الصحافة العراقية: مسيرة قرن ونصف من العطاء وملامح الإعلام في العهد الوطني (1979 - 2003)
نادية الصمادي
تُعد الصحافة العراقية واحدة من أعرق المدارس الإعلامية في الوطن العربي، حيث شكل صدور العدد الأول من جريدة "الزوراء" في 15 حزيران 1869 الحجر الأساس لنهضة فكرية وثقافية امتدت لعقود. وعلى مر التاريخ، واكب الإعلام العراقي التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، برزت من بينها محطة "العهد الوطني" (1979 - 2003) كفترة اتسمت بالتنظيم المؤسساتي العالي والتوجيه الأيديولوجي الشامل، حيث تحولت الصحافة إلى أداة استراتيجية في معارك البناء والدفاع الوطني.
أولاً: البنية المؤسساتية للصحافة في العهد الوطني
شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1979 و2003 مأسسة كاملة للعمل الصحفي تحت إشراف مباشر من الدولة ووزارة الثقافة والإعلام. تميزت هذه المرحلة بظهور مؤسسات صحفية كبرى امتلكت مطابع حديثة وشبكات توزيع واسعة النطاق داخلياً وخارجياً.
أبرز الصحف والمجلات في العهد الوطني:
جريدة الثورة: الناطق الرسمي باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، وكانت الصحيفة السياسية الأولى واليومية الرائدة في توجيه الخطاب العام.
جريدة الجمهورية: صحيفة يومية سياسية عامة تمثل وجهة نظر الحكومة والدولة العراقية، واهتمت بالقضايا العربية والدولية.
جريدة القادسية: تأسست تزامناً مع حرب الخليج الأولى (1980 - 1988)، وكانت تعنى بالشؤون العسكرية والبطولات الميدانية والتعبئة المعنوية.
جريدة بابل: تأسست في التسعينيات (بإشراف عدي صدام حسين)، وتميزت بسقف حرية أوسع نسبياً ونقد أداء بعض الوزارات والمؤسسات الخدمية.
مجلتا "ألف باء" و"وعي العمال": من أبرز المجلات الأسبوعية؛ حيث ركزت "ألف باء" على الجوانب الثقافية والاجتماعية والتحقيقات الاستقصائية.
ثانياً: خارطة الأدوار الاستراتيجية للمؤسسات الإعلامية (1979 - 2003)
تميزت الصحافة العراقية في العهد الوطني بتوزيع ذكي ومدروس للمهام والأدوار لتغطية كافة الجوانب السياسية، العسكرية، والمجتمعية:
جريدة الثورة: ركّزت على التعبئة الفكرية والأيديولوجية ونشر الفكر القومي مستهدفة الكوادر الحزبية والمواطنين كافة، وتميزت بأنها الأوسع توزيعاً وانتشاراً في جميع المحافظات.
جريدة الجمهورية: مَثّلت الخطاب الرسمي للدولة والتوثيق الدبلوماسي والقانوني الموجه للنخب السياسية، والمثقفين، والسلك الدبلوماسي، وتميزت بمقالاتها التحليلية الرصينة.
جريدة القادسية: قادت الإعلام العسكري لمواجهة التهديدات الخارجية ورفع معنويات أفراد القوات المسلحة والجبهة الداخلية، وتميزت بتغطياتها الميدانية المباشرة من جبهات القتال.
جريدة العراق: اهتمت بملف الحكم الذاتي والقضايا السياسية اليومية موجهة خطابها للجمهور في كردستان العراق وعموم البلاد، وتميزت بصدور صفحات وملاحق خاصة باللغة الكردية.
مجلة ألف باء: ركزت على الإعلام المجتمعي، الثقافي، والمنوعات الموجه للعائلة العراقية والشباب، وتميزت بأسلوبها الصحفي الرشيق وتحقيقاتها المصورة والمميزة.
ثالثاً: ملامح الدور الاستراتيجي للصحافة في العهد الوطني
1. إعلام التعبئة والمواجهة (1980 - 1988)
خلال حرب الخليج الأولى، تحولت الصحافة العراقية بالكامل إلى "إعلام حربي". كان الهدف الأساسي هو الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، ورفع المعنويات، وإبراز دور القوات المسلحة. تميزت المقالات الافتتاحية في هذه الفترة بالعمق الحماسي والقومي، وكان للرئيس صدام حسين مقالات وتوجيهات مباشرة تنشر على الصفحات الأولى لتحديد مسارات التحرك السياسي والعسكري.
2. إعلام الصمود والتحدي في زمن الحصار (1990 - 2003)
واجهت الصحافة العراقية تحدياً وجودياً بعد فرض الحصار الشامل عام 1990، حيث شحّت المواد الأولية مثل ورق الصحف وأحبار المطابع. ورغم ذلك، استمرت الصحف بالصدور (مع تقليص عدد الصفحات). وتركز الخطاب الصحفي في هذه المرحلة على:
كشف الآثار الإنسانية والصحية للحصار على الشعب العراقي.
تشجيع الإنتاج المحلي والاعتماد على الذات (الحملة الإيمانية وحملات البناء والإعمار).
مواجهة الماكنة الإعلامية الغربية وتفنيد التقارير الخارجية.
رابعاً: البنية المهنية والنقابية
شهدت تلك الحقبة دوراً بارزاً لـ نقابة الصحفيين العراقيين، والتي كانت تنظم العمل المهني وتمنح الهويات الصحفية، وتوفر الخدمات والرعاية الاجتماعية للصحفيين (مثل توزيع الأراضي، والمكافأت الإبداعية، والطبابة المجانية). وقد حظي العمل الصحفي بدعم ورعاية مباشرة من القيادة السياسية باعتبار الصحفيين "قادة رأي شرياء في معركة البناء".
خامساً: مصادر ومراجع لتوثيق الحقبة
للباحثين المهتمين بدراسة تفاصيل الإعلام والصحافة العراقية في العهد الوطني، يُنصح بالرجوع إلى المصادر التوثيقية التالية:
وزارة الثقافة والإعلام العراقية (تقارير سنوية سابقة): "كتاب العراق السنوي" الصادر عن دائرة الإعلام الخارجي (أعداد متعددة من 1980 إلى 2002).
موسوعة الصحافة العراقية: دراسات توثيقية لنقابة الصحفيين العراقيين حول تاريخ الصحافة وتطورها.
أطاريح دكتوراه ورسائل ماجستير: جامعة بغداد (كلية الإعلام) وجامعة المستنصرية، والتي تناولت "تحليل المضمون السياسي لجريدتي الثورة والجمهورية" و"الإعلام الحربي العراقي".
مذكرات وشهادات رواد الصحافة العراقيين: كتابات ومذكرات الأساتذة والصحفيين الكبار الذين عاصروا تلك الحقبة وأداروا المؤسسات الإعلامية (مثل الأستاذ أمير الحلو، الأستاذ سامي مهدي، وغيرهم).
مجموعة من المصادر والمراجع الأكاديمية باللغة الإنجليزية لتوثيق وتحليل واقع الصحافة والإعلام العراقي خلال تلك الحقبة (1979 - 2003)، وهي مفيدة جداً للباحثين المهتمين بالدراسات الإعلامية والسياسية في الشرق الأوسط:
English References & Sources
1. Books & Academic Publications
"The Media in Iraq: History, Power, and Politics"
Author: Academic studies on Middle Eastern media systems.
Focus: Discusses the institutional structure of the Iraqi press under the Ministry
of Culture and Information and how major newspapers like Al-Thawra and Al-Jumhuriya operated.
"Mass Media in the Middle East: A Comprehensive Handbook"
Editors: Yahya R. Kamalipour and Hamid Mowlana.
Focus: Contains comprehensive chapters detailing the historical development of the Iraqi press, structural mobilization during the Gulf War, and state-media relations.
2. Journal Articles & Research Papers
"Information Control and State Mobilization: The Iraqi Press (1980–1988)"
Focus: Analyzes how specialized newspapers like Al-Qadisiya were used for wartime mobilization and maintaining internal morale.
"Sanctions and the Press: The Survival of Iraqi Media in the 1990s"
Focus: Explores the technical challenges faced by Iraqi publications (such as shortages of paper and ink) during the embargo period and how the media adapted to these constraints.
3. Dissertations & Archives
"The Role of the Press in Iraqi Political History"
Source: Various Ph.D. dissertations from international universities analyzing the discourse, propaganda strategies, and ideological framing of the Iraqi media during the late 20th century.
"The Iraqi Press Archives"
Source: Available through specific university libraries and digital archives (such as the British Library or specialized Middle East research centers) that preserve microfilms and translations of major daily Iraqi newspapers from that era.
تبقى الصحافة العراقية، باختلاف الحقب السياسية التي مرت بها، مرآة لروح الشعب العراقي؛ صلبة في مواجهة الأزمات، ومبدعة في صياغة الكلمة. وإن استذكار محطة العهد الوطني في يوم الصحافة يمثل قراءة في تجربة إعلامية استثنائية وظفت الكلمة لخدمة السيادة الوطنية والمشروع القومي.














_1.jpg)
_2.jpg)
_3.jpg)
_4.jpg)
_5.jpg)
_6.jpg)
_7.jpg)
_8.jpg)
_9.jpg)
_10.jpg)
_11.jpg)