الثلاثاء، 23 يونيو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية/ د. نزار السامرائي / جزء ٣

  حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية


د. نزار السامرائي 

جزء ٣

هل كانت فكرة سريعة طرأت في رأس الرئيس الأمريكي كي يتحول ذلك التحول الذي أدهش المراقبين السياسيين، عندما انتقلت من أكثر الشعارات تطرفا ضد إيران، إلى إصرار أعمى على التوصل معها إلى اتفاق شامل، فهل يمثل هذا التحول صراع نفوذ أو اختلاف في وجهات النظر داخل المراكز العليا في الإدارة الأمريكية، وهل هناك تحت الطاولة أشياء لن تظهر للعلن إلا بعد زمن قد لا يكون قصيرا.

من المقطوع فيه وبالتجربة الميدانية، أن إيران لا يمكن أن تبعث برسائل تطمين لأي طرف أو دولة من الدول، ويستوى في ذلك الأصدقاء والخصوم والأعداء على حد سواء، ذلك أنها لم تلتزم طيلة تاريخها المُدَون بما تُوقع من اتفاقيات، أو تُعطيه من تعهدات مكتوبة أو شفهية، وذلك يَنطبق على علاقاتها مع الدول الكبرى أو الدول الصغيرة، بل لعلها أكثر شطارة وجسارة في التنصل من أي التزام تقطعه على نفسها، في المباحثات أو في الوثائق بما فيها الموثقة لدى المنظمات الدولية، ذلك أن الدول الكبرى تظن أنها قادرة على تصويب المسار وقتما انحرف عن الطريق المرسوم، أما الدول الصغيرة فإنها قد تجد نفسها مضطرة لتوقيع اتفاق الفرصة المتاحة، أو أنها بحكم معرفتها بالسلوك الإيراني المُوغل بالقِدم من تجربتها مع دولة فارس، كانت أكثر حذرا من الدول الكبرى في تعاملها مع إيران، فتكون أكثر دقة في اختيار النصوص وسد الطرق على الطرف الآخر لمنعه من تقديم التفسيرات القابلة للتأويل.

وترى إيران في سلوكها هذا، شطارة نادرة تعزوها إلى مفاوضيها الذين يثيرون الملل لدى كل من يفاوضهم، وعلى من يفكر بالدخول بمفاوضات مع الإيرانيين حتى لو كان ذلك مخصصا لشراء معزة، أن يَعدَ نفسه لماراثون طويل أطول من المارثون الرياضي بعدة أضعاف، فمن مقترح إلى مقترح بديل ومن فقرة في بداية الديباجة إلى شرطٍ في نهاية الاتفاق، ومن أخذِ وقتٍ لدراسة الرد، وأخذ استراحة للعودة إلى المراجع داخل البلد، ثم طلب تمديد الوقت لأن الدراسة لم تستكمل حلقاتها، ومن تغيير موضع النقطة، إلى تغيير كلمة إلى أخرى، مع العلم أن الكلمة المطلوب تغييرها جاءت بمبادرة من الجانب الإيراني نفسه، هكذا تجري المباراة "المفاوضات"، ثم يطلب المفاوض الإيراني العودة إلى بلاده كي يَحضر عيد ميلاد جدته التي كانت قد توفيت قبل عشر سنوات على أقل تقدير.

أذكر مرة أن موشي دايان أجاب عن سؤال صحفي عن العوامل التي مكنت إسرائيل من الانتصار على العرب، على الرغم من أنهم يفوقونها عدداً وثروة وعمقاً استراتيجياً فقال، هناك جنرال يقاتل معنا ضدهم اسمه الجنرال ملل، فالعرب سريعو الملل لا يطيقون الصبر، مع أن دينهم يحضهم على الصبر في أكثر من موقع في كتابهم، ويقال إن دايان قد اقتبس هذا المثل من قول مشهور للجنرال السوفيتي جوكوف الذي يوصف بأنه صانع النصر السوفيتي في الحرب العالمية الثانية، وذلك عندما قرر سحب الجيوش السوفيتية أمام الغزو النازي وأفرغ المدن من أي شيء يمكن أن ينفع الجيش النازي، وعندما كان يُسئل عن أسباب ذلك كان يقول سنسلم العدو للجنرال ثلج الذي سيُلحق بهم الهزيمة الأخيرة.

ويبدو أن إيران نجحت بالتلاعب بأعصاب المفاوض الأمريكي عبر الربط المحكم بين التمنع والرضا واللهفة، من أجل التوصل إلى حل يضمن لها أعلى ما ترغب بتحقيقه من إنجازات ونتائج، دفعت من أجل الوصول إليها ثمنا باهظا، ليس أكبرها وأهمها فقدان المرشد، بعد أن استهدفته القوات الإسرائيلية بغارة ناجحة، أودت بحياته وحياة كثير من مساعديه ومستشاريه، ومع الشعور بالحرج الشديد الذي تعيش تحت سقفه الزعامة الإيرانية الجديدة، من اختيار طريق التفاوض مع قاتلي الزعامة الإيرانية، بسبب ما ستطرحه من تساؤلات عقائدية عن صواب التعاطي مع أعداء من هذا الطراز أم لا؟ مما قد يطرح على المستوى الشعبي سؤالا جدياً هل يجوز التفاوض مع جيش يزيد على سبيل المثال، أو يقع ذلك ضمن دائرة المحرمات الشرعية؟ فما هي التفسيرات التي ستطرحها إيران أمام نفسها وأمام الشعب، بل وأمام التاريخ، في ضوء ما كان يطرح سابقا من أن لا لقاء مع قوى الاستكبار مهما طال الزمن، فهل هناك فتوى دينية تسوغ اللقاء بين ممثلي الرحمن كما يصف الإيرانيون أنفسهم وممثلي الشيطان وهو الوصف الذي يطلقونه على الولايات المتحدة، باعتبارها الشيطان الأكبر.

الزعامة الإيرانية التي شغلت مراكز القيادة في إيران بعد القضاء على الخطين الأول والثاني من القيادة السابقة، لم تزل لغزا محيّرا للإدارة الأمريكية، وهذا ما يزعج ترمب أكثر من أي شخص آخر، لأن الرئيس الأمريكي، يفضل التعامل مع خصم عنيد، على طرف مجهول حتى لو كان ضعيفا أو يحمل مرونة محتملة أو عالية، فالتعمد الذي اختارته إيران بعد شباط/فبراير 2026، في حجب هوية الرجال الذين يمسكون بالحكم في طهران كان جزءا من خطة مدروسة أعدت على عجل، للتحرك على الساحة الخارجية والجلوس على مائدة المفاوضات وليس للعودة إلى حرب قد تُجهز على ما تبقى تحت يد القيادة من إمكانات أو قدرات مادية لا غنى لأي دولة عنها، التي لهذا ولغيره من الدوافع، ما يزال مركز القوة في السلطة الجديدة في طهران، مجهولاً في قدرته على فرض كلمته على التيارات المتصارعة داخل البلاد، في مرحلة انعدام الوزن في بلد كانت تتركز فيه السلطة بيد رجل واحد، لم يُعد نفسه لفراغ في مركز السلطة بصورة فجائية.

ربما ركز ترمب معظم وقته ليتعرف على من يحكم في طهران فعلا، أكثر من تركيزه على ما يجب تناوله في المباحثات التمهيدية، وكيف ينتقل الأمر إلى الصفحة التالية، وهي صفحة مزدحمة بالملفات التي تكتسب أعلى درجات الأهمية لدى الجانب الإيراني، وربما تكتسب أهمية لدى دول الإقليم وتتخطاه إلى أوربا، لأن غرور القوة التي تشعر به الولايات المتحدة، والتي طالما تفاخر بها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب، بحيث أشغله ذلك عن التفكير السليم بأن القوة العسكرية حين تصل إلى حدودها القصوى، تتحول إلى عبء ثقيل على مالكها أكثر مما تسببه من قلق لدى خصومها، فالولايات المتحدة التي تظن أن أمنها مُصان وعصيّ على أي تهديد خارجي، لعوامل تاريخية وجغرافية ولأنها لم تخض حربا فوق أراضيها أبدا باستثناء حرب الاستقلال والحرب الأهلية، ونتيجة تضخم القوة العسكرية التي تمتلكها وتنوع ما لديها من أحدث ما أنتجته عقول العلماء الأمريكان وغيرهم من أسلحة فتاكة وأسلحة دمار شامل وصواريخ عابرة للقارات، وغواصات تجوب البحار وأعماقها وحاملات طائرات نووية ليست بحاجة إلى التزود بالوقود إلا بعد وقت طويل، كل هذه الحلقات المتعددة أعطت صناع القرار الأمريكي ومنفذيه حالة اطمئنان إلى أن بلادهم، قادرة بقرار واحد فرض الاستسلام على أي بلد حتى في حال استبعاد أسلحة الدمار الشامل.

وكأي حرب كان لا بد أن تنتهي عبر التفاوض المباشر أو بوساطة أطراف محايدة أو باستسلام أحد الطرفين، وفي الحرب الأمريكية الإيرانية حري بنا أن نسأل سؤالا محددا، من هو المنتصر ومن هو المهزوم، وعندما لا يأتينا جواب محدد، لا بد أن ننتقل إلى أسئلة أخرى، وهي من هو الذي يريد التفاوض؟ وماذا يريد من المفاوضات؟ وهل يسعى الطرف المنتصر للتنازل عن جزء من مكاسبه التي حققها في جبهات الحرب ولماذا يفعل ذلك؟ وهل تُخاض الحروب لدوافع إنسانية كي نتوقع منها تَخلّي المنتصرين عن انتصاراتهم بلا ثمن؟ ولعل السؤال الكبير الذي لم يجد إجابة قاطعة حتى الآن بشأن كل الحروب التي كانت إيران طرفا فيها، هل هي حروب تحريك المشهد لفرض حقائق سياسية واستراتيجية جديدة؟ أم أن الهدف منها تحجيم دور إيران الإقليمي ودفعها للتراجع إلى داخل حدودها السياسية؟ والانتقال من مرحلة الثورة وتصديرها إلى الخارج، إلى مرحلة الدولة الطبيعية التي تحترم القوانين الدولية ولا تتدخل في شؤون الآخرين، وكيف تريد أن يتحقق ذلك بصورة تدريجية أو بصورة دراماتيكية؟ 

حقيقة الأمر لا توجد أجوبة جاهزة عن هذه الأسئلة ولهذا يجري البحث عن إجابات قد تبدو متصادمة في معظم الأحيان ولا يمكن أن توصلنا إلى تفسيرات نهائية.

لقد ارتكبت أخطاء جسيمة من قبل المتحاربين أنفسهم، وحتى من قبل الذين امتنعوا عن المشاركة في الحرب، مما أدى إلى أن يدفع الجميع أثمانا متقاربة، ولكننا قد نجد أن الذين ظنوا أن النأي بالنفس في تلك الحرب المدمرة نتيجة حسابات خاطئة، سيجدون أنفسهم يتحملون من أثمان حرب المنتصرين والمهزومين معاً.

ما صدر من الجانبين ومما اعتبره كل طرف منهما، أنه سيرجح كفته في تلك المفاوضات، قد تدعم مسار التفاوض وقد تدق مسمارا في نعشه، ولكن هناك مؤشرات على أن إيران ستلتقط فرصة ما حققته من نجاح جزئي لاسيما في منع المنتصرين عسكريا من تحويل انتصارهم إلى نصر سياسي، وهذا سيعزز من قدرة إيران في إحداث شرخ في تحالف المنتصرين.

وقد لاحظ المراقبون أن إيران حققت نجاحا ملموسا في ملفين سياسيين حتى الآن على الأقل، الأول تحويل قضية مضيق هرمز إلى واحد من إفرازات الحرب، على الرغم من أن المضيق ظل مفتوحا أمام الملاحة الدولية حتى بعد أيام عديدة من نشوب الحرب، ولم يكن أحد أسباب اندلاعها، والثاني ربط ملف وقف اطلاق النار بالملف اللبناني، ولأن إيران توصلت إلى قناعة يقينية أن ترمب وصل إلى الحد الأعلى من الجزع من استمرار الحرب، من دون أن يلوح بالأفق بصيص أمل بالخروج من الحرب بشيء من الفخر الذي تبجح به ترمب طويلا، وهذا هو الذي أعطى إيران أرجحية في التفاوض مع الولايات المتحدة لا في ساحات المعارك، فبعد عدة محاولات للجلوس على مائدة واحدة بين المتفاوضين، وجدت واشنطن أنها وضعت قدماً على بداية طريق أضاعت بدايته، من خواتيمه ولا تدري إلى أين سيوصلها هذا الخيار.

وقد مارست إيران أعلى درجات الخديعة، عندما كانت تُسَوقُ حُزماً متناقضة من الأخبار والتصريحات لكبار المسؤولين، بعضهم من الحرس الثوري وتيار المتشددين، وبعضهم مما يسمى بالتيار الإصلاحي الذي يطلق عليه وصف جماعة المعتدلين، ولاحظنا في مباحثات منتجع بورغنشتوك السويسري، أن الوفد الإيراني هدد علناً بالانسحاب منها، وقام بحركات استعراضية، الهدف منها ليس جلسة المفاوضات ولا كاميرات المراسلين، بل الشارع الإيراني الذي يحتاج كثيرا إلى وصلة ترفع معنوياته، وذلك بحجة أن إسرائيل شنت هجمات على مواقع حزب الله اللبناني، في حين أن نائب الرئيس الأمريكي فانس أكثر المسؤولين الكبار في إدارة ترمب حماسا لعقد الصفقة مع طهران، قال إن الوفدين التقيا في القاعات المغلقة لمدة تسع ساعات كاملة، وهذه من أبسط الأدوات التي تتقنها  إيران على أفضل الوجوه، وذلك في رسائل للداخل الإيراني للظهور بمظهر الطرف الممتنع عن الحوار بمقابل طرف متهالك عليه، مستندة إلى تحليل منطقي يقول إن الطرف الساعي إلى التفاوض هو الطرف الأضعف، فما كان من الوسطاء إلا أن يبلعوا الطعم ويهبّوا دولا مجتمعة أو منفردة، في لعبة علاقات عامة أبهرت المتابعين للمشهد على شاشات الفضائيات، التي أهملت بطولة العالم لكرة القدم ووجدت أن تلك البضاعة كسدت، وحصل تحول دراماتيكي في اهتمامات الموطنين في كل القارات نحو القضايا الجادة، والتي لها الفضل الأول في تحرك عجلة الاقتصاد العالمي، بدلا من مشاهد الرياضة واللهو التي كانت تحتل المرتبة الأولى في اهتمامات المشاهدين، فصارت المباراة السياسية بين الولايات وإيران في مقدمة البرامج التي تحتل أعلى درجات المشاهدة، لأن ذلك الملف صار جزءاً من الفاتورة المالية التي على الفرد أن يتابع فرص تقليصها بأي شكل من الأشكال، فتلك الفاتورة كانت تستنزف مدخوله كلاً أو جزءاً، وعرقل حركة تنقله من مكان إلى آخر بسبب ارتفاع سعر غالون بنزين السيارات ووقود الطائرات.

الاثنين، 22 يونيو 2026

من هو احمد يوسف عفلق ؟/بقلم الاستاذ جابر خضر الغزي

 بسم الله الرحمن الرحيم

من هو احمد يوسف عفلق ؟


الاستاذجابر خضر الغزي

بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لوفاة القائد المؤسس

مرت سبعة وثلاثون عاما على وفاة المفكر العربي الكبير الاستاذ القائد المؤسس , ووفاء وعرفانا ودينا وعهدا لرجل وإنسان ومفكر ومناضل من احد طلابه الصغار الذين تعشقوا بفكره وتاريخه النضالي وبزهده وصبره وثباته على قيم المبادئ والمعاني العالية , كما اتسم رحمه الله بالتواضع والحب والصدق , وكل السمات الاصيلة في الامة والانسانية وكل السمات التي تميزت بتجربته الفكرية والنضالية , فعلينا اليوم ونحن امام نتاجاته الفكرية التي اغنى بها كل المكتبات العربية .

ومن الصعوبة الاحاطة بحياته وفكره , وهذا ما يحتاج الى بحوث ودراسات يشارك فيها ابرز المفكريين العرب والعالميين , كما حدث لنداءه للمستقبل سمي ( نداء المستقبل ) في حزيران 1985 الذي دعا فيه المفكرين والمناضلين العرب للقيام بدور نضالي جديد في ضوء الاحداث والوضع العربي , حيث عقدت هذه الندوة في باريس , وبعد وفاته عقدت عدة ندوات فكرية في بغداد عام 1990 وكذلك في القاهرة خلال 17 / 18 اذار / 1990 تحت عنوان تطور الفكر العربي لتقويم فكر القائد المؤسس .

وعلى ضوء هذه المقدمة لابد نجيب على السؤال : من هو القائد المؤسس ؟ .

لايخفي على المتابعين لفكر القائد المؤسس بأن البيئة لها الاثر الكبير على شخصيات المفكرين والسياسيين والادباء والشعراء ومنهم الاستاذ , ولعل مقولة بن خلدون عن اثر البيئه على الانسان.

كانت ولادته في التاسع من كانون الثاني عام 1910 م في زقاق الموصلي رقم 9 في حي الميدان في دمشق من عائلة معروفة كانت فيها أسرة والده يوسف عفلق فرعا من اسرة ابو عسلة من راشيا الوادي في البقاع , وكانت امه السيدة رسمية تنتسب الى اسرة زيدان من حمص .

نشأ الاستاذ في حي الميدان المعروف من أحياء دمشق القديمة وكانت اسرته جزء صميميا من هذا الحي المناضل العريق ,الذي كان معقل الوطنية والعروبة ومنبت الثورات الوطنية , فقد بدات الثورة السورية منذ عام 1925 وكان والده وأبناء الحي لهم المشاركة ضد الاستعمار التركي والفرنسي وفي كل ثورات فلسطين ," في هذه البيئة الوطنية العربية تفتحت عينا الاستاذ احمد ميشيل يوسف عفلق على صورة الابتهاج بأول حكم استقلال عربي عام 1918 بقيادة فيصل بن الحسين , ثم على صدمة الاحتلال الفرنسي , وعلى مشاركة اهل الميدان الواسعة في معركة ميسلون لمواجهة الاحتلال الفرنسي الذي قوضى استقلال سوريا عام 1920 " .

حي الميدان يحيط به حوران وجبل حوران , جبل الدروز وللحي صلات بقبائل البدو , وكذلك هناك علاقات اجتماعية وتجارية , بالاضافة الى هذا الحي تنطلق من خارجه إعداد كبيرة من الحجيج السوريين الى الديار المقدسة .هذه البيئة جذبت والده يوسف السكن في هذا الحي , فهو تاجر حبوب الذي يشتري محصول الفلاحين , ولم يكن والد الاستاذ المسيحي الوحيد الذي يسكن الحي , اي حي الميدان , حيث سكنت هذا الحي ( عائلة يوسف عفلق والشويري وتوما ورزق الله والخوري وابو حجرة ) . ومارست هذه العائلات نفس التجارة التي كان يمارسها والد الاستاذ " فما زال في حي الميدان يتذكرون يوسف عفلق من العوائل المسلمة منهم ال حباب وسكر ورحمون والعابد " . وكانت علاقتهم مع والد القائد المؤسس كأنه مسلما وربما كان  هذا مهيئا كثيرا في تفهم اولاده للاسلام ولاسيما الاستاذ المرحوم , حيث اعتقد ان هذه الجذورالاولى التي اثرت على شخصية القائد المؤسس وإسلامه , وما جاء في محاضرته ( في ذكرى الرسول العربي ) على مدرج جامعة دمشق قي 5 نيسان 1943 م الذي اخذ يهتم بالاسلام وبشخيصة الرسول العربي الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم , كانت القراءات والمطالعات الاولى للاستاذ , حيث كانت المعاناة لهذه البيئة الوطنية العربية التي نشأ فيها , وكان خاله الدكتور شكري زيدان اثر كبير في توجييها , فقد تركزت تلك القراءات حول الادب والتاريخ العربيين وحول الشعر الوطني وادب المهجر , والاطلاع على حياة الرسول العربي .. وكذلك على بعض الكتابات العلمية والاحتماعية لاسماعيل مظهر , كما شملت مطالعاته الادبية والفكرية منذ وقت مبكر لزوميات ابي العلاء المعري وديوان المتنبي , وروايات جرجي زيدان عن التاريخ العربي الاسلامي .. وكان لذلك كله الاثر في تفتق ذهنيته ووعيه الوطني والقومي .

إما امه من آل زيدان مؤسس دار الهلال في القاهرة وصاحب الروايات التاريخية المشهورة , وقد رزقت ( ام احمد ) خمسة اولاد ابنتان وثلاثة ذكور , ثانيهم الاستاذ المرحوم , وتلقوا معظم دراساتهم في مدرسة ( الآسية ) .

وفي عام 1916 م تقع عيني الصبي على مرائ الجنود الاتراك يقتحمون المنزل لاعتقال والده يوسف بسبب نضاله ضدهم , وكذلك كان الصبي يستمع إلى اخبار بطولات شهداء السادس من ايار .

1918 استقبل الامير فيصل الاول اول حاكم عربي في دمشق وفي بيت والده يوسف عفلق بالذات وفي عام 1925 قامت هذه الاسرة بدور رئيسي في الثورة الوطنية الكبرى التي قادها سلطان باشا الاطرش .

وفي عام 1928 تم إيفاده في بعثة إلى فرنسا مع المرحوم صلاح الدين البيطار, الاول يدرس مادة التاريخ والثاني مادة العلوم , واقترن اسم صلاح البيطار باسم القائد المؤسس وصار صنوة في تاسيس حزب البعث العربي ولايقل عنه تميزا, فهو ايضا من سكنت حي الميدان , ومن اسرة ذات صلة قوية بالديار المقدسة بالمدينة المنورة بالذات .

وفي عام 1933 عادا الى دمشق يحملان شهادة ( الليسانس ) البكلوريوس , وفي تلك الفترة تحديدا 1928 _ 1933 تبلور تجاه فكري لدى الاستاذين بضرورة تحقيق الوحدة العربية .

عين الاستاذ صلاح البيطار في مدارس حمص والاستاذ احمد يوسف في ثانوية تجهيز الاولى في دمشق واسمها حاليا ( جودة الهاشمي ) بالقرب من فندق ( فور سيزن ) مدرسا للتاريخ , ولم يمض على انجاز ثانوية التجهيز الاولى اكثر من ستة اشهر حيث كانت هناك ثانويتان حكوميتان , واحدة في حلب والثانية في دمشق قبل عودته إلى سوريا حصل على إجازة التاريخ .ونجاحه في إجازة السنة الثانية في دراسة الحقوق , وكان في نيته متابعة دراسة التاريخ للحصول على الدكتوراه ( وقد حصل على دبلوم في تاريح الفن اليوناني الذي كان معجبا به وجعل طريقه إلى فرنسا من اليونان والتعرف إلى أثاره الا إن مرض والده ووفاته ) .

مما اضطر بالعودة نهائيا والالتحاق بوظيفة التدريس , حيث انخرط في العمل الادبي وفي الحياة السياسة معا .

" كان بارعا وناجحا بل ساحرا في إلقاء دروسه للصف السابع في التاريخ القديم , يوناني _ روماني _ فارسي , يجذب انتباه الطلاب " حتى تسمع الإبرة عندما يحبس الطلاب إنفاسهم طيلة الدرس . مما دعت وزارة التربية بتوجيه تقدير في تدريسه للصفوف العليا , حيث يقول الدكتور ذوقان قرقوط الذي كان طالبا في ثانوية التجهيز الاولى ( استئأذنة منه للحضور في درسه وبخاصة دروس البكلوريا عن الثورة الفرنسية ) .

في العطلة الصيفية كان القائد المؤسس يتردد على مقهى ( الواحة ) المحاذية للشارع الملاصق لمقهى ( هافانا ) الحالية , وقدتحولت فيما بعد الى سينما الاهرام .

وفي 1941 أسس حركة الاحياء العربي وفي نفس السنة اسس حركة نصرة العراق.

كان البعثيون لايزالون في بدا مرحلتهم التمهيدية ولكن ذلك لم يمنعهم من النضال العملي قطريا وقوميا , قطريا تمكنوا من المساهمة في حمل الشعب في سوريا على إعلان الإضراب العام ضد الاستعمار الفرنسي , إما على الصعيد القومي فكانت    ( ثورة رشيد عالي الكيلاني ) في أيار1941 دافع البعثيون الاوائل للتحرك والنشاط , فلم يقفوا عند حدود توزيع البيانات والتأييد والحث على دعم تلك الثورة , بل عملوا على تشكيل حركة ( نصرة العراق ) التي كتب وثائقها الاستاذ حيث قال : " أيها العربي .. أعلم إن العراق في هذه الساعة من اجل امنية كل العرب ( الوحدة العربية ) واعلم ان انتصار العراق منوط بك وحدك فاعرف واجبك وقم به. ايها العربي حيثما كنت _ ضع برفاهك اياما , تضمن لامتك السعادة اجيالا .

امتنع عن الملاهي جميعها وساعد العراق المجاهد إذ لايليق بك أن تلهوا بينما العراق يريق دمه في سبيلك , الغي الضيافات ولاتقبلها من الاخرين , وبقيمتها قدم لجرحى العراق العربي , وفي كل اثنين وخميس اقتصرمع اسرتك على أكل لون واحد بسيط وارسل بما توفره إلى العراق ليشتري اسلحة ومعدات,تعود الخشونة في عيشك والبساطة في ملبسك واعلم ان كل عربي قد اصبح اليوم جنديا .

ايتها الفتاة العربية : لاتنسي انك ستكونين ام الجنود والابطال العرب فأنتبهي لرسالتك وما تفرض من مسؤولية " .

وما اشبه اليوم بالنداء الاول للقائد المؤسس لنصرة العراق مع نداء الرفيق عزة ابراهيم الامين العام للحزب رحمة الله عليهما " لاتتوهموا واعلموا ان الحزب وقضيته الاساسية ومصيبته داخل العراق ودفع ثمنها العراق , إن لم ينتصر في هذه المعركة سيذهب البعث الى المجهول وسوف لن يعود الى قرون عديدة " .بمعنى اخر ان مستقبل العراق والامة والانسانية الا في تحرير العراق .


السبت، 20 يونيو 2026

مجلة صوت الطلبة عدد ٦٣

 مجلة صوت الطلبة 

عدد ٦٣

١٩ حزيران ٢٠٢٦

للتصفح اضغط على الرابط الالكتروني ادناه 

https://online.anyflip.com/rnvg/tnyc/mobile/index.html



















الجمعة، 19 يونيو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية / نزار السامرائي / جزء اول

 حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية



نزار السامرائي

جزء اول 

ابتداءً هذه قراءة خارج السياق الذي أكتب به، لأنني أجهدت نفسي كي أبدو مراقباً محايداً، على الرغم من أنني اتخذ موقفا يعرفه القارئ الكريم من إيران لن يتغير ما لم تنقلب إيران رأسا على عقب، ومع قناعتي بأن العرب خاسرون في أية مواجهة تحصل حتى داخل الدول نفسها، أو أي قتال بين مدينتين في أصغر دول العالم، ألم يدفع العراق ثمنا للحرب الأهلية في نيكاراغوا، إذ دعمت وكالة المخابرات المركزية ثمن صفقة سلاح إسرائيلي تم تصديره عبر طرق ملتوية إلى إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينيات.

وهنا لا بد لي من أن أشير إلى أن "فارس" إيران لم تكسب حربا واحدة باستثناء ما ورد في سورة الروم، ولكنها سرعان ما خسرت الحرب بعد بضع سنين كما بشر القران الكريم بذلك، ولكن "فارس" إيران تتصف بصفة نادرة بين الأمم والشعوب، أنها تستطيع امتصاص زخم قوة أعدائها وإدخالهم في أنفاق وسراديب حقيقية أو معنوية، لا تختلف في شيء عن انفاقها التي أخفت فيها مشاريعها النووية الحالية، وربما استطاعت أن تستنسخ تجاربها السابقة وتصبها في تجربة الحرب الأخيرة، إيران هُزمت هزيمة عسكرية ساحقة، ولكنها بعنادها ومماطلتها وإدخالها لخصومها في دهاليز مظلمة، استطاعت إعادة ترتيب بيتها الداخلي معتمدة على القمع الداخلي وعلى إلباس ذلك القمع أردية دينية، فانطلقت أدواتها لتتحدث بنبرة عالية عن نصر عسكري مزعوم، وليتها اكتفت بكلمة نصر مجردة ولم تضف لها كلمة عسكري، ولكن ضرورات الساحة الداخلية والأذرع الخارجية تتطلب بث هذه الرسائل، وإلا تعرضت للموت انتحارا أو للموت البطيء.

 كانت الولايات المتحدة وإسرائيل معاً أو كلاً على انفراد، تشكلان هاجساً مرعباً لدول المنطقة أو لكثير من المنظمات المسلحة أو شبه المسلحة، التي تُوصف من قبل أمريكا أو الاتحاد الأوربي بأنها منظمات إرهابية، ولو أن الولايات المتحدة وإسرائيل أبقتا على هذا التصور كما هو على المستوى الإقليمي الجمعي، أو تلك الصورة المتخيلة عن قدرتهما على تحقيق إنجازات سريعة في أية بقعة تسعيان لإحداثها فيها، لبقيت صورتهما مثل مطرقة هائلة تكاد تطبق على رؤوس الدول، بنظامها الرسمي أو التشكيلات المسلحة فيها أو ترتبط بها.

لكن الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية التي نشبت على مرحلتين بين عامي 2025 و2026، أكدت قدرة الأطراف التي لم تكن تمتلك الثقة الكافية بنفسها، على خوض مواجهة ناجحة مع القوى الدولية الكبرى التي ظلت تحاول فرض نموذجها السياسي والاقتصادي، بل إخضاع الآخرين لإرادتها وإملاءاتها السياسية والأمنية.

علينا أن نعترف أن إيران وبصرف النظر عن دوافعها وأسبابها، تمكنت من تغيير كثير من المسلّمات العسكرية السابقة واستطاعت انتزاع كثير من أسلحة الردع من أعدائها، وخاصة عندما استطاعت استهداف منشآت اقتصادية إسرائيلية، وقصفت منشآت وقواعد عسكرية في بعض دول المنطقة، التي تحصل على دعم حقيقي من الحليف الخارجي القوي. 

   كانت إيران تتعامل مع التهديدات الأمريكية ككابوس مرعب تحاول تجنبه بأي شكل من الأشكال، لأنها تعي جيدا فارق القوة العسكرية بين البلدين، ولهذا فضلت التعايش الطويل مع حالة اللاسلم واللاحرب، مهما طال أمدها، ومهما تكبدته من خسائر في اقتصادها المتعب أصلا، والذي بات يعاني من صعوبات أكبر جراء الخضوع للعقوبات الأمريكية القصوى التي بدأت في ولاية ترمب الثانية، لكن تعوّد إيران على عقوبات خارجية طويلة الأمد، منحها قدرة على التكيف معها وبناء اقتصادها على تهريب النفط الخام وتحويل موارده إلى الخطوط الأمامية للأمن القومي الإيراني، أي الأذرع الخارجية التي تتحرك بأوامر المرشد عبر خطوط مواصلات ينظمها الحرس الثوري، لأنها تعي أنها قادرة على قمع أية احتجاجات داخلية بالقوة المسلحة وبالإسقاط السياسي، لذا تعايش المواطن الإيراني مع الضنك الاقتصادي واقعا ملموسا مهما طال أمده ومهما تعاظمت حدته، لا سيما وأنها تفرض حالة شديدة من الأمن متعدد الأجهزة وخاصة  قوات البسيج والحرس الثوري، اللذين لديهما الاستعداد للدفاع عن استمرار النظام مهما بلغت التضحيات ومهما حصل من ضغوط إضافية.

من جانب آخر بنت الولايات المتحدة كل تصوراتها على فرضية لا يمكن أن يركن إليها أي مخطط استراتيجي، وهي أن خوف إيران من ضربة عسكرية أمريكية قد يفرض عليها رعبا مبكرا، حتى قبل بدء العملية العسكرية، وقد يدفعها إلى الاستسلام، وهذه الحسابات التي تأكد بطلانها، حققت لكلا الطرفين نتائج معكوسة، فبالنسبة لإيران التي كانت ترتعش لمجرد التفكير بعواقب الضربة الأمريكية، بعدما حصل يوم 28 فبراير 2026، عندما فقدت إيران خطيّها القياديين سياسيا وعسكريا، وتمكنت من إملاء الفراغين في غضون أيام معدودات، شعرت بثقة عالية بالنفس، وصارت القيادات البديلة أكثر تشددا، لأنها باتت تمتلك ثأرا تشعر أنها مطالبة بتنفيذ فصوله، ثم أنها شعرت بأنها باتت تمتلك حصانة أكثر في مواجهة التحديات الخارجية لأنها استندت على فكرة أنها استطاعت الصمود بوجه أعتى قوة عسكرية عرفتها البشرية من نشوئها الأول، وأنها لن تخسر أكثر مما خسرت حتى الآن إذا ما واجهت عدوانا أمريكيا جديدا، ولهذا اختارت مواصلة لعبتها المفضلة "المماطلة والتسويف" التي برعت بإجادة فصولها المتعددة حتى تُدخل الملل في نفوس أعدائها، مستفيدة من أن العالم ليس على استعداد للتضحية بما حقق لنفسه من مكاسب طيلة عدة قرون، لهذا استمرأت الزعامة الإيرانية الجديدة اللجوء إلى ما سبق أن أعلنته إيران من خطوات وكان البعض ينظر إليه على أنه مجرد تهديدات فارغة لا تستطيع إيران الإقدام عليها، فقد فرضت إيران إغلاقا عمليا على مضيق هرمز، صحيح أنها فرضت على نفسها عزلة إضافية، إلا أن الصحيح هو أن العالم وجد نفسه أمام أزمة طاقة خانقة وحركة ملاحة محدودة في منطقة الخليج العربي، ولما وجد الرئيس الأمريكي ترمب نفسه أمام مأزق دولي يتعلق بحق الملاحة الحرة في مضيف هرمز، ورغم تأكيداته المتكررة عن قدرته على فتح المضيق في ساعة واحدة، ناهيك عن تأكيداته السابقة عن إفشال أي خطط إيرانية لإغلاق المضيق الدولي، ولما رأت إيران نفسها محاطة بكل هذه الإنجازات، راحت تصعد من شروطها فتارة تطالب بحق الاشراف على حركة الملاحة في المضيق أي بعبارة أخرى التحكم بحركة ناقلات النفط من الخليج العربي إلى أسواق الاستهلاك الكبرى في العالم، وهكذا شعرت إيران أنها استعادت دورا كانت قد فقدته منذ عام 1979، وهو دور الشرطي الدولي للخليج العربي.

بالمقابل ظنت الإدارة الأمريكية أنها قادرة على إخضاع إيران بمجرد سقوط أول قذيفة على المراكز القيادية في طهران، ولم تحسن واشنطن قراءة المشهد السياسي الإيراني بدقة، ذلك أنه أقام لنفسه أطواقا عديدة من أسيجة الحماية الذاتية بتعدد الأجهزة الأمنية والتي أعطتها طابعا مقدسا، ذلك أن الزعامة الدينية وجدت أن تغليف أي تحرك سياسي أو عسكري بغلاف ديني مقدس، يمنع التلكؤ في أداء الواجب حتى النهاية، وبذلك أصيبت الزعامة الأمريكية بكثير من الإحباط وهي تبحث عن أسباب عدم تحقق أهداف الحرب كما رسمها ترمب في رأسه، فتارة يصب اللوم على رئيس الوزراء الإسرائيلي متهِماً إياه بأنه صوّر له الأمر كنزهةٍ سريعة، وتارة تقول إن الحرب ما زالت في بدايتها، وهذه خطيئة كبرى تقع فيها الولايات المتحدة عندما تقر بأنها تضع خططها الحربية استنادا إلى فرضيات خارجية.

ولهذا السبب ولأسباب داخلية أمريكياً، بدأ ترمب مسيرة العروض السخية لإيران لإغرائها بالدخول في صفقة ثنائية رابحة، وتوالت التنازلات والعروض التي يطرحها ترمب للزعامة الإيرانية وهي تسحب نفسها متجاهلة كل الفرص، ولعل أسوأ ما لاحظه المراقبون أن الولايات المتحدة أعطت تطمينات لإيران بأنها ركنت إلى الوساطة الباكستانية المنحازة أصلا لإيران لحسابات باكستانية داخلية، ومن بين الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها ترمب أنه أعطى تطمينات مؤكدة عن عدم نيته بقصف منشآتها النفطية في مجال التكرير والتصدير والإنتاج، وكذلك تعهد بعدم استهداف محطات توليد الطاقة الكهربائية، ليس هذا فقط بل إنه منع نتنياهو أكثر من مرة من استهداف تلك المراكز، مما أعطى إيران حالة من طمأنينة حقيقية والشعور بالاسترخاء تجاه هدف كهذا، بل مضت إيران أبعد من ذلك في استهداف المنشآت المشابهة في دول الخليج العربي، مع تجاهل أمريكي مريب في التعامل مع تلك الاعتداءات على دول كانت تُصنف كصديقة للولايات المتحدة ومشمولة بمظلتها العسكرية.

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية/ نزار السامرائي / جزء ثاني

 حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية

نزار السامرائي


جزء/ ٢

بعد أيام معدودات على نشوب حرب حزيران 2025، والتي أُطلق عليها اسم حرب الاثني عشر يوما، احتفل دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو، بتحقيق نصر عسكري لامع وسريع على إيران، تمثل باستهداف القواعد الجوية ومواقع الدفاع الجوي من منظومات الصواريخ بمختلف المدن الإيرانية بحيث باتت رحلات الطائرات القاصفة والقاذفة الاستراتيجية والمقاتلة تمضي لضرب أهدافها وتعود إلى قواعدها باطمئنان تام من دون خشية من التعرض للمقاومات الأرضية.

كما شمل القصف الجوي مواقع البرنامج النووي في أصفهان وقم وآراك، التي وزعتها إيران على مناطق كثيرة تتمتع بتحصينات طبيعية في أراض وكهوف وأنفاق وسط سلاسل من الجبال، كما تم استهداف مدن الصواريخ تحت الأرض، ومواقع انتاجها ومواقع انتاج الطائرات المسيرة، حتى أن ترمب المأخوذ بالإنجازات السريعة ثم ينفخ فيها ما شاء من المصطلحات وعبارات التفخيم مما لا يصلح في الخطاب السياسي، ركب موجة عالية من الفخر بنفسه وبقوة جيش بلاده، وإذا كانت الثانية متطابقة مع الواقع، فإن الأولى لا تعدو عن كونها فقاعة إعجابِ مرءٍ بنفسهِ في غير محلها، فدفعته لاتخاذ قرارات غبية وخطوات متسرعة تنم عن جهل بحقيقة ما يحصل في إيران، ففي واحدة من قراراته، أمر نتنياهو بإعادة طائرات حربية إسرائيلية كانت تحمل قنابل وصواريخ جاهزة للإطلاق وكان مقررا لها أن تستهدف اجتماعا للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مع ما تبقى من القادة العسكريين والسياسيين في إيران، فانصاع نتنياهو للأمر كجندي مستجد صدر له الأمر من قائده، على ما في هبوط الطائرات المقاتلة من مخاطر إذا ما كانت محملة بحمولتها من العتاد الحربي، ومن تلك اللحظة كان علينا أن نتعامل مع ظاهرة جديدة بدأت تفرض نفسها على رؤية الولايات المتحدة للتحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وملف العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، ومن تلك اللحظة بدأ الانقسام داخل الحلف القديم الذ ي تشكّل لحظة وصول أول دفعة سلاح أمريكي لإسرائيل من بينها طائرات سكاي هوك، بعد أن أوقف الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول تجهيز إسرائيل بالسلاح بعد حرب الأيام الستة عام 1967.

التغيرات التي عاشتها المنطقة منذ بداية العام الراهن 2026 على دول المنطقة، والتغير الجوهري في قدرة أي بلد على التأثير سلبا أو إيجابا على التوازنات العسكرية والسياسية في المنطقة، إذ بدأ مسلسل التراجعات الأمريكية عن معظم الشروط التي كان ترمب قد أعلن أنها ستفرض على إيران في حال تمت الموافقة على وقف الحرب، ليس لتدهور في جبهات الحرب أو وقوع خسائر في صفوف القوات الأمريكية، وإنما لحصول ضمور استراتيجي في رؤية ترمب لكيفية إدارة ملف الحرب، فبعد انتصارات عسكرية لا يمكن إنكارها على القوات الإيرانية، وهذا أمر متوقع من قبل الجميع بمن فيهم الزعامة الإيرانية، وإنما لشعور داخلي بالهزيمة النفسية سيطر على ترمب بسبب عدم تحقيق هدفه الذي كان يظنه قريب المنال وهو سقوط النظام الإيراني بعد القضاء على الخطين الأول والثاني من القيادات الدينية والسياسية والعسكرية، هنا بدأ الانهيار ليس في جبها الحرب فقط بل في سلسلة القيادة والسيطرة التي بدت وكأنها تعرضت إلى ضربة بكتلة حديدية جبارة سقطت على رأسها من السماء، وتمثل فقدان التوازن في اتخاذ القرار العسكري، والتراجع عن الأهداف المعلنة سابقا على النحو التالي:

1 – أكثر من مرة قال ترمب إنه لن يقبل من إيران بأقل من "تخصيب صفر" في تعامله مع الملف النووي الإيراني، وتسليم كامل اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، للولايات المتحدة، ولكنه مع الأيام وبسبب الحالة النفسية المعقدة التي ينطوي عليها،  ولأنه مدمن على الادلاء بتصريحات ذات تعابير فخمة بلا أي مضمون حقيقي، كما أنه يتصف بسرعة الملل، ويريد نتائج عاجلة من أية معركة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية يورط نفسه بها من خطة متكاملة وخريطة للخروج منها، كمثل من يريد حصاد الزرع قبل نضجه، فقد التقطت إيران هذا المزاج الحاد لترمب ومع هذه "الخصلة الترمبية"، النادرة في سلوك قادة الدول الكبرى، وفي عالم العلاقات بين الدول أثناء تعاملها مع الملفات الاستراتيجية، فعضت الزعامة الإيرانية على جروحها الغائرة والمؤلمة وخسائرها الكبيرة كما كانت تفعل بصفة دائمة، إلى أن تأتي بالذئب إلى فخ بدائي صنعته خبرة نساج السجاد العجمي وأوقعته فيه، حينها بدأ مسلسل التنازلات عن اعظم الشروط المعلنة وهو شرط الملف النووي، الذي كان السبب الوحيد المعلن لنشوب الحرب، عندها توصلت طهران أن "عدوها المعلن" عندما يشعر أنه غير قادر على فرض رؤيته بشأن أهم هدف للحرب وهو منع إيران من الحصول على السلاح النووي، بدأ يفقد شهيته لمواصلة الحرب وأخذ منسوب الأهداف المعلنة الأخرى يهبط تدريجياً، وبدأت باقي الشروط بالتآكل تباعاً، وهذا ما رفع من شهية طهران للحصول على المزيد من مكاسب الحرب التي خسرتها ولكنها بالدهاء المعهود تريد تحويل هزيمتها العسكرية إلى نصر تفاوضي، فتنحى شعار التخصيب صفر داخل الاجتماعات، إذ طفا على السطح "شرط" أمريكي بديل، وهو السماح لإيران بتخصيب بنسبة قد تصل إلى عشرة بالمئة، وهو أكثر بكثير مما كانت تفعله بموجب اتفاقية عام 2015 مع إيران والتي حددت حرية إيران بالتخصيب بنسبة 3/67 بالمئة، وهو الاتفاق الذي وقعه أوباما ويقسم ترمب بأنه لن يلوث يده بمثله أبدا، وإذا به يوقع ما هو أسوأ منه، أما اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة والبالغ بحدود 450 كلغم، فإن ترمب ابتلع شرطه السابق بالاستيلاء عليه ونقله إلى الولايات المتحدة، حتى أنه رفض أي عرض بنقله إلى روسيا أو الصين أو ابقائه في باكستان، وهنا لابد من الإشارة إلى أن إيران طالما سبق لها أن تعطي التعهدات وتوقع اتفاقيات تلتزم بموجبها بشروط ولكنها في لحظة التنفيذ تتمكن التملص منها بسهولة تفوق سرعة نصبها الفخاخ لمحاوريها في المفاوضات الثنائية والجماعية.

2 – من حق المراقب الشرق أوسطي أو الخليجي وحتى الأوربي الذي ارتفع منسوب مخاوفه من نمو القوة الصاروخية البالستية الإيرانية، التي تملك طموحا أكبر من قدرتها الحقيقية على فرض نفسها في الساحتين الإقليمية والدولية، من حقه أن يسأل أين صار شرط ترمب بتصفية المشروع الصاروخي الإيراني الذي أعلنه أيام نشوة النصر السريع والذي تباهى به كثيرا، ولم يكتف بهذا فقط بل أضاف إليه ملف الطائرات المسيرة، فخلا الاتفاق الأخير من أي اشاره لهذين الملفين تماما، صحيح أن دوي القنابل يمكن أن يرافقه ضجيج الحرب النفسية وطرح السقف الأعلى من الشروط، خاصة إذا كان القائد قد أمضى معظم عمره بعيدا عن مكاتب العمل السياسي وبعيدا عن دوي القنابل والصواريخ، مثل ترمب المهووس بالبروبغندا وضوء الكاميرات التي تسجل كل ما يقول وكل ما لا يقول.

3 – أما ملف دعم إيران للوكلاء والأذرع في المنطقة، ووقف الدعم الإيراني للإرهاب الدولي، فيبدو أنه قد دخل مرحلة التبريد وإضاعته بين بين طبول الحرب وزعم أطرافها بالانتصار فيها، لهذا انتقل إلى متحف الأفكار المتعجلة التي اتصف بها ترمب من دون سائر الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه، وعندما انتقل الحديث عن صفقة أمريكية إيرانية من الغرف المغلقة إلى الفضاء الإعلامي، أصرت الولايات المتحدة على عدم الموافقة على طلب إيران بالربط بين الساحات في أي اتفاق لوقف اطلاق النار وقالت واشنطن إنه خيالات صحفيين مغرضين، وفي لحظة تراجع ترمب عن شروطه، وفي لحظة غياب الوعي قال ترمب في واحد من آلاف التصريحات التي يدلي بها عادة على مدار ساعات اليوم، إن الاتفاق يشمل الساحتين اللبنانية واليمنية، وفي لحظة غضب رئاسية أمريكية نادرة على إسرائيل أو رئيس وزراء إسرائيلي، وصف ترمب صديقه نتنياهو المفضل بافتقاد حصافة التصرف السياسي السليم، وهذا والحق يقال يمكن اعتباره أول جرأة أمريكية رئاسية على صنّاع الرؤساء الأمريكيين، أي اللوبي الصهيوني ومنظمة الإيباك الأمريكية، فلم يسبق لرئيس أمريكي أن يتقرب من حائط المبكى إلا منتحبا متوسلا الدعم السياسي الصهيوني مقابل الدعم الأمريكي متعدد الأوجه لإسرائيل، كما فعل ترمب في رئاسته الأولى أثناء زيارته لإسرائيل والتي قرر فيها نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، وهي الخطوة التي لم يجرؤ رئيس أمريكي  سابق على اتخاذها، كل تلك الخطوات الداعمة لإسرائيل كانت خطوات مدروسة كي تبقى حاملة طائرات أمريكية فوق اليابسة للولايات المتحدة.

4 – لطالما هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز بقوتها البحرية، وكذلك مضيق باب المندب عن طريق ذراعها اليمني "الحوثي"، وبقي هذا الشعار مرفوعا كلما نشبت أزمة سياسية دولية أو إقليمية بين إيران وأي طرف خارجي وكمطرقة تهدد بها إيران الدول المصدرة للنفط والمستوردة لكل شيء من حاجاتها اليومية، وكذلك الدول المستوردة للنفط والغاز من منطقة الخليج العربي، لم يكن مضيق هرمز مطروحا كواحد من ملفات الحرب الأخيرة وكانت السفن تمخر عبابه بلا رقابة ولا إجازة ولا رسوم، ولكن عنجهية ترمب العالية، وحديثه المكرور عن عجز إيران عن تنفيذ تهديدها آنف الذكر خشية منها من التورط بالمسؤولية القانونية الملقاة على عاتقها باعتبارها دولة مسؤولة عن أفعالها ذات الطابع القانوني، ولأنها تعتبر نفسها جزءا من المنظومة الدولية ومواثيقها، بخلاف مضيق باب المندب الذي لا يمكن ترتيب مسؤولية دولية على حركة مسلحة اغتصبت الحكم من السلطة الشرعية بحركة انقلابية مدعومة من إيران نفسها، في حال أغلقته ووجدت دعما خفيا من دول كبرى كثيرة، وخاصة بريطانيا التي اختارت كريفيث كمندوب للأمين العام للأم المتحدة إلى اليمن، الذي وقف ضد خطة تحرير ميناء الحديدة بكل قوة تحت لافتة إنسانية، حتى تحول الميناء إلى رئة اقتصادية للحوثي وإلى مركز حيوي لتسلم الأسلحة الإيرانية التي يتم تهريبها للحوثيين تحت سمع الاساطيل الأمريكية والأوربية وبصرها، فتحولت الحركة الحوثية الإرهابية  إلى قاعدة إيرانية فعالة تترك وفق الأوامر الإيرانية كخط متقدم للدفاع عن الأمن القومي الإيراني، ولإحكام السيطرة على أهم الممرات الملاحية الدولية، وممارسة أعلى درجات الضغط على مصر التي عانت كثيرا من ضعف عبور السفن من قناة السويس التي تعد أهم مصادر الدخل القومي لمصر.

فماذا حصل بشأن مضيق هرمز؟

لم يتمكن ترمب من بلورة موقف واضح وحاسم من مسألة حرية المرور العابر من المضيق المذكور، فقد أطلق تصريحا متسرعا ذات مرة عندما قال سنتولى مع إيران تنظيم حركة الملاحة الدولية في المضيق، وفي مرة أخرى أحال المسؤولية إلى سلطنة عُمان وإيران لتولي الإشراف على المضيق، ولا يعرف أحد كيف أجاز ترمب لنفسه أن يُدخل تعديلات رئاسية شخصية على قانون دولي للبحار أُجيز بمؤتمر دولي وتحول إلى وثيقة معتمدة من قبل الأمم المتحدة؟ هل يظن ترمب أنه قادر على تغيير القوانين الدولية لمجرد فكرة عابرة عنّت له؟ وهل يظن أن ذلك يشبه مطالبته بجزيرة "غرينلاند" والذي قوبل باستهجان أوربي، إن شرط عدم دعم إيران للوكلاء والأذرع، أدخل هو الآخر متحف التاريخ الطبيعي الأمريكي، لأن ترمب هو المتحرك الوحيد في الثوابت الأمريكية، ربما يرى بعض علماء النفس أن ترمب مصاب بهلوسة أنه الرئيس الأقوى للدولة الأقوى في العالم، ويعاني من عقدة انهيار الهيكل فوق رأسه بعد مغادرته للبيت الأبيض، لكن الحقيقة هي أنه مسكون بجني أفريقي أسمر اسمه أوباما، لا يفارق لسانه عن كل موبقة يراها في سلوكه أثناء وجوده في البيت الأبيض لدورتين انتخابيتين، ولكن ترمب فاق أوباما في كل ما ينتقده عليه، بل يشن عليه هجمات عنيفة وغير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة التي تقتصر حملة السباب على الفترة الانتخابية، التي تنتهي بطقطقة كؤوس الأنخاب وتبادل التهاني، وكأن شيئا لم يحصل خلالها، وهذا ما حصل أثناء الحملة الانتخابية الأولى لباراك حسين أوباما لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي، عندما نافسه كل من جوزيف بايدن وهيلاري كلينتون، إذ نشر المرشحون الثلاثة أوسخ غسيلهم على الحبال العالية، ولكن أوباما عندما فاز بانتخابات الرئاسة جاء بجوزيف بايدن نائبا له وهيلاري كلنتون وزيرة للخارجية، في خطوة فُسرت على أنها نوع من الانتقام الأفريقي من الخصوم، عندما يتبوأ أحدهم منصبا عاليا، يأتي بأشد خصومه السابقين ويجندهم كأدوات يتحكم بسلوكها ويُملي عليها من يريد من قرارات واجبة التنفيذ وهذا يذّكرنا بما فعله الرئيس الأوغندي السابق عيدي أمين بالبريطانيين عندما أجبرهم على حمل عرشه فوق أكتافهم والدوران به في شوارع كمبالا.

ويبدو أن ترمب يعيش عُقدة مستحكمة اسمها أوباما لأنه حصل على جائزة نوبل للسلام في بداية تسلمه منصبه الرئاسي، وهذا حلم يقظة ظل يراود ترمب ويعلن عنه آناء الليل وأطراف النهار، ولما وصل عمر اليأس من تحقق هذا الحلم المستحيل، صار يهذي باسم أوباما حتى في لقاءاته مع قادة الدول الأخرى، ومما ضغط على أعصابه أكثر على أوباما عندما أقيم "مركز أوباما الرئاسي في شيكاغو" والذي كان مقررا له أن يُفتتح يوم 19 حزيران/يونيو 2026، والذي كلف 850 مليون دولار، ومما فاقم من صعوبة حالته النفسية أن القضاء الأمريكي أحبط قرارا اتخذه ترمب حاول فيه تغيير اسم "مركز كندي" إلى اسم بديل أطلق عليه اسم "مركز كندي وترمب".

ويبدو أن ترمب ونتيجة لعوامل داخلية، ثم تأكده من أن القوة العسكرية ومهما علا شأنها ليست وحدها التي تحسم المعارك الحربية، وإنما هناك عوامل أخرى لا يفهمها إلا من أمضى عمره دهاليز السياسة وخبِر منحنياتها وزواياها المظلمة، ونتيجة خيبته في عدم سقوط النظام الإيراني بعد حرب الاثني عشر يوما عام 2025 كما كان يظن، فقد تقلب كثيرا في مواقفه المعلنة بين أعلى درجات الوحشية في تهديداته لإيران تراوحت بين تدمير الحضارة الإيرانية ومسح إيران من الخارطة، وبين التحلي بأعلى درجات العطف مما لا تملكه حتى المنظمات الإنسانية، كمنظمة الصحة العالمية والأغذية والزراعة الدولية ورعاية الأمومة والطفولة، فارتكب أكبر أخطاء حرب الاثنين وأربعين يوما وخاصة في نقطتين جوهريتين هما: 

1 – تورطه بإرسال رسائل خاطئة إلى الجانب الإيراني بأنه راغب بالسلام عندما تكون المدافع تقذف حممها والطائرات تُلقي بقنابلها على المواضع المؤشرة كأهداف حربية استراتيجية، فدخل في سوق مناقصات صّفرت مزايداته السابقة تماما، عندما قال إنه على استعداد للركون إلى تسوية حتى لو قدمت فيها تنازلات من أجل التخلص من عبئ الحرب مهما كان الثمن، لأن سلوكا كهذا يدفع العدو للتشدد في طرح شروطه لأن إغراء جني النتائج بعد صبر ساعة أخرى خير من استسلام لا يجلب إلا عار الهزيمة.

2 – ارتكب ترمب خطأ مميتا ربما أسهم في تردي معنويات القوات الأمريكية واندفاعها في مواصلة الحرب، وذلك عندما أعطى إيران ضمانة من أنه لن يأمر باستهداف محطات توليد الطاقة الكهربائية ولا الطرق والجسور ولا مراكز انتاج النفط وتصديره أو تكريره، أو ضرب مراكز الاتصالات، وهذه هي العقد الأساسية التي تعتمد عليها الدول في إدامة الحرب وتوفير مستلزماتها، وهذه سابقة فريدة في تاريخ الحروب، إذ لم يسبق لأي قائد سياسي أو عسكري أن أعطى مثل هذه التطمينات والضمانات للعدو والتي ستدفع به إلى التشدد إلى أعلى درجاته، وهذا التصرف يعبر عن جهل مطبق في إدارة صفحات الحرب، التي من مبادئها  المباغتة والخديعة والتكتم، ليس على الخطط الحربية بل حتى في استهداف مراكز العدو الحربية والاقتصادية.

الاثنين، 15 يونيو 2026

الصحافة العراقية: مسيرة قرن ونصف من العطاء وملامح الإعلام في العهد الوطني (1979 - 2003)/ بقلم نادية الصمادي

  الصحافة العراقية: مسيرة قرن ونصف من العطاء وملامح الإعلام في العهد الوطني (1979 - 2003)


نادية الصمادي

تُعد الصحافة العراقية واحدة من أعرق المدارس الإعلامية في الوطن العربي، حيث شكل صدور العدد الأول من جريدة "الزوراء" في 15 حزيران 1869 الحجر الأساس لنهضة فكرية وثقافية امتدت لعقود. وعلى مر التاريخ، واكب الإعلام العراقي التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى، برزت من بينها محطة "العهد الوطني" (1979 - 2003) كفترة اتسمت بالتنظيم المؤسساتي العالي والتوجيه الأيديولوجي الشامل، حيث تحولت الصحافة إلى أداة استراتيجية في معارك البناء والدفاع الوطني.

أولاً: البنية المؤسساتية للصحافة في العهد الوطني

شهدت الفترة الممتدة بين عامي 1979 و2003 مأسسة كاملة للعمل الصحفي تحت إشراف مباشر من الدولة ووزارة الثقافة والإعلام. تميزت هذه المرحلة بظهور مؤسسات صحفية كبرى امتلكت مطابع حديثة وشبكات توزيع واسعة النطاق داخلياً وخارجياً.

أبرز الصحف والمجلات في العهد الوطني:

جريدة الثورة: الناطق الرسمي باسم حزب البعث العربي الاشتراكي، وكانت الصحيفة السياسية الأولى واليومية الرائدة في توجيه الخطاب العام.

جريدة الجمهورية: صحيفة يومية سياسية عامة تمثل وجهة نظر الحكومة والدولة العراقية، واهتمت بالقضايا العربية والدولية.

جريدة القادسية: تأسست تزامناً مع حرب الخليج الأولى (1980 - 1988)، وكانت تعنى بالشؤون العسكرية والبطولات الميدانية والتعبئة المعنوية.

جريدة بابل: تأسست في التسعينيات (بإشراف عدي صدام حسين)، وتميزت بسقف حرية أوسع نسبياً ونقد أداء بعض الوزارات والمؤسسات الخدمية.

مجلتا "ألف باء" و"وعي العمال": من أبرز المجلات الأسبوعية؛ حيث ركزت "ألف باء" على الجوانب الثقافية والاجتماعية والتحقيقات الاستقصائية.

ثانياً: خارطة الأدوار الاستراتيجية للمؤسسات الإعلامية (1979 - 2003)

تميزت الصحافة العراقية في العهد الوطني بتوزيع ذكي ومدروس للمهام والأدوار لتغطية كافة الجوانب السياسية، العسكرية، والمجتمعية:

جريدة الثورة: ركّزت على التعبئة الفكرية والأيديولوجية ونشر الفكر القومي مستهدفة الكوادر الحزبية والمواطنين كافة، وتميزت بأنها الأوسع توزيعاً وانتشاراً في جميع المحافظات.

جريدة الجمهورية: مَثّلت الخطاب الرسمي للدولة والتوثيق الدبلوماسي والقانوني الموجه للنخب السياسية، والمثقفين، والسلك الدبلوماسي، وتميزت بمقالاتها التحليلية الرصينة.

جريدة القادسية: قادت الإعلام العسكري لمواجهة التهديدات الخارجية ورفع معنويات أفراد القوات المسلحة والجبهة الداخلية، وتميزت بتغطياتها الميدانية المباشرة من جبهات القتال.

جريدة العراق: اهتمت بملف الحكم الذاتي والقضايا السياسية اليومية موجهة خطابها للجمهور في كردستان العراق وعموم البلاد، وتميزت بصدور صفحات وملاحق خاصة باللغة الكردية.

مجلة ألف باء: ركزت على الإعلام المجتمعي، الثقافي، والمنوعات الموجه للعائلة العراقية والشباب، وتميزت بأسلوبها الصحفي الرشيق وتحقيقاتها المصورة والمميزة.

ثالثاً: ملامح الدور الاستراتيجي للصحافة في العهد الوطني

1. إعلام التعبئة والمواجهة (1980 - 1988)

خلال حرب الخليج الأولى، تحولت الصحافة العراقية بالكامل إلى "إعلام حربي". كان الهدف الأساسي هو الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، ورفع المعنويات، وإبراز دور القوات المسلحة. تميزت المقالات الافتتاحية في هذه الفترة بالعمق الحماسي والقومي، وكان للرئيس صدام حسين مقالات وتوجيهات مباشرة تنشر على الصفحات الأولى لتحديد مسارات التحرك السياسي والعسكري.

2. إعلام الصمود والتحدي في زمن الحصار (1990 - 2003)

واجهت الصحافة العراقية تحدياً وجودياً بعد فرض الحصار الشامل عام 1990، حيث شحّت المواد الأولية مثل ورق الصحف وأحبار المطابع. ورغم ذلك، استمرت الصحف بالصدور (مع تقليص عدد الصفحات). وتركز الخطاب الصحفي في هذه المرحلة على:

كشف الآثار الإنسانية والصحية للحصار على الشعب العراقي.

تشجيع الإنتاج المحلي والاعتماد على الذات (الحملة الإيمانية وحملات البناء والإعمار).

مواجهة الماكنة الإعلامية الغربية وتفنيد التقارير الخارجية.

رابعاً: البنية المهنية والنقابية

شهدت تلك الحقبة دوراً بارزاً لـ نقابة الصحفيين العراقيين، والتي كانت تنظم العمل المهني وتمنح الهويات الصحفية، وتوفر الخدمات والرعاية الاجتماعية للصحفيين (مثل توزيع الأراضي، والمكافأت الإبداعية، والطبابة المجانية). وقد حظي العمل الصحفي بدعم ورعاية مباشرة من القيادة السياسية باعتبار الصحفيين "قادة رأي شرياء في معركة البناء".

خامساً: مصادر ومراجع لتوثيق الحقبة

للباحثين المهتمين بدراسة تفاصيل الإعلام والصحافة العراقية في العهد الوطني، يُنصح بالرجوع إلى المصادر التوثيقية التالية:

وزارة الثقافة والإعلام العراقية (تقارير سنوية سابقة): "كتاب العراق السنوي" الصادر عن دائرة الإعلام الخارجي (أعداد متعددة من 1980 إلى 2002).

موسوعة الصحافة العراقية: دراسات توثيقية لنقابة الصحفيين العراقيين حول تاريخ الصحافة وتطورها.

أطاريح دكتوراه ورسائل ماجستير: جامعة بغداد (كلية الإعلام) وجامعة المستنصرية، والتي تناولت "تحليل المضمون السياسي لجريدتي الثورة والجمهورية" و"الإعلام الحربي العراقي".

مذكرات وشهادات رواد الصحافة العراقيين: كتابات ومذكرات الأساتذة والصحفيين الكبار الذين عاصروا تلك الحقبة وأداروا المؤسسات الإعلامية (مثل الأستاذ أمير الحلو، الأستاذ سامي مهدي، وغيرهم).

مجموعة من المصادر والمراجع الأكاديمية باللغة الإنجليزية لتوثيق وتحليل واقع الصحافة والإعلام العراقي خلال تلك الحقبة (1979 - 2003)، وهي مفيدة جداً للباحثين المهتمين بالدراسات الإعلامية والسياسية في الشرق الأوسط:

English References & Sources

1. Books & Academic Publications

"The Media in Iraq: History, Power, and Politics"

Author: Academic studies on Middle Eastern media systems.

Focus: Discusses the institutional structure of the Iraqi press under the Ministry

of Culture and Information and how major newspapers like Al-Thawra and Al-Jumhuriya operated.

"Mass Media in the Middle East: A Comprehensive Handbook"

Editors: Yahya R. Kamalipour and Hamid Mowlana.

Focus: Contains comprehensive chapters detailing the historical development of the Iraqi press, structural mobilization during the Gulf War, and state-media relations.

2. Journal Articles & Research Papers

"Information Control and State Mobilization: The Iraqi Press (1980–1988)"

Focus: Analyzes how specialized newspapers like Al-Qadisiya were used for wartime mobilization and maintaining internal morale.

"Sanctions and the Press: The Survival of Iraqi Media in the 1990s"

Focus: Explores the technical challenges faced by Iraqi publications (such as shortages of paper and ink) during the embargo period and how the media adapted to these constraints.

3. Dissertations & Archives

"The Role of the Press in Iraqi Political History"

Source: Various Ph.D. dissertations from international universities analyzing the discourse, propaganda strategies, and ideological framing of the Iraqi media during the late 20th century.

"The Iraqi Press Archives"

Source: Available through specific university libraries and digital archives (such as the British Library or specialized Middle East research centers) that preserve microfilms and translations of major daily Iraqi newspapers from that era.


تبقى الصحافة العراقية، باختلاف الحقب السياسية التي مرت بها، مرآة لروح الشعب العراقي؛ صلبة في مواجهة الأزمات، ومبدعة في صياغة الكلمة. وإن استذكار محطة العهد الوطني في يوم الصحافة يمثل قراءة في تجربة إعلامية استثنائية وظفت الكلمة لخدمة السيادة الوطنية والمشروع القومي.

الخميس، 11 يونيو 2026

مجلة المعلم الجديد عدد ٤ ١١ حزيران ٢٠٢٦

مجلة المعلم الجديد 

عدد ٤

١١ حزيران ٢٠٢٦

للاطلاع ،،اضغط على الرابط الالكتروني ادناه 

https://online.anyflip.com/rnvg/ykyn/mobile/index.html









الأربعاء، 10 يونيو 2026

المحاكمة الغائبة: وثائق الإدانة والمسؤولية الجنائية لنوري المالكي في سقوط الموصل/ نادية الصمادي

  المحاكمة الغائبة: وثائق الإدانة والمسؤولية الجنائية لنوري المالكي في سقوط الموصل


نادية الصمادي

في العاشر من حزيران (يونيو) من كل عام، تعود إلى الأذهان واحدة من أكثر الفواجع إيلاماً في تاريخ العراق الحديث: سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم "د111اعش" ا-ل-إ-ر-ه-ا-ب-ي عام 2014. هذا الحدث لم يكن مجرد انكسار عسكري عابر أو كبوة ميدانية، بل صُنف عبر أعلى سلطة تشريعية في البلاد كـ "خيانة عظمى" وفق تقارير برلمانية وقانونية رسمية شخّصت بدقة مكامن التقصير والمسؤولية المباشرة التي تقع على عاتق رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك، نوري المالكي.

في هذه القراءة التوثيقية الشاملة، نستعرض بالتفصيل، والتواريخ، والأدلة الدامغة أبعاد المحاكمة الغائبة، ومؤشرات التواطؤ، والتأثير الإقليمي الذي قاده جنرال الظل الإيراني قاسم سليماني لإسقاط ثاني أكبر مدن العراق.

1. التقرير البرلماني الرسمي: وثيقة الإدانة المنسية

في مطلع عام 2015، شكّل مجلس النواب العراقي لجنة نيابية خاصة سُميت بـ "لجنة التحقيق في سقوط الموصل"، ضمت 26 عضواً من مختلف الأطياف السياسية. واستمرت أعمالها 8 أشهر، استمعت خلالها لشهادات 82 شخصية من كبار القادة العسكريين والأمنيين والسياسيين لتقديم الحقيقة للشعب العراقي.

التاريخ المفصلي: 16 آب (أغسطس) 2015.

الحدث: صوت البرلمان العراقي بالأغلبية المطلقة على إحالة التقرير النهائي للجنة إلى الادعاء العام وهيئة النزاهة والقضاء دون حذف أي اسم.

النتيجة والأدلة الموثقة: جاء نوري المالكي على رأس قائمة المتهمين الـ 36 بالمسؤولية المباشرة عن سقوط المدينة. ووفقاً لمحتوى التقرير الرسمي الذي نشرته وكالات الأنباء العالمية والمحلية (مثل فرانس برس والجزيرة):

تضليل الرأي العام وإهمال التحذيرات الاستخبارية: أثبتت الوثائق الرسمية أن مديرية استخبارات نينوى رفعت تقارير مفصلة ومكررة قبل أكثر من شهر من الكارثة (خلال أيار/مايو 2014) تؤكد نية تنظيم دا111111عش شن هجوم واسع وحددت محاوره بدقة، إلا أن القيادة العامة للقوات المسلحة (مكتب المالكي) تعمدت التغاضي عنها ووصفها بـ "الشائعات".

تفكيك وتدمير المنظومة القيادية: حَمّل التقرير المالكي مسؤولية حصرية في اختيار قادة عسكريين يفتقرون للكفاءة والنزاهة، والانغماس في قضايا فساد مالي وإداري مرعب تجسد في ظاهرة "الجنود الفضائيين" (أسماء وهمية لجنود يتقاضى القادة رواتبهم دون وجودهم على الأرض)، مما جعل القوة الفعلية على الورق أضعاف ما هي عليه في الميدان.

2. التسلسل الزمني للأيام الحرجة (يونيو 2014) وأوامر الانسحاب المريبة

تشير شهادات القادة العسكريين الميدانيين أمام اللجنة البرلمانية إلى تخبط واختراق واضح في هرم القيادة المرتبط مباشرة بمكتب القائد العام للقوات المسلحة، مما يثبت شبهة التواطؤ العمدي لإخلاء المدينة:

4 حزيران 2014: بدء تسلل عناصر التنظيم إلى الأحياء الغربية للموصل. ورغم الفارق العددي الشاسع لصالح القوات الحكومية (التي كانت تقدر بقرابة 60 ألف عنصر أمني مجهزين بأحدث الأسلحة الأميركية مقابل بضع مئات من عناصر دا1111عش)، إلا أن غياب القيادة الموحدة والمركزية عطل التحرك الميداني.

8 حزيران 2014: وصول قادة عسكريين مبعوثين حصرياً من بغداد لإدارة الأزمة، وعلى رأسهم معاون رئيس أركان الجيش عبود قنبر وقائد القوات البرية علي غيدان. هؤلاء القادة أداروا المعركة عبر قنوات اتصال سرية ومباشرة مع مكتب المالكي متجاوزين تماماً القيادات المحلية ومحافظ نينوى أثيل النجيفي.

9 - 10 حزيران 2014: صدرت أوامر انسحاب مفاجئة وغير مبررة عسكرياً تسببت في انهيار معنويات المقاتلين بشكل دراماتيكي. الفريق مهدي الغراوي (قائد عمليات نينوى آنذاك) صرّح في شهادات علنية لاحقة وفي وثائق المحاكمات العسكرية بأنه تلقى تلميحات وأوامر مباشرة بالانسحاب من قنبر وغيدان. انسحب القادة الكبار ليلة 9 حزيران تاركين خلفهم مخازن أسلحة فرقتين عسكريتين كاملتين وثقيلتين لتكون لقمة سائغة للتنظيم ال-إ-ر-ه-ا--ب-ي.

3. هندسة السقوط: خيوط التواطؤ بين المالكي وقاسم سليماني

لم يكن سقوط الموصل مجرد فشل تكتيكي، بل كان خطوة مدروسة ضمن رؤية استراتيجية إقليمية أشرف عليها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني وتولى نوري المالكي تنفيذ أدواتها على الأرض لتحقيق مأربين رئيسيين:

شيطنة الحراك السلمي وتبرير القمع: طوال عام 2013، شهدت المحافظات الشمالية والغربية (ومنها نينوى) اعتصامات سلمية مشروعة تطالب بالإصلاح السياسي والتوازن الإداري. وبتوجيهات ودعم مباشر من طهران، اختار المالكي مواجهة هذه الحراكات بالحديد والنار (مثل مجزرة الحويجة)، مما خلق فجوة هائلة وعداءً مستحكماً بين الأهالي والقطاعات العسكرية، ووفر البيئة النفسية والميدانية لتوغل تنظيم د11111اعش.

تأسيس "الجيش الموازي" وشرعنة النفوذ الإيراني: يرى مراقبون ومؤرخون عسكريون للحرب على دا11111عش أن إضعاف الجيش العراقي النظامي وحل قطعاته في الموصل بصورة فوضوية ومذلة، كان يهدف بالأساس إلى خلق ضرورة وجودية وعقائدية لقوات بديلة موازية للدولة. هذا التخطيط أسفر فوراً عن إطلاق "فتوى الجهاد الكفائي" وتأسيس "الحشد الشعبي"، وهي الصيغة الكربونية التي اعتمدها قاسم سليماني في شتى دول النفوذ الإقليمي (صيغة الحرس الثوري والجيش الموازي) لإضعاف سيادة الدولة الوطنية وجعل القرار الأمني رهيناً للفصائل الولائية.

4. أحكام القضاء العراقي: محاكمة الصغار لحماية "الهالكي"

لو كان هناك قضاء عراقي مستقل وعادل تماماً ومتحرر من سطوة النفوذ السياسي، لكانت التهم الموجهة للمالكي تندرج تحت بنود "الخيانة العظمى، والتقصير العمدي المؤدي إلى هدر أرواح المواطنين وأموال الدولة، وتسليم أراضٍ سيادية ومعدات استراتيجية للعدو".

بدلاً من ذلك، سارت المحاكمات العسكرية بطريقة انتقائية تثير الريبة:

الدليل القضائي: أصدرت المحكمة العسكرية العراقية حكماً غيابياً بـ "الإعدام رمياً بالرصاص" بحق الفريق مهدي الغراوي بتهمة الهروب والتخاذل في حماية الموصل (وتم تعميم الحكم وتأكيده مجدداً عام 2017 وفق وثائق مسربة من وزارة الداخلية).

المفارقة السياسية: في المقابل، حُفظت القضايا المرفوعة ضد المدان الأول نوري المالكي تحت وطأة "التوافقات السياسية، والمحاصصة الحزبية"، والتهديد بـ "جر البلاد إلى بحر من الدماء والفتنة الأهلية". وبدلاً من مثوله خلف القضبان، غادر المالكي فور صدور التقرير البرلماني عام 2015 إلى العاصمة الإيرانية طهران، مطلقاً من هناك تصريحه الشهير الذي رفض فيه نتائج التحقيق واصفاً إياها بأنها: "مؤامرة سياسية حيكت في أربيل ولا قيمة قانونية لها".

الخلاصة والمصادر المرجعية الدقيقة

إن فاجعة سقوط الموصل ستبقى وثيقة إدانة تاريخية وقانونية مسجلة لا تموت بالتقادم، وهي موثقة في المراجع الرسمية التالية:

التقرير النهائي الصادر عن "لجنة التحقيق في سقوط الموصل" والمصادق عليه من مجلس النواب العراقي (آب 2015).

الشهادات الرسمية المسجلة لوزير الدفاع بالوكالة الأسبق سعدون الدليمي ومحافظ نينوى أثيل النجيفي.

التقارير الاستخبارية المسبقة المرفوعة من مديرية استخبارات نينوى والمنشورة في ملحقات التحقيق لعام 2014.

من المنظور الجنائي العسكري الصرف، القائد العام للقوات المسلحة هو المسؤول الأول والأخير عن تحرك وعقيدة وانسحاب القطعات. وإن التواطؤ لإخلاء مدينة بحجم الموصل وترك أهلها لقمة سائغة ل-ل-إ-ر-ه-ا-ب سيبقى وصمة عار وجريمة كبرى تنتظر القضاء العادل لإنصاف الضحايا ومحاسبة الفاعل الحقيقي.