الثلاثاء، 17 مارس 2026

ما كتبه د.لقاء مكي حول رسالة لاريجاني

 

ما كتبه د.لقاء مكي حول رسالة لاريجاني 

‏لو كان شخصا غير على لاريجاني قال ما قاله في رسالته، ربما لاعتقدنا بقلة المعرفة أو بحسن النية، لكن لاريجاني،  الذي تقلب في (النظام الإسلامي) بين الحرس والحكومة البرلمان والأمن القومي، هذا السياسي ورجل الأمن وخبير الدعاية، هو بالقطع يعرف الحقيقة، لكنه يقول سواها. هو يريد اللعب بمشاعر الرأي العام العربي، وبسطاء الناس من خلال البكائيات  وحديث المظلومية، وهو أمر يجيدونه هناك، لا وبل يتحدث عن التعرض للخذلان من الدول الإسلامية، وكأن إيران استشارت الدول الإسلامية قبل أن تتعاون مع الاحتلال الأميركي للعراق، أو حينما سلبت لبنان من شعبه، و رهنت الطائفة الشيعية لحسابها. وأبادت سوريا أو كادت، وقسّمت اليمن.

 الآن يؤاخذ لاريجاني الدول الإسلامية، بعدما بلغت مغامرة بلاده نهاية الطريق، وكانت الدول الإسلامية لا سواها هي أكبر ضحاياها. لا ينبغي أن يمر كلام السيد لاريجاني بشكل عابر. هو في الحقيقة يريد استغباء الناس، وتزوير التاريخ، واستبدال موقع المجرم بالضحية. إذا لم يكن السيد لاريجاني يعرف فأمهات الضحايا يعرفون، كم سوريا استشهد على يد إيران وأذرعها، وكم عراقيا ولبنانيا ويمنيا. في واقع الأمر بلدك يا سيد لاريجاني حطمت الدول التي تعاتبها اليوم على عدم دعمها، حطمتها حينما خلفت داخلها قوى موازية للدول، وحينما اغرقتها بالفساد والمخدرات والشعارات الفارغة، ولو كانت. هناك مقارنات تاريخية دقيقة، فما فعلته بلادك بشعوبنا، غير مسبوق من الغزو المغولي وصولا للاحتلال الصهيوني.

السيد لاريجاني يريد أن يستغفلنا  في تاريخنا الذي مازلنا شهوده وضحاياه، ويطلب أن ننصر بلده باسم الإسلام الذي لم يحترمه حينما انتهك حرمات المسلمين في بلداننا. لا بل يريد أن يرهبنا بالثنائية بين إيران وإسرائيل. حقيقة الأمر، كلاهما واحد، ولن ننصر سوى بلداننا التي نريد أن تخرج سالمة من هذه الأزمة، وما يتبقى من أي منهما بعد ذلك، ينبغي  أن يكون له تعامل يناسبه في حينه.

لاريجاني يقول أين المسلمونا؟!

علي لاريجاني أولا: أين مجتبى؟ أين المرشد؟! المرشد وين؟!

‏ثانيا: تتساءل أين المسلمون ولماذا لم تقف ولا دولة مع الشعب الإيراني؟!

‏هل تعني المسلمين في العراق الذين قتلتهم مليشياتكم وهجرتهم من قراهم وديارهم والذين تحتفل مليشياتكم بإقامة حفلات جماعية لإعدام الأبرياء كلما تعالت أصوات المطالبين بإطلاق سراحهم؟!

‏أم تعني المسلمين في سوريا الذين ما تركتم ابن حرام إلا أرسلتموهم يذبحون شعبا طالب بحريته وكرامته، والذين ظلوا يدعون عليكم صباح مساء لكي ينتقم الله منكم؟!

‏أم تعني الذين في اليمن ولبنان، الذي يهجر شعبه في العراء كلما أصدرتم أوامركم لحزب الله للدفاع عن مشروعكم ومصالحكم ووجودكم؟!

‏ولعلك تعني المسلمين في الخليج العربي الذين أمطرتموهم بأضعاف ما قصفتم به الكيان؟!

‏ولكن لم تنادي المسلمين اليوم بعد أسبوعين من الحرب، وبعد أن تناقصت صواريخكم لحد بعيد، وبعد أن بدأ الحديث عن وجود عسكري في مضيق هرمز، وبعد أن دمرت إيران تدميرا، وقد كنتم طوال أسبوعين تتحدثون بقهر الأعداء؟!

‏ثم ألا يكفيكم ما يقوم به الخمينيون الجدد من الترويج لكم؟ هل فشلوا بالمهمة فتدخلتم شخصيا؟!

‏ثالثا: يا لاريجاني هل تذكر العدوان الأمريكي الذي تعرض له جيرانكم عن يمينكم وعن شمالكم، فما كان موقفكم منه؟! هل وقفتم مع المسلمين في أفغانستان والعراق أم ساندتم الغزاة؟! 

‏اليوم تسقون العلقم جزاءا وفاقا وما ربك بظلام للعبيد.

‏رابعا: لاريجاني أصحح لك؛ الذين قالوا إيران عدو، قالوها قبل قصفكم لدول الخليج، نحن في العراق قلناها منذ ثمانينات القرن الماضي، وأهل الشام كتبوها بدمائهم المسفوكة على ثرى بلادهم، أم تريد من إنسان يُنحر نحرا أن يقبل يد القاتل ولا يسميه عدوا؟!

‏خامسا: تريد أن تخيف المسلمين كما يفعل الخمينيون الجدد أذنابكم فتخيرهم؛ إما الوقوف معكم أو مع الكيان؛ فهذه رمية غير مسددة بل خبط عشواء، فما من مسلم موحد يقف مع الكيان أو يدعو له بالتمكين، ولن تجد مسلما موحدا يجهل خطركم وينسى جرائمكم بحق المسلمين، وقد أصابكم ما أصاب الظالمين قبلكم، وما هي من الظالمين الآخرين أعداء الله ببعيد.

‏سادسا: قد صدقت بقولك أمريكا لا وفاء لها، والدليل: أنظر ما تفعل بكم وقد وقفتم معها مساندين في غزوهم العراق، وصدقت بقولك الكيان عدو لكم؛ وكيف لا يكون عدوا لنا وهو يحتل أولى القبلتين، ولكن كيف تستعين بهذا العدو وتطلب منه السلاح لتقتل المسلمين في العراق؛ أم نسيت إيران-غيت؟! أما قولك إن إيران لا تسعى للهيمنة عليكم؛ آلآن تقولها وقد هيمنتم على العراق تسرقون ملياراته وتصنعون بها الصواريخ، ونشرتم مليشياتكم في كل المحافظات السورية حتى حلب، ولطمتم في الجامع الأموي حتى حقت عليكم كلمة العذاب ووليتم الأدبار.

‏من لا يسعى للهيمنة لا يعلن تصدير الثورة من أول يوم، ولا يعلن أنه يحتل خمس عواصم عربية، ولا يصرح بأن بغداد عادت عاصمة لإمبراطوريته، ولو كنتم صادقين لما أسستم هذه المليشيات في العراق ولبنان واليمن، ولعملتم على توثيق علاقاتكم مع دول العالم الإسلامي وخصوصا دول الجوار، ولو فعلتم ذلك منذ نصف قرن فتخيل ماذا يمكن أن يكون حال إيران اليوم.

‏لاريجاني هذه ست بست، وأكرر: المرشد وين؟!

 بالاضافة الى كل جرائم النظام الايراني التي اشار اليها المقال، السؤال الأهم والابرز هنا لمن تسمي نفسها (جمهورية اسلامية) وتعتب على المسلمين وتتساءل: ماذا كان موقف (جمهوريتكم الاسلامية) يا لاريجاني عندما تعرض العراق لعدوان ثلاثيني عام ١٩٩١؟ ألم تكونوا خنجرًا في الخاصرة عندما ارسلتم مجاميع المخربين لتعبث بالأمن العراقي اثناء صفحة الغدر والخيانة، وسرقتم طائرات العراق التي كانت امانة لديكم، وأين كانت (جمهوريتكم) عام ٢٠٠١ مع افغانستان وعام ٢٠٠٣ مع العراق؟!

الخميس، 12 مارس 2026

تبقى الأردن عصية على الاعداء و فيها ملك حكيم و شعب عظيم/ د. وليد الحديثي

  

تبقى الأردن عصية على الاعداء و فيها ملك حكيم و شعب عظيم

الدكتور وليد الحديثي 

إن الكتابة عن الأردن ينطلق من الوفاء لهذا البلد العربي الأصيل ، الذي يقع في قلوب شرفاء الامة.

استهداف الأردن من قبل ايران و أطراف مرتبطة بالنظام الإيراني أو بعض الجماعات المتحالفة معه لا يمكن فهمه من زاوية واحدة فقط، بل هو نتيجة تداخل عوامل جيوسياسية وأمنية وإقليمية. والأردن في موقع حساس في المنطقة، وهذا ما يجعله أحيانًا عرضة للضغوط أو الرسائل غير المباشرة. يمكن تلخيص أبرز الأسباب في النقاط التالية:

1. الموقع الجيوسياسي للأردن

الأردن يقع في قلب منطقة شديدة التعقيد بين العراق وسوريا وفلسطين والسعودية، وهو ممر استراتيجي بين الخليج وبلاد الشام.

هذا الموقع يجعل أي قوة إقليمية تحاول توسيع نفوذها تنظر إلى الأردن باعتباره حاجزًا جغرافيًا وسياسيًا أمام مشاريعها.

2. رفض الأردن لانتشار الميليشيات

الأردن يتبنى موقفًا واضحًا برفض وجود الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران قرب حدوده، خصوصًا في الجنوب السوري.

ولهذا يعمل على حماية حدوده ومنع تهريب السلاح والمخدرات، وهو ما يصطدم أحيانًا مع شبكات مرتبطة بتلك الميليشيات.

3. الدور الأمني للأردن

الأردن يُعد من أكثر الدول العربية استقرارًا أمنيًا، ولديه تعاون واسع مع دول عربية وغربية في مكافحة الإرهاب وضبط الحدود.

هذا الدور يجعل بعض القوى التي تعتمد على الفوضى أو النفوذ المسلح ترى في الأردن عقبة أمام تحركاتها.

4. موقف الأردن السياسي المعتدل

السياسة الأردنية تقوم على التوازن والاعتدال ودعم الدولة الوطنية في المنطقة، وهو ما يتعارض مع مشاريع قائمة على النفوذ الأيديولوجي أو الطائفي.

5. الرسائل الإقليمية غير المباشرة

في بعض الأحيان يتم استهداف دول مستقرة مثل الأردن لإرسال رسائل سياسية إلى حلفائها أو إلى الإقليم، وليس بسبب صراع مباشر معها.

إن القطر الأردني الشقيق و شعبه البطل و قيادته الحكيمة ، عنوان للمقاومة و التوازن الاقليمي، و كلنا في العراق و سورية على وجه الخصوص لا ننسى مواقف الأردن و ملكها و قيادتها في توفير الامن و الأمان لاعداد كبيرة في زمن المحن و التهجير.

الأردن بالفعل يتحمل أعباءً كبيرة:

•عبء اللاجئين

•ضغوط اقتصادية

•مسؤوليات أمنية وإقليمية

ومع ذلك بقي دولة متماسكة ومستقرة، ولهذا كثيرًا ما يُوصف بأنه صمام أمان في المنطقة ورئة للعالم العربي في أوقات الأزمات.

والحقيقة أن استقرار الأردن ليس مصلحة أردنية فقط، بل هو مصلحة عربية وإقليمية، لأن أي اهتزاز فيه قد ينعكس على المنطقة كلها.

إنني أراهن على وحدة الشعب الأردني و التفافه حول قيادته الحكيمة و على رأسها جلالة الملك عبد الله بن الحسين، رجل المهمات الصعبة ورجل الحكمة و الشجاعة.

حفظ الله الاردن شعبا وقيادة من شرور الاشرار  ، والله ناصر المومنين.

اعلامي و اكاديمي عراقي

https://www.addustour.com/articles/1553866

الأربعاء، 18 فبراير 2026

الخميس، 8 يناير 2026

من مبدأ مونرو إلى فنزويلا/ بقلم محمود الجاف

 بسم الله الرحمن الرحيم

من مبدأ مونرو إلى فنزويلا 

محمود الجاف

الجغرافيا ليست مساحة صامتة، بل ذاكرة صراعات تحدد خطوط النفوذ والسيطرة . كل أرضٍ خضعت للسطوة تحمل أثر التدخل، وكل بحرٍ صار حدًا بين المسموح والمحرَّم . مبدأ مونرو ليس مجرد نص من الماضي، بل منطق سياسي حي يعاود الظهور كلما اهتزت التراتبية العالمية . استدعاؤه اليوم لا يُراد منه الحكمة، بل تبرير الإحكام والسيادة، وكأن الماضي يمنح امتيازًا والقانون الدولي مجرد واجهة لتكريس النفوذ . بعض الحكومات تُعفى من المساءلة، وبعضها يُجبر على البقاء بعيدًا أو الخضوع . وفي عالم لم يعد يعترف بالمناطق المحظورة، يصبح السؤال واحدًا :  

من يُسمح له بالاقتراب، ومن يُمنع؟ 

السياسة ليست سردًا للأحداث، بل إعادة إنتاج القوة، والهيمنة، والظلم تحت ستار الشرعية .

جوهر مبدأ مونرو : من الدفاع إلى الاحتكار

أولًا : ما هو مبدأ مونرو؟

أُعلن مبدأ مونرو عام 1823 على لسان الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، ونصّ جوهره على أن القارة الأمريكية لم تعد مجالًا مفتوحًا للتوسع أو التدخل الأوروبي، مقابل تعهّدها بعدم التدخل في شؤون أوروبا . ظاهريًا، بدا المبدأ دفاعيًا، لكن باطنيًا كان إعلانًا مبكرًا عن احتكار النفوذ في العالم الجديد . ولم يكن نجاحه في بداياته نابعًا من القوة الأمريكية وحدها، بل من الدعم الضمني البريطاني، إذ رأت لندن في منع عودة الاستعمار الإسباني والفرنسي حمايةً لمصالحها التجارية . ومع الزمن، تحوّل من شعار حماية الاستقلال إلى أداة هيمنة، ثم إلى ما يمكن تسميته اليوم : النسخة المُحدَّثة من مونرو، حيث لا يُسمح بوجود خصم استراتيجي في المجال الغربي، لا عسكريًا ولا اقتصاديًا ولا طاقيًا .

 ثانيًا : من الدفاع إلى الخنق الاستراتيجي

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد السيطرة تعني الاحتلال المباشر، بل التحكم بالمصادر، والممرات، والعُقَد . وفنزويلا هي مورد الطاقة الحيوي للصين، حيث تصدّر اليها  80 % من نفطها خارج المنظومة الغربية . وبذلك شكّلت خرقًا صريحًا لمنطق مونرو الجديد . وما جرى ويجري فيها لا يُفهم فقط بوصفه صراعًا داخليًا أو تغيير نظام، بل كجزء من إعادة ضبط لسلسلة الإمداد الطاقي الصينية، وإعادة فرض السيطرة الأمريكية على المجال الغربي، ومنع أي قوة صاعدة من بناء رئة اقتصادية مستقلة فيه . أما الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الذي كان يتولى حمايته طاقما كوبيا فقد خطف مع زوجته من احد الحصون السبعة التي جهزها للاختباء وكانت فيها غرف فولاذية يصعب اختراقها فمن الذي ابلغ عن موقعه في تلك اللحظة ؟. علما ان قوة دلتا تدربت على مبنى مشابه له في احدى قواعدها منذ شهرين قبل التنفيذ .

 من الذي قاده الى نفس المكان الذي خططوا لالقاء القبض عليه منه ؟ 

ثم نقل الى ( سجن بروكلين السيء السمعة - (MDC Brooklyn   الذي وصفته بعض الصحف بالجحيم على الأرض . ومن الاسماء البارزة التي احتُجزت فيه . غيسلين ماكسويل، سام بانكمان - فرايد، وشون ديدي كومبس .

ثالثًا : شرايين العالم . حين يصبح المرور سلاحًا

إذا كانت فنزويلا “المورد”، فإن قناة بنما وقناة السويس هما “الشرايين”. الصين، بوصفها قوة تجارية صناعية، تعتمد على تدفقات بحرية طويلة، وأي ضغط على هذه العُقَد لا يحتاج إلى حرب، بل إلى إدارة توتر ذكية ترفع الكلفة وتُبطئ الإيقاع . هنا يظهر شكل جديد من الحصار : حصار بلا إعلان، وخنق بلا مدافع .

رابعًا : أوكرانيا ليست فنزويلا . بل كسر الجناح

في المقابل، تمثّل أوكرانيا ساحة مختلفة تمامًا . الهدف هناك ليس الصين مباشرة، بل روسيا بوصفها الجناح العسكري والجغرافي الذي يمنح بكين عمقًا استراتيجيًا . استنزافها وإبقاؤها في مواجهة مفتوحة، يمنع تشكّل محور صيني - روسي متماسك قادر على تحدي النظام الدولي القائم .

فنزويلا = خنق المورد

أوكرانيا = استنزاف الحليف

والغاية واحدة:  تفكيك القوة لا مواجهتها دفعة واحدة .

خامسًا : إيران . البديل الممكن والاشتعال الدائم

تظهر إيران هنا بوصفها “فنزويلا الشرق” المحتملة للصين : موارد طاقة ضخمة، موقع جغرافي حاسم، واتفاقيات طويلة الأمد.  لكنها ليست بديلًا آمنًا؛ فهي محاصرة، وأسواقها مقيّدة، وأي تصعيد حولها يهدد الخليج بأكمله.  لهذا، يمكن لها أن تمنح الصين وقتًا، لا طمأنينة؛ أن تكون حلًا مؤقتًا، لا قاعدة مستقرة  .

سادسًا : تايوان . العقدة التي لا تُقايَض

أما تايوان، فليست موردًا ولا ممرًا، بل عقدة وجودية :

شريان التكنولوجيا المتقدمة وموقع بحري مفصلي ورمز سيادي داخلي للصين . لهذا، لا تُقايَض بالنفط، ولا تُباع مقابل صمت طويل . أقصى ما يمكن هو تأجيل، إدارة توتر، شراء وقت . قد تصمت تكتيكيًا، لكنها لن تصمت استراتيجيًا، لأن الصمت هنا يمسّ شرعية الدولة نفسها .

سابعًا : من شهادة فيونا هيل إلى الواقع الراهن

حين حذّرت فيونا هيل التي كانت تدير الشؤون الروسية في مجلس الامن القومي في ادارة ترامب الاولى في شهادتها امام الكونكرس عام 2019 من الروايات المضللة التي تخدم الخصوم، كانت تشير دون أن تسمي هذا النمط من الصراع : صراع لا تُدار فيه السياسة بالعقيدة، بل بالمقايضات، وباستخدام الملفات الخارجية كأدوات في لعبة النفوذ الكبرى . وما نراه اليوم هو ترجمة عملية لذلك التحذير : سياسة خارجية تُدار كشبكة ضغط متعددة الساحات . لقد قالت : 

 ( ترامب وبوتين اتفقوا على ان تكون فنزويلا مقابل اوكرانيا )

حين أعاد ترامب الحديث عن مبدأ مونرو، لم يفعل ذلك بوصفه مؤرخًا، بل كونه رجل صفقات يرى العالم خرائط نفوذ لا منظومات قانون . يقوم خطابه على أفكار مركزية هي : العالم يعود إلى مناطق نفوذ والقرب الجغرافي يمنح حق السيطرة والأمن القومي يسبق القانون الدولي . في هذا السياق، لا يعود مبدأ مونرو مجرد سياسة خارجية، بل يتحوّل إلى تصور بدائي 

للسلطة، يمكن اختصاره بالقول :

( ما يجاورني يجب أن يكون تحت عيني، أو تحت يدي )

 غرينلاند : لماذا هذه الجزيرة؟

لم يكن الحديث عن غرينلاند نزوة سياسية، بل تطبيقًا صريحًا لعقلية مونرو خارج سياقها التقليدي . فهي جزيرة شاسعة، غنية بالمعادن النادرة، ذات موقع استراتيجي بالغ الأهمية في القطب الشمالي، وتابعة قانونيًا للدنمارك . ومن منظور هذا المبدأ المُحدَّث، يصبح الوجود الأوروبي الفعّال قرب المجال الحيوي الأميركي تهديدًا والقطب الشمالي ساحة التنافس المقبلة مع روسيا والصين وتُقدَّم الجغرافيا حجة تتجاوز مفهوم السيادة . بمعنى آخر، إذا كان مبدأ مونرو يقول : ( لا لأوروبا في الأميركيتين ) فإن النسخة الترامبية تهمس : ولا حتى أوروبا القريبة جدًا.

الآثار القانونية : تصادم مع النظام الدولي

إن إحياء مبدأ مونرو بهذه الصيغة يخلق إشكالات قانونية عميقة، في مقدمتها : 

1 : انتهاك مبدأ السيادة

فالقانون الدولي المعاصر يقوم على سيادة الدول، وعدم جواز التهديد أو الإكراه، وحريتها في اختيار تحالفاتها . وأي محاولة لفرض منطقة نفوذ حصرية تتعارض مباشرة مع ميثاق الأمم المتحدة .

2 : تقويض مبدأ المساواة بين الدول

إذ يفترض مبدأ مونرو، ضمنيًا، وجود دول راعية وأخرى تابعة، وهو ما يتناقض مع  الأساس الأخلاقي للنظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية .

3 : شرعنة منطق القوة

حين يُستخدم التاريخ لتبرير السيطرة، يتحوّل القانون إلى أداة انتقائية بلا مرجعية أخلاقية شاملة، ويُفتح الباب أمام قوى أخرى لتقليد النموذج ذاته في مناطق نفوذها .

الآثار الدولية : عودة عالم ما قبل القواعد

سياسيًا، يعني إحياء مبدأ مونرو بهذه الطريقة تصاعد التوتر مع القوى الكبرى، ودفع الدول الصغيرة إلى الارتماء في تحالفات مضادة، وتآكل الثقة في النظام الدولي . إنه انتقال من عالم تحكمه القواعد إلى عالم تحكمه الخرائط والغريزة الأمنية 

التاريخ، حين يُستدعى بلا وعي أخلاقي، يتحوّل من معلم إلى سلاح . ومبدأ مونرو، يعود اليوم بلغة إمبراطورية جديدة . والخطورة لا تكمن في المبدأ ذاته، بل في الفكرة التي توحي بأن الماضي يمنح حقًا دائمًا في السيطرة . فإذا أصبح القرب الجغرافي مبررًا للهيمنة، وصار الأمن ذريعة لتجاوز السيادة، فلن يبقى في العالم دول، بل دوائر نفوذ تنتظر من يرسمها بقلم أقوى. وفي عالم كهذا، لا يعود السؤال: من يملك الحق؟ بل: من يملك القوة الكافية ليُقنع الآخرين أن حقه تاريخي؟ ليس العالم على أعتاب حرب واحدة كبرى، بل داخل متاهة صراعات مُدارة، مبدأ مونرو لم يمت، بل تبدّل شكله: من حدود جغرافية إلى حدود طاقية، وتقنية، ونفسية . وفي هذا العالم، لا تُسحق الدول دائمًا بالدبابات، بل تُنهك بقطع المعنى عنها: معنى الأمان، ومعنى الاستقلال، ومعنى القدرة على الاختيار. وحين نفهم ذلك، ندرك أن الصراع الحقيقي ليس على الأرض فقط، بل على الحق في أن يكون للآخر مجالٌ يتنفّس فيه . فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يهمس دائمًا بالسؤال ذاته :

من يملك العالم؟ 

ومن يُسمح له أن يحلم داخله؟

08 . 01 . 2026

السبت، 3 يناير 2026

الخطة ( ج) والفوضى الخلاقة ( الأقاليم )، د. فالح حسن شمخي

  الخطة ( ج) والفوضى الخلاقة 

( الأقاليم )

د- فالح حسن شمخي 

تقسيم الدول إلى أقاليم كما هو معروف عالميا لاهداف  تنظيمية تسهل  الإدارة وتوفر  الخدمات التي تقدم للمواطنين ، فالتقسيم الإداري (محافظات، ولايات، مقاطعات) أو الإقليمي (مناطق جغرافية)، وتعتمد على أسس تاريخية وجغرافية واجتماعية، وقد تكون هذه الأقاليم ذاتية الحكم لضمان المشاركة أو نزع فتيل النزاعات كما هو الحال في اقليم كردستان في العراق .

ان من أهداف التقسيم الإداري والإقليمي التي ذكرناها أعلاه هي كما قلنا هي  تسهيل وصول الخدمات العامة للسكان ، تعزيز فعالية تطبيق القوانين والحفاظ على النظام و زيادة المشاركة الديمقراطية لتمكين مشاركة المواطنين في الحكم ، بالإضافة إلى 

تحقيق الكفاءة الإدارية ، اي توزيع المهام والاختصاصات بكفاءة ، والحد من الهجرة الداخلية بما يعني تقليل الضغط على المدن الكبرى. 

ماتقدم إطار نظري طرح لتنفيذه في سويسرا والسويد وغيرها من الدول التي لم تمر بتاريخها بمرحلة البداوة التي لم يتحدث عنها المفكر كارل ماركس في نظريته عن التطور التاريخي وذكرها باسهاب عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي ، ان من ينحدر من أصول بدوية لايمكنه ان يفهم نظري الاقليم المطروحة أوربيا ، ولايعرف معنى الديمقراطية ، فالديمقراطية تتنافى مع القوانين القبلية ، والتي نسميها في العراق (العشائرية ) ، وعلينا ان لاننسى ماقاله ابن رشد ومالك ابن نبي الذين حدثونا عن الدولة واعتمادها الغلبة والعصبية ، وهؤلاء هم خير من عبر ويعبر عن واقعنا العربي .

بالإضافة إلى ماتقدم فان الإسلام الحنيف ونظرية الحكم لدية معروفة ( الشورى )، والدستور في كل البلاد العربية التي أكثريتها مسلمة الذي يعتمد دستورها الإسلام اولا  ، وبالتالي فالإسلام لايقر نظام الأقاليم ، حتى وان عمل بالولايات ، فتقسيم الولايات لايعتمد العرق والطائفة والجغرافية ، وبالتالي لايمكن ان يستقبل العرب والمسلمين نظرية الأقاليم وينقلوها الى الواقع .

ان تصدير نظرية الأقاليم والغرب الامبريالي يعرف انها غير مقبولة وستثير صراع طائفي وعرقي وقبلي وسوف تجزء المجزء الذي تجزء بقرار سايكس بيكو ، وهم يعرفون الموروث العربي والإسلامي ، لكنهم وكجزء من الفوضى الخلاقة والخطة ( ج) التي حائت  بعد الفشل بتنفيذ الخطة (أ) التي استهدفت فلسطين ولبنان وسوريا ، والخطة ( ب) التي استهدفت اليمن والسعودية ومصر والسودان وليبيا ، فالخطة ( ج) ، تتلخص بعملية الضحك على الذقون والتلاعب بمشاعر الناس واستغفال الاغبياء، فالأهداف النظرية مشروعة ومقبولة ، لكنهم اخفوا الاهداف التي يريدونا والتي تخدم الكيان الغاصب في فلسطين ، فتقسيم الوطن العربي إلى أقاليم طائفية وعرقية وقبلية ستقود  إلى حروب مثل داحس والغبراء ( حرب البسوس) ومثل النزاعات بين الـ ايزيرج وعشيرة البزون في محافظ ميسان في العراق على ايهما احق بالماء ، وهنا يكون الكيان هو المسيطر وبيديه الحل والربط .

اختم بقول هرتزل الذي كان يعمل بوزارة الخارجية البريطانية الذي ارسل رسالة للوزارة يقول فيها ( اتمنى ان ننصب على كل بئر نفط شيخ ، حتى نتمكن من السيطرة عليهم)، الأقاليم حق يراد به باطل .

الجمعة، 2 يناير 2026

سيرة الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله. بقلم / باباه ولد التراد

 

سيرة الرئيس الشهيد صدام حسين رحمه الله.

بقلم / باباه ولد التراد 

 ولد صدام حسين يوم 28/نيسان/1937 في قرية "العوجة" التابعة للمحافظة التي أنجبت صلاح الدين الأيوبى الذى حرر مدينة القدس من الصليبين سنة 1187م. وأنقذ مصر من دولة الفاطميين .

وقد انضم صدام حسين الى صفوف حزب البعث العربي الإشتراكى بعد أشهر قليلة من العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 في مناخ وطنى وقومى حار وملتهب .

وبعد أن انحرفت ثورة 14 تموز 1958 عن مسارها وانتصبت المشانق فى ساحة "أم الطبول" وغصت السجون بالمناضلين ومن بينهم صدام الذى قضى فى السجن ستة أشهر، كلف الحزب مجموعة من الرفاق من ضمنهم صدام حسين بضرب عبد الكريم قاسم ، وتم تنفيذ المهمة يوم07/10/1959 .

وأسفرت النتائج عن جرح قاسم وإصابة اثنين من المهاجمين من بينهم صدام الذى ستقرت رصاصة فى رجله ولم يستطع أن يذهب بها إلى المستشفى ، وبدلا من ذلك قررالهرب بعد أن أخبره مسؤوله الحزبى أن رفاقه الذين اشتركوا معه فى العملية تم القبض عليهم ، عند ذلك اتجه الى أحد الحقول واشترى فرسا وكان يسير فى الليل ويختفى فى النهار، وعندما وصل الى نهر دجلة لم يجد بدا من عبوره سباحة نظرا لأنه لم يجد أي عبارة تنقله الى الضفة الأخرى لأن العبور ممنوع في اليل في تلك الفترة .

بعد ذلك التحق صدام بمجموعة من رفاقه وظل مختفيا معهم حتى قام الحزب بتهريبهم إلى سوريا ، ومن ثم توجه إلى مصرالتي عاش فيها ما يزيد على ثلاث سنوات أكمل فيها الثانوية ، والتحق بكلية الحقوق ،وواصل نضاله الحزبي من موقعه كعضوقيادة في اللجنة التي تشرف على التنظيمات الحزبية في شمال إفريقيا وقطاع غزة ومصر والسودان.

وعندما قامت ثورة 8/شباط/ 1963 عاد إلى العراق وألحقه الحزب عضوا في مكتب الفلاحين المركزي وظل يعمل فيه حتى وقع انقلاب عبد السلام عارف 18/11 /1963 .

وفي هذه الفترة حدثت انشقاقات حزبية خطيرة داخل الحزب في العراق وقد تصدى لها صدام بقوة وشجاعة ، فقد توجه إلى دمشق والتقى بمؤسس الحزب ميشيل عفلق وعاد إ لى بغداد يحمل معه وسائل الطباعة الضرورية ، وسعى لتشكيل نواة قيادية مؤقتة إلى أن جاء قرار القيادة القومية بتعيين قيادة قطرية جديدة في العراق من ضمنها صدام حسين الذي أسندت له مسؤوليات المكتب العسكري .

وعاد الأمل بقيام عمل ثوري ضد نظام عبد السلام عارف ، وتحددت ساعة الصفر، لكن فجأة اكتشفت الخطة يوم 5/9/1964 ، وتم اعتقال جميع أعضاء القيادة ومعظم كوادر الحزب .

وقد استطاع صدام أن يقوم بتهريب كافة أعضاء المكتب العسكري من السجن قبل أن يتمكن هو من الهرب ، وظل يناضل داخل العراق هو ورفاقه إلى أن قاموا بثورة 17/تموز/1968 التي كان صدام حسين من أبرزالمخططين والمنفذين لها والساهرين على مسارها ، سواء في الفترة التي كان فيها نائبا لرئيس مجلس قيادة الثورة ، أوفي الفترة التي أصبح فيها رئيسا لجمهورية العراق في 17/تموز/1979 ، وذلك وفق ما ذكره أمير اسكندر في كتابه :"صدام حسين مناضلا ومفكرا وإنسانا" .

وبعد أن تسلم حزب البعث السلطة في العراق ركز صدام حسين على تحقيق الاستقرار في وطن مزقته الصراعات ، وقام بتعزيز الاقتصاد العراقي وتطوير برامج التنمية. وأمم شركة النفط الوطنية ، ونقل العراق الى مصاف الدول المتقدمة  ، وقضى على الامية كليا في العراق ، وفقا لتقارير الامم المتحدة  ، كما أنشأ واحدة من أحدث أنظمة الرعاية الصحية في المنطقة وكان ذلك سبباً لمنحه جائزة من منظمة اليونسكو.

وقد وضع صدام حسين مواهبه وقدرات العراق في خدمة الأمة العربية ، فكان حريصا على حزب البعث الذي أصبح هوأمينه العام بعد رحيل الأمين العام السابق الأستاذ ميشيل عفلق الذي وصف صدام حسين ذات مرة بأنه "هدية البعث للعراق وهدية العراق إلى الأمة " .

غير أن القوة العسكرية التي بناها صدام للعراق أرقت كافة الأعداء ، وتم اعتبارها إخلالا بالتوازنات الإستراتيجية ، لذلك أصبح القضاء على صدام والتخلص من نظامه  من أهم أولويات أمريكا والمتعاونين معها في المنطقة ،كما يقول سعد البزاز في كتابه  "حرب تلد أخرى التاريخ السري لحرب الخليج" .

ففي سنة   1980شنت إيران الحرب على العراق لمدة ثماني سنوات من أجل الإطاحة بنظام صدام ومن ثم تصديرالثورة ، ومع ذلك انتصر العراق رغم فضيحة "إيران غيت".

وبما أن العراق خرج من هذه الحرب وهو يتمتع بكل أسباب القوة بما في ذلك التفوق في الصناعات العسكرية التي كادت أن تخرج العراق من دائرة العالم الثالث ، فقد استخدمت أمريكا كافة الضغوط الإقتصادية بواسطة حلفائها في المنطقة ، وإثر ذلك دخلت القوات العراقية الكويت في 2 أغسطس 1990. كما هوموضح في كتاب "الخليج بيننا قطرة نفط بقطرة دم " لمؤلفه حمدان حمدان .

غير أن الأمريكيين وحلفائهم تجاوزوا المتطلبات السابقة  وشنوا عدوانا على العراق فجر 17 /يناير/1991 ، وكانت أول مجموعة  من صواريخ اكروز مبرمجة لضرب مركز القيادة ، وذلك تنفيذا لخطة اسمها الرمزي "الخلاص من صدام " وفق ما يقول محمد حسنين هيكل في كتابه "حرب الخليج أوهام القوة والنصر" .

وفي هذه الأثناء انتزعت أمريكا من مجلس الأمن عدة قرارات عقابية ضد العراق ، وكان من أكثرها خطورة القرار661 الصادر بتاريخ 6/8/1990 الذي يقضي بفرض عقوبات اقتصادية على العراق ، والقرار687 الصادر بتريخ 3/4/1990 ، الذي تم بموجبه إنشاء اللجنة المكلفة بتدمير ومراقبة أسلحة التدمير الشامل العراقية  ، وهو أطول وأقسى قرار يصدر عن مجلس الأمن ، كما يقول  د.حسن نافعه في كتابه "الأمم المتحدة في نصف قرن " .

ومع أن هذه القرارات كانت جائرة  ، فقد استغلتها الولايات المتحدة  لإطالة أمد الحصارعلى العراق ، وبعد ذلك استخدمتها كذريعة للعدوان عليه ، ففي سبتمبر 2002 أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن نظام صدام يشكل تهديداً مباشراً للأمن العالمي . بسبب تحديه السافر لقرارات مجلس الأمن التي تقضي بإزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية .

ففي صبيحة 20 مارس2003 بدأ العدوان الأمريكي على العراق، و بعد ذلك سقطت بغداد في 9 ابريل من نفس السنة ، وظل صدام حسين ملاحقاً من القوات الغازية التي قتلت  أبناءه الثلاثة :عدي وقصي ومصطفى ، في معركة بالموصل في 22 يوليو 2003.

وفي 14 ديسمبر من العام نفسه تم أسرالرئيس صدام حسين من طرف الآمريكيين ، وطلبوا منه أن يوقف المقاومة لكنه امتنع وظل يحرض المومنين على القتال ، إلى أن حكموا عليه بالإعدام ،وقاموا بقتله شهيدا فجر يوم عيدالأضحى 30/12/2006.

وقد استنكر المراقبون هذا الاستعجال بتنفيذ حكم الإعدام ، وفي لحظة التنفيذ لم يبد على البطل صدام حسين الخوف أو التوتر ، و كان آخر كلامه : الشهادتين .

ودفن الشهيد صدام بمسقط رأسه بالعوجة حيث قام الآمريكان بتسليم جثمانه لعشيرته. وأقام ذووه مجالس العزاء .

غيرأن رحيل الشهيد صدام حسين لم يؤد إلى وقف المقاومة العراقية التي كبدت القوات الآمريكية خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات والإقتصاد ، وهو ما أجبر الولايات المتحدة على الإنسحاب من العراق .

ـ دور صدام حسين في حماية الثغور العربية :

ـ لقد وقف صدام حسين في وجه الأطماع الإيرانية في منطقة الخليج والعراق حيث اشتبك مع إيران في حرب طاحنة  لمدة ثماني سنوات  ، وكان من نتائج هذه الحرب أن انتصر العراق ، بعد أن أعلن " الخميني" في يوم 18/ 07/1988 أنه يأمر القوات الإيرانية بوقف إطلاق النار (شاعرا أنه يتجرع كأسا من السم ) .

لأن عراق صدام حسين شكل عملياً جدارا قوياً في طريق المد الصفوي الإيراني وتصدير الثورة إلى دول المنطقة .

ـ وفي حرب 1973 كان الجيش العراقي - الذي يشرف عليه صدام حسين شخصيا - هو الذي أنقذ دمشق من السقوط بيد جيش الكيان الصهيوني، وذلك بعد أن تقهقر الجيش السوري من الجولان، على إثر الهجوم الإسرائيلي المضاد.

ـ ومع أن العراق قد اشترك في حرب أكتوبر1973 ضد إسرائيل ، فقد دكت صواريخه أوكار العدو الصهيوني خلال حرب الخليج الثانية ، و بذلك تكون العراق أول دولة تضرب إسرائيل بالصواريخ ،إلا أن ما قدمه صدام حسين للقضية الفلسطينية ،والقضايا العربية عموما لايمكن حصره لأن ذلك يعتبر"غيض من فيض" .

ـ كذلك حينما سيطر المتمردون عام 1985 على أجزاء واسعة من السودان، وكادت قوات جون قرنق أن تدق أبواب الخرطوم، عند ذلك أسرعت حكومة الصادق المهدي، بإرسال الوفود إلى العواصم العربية ، تنذرهم بالخطر القادم، وتستجدي منهم المساعدة ، فلم يتجاوب معها أحد.

وأخيرا توجه الوفد نحو بغداد فاستقبلهم صدام حسين بكل حفاوة ، ووفر لهم كافة الأسلحة التي كانوا يريدونها وفوقها دعم مادي، وبذلك استطاع الجيش السوداني كبح جماح المتمردين .

ـ أما في موريتانيا فلا زال الكثيرمنا يتذكرتلك المواقف النبيلة التى اتخذها صدام حسين

فى الدفاع عن موريتانيا خلال أزمتها الحادة مع السنغال سنة 1989إلى أن أصبحت من أقوى دول غرب إفريقيا عسكريا ، كما أكد ذلك عبد جوف الرئيس السنغالي السابق في مذكراته حيث يقول : (سعيت دائما إلى تجنب الحرب مع موريتانيا في تلك الحقبة، كما أن الحرب لم تكن ملائمة للسنغال، لقد كانت القوات المسلحة الموريتانية أفضل تسليحا من السنغالية.

لقد زود صدام حسين موريتانيا بصواريخ قادرة على تدمير سينلوي وداكار وكانت ستطلق عندما تتحرك السنغال؛ وقد نقل معلومات الدعم العراقي لموريتانيا السفير ماصمبا ساري نقلا عن سفير العراق في باريس.

هذا الأخير قال في لقاء في العاصمة الفرنسية باريس إنه يأسف لما وصلت إليه العلاقات بين البلدين الشقيقين، لكنه أردف أنه في حالة وصول الموقف إلى حرب فإن العراق ستقف في صف موريتانيا، وبرر ذلك بكون موريتانيا تشكل جزء من الأمة العربية ).

الخيانة حين تتخفّى بالأعذار*

 

 الخيانة حين تتخفّى بالأعذار*


ما فعله نواف الزيدان

ليس تفصيلًا في فوضى الاحتلال، ولاحادثة يمكن دفنها تحت ركام التبريرات، بل لحظة كاشفة لانهيار أخلاقي كامل.

القضية لم تكن يوما عدي أو قصي ولاموقفا من نظام، القضية كانت بسيطة وواضحة

عدو أجنبي قطع آلاف الأميال ليحتل بلدا، وطارق باب استجار بصاحبه، هنا لا تُقاس المواقف بالسياسة بل بالكرامة، إما أن تكون إنسانا

أو تتحول إلى أداة، كل ماقيل وسيُقال لتبرير هذا الفعل ساقط. الخوف لايصنع مخبرين ولا يحوّل البيوت إلى إحداثيات عسكرية

عدم تأييد النظام لايمنحك رخصة لتكون دليلًا للاحتلال فالخيانة لا تُقاس بموقفك من السلطة بل بموقفك من العدو، أما ادعاء الانتقام للعراقيين، فهو أقذر الأكاذيب، لأن من يتحدث عن الانتقام كان أصلا ينعم بخيرات النظام، ويُحسب عليه وعاش آمنا في ظل حتى دخل المحتل، فاكتشف فجأة ضميرا وطنيا متأخرا.

هذا ليس انتقاما بل انتهازية رخيصة، قفز من مائدة إلى أخرى، ومن سيد إلى سيد مع فارق أن السيد الجديد محتل، ومن يريد أن ينتقم لشعب، لايفعل ذلك بتسليم مستجير، ولابتحويل البيت العراقي إلى فخ ولا بالوقوف في صف من دمّر المدن ونهب الدولة وأهان الناس.

ثم تأتي القذارة الكاملة

حين نعرف أن الوشاية لم تكن مجانية بل صفقة

ملايين الدولارات مقابل تسليم ضمير مقابل رصيد، وشرف مُسعَّر بالدولار، هنا يسقط آخر قناع، لاخوف، ولاوطن، ولاانتقام، مجرد تجارة سمسرة خيانة وبيع معنى الرجولة بثمن الاحتلال لم يشترِ معلومة، بل اشترى رجلا واستخدمه ثم رماه، كما يُرمى كل من يظن أن الخيانة يمكن أن تكون موقفا، أو مهنة، العار الحقيقي ليس في الأشخاص ولا في التاريخ بل في محاولة تبرير الفعل وتقديم الخيانة كحكمة، أو نجاة

أو موقف وطني.

الاحتلال يرحل والأنظمة تتغير، لكن من سلّم من استجار به وقبض الثمن

يبقى اسمه مرادفا للسقوط لاأكثر.


سيبدأ نواف بعرض روايته على شكل سرد ممنهج، حلقة بعد أخرى، وسيحرص على ذكر كل ما يدّعي أنه سيئ وسيضخّم ويبالغ وربما يؤلف، لا بحثا عن حقيقة بل دفاعا عن صفقة.

هذا النوع من السرد لا يُقدَّم لكشف الوقائع بل لبناء مرافعة نفسية تبرر فعلا لا يُبرَّر، لأن من قبض ثمن الوشاية لايكفيه أن يقول فعلت، بل يحتاج إلى مسلسل كامل ليُقنع نفسه قبل غيره.

أن الخيانة كانت ضرورة

وأن بيع المستجير كان خيارا أخلاقيا.

ولو وُجدت إساءات، ولو وُجدت تجاوزات، ولو كانت الشخصيات سيئة، فذلك لا يغيّر جوهر الفعل، ولا يحوّل البيت إلى فخ، ولا المال إلى مبدأ.

العدو لا يصبح أقل احتلالًا، لأن الرواية قُدمت في برنامج ولا الخيانة تُغسَل بعدد الحلقات، ولا بكثرة الكلام.

من يسلّم من احتمى به ثم يقبض الثمن لايملك رواية بل ذريعة مصوّرة، ولاشهادة، بل دفاعا طويلا عن عار ثابت.