تسمع الإبرة عندما يحبس الطلاب إنفاسهم طيلة الدرس . مما دعت وزارة التربية بتوجيه تقدير في تدريسه للصفوف العليا , حيث يقول الدكتور ذوقان قرقوط الذي كان طالبا في ثانوية التجهيز الاولى ( استئأذنة منه للحضور في درسه وبخاصة دروس البكلوريا عن الثورة الفرنسية ) .

في العطلة الصيفية كان القائد المؤسس يتردد على مقهى ( الواحة ) المحاذية للشارع الملاصق لمقهى ( هافانا ) الحالية , وقدتحولت فيما بعد الى سينما الاهرام .

وفي 1941 أسس حركة الاحياء العربي وفي نفس السنة اسس حركة نصرة العراق.

كان البعثيون لايزالون في بدا مرحلتهم التمهيدية ولكن ذلك لم يمنعهم من النضال العملي قطريا وقوميا , قطريا تمكنوا من المساهمة في حمل الشعب في سوريا على إعلان الإضراب العام ضد الاستعمار الفرنسي , إما على الصعيد القومي فكانت    ( ثورة رشيد عالي الكيلاني ) في أيار1941 دافع البعثيون الاوائل للتحرك والنشاط , فلم يقفوا عند حدود توزيع البيانات والتأييد والحث على دعم تلك الثورة , بل عملوا على تشكيل حركة ( نصرة العراق ) التي كتب وثائقها الاستاذ حيث قال : " أيها العربي .. أعلم إن العراق في هذه الساعة من اجل امنية كل العرب ( الوحدة العربية ) واعلم ان انتصار العراق منوط بك وحدك فاعرف واجبك وقم به. ايها العربي حيثما كنت _ ضع برفاهك اياما , تضمن لامتك السعادة اجيالا .

امتنع عن الملاهي جميعها وساعد العراق المجاهد إذ لايليق بك أن تلهوا بينما العراق يريق دمه في سبيلك , الغي الضيافات ولاتقبلها من الاخرين , وبقيمتها قدم لجرحى العراق العربي , وفي كل اثنين وخميس اقتصرمع اسرتك على أكل لون واحد بسيط وارسل بما توفره إلى العراق ليشتري اسلحة ومعدات,تعود الخشونة في عيشك والبساطة في ملبسك واعلم ان كل عربي قد اصبح اليوم جنديا .

ايتها الفتاة العربية : لاتنسي انك ستكونين ام الجنود والابطال العرب فأنتبهي لرسالتك وما تفرض من مسؤولية " .

وما اشبه اليوم بالنداء الاول للقائد المؤسس لنصرة العراق مع نداء الرفيق عزة ابراهيم الامين العام للحزب رحمة الله عليهما " لاتتوهموا واعلموا ان الحزب وقضيته الاساسية ومصيبته داخل العراق ودفع ثمنها العراق , إن لم ينتصر في هذه المعركة سيذهب البعث الى المجهول وسوف لن يعود الى قرون عديدة " .بمعنى اخر ان مستقبل العراق والامة والانسانية الا في تحرير العراق .


السبت، 20 يونيو 2026

مجلة صوت الطلبة عدد ٦٣

 مجلة صوت الطلبة 

عدد ٦٣

١٩ حزيران ٢٠٢٦

للتصفح اضغط على الرابط الالكتروني ادناه 

https://online.anyflip.com/rnvg/tnyc/mobile/index.html



















الجمعة، 19 يونيو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية / نزار السامرائي / جزء اول

 حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية



نزار السامرائي

جزء اول 

ابتداءً هذه قراءة خارج السياق الذي أكتب به، لأنني أجهدت نفسي كي أبدو مراقباً محايداً، على الرغم من أنني اتخذ موقفا يعرفه القارئ الكريم من إيران لن يتغير ما لم تنقلب إيران رأسا على عقب، ومع قناعتي بأن العرب خاسرون في أية مواجهة تحصل حتى داخل الدول نفسها، أو أي قتال بين مدينتين في أصغر دول العالم، ألم يدفع العراق ثمنا للحرب الأهلية في نيكاراغوا، إذ دعمت وكالة المخابرات المركزية ثمن صفقة سلاح إسرائيلي تم تصديره عبر طرق ملتوية إلى إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينيات.

وهنا لا بد لي من أن أشير إلى أن "فارس" إيران لم تكسب حربا واحدة باستثناء ما ورد في سورة الروم، ولكنها سرعان ما خسرت الحرب بعد بضع سنين كما بشر القران الكريم بذلك، ولكن "فارس" إيران تتصف بصفة نادرة بين الأمم والشعوب، أنها تستطيع امتصاص زخم قوة أعدائها وإدخالهم في أنفاق وسراديب حقيقية أو معنوية، لا تختلف في شيء عن انفاقها التي أخفت فيها مشاريعها النووية الحالية، وربما استطاعت أن تستنسخ تجاربها السابقة وتصبها في تجربة الحرب الأخيرة، إيران هُزمت هزيمة عسكرية ساحقة، ولكنها بعنادها ومماطلتها وإدخالها لخصومها في دهاليز مظلمة، استطاعت إعادة ترتيب بيتها الداخلي معتمدة على القمع الداخلي وعلى إلباس ذلك القمع أردية دينية، فانطلقت أدواتها لتتحدث بنبرة عالية عن نصر عسكري مزعوم، وليتها اكتفت بكلمة نصر مجردة ولم تضف لها كلمة عسكري، ولكن ضرورات الساحة الداخلية والأذرع الخارجية تتطلب بث هذه الرسائل، وإلا تعرضت للموت انتحارا أو للموت البطيء.

 كانت الولايات المتحدة وإسرائيل معاً أو كلاً على انفراد، تشكلان هاجساً مرعباً لدول المنطقة أو لكثير من المنظمات المسلحة أو شبه المسلحة، التي تُوصف من قبل أمريكا أو الاتحاد الأوربي بأنها منظمات إرهابية، ولو أن الولايات المتحدة وإسرائيل أبقتا على هذا التصور كما هو على المستوى الإقليمي الجمعي، أو تلك الصورة المتخيلة عن قدرتهما على تحقيق إنجازات سريعة في أية بقعة تسعيان لإحداثها فيها، لبقيت صورتهما مثل مطرقة هائلة تكاد تطبق على رؤوس الدول، بنظامها الرسمي أو التشكيلات المسلحة فيها أو ترتبط بها.

لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية التي نشبت على مرحلتين بين عامي 2025 و2026، أكدت قدرة الأطراف التي لم تكن تمتلك الثقة الكافية بنفسها، على خوض مواجهة ناجحة مع القوى الدولية الكبرى التي ظلت تحاول فرض نموذجها السياسي والاقتصادي، بل إخضاع الآخرين لإرادتها وإملاءاتها السياسية والأمنية.

علينا أن نعترف أن إيران وبصرف النظر عن دوافعها وأسبابها، تمكنت من تغيير كثير من المسلّمات العسكرية السابقة واستطاعت انتزاع كثير من أسلحة الردع من أعدائها، وخاصة عندما استطاعت استهداف منشآت اقتصادية إسرائيلية، وقصفت منشآت وقواعد عسكرية في بعض دول المنطقة، التي تحصل على دعم حقيقي من الحليف الخارجي القوي. 

   كانت إيران تتعامل مع التهديدات الأمريكية ككابوس مرعب تحاول تجنبه بأي شكل من الأشكال، لأنها تعي جيدا فارق القوة العسكرية بين البلدين، ولهذا فضلت التعايش الطويل مع حالة اللاسلم واللاحرب، مهما طال أمدها، ومهما تكبدته من خسائر في اقتصادها المتعب أصلا، والذي بات يعاني من صعوبات أكبر جراء الخضوع للعقوبات الأمريكية القصوى التي بدأت في ولاية ترمب الثانية، لكن تعوّد إيران على عقوبات خارجية طويلة الأمد، منحها قدرة على التكيف معها وبناء اقتصادها على تهريب النفط الخام وتحويل موارده إلى الخطوط الأمامية للأمن القومي الإيراني، أي الأذرع الخارجية التي تتحرك بأوامر المرشد عبر خطوط مواصلات ينظمها الحرس الثوري، لأنها تعي أنها قادرة على قمع أية احتجاجات داخلية بالقوة المسلحة وبالإسقاط السياسي، لذا تعايش المواطن الإيراني مع الضنك الاقتصادي واقعا ملموسا مهما طال أمده ومهما تعاظمت حدته، لا سيما وأنها تفرض حالة شديدة من الأمن متعدد الأجهزة وخاصة  قوات البسيج والحرس الثوري، اللذين لديهما الاستعداد للدفاع عن استمرار النظام مهما بلغت التضحيات ومهما حصل من ضغوط إضافية.

من جانب آخر بنت الولايات المتحدة كل تصوراتها على فرضية لا يمكن أن يركن إليها أي مخطط استراتيجي، وهي أن خوف إيران من ضربة عسكرية أمريكية قد يفرض عليها رعبا مبكرا، حتى قبل بدء العملية العسكرية، وقد يدفعها إلى الاستسلام، وهذه الحسابات التي تأكد بطلانها، حققت لكلا الطرفين نتائج معكوسة، فبالنسبة لإيران التي كانت ترتعش لمجرد التفكير بعواقب الضربة الأمريكية، بعدما حصل يوم 28 فبراير 2026، عندما فقدت إيران خطيّها القياديين سياسيا وعسكريا، وتمكنت من إملاء الفراغين في غضون أيام معدودات، شعرت بثقة عالية بالنفس، وصارت القيادات البديلة أكثر تشددا، لأنها باتت تمتلك ثأرا تشعر أنها مطالبة بتنفيذ فصوله، ثم أنها شعرت بأنها باتت تمتلك حصانة أكثر في مواجهة التحديات الخارجية لأنها استندت على فكرة أنها استطاعت الصمود بوجه أعتى قوة عسكرية عرفتها البشرية من نشوئها الأول، وأنها لن تخسر أكثر مما خسرت حتى الآن إذا ما واجهت عدوانا أمريكيا جديدا، ولهذا اختارت مواصلة لعبتها المفضلة "المماطلة والتسويف" التي برعت بإجادة فصولها المتعددة حتى تُدخل الملل في نفوس أعدائها، مستفيدة من أن العالم ليس على استعداد للتضحية بما حقق لنفسه من مكاسب طيلة عدة قرون، لهذا استمرأت الزعامة الإيرانية الجديدة اللجوء إلى ما سبق أن أعلنته إيران من خطوات وكان البعض ينظر إليه على أنه مجرد تهديدات فارغة لا تستطيع إيران الإقدام عليها، فقد فرضت إيران إغلاقا عمليا على مضيق هرمز، صحيح أنها فرضت على نفسها عزلة إضافية، إلا أن الصحيح هو أن العالم وجد نفسه أمام أزمة طاقة خانقة وحركة ملاحة محدودة في منطقة الخليج العربي، ولما وجد الرئيس الأمريكي ترمب نفسه أمام مأزق دولي يتعلق بحق الملاحة الحرة في مضيف هرمز، ورغم تأكيداته المتكررة عن قدرته على فتح المضيق في ساعة واحدة، ناهيك عن تأكيداته السابقة عن إفشال أي خطط إيرانية لإغلاق المضيق الدولي، ولما رأت إيران نفسها محاطة بكل هذه الإنجازات، راحت تصعد من شروطها فتارة تطالب بحق الاشراف على حركة الملاحة في المضيق أي بعبارة أخرى التحكم بحركة ناقلات النفط من الخليج العربي إلى أسواق الاستهلاك الكبرى في العالم، وهكذا شعرت إيران أنها استعادت دورا كانت قد فقدته منذ عام 1979، وهو دور الشرطي الدولي للخليج العربي.

بالمقابل ظنت الإدارة الأمريكية أنها قادرة على إخضاع إيران بمجرد سقوط أول قذيفة على المراكز القيادية في طهران، ولم تحسن واشنطن قراءة المشهد السياسي الإيراني بدقة، ذلك أنه أقام لنفسه أطواقا عديدة من أسيجة الحماية الذاتية بتعدد الأجهزة الأمنية والتي أعطتها طابعا مقدسا، ذلك أن الزعامة الدينية وجدت أن تغليف أي تحرك سياسي أو عسكري بغلاف ديني مقدس، يمنع التلكؤ في أداء الواجب حتى النهاية، وبذلك أصيبت الزعامة الأمريكية بكثير من الإحباط وهي تبحث عن أسباب عدم تحقق أهداف الحرب كما رسمها ترمب في رأسه، فتارة يصب اللوم على رئيس الوزراء الإسرائيلي متهِماً إياه بأنه صوّر له الأمر كنزهةٍ سريعة، وتارة تقول إن الحرب ما زالت في بدايتها، وهذه خطيئة كبرى تقع فيها الولايات المتحدة عندما تقر بأنها تضع خططها الحربية استنادا إلى فرضيات خارجية.

ولهذا السبب ولأسباب داخلية أمريكياً، بدأ ترمب مسيرة العروض السخية لإيران لإغرائها بالدخول في صفقة ثنائية رابحة، وتوالت التنازلات والعروض التي يطرحها ترمب للزعامة الإيرانية وهي تسحب نفسها متجاهلة كل الفرص، ولعل أسوأ ما لاحظه المراقبون أن الولايات المتحدة أعطت تطمينات لإيران بأنها ركنت إلى الوساطة الباكستانية المنحازة أصلا لإيران لحسابات باكستانية داخلية، ومن بين الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها ترمب أنه أعطى تطمينات مؤكدة عن عدم نيته بقصف منشآتها النفطية في مجال التكرير والتصدير والإنتاج، وكذلك تعهد بعدم استهداف محطات توليد الطاقة الكهربائية، ليس هذا فقط بل إنه منع نتنياهو أكثر من مرة من استهداف تلك المراكز، مما أعطى إيران حالة من طمأنينة حقيقية والشعور بالاسترخاء تجاه هدف كهذا، بل مضت إيران أبعد من ذلك في استهداف المنشآت المشابهة في دول الخليج العربي، مع تجاهل أمريكي مريب في التعامل مع تلك الاعتداءات على دول كانت تُصنف كصديقة للولايات المتحدة ومشمولة بمظلتها العسكرية.