الاثنين، 11 مايو 2026

القوة الذاتية وردع المعتدين / د. نزار السامرائي

  القوة الذاتية وردع المعتدين



د. نزار السامرائي

اذا كان ما قيل عن دور اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية في ردع إيران عن أي اعتداء على الأراضي السعودية حتى الان، صحيحا بحذافيره، فمن سيقف مع الكويت، اذا افترضنا أن وجود مقر قيادة الأسطول الخامس في البحرين ما زال يشكل سببا لشن الاعتداءات وردعها في نفس الوقت.

ولماذا لا يكون وجود قاعدة علي السالم ضمانة للكويت ايضا؟

ومن سيكون لسلطنة عمان التي كُرهت عربيا بسبب تفضيلها لعلاقات خاصة جدا مع ايران على حساب الاخ وابن العم، ومع ذلك جوزيت جزاء سنمار من قبل إيران التي تنسى كل الأيدي التي تمتد لمصاقحتها وتعطيها ما قسم الله من عطاء.

تبقى الإمارات ويبدو أنها بقيت خارج كل المعادلات التكتلية فلا فتح أبواب اقتصادها لإيران وتحولها إلى مزرعة ومصنع تلعب فيهما إيران اقتصاديا، ولا انتماؤها لمجلس التعاون الخليجي ولا للجامعة العربية ولا للأم المتحدة شكلت لها مظلة من المسيرات والصواريخ الإيرانية.

اذن أين تولي وجهها في زمن التكتلات الكبرى والتحالف الإقليمية والدولية؟ حتى أنها عندما حاولت تقليص اعتمادها على موانئها الخليجية فهربت نحو بحر العرب حيث ميناء الفجيرة، فلم ينجها ذلك من القصف، إيران تقول بصمت طالما كنت ممنوعة من الصرف والتصدير، فلا أحد يُصدّر.

ألم تؤكد أحداث المنطقة منذ ما يقرب من عام أن القوة الذاتية هي بعد التوكل على الله، هي أعظم عاصم لها من نوايا الشر الإيرانية وأن الأمن المستورد مجرد وهم فلا أحد على استعداد لمنحك عصاه للتوكيء اذا كان هو الأعرج.

القوة الذاتية والقوة الذاتية هي اللغة الوحيدة التي تفهما كل الأمم والشعوب بمن فيهم قراصنة اليابسة والبحر

. والجو من دون مترجم.

هل حققت الحرب شيئا من أهداف المتحاربين؟ / د. نزار السامرائي

  هل حققت الحرب شيئا من أهداف المتحاربين؟

د.نزار السامرائي

بعد أن سأم المقاتلون من دخول الحرب إلى منعرجات لم تخطر ببال أكثر المتفائلين بسرعة حسمها، وبعد أن راجع أطرافها حساباتهم السابقة، تبين لهم أنهم خاضوها من دون أن يعرف أي منهم ما هو هدفه منها والمدى الذي يريد الوصول إليه؟ وما هي خُططه لوقفها عندما يريد؟ وهل وضع في باله أن رغبته بتحقيق النصر فيها، أو أعداد النفس للقبول بنصف نصر أو نصف هزيمة، يشكل المدخل المناسب لتدوين أحداثها ونتائجها بلا تزييف، لأن مثل هذا السلوك يوصف بأنه بعض أخلاق الفرسان.

عندما يقال إن الحرب توشك أن تضعَ أوزارها، أكاد أصدق ما يقال لا لثقتي بما يدعيه كل فريق، بل لأنني سأمت الحروب التي تخاض بلا أهداف تتطابق مع المُعلن من المواقف، لكنّ دويّ القذائف التي تتساقط على أهداف عربية حاولت النأي بنفسها عن هذه المحرقة، لا سيما دول الخليج العربي وخاصة الإمارات العربية، يُشعرني بأن تحت الضلوع الفارسية داءً دوياً، كلما أحسن بعض العرب بهم الظن، أصروا على استنطاق ما حصل من أحدات في تاريخ موغل في القدم، والثأر لخيبات عصفت بإمبراطوريتهم في نهاية المطاف، وعلى الرغم من بُعدِ ذلك الدوي عن اقامتي جغرافيا، فقد كان ذلك يدفعني بقوة لأن أفقد آخر ما تبقى لدي من أمل بأن يكفَ قادة الدول وكبار مسؤوليها عن الكذب وإصرارهم على تزييف الحقائق، لا لأنني بدأت أغيّر من قناعاتي القديمة، بل لأن التطور التكنولوجي في صناعة أقمار التجسس والرصد، وهي حاضرة على مدار ساعات اليوم (الـ24) في مدارات ثابتة، وبالتالي قد تردع من احترف مهنة الكذب عن التمسك بوظيفة فقدت بريقها، وعلى الجميع البدء فورا بالبحث عن وظيفة أخرى لا تسمح لهم بمواصلة أعمالهم السابقة التي يتقاضون عنها أجرا كبيرا، وبخاصة إذا كان أبرزهم يشغل منصب رئيس أقوى دولة بكل المقاييس.

ما دفعني لقول ما قلت، إن الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، على إيران بسبب غطرستها الفارغة وضجيجها العالي أكثر من المسموح به، بتهديداتها التي توزعها على الجهات الأربع بعدالة مطلقة، توقفت أو توشكُ أن تضعَ أوزارها، من دون بروز مؤشر حاسم لطرف منتصر يستطيع فرض كلمته على الطرف الآخر، فالنصر باختصار شديد هو كسر إرادة القتال عن أحد طرفي الحرب.

ولأن الحرب آخر صفحة من صفحات التفاوض، فقد أدخلني الرئيس الأمريكي في حالة انعدام وزن سياسي، لأنه تحدث كثيرا وأطلق على نفسه صفات كانت لافتة في نبش قبور الرؤساء الأمريكان السابقين، وبخاصة الرئيسين باراك حسين أوباما وجوزيف بايدن، فقال في لحظة تجلّي نادرا ما يشعر بها رئيس تخوض بلاده حربا مع بلد آخر، لم يحسن قراءة تقاليده في التفاوض وقدرته على إدخال الأعداء في دوامة لا نهاية لها من الأنفاق والكهوف والدهاليز المظلمة، إذ قال "سأنهي هذه الحرب على طريقتي، لأنني لا أريد ترك أمريكا رهينة لعدو مجنون مع رئيس أمريكي ضعيف لا يمتلك الجرأة على معالجة التهديد الإيراني بنفس الحزم الذي تعاملت به مع إيران"، ولكن ترمب تميّز بأنه أكثر رئيس أمريكي يتحدث للصحافة مع كل احتمالات صدور كلمات لا يقصدها أبدا، وأنه أكثر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة كان يمنح لعدوه مهلا ويتراجع عنها، وأنه كذلك أكثر رئيس كان يتفنن بإطلاق التهديدات ولكنه لم يثبت أنه قادر على تنفيذ أي منها، لأنه ببساطة خاض الحرب ولم يضع لها أهدافا محددة، بل كانت أهدافه تتلاعب بها نتائج ميدانية صغيرة جدا، صحيح أن أهداف الحرب قابلة للتطوير تبعا لنتائج ما يحصل في الميدان، إلا أن ترمب كان متقلبا إلى حدود غير متصورة، فلم يتمكن من إخافة عدوه، ولم ينجح في تطمين حليفه، وعلى سبيل المثال قال إنّ إيران إن أطلقت رصاصة على قطعة واحدة من أسطولنا الذي يفرض حصارا عليها، فإن ذلك سيضع حدا للاتفاق الهش لوقف العمليات العسكرية، ثم اعترف لاحقا بإن زوارق الحرس الثوري استهدفت بوارج أمريكية وزعم أنها تمكنت من معالجة الخطر، ولا ندري هل ابتلع ترمب تهديداته السابقة؟ ثم إنه كان يعطي إيران مهلاً قصيرة ويعود لتمديدها أكثر من مرة، ولكنه انتقل مؤخرا إلى مرحلة انتظار الذي يأتي ولا يأتي.

في الحرب لا يجوز لقائد بلد أن يدّل أعداء بلده على نقاط قوتهم ونقاط ضعف بلده، فهذه تقع في خانة الخيانة العظمى، وكأن الاقتصاد الأمريكي لا يستقيم أوضاع إلا بعد الحصول على استثمارات في إيران في مجال المعادن النفيسة وفي مجالات الطاقة، لقد أعطى ترمب من الوعود ما يمكن أن تصنعه لها الولايات المتحدة إن اتفقتا، كان يكرر تصريحات بعبارات تصلح لعروض الأزياء أكثر من صلاحيتها لعالم السياسة، مما يعطي انطباعا بضعف أطروحة الرئيس، بحيث يبدو وكأنه يستجدي السلام مع دولة لم تحترم تعهداتها أبدا وسجلها حافل بكل الأدلة الناطقة على ذلك، ثم لماذا يتحول ترمب إلى موظف في مكتب وزير خارجية إيران عندما يصّرُ في أكثر من تصريح فيقول "نحن متأكدون أن إيران تريد توقيع اتفاق معنا"، هل سبرَ أغوار الإيرانيين فتحولوا إلى حمامة سلام بين ليلة وضحاها بعد أن كانوا طلاب حرب؟.

كان كثير من خبراء الشأن الأمريكي ثابتين على قناعة لا تتزحزح، بأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، بل يقولون إن هناك دولة موازية للدولة المعلنة، وهي الدولة العميقة التي تمتلك لجاما قويا من مخلفات أفلام الغرب الأمريكي تستطيع تفعليه متى شاءت، لتوقف الرئيس "أي رئيس" عند حدّه ولو لجأت إلى أساليب غير تقليدية في ما تريد تطبيقه بحقه من إجراءات، ولكن ومن خلال ما حصل خلال فترة رئاسة دونالد ترمب الأولى وما رافقها من أحداث، ثم إفشاله في المنافسة مع بايدن، ثم أخضعته لتحقيقين الأول بتهمة حصوله على دعم روسي بزعم أنه هو الذي رجح كفته في الانتخابات على منافسته هيلاري كلنتون، والثاني تلاعبه بموجودات البيت الأبيض وذلك عندما أجاز لنفسه الاستحواذ على وثائق على درجة عالية من السرية ما كان له حق بأخذها، بما ذلك إجراءات تفتيش مصور في منزله قام به عناصر من جهاز FBI ، أدى زرع بذرة من نزعة الانتقام لديه، إذ يبدو أن ترمب وفريق محاميه، طفقا يدرسان خطط الانتقام ممن فتح ملفات لم تستطع التأثير سلبا على وضع ترمب القانوني، بل على العكس، فقد حقق في انتخابات الرئاسة اللاحقة، عودة ظافرة إلى البيت الأبيض بفوزٍ ساحق، ليس له فقط بل للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، وفي غرفتي الكونغرس، وهذا ما حوله إلى شخص آخر يفكر بملفين الأول تهديم الهيكل الذي كاد أن يسقط فوق رأسه، فراح يتصرف خارج القواعد المألوفة التي نص عليها الدستور الأمريكي، وخارج كل السياقات التي سار عليها الرؤساء السابقون له، ومع أن الدستور الأمريكي قد رسم حدود صلاحيات السلطات الثلاث في البلاد، إلا أنه في واقع الحال أعطى لرئيس البلاد من الصلاحيات ما لم تعطه أكثر دساتير العالم الثالث دكتاتورية في العالم لرؤسائها، ولكن التقاليد الأمريكية فرضت نفسها على كل الحالمين بالدخول إلى البيت الأبيض، والجلوس في المكتب البيضاوي ليدير شركة مساهمة أسمها الكرة الأرضية، فحوّل الكونغرس إلى هيئة أمم متحدة، فكأن مجلس النواب هو الجمعية العمومية ومجلس الشيوخ هو مجلس الأمن الدولي.

وصادف ترمب نجاحاً هنا وآخر هناك، فظن أن العالم أصبح طوع يديه، فراح يعلن عن برامج خرافية، فتارة يطالب بالحصول على شبه جزيرة غرينلاند بالقوة أو مقابل ثمن، وتارة يدعو إلى ضم كندا وجعلها الولاية الواحدة والخمسين، مستعيداً في ذاكرته ما حصل عام 1867 عندما اشترت الولايات المتحدة الأسكا من روسيا القيصرية بمبلغ مضحك جعل روسيا تتجرع آلام تلك الصفقة في كل 30 آذار/ مارس، وبالمقابل قوبلت تلك الصفقة بسخرية لاذعة من قبل الكونغرس، حيث وصف الصفقة التي وقع اتفاقيتها وزير الخارجية الأمريكية ويليام ستيوارت، بحماقة ستيوارت، وربما أعطت هذه التجربة احساسا جارفا لترمب بأن الرؤساء يُلهمون حكمة مضاعفة بمجرد دخولهم المكتب البيضاوي، ولهذا حاول تجربة حظه في قضايا خاسرة، لأن العالم اجتاز قرنا ونصف قرن من يوم توقيع حماقة ستيوارت.

ما يعرفه المراقبون عن ترمب أنه رئيس وصل إلى منصبه من شارع رجال الأعمال، ولكنه كان يحمل خيالا طموحا فوق طاقة رؤساء جاءوا إلى مناصبهم من مؤسسات تشريعية ومن مناصب حكومية عليا، ومع ذلك فمنهم من نجح ومنهم من فشل، ولكنني أعترف لترمب أنه أتقن واحدة من الدروس التي يتعلمها رجال الإعلام أثناء دراساتهم النظرية وهي قاعدة الهرم المقلوب في إعداد الأخبار، أي حذف الكثير من محتويات المادة الإخبارية كي يصار إلى صياغة الخبر بأقصر مضمون لا يخل بأصل الفكرة وبأقل كلمات، لكن ترمب ارتكب كثيرا من الخطايا، فقد أكثر ترمب من أحاديث عن المستقبل الرائع لإيران إذا ما وقعت اتفاقا مع بلاده وتحولها إلى دولة عظيمة، بسبب امتلاكها لثروات هائلة، وهذا ما جعل غريزة التدلل الإيراني المعهودة ترتفع إلى قمتها، فبدأت بالتمنع وراحت تتحدى توقيتات ترمب وتهديداته التي أيقنت أنها تصريحات رئيس حائر وملول، فبعد أن كان يحدد توقيتات قصيرة لإيران وبعد أن ظل يهدد بإزالة إيران من الخارطة، صار هو الذي يمنحها الذرائع للتأخر في الردود، وبعد أن قال إنه في حال إطلاق الإيرانيين طلقة واحدة على أحدى قطع الأسطول الأمريكي في مضيق هرمز فإن ذلك سيعني تدمير ما تبقى من قطع بحرية إيرانية، ولكنه في النهاية قال بأنه متأكد من أن إيران ترغب بشدة بتوقيع اتفاق مع بلاده، هل سبر غور الشخصية الإيرانية، بحيث صار يبحث لها عن مبررات كي لا يشعر بقليل من الحرج مع نفسه وشعبه وحزبه والحزب المنافس له والصحافة الأمريكية؟.

ولعل ما حصل في حرب الاثني عشر يوما، ما يعكس وجها من وجوه ترمب المتعددة وذلك عندما هاجمت الطائرات الأمريكية بما فيها طائرات B2 وF35، مع الطائرات الإسرائيلية، بين يومي 13 و 24 حزيران 2025، وألحقت دمارا هائلا بالمواقع النووية والدفاعات الجوية وكثير من المنشآت الاقتصادية، وتمت تصفية الخط الأول من قيادات الحرس الثوري والجيش والأمن القومي، يوم ذاك أمر الرئيس الأمريكي رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، بأن يعيد الطائرات الإسرائيلية التي كانت قد دخلت الأجواء الإيرانية والتي كانت مُخَططا لها أن تقصف موقعا كان معدا لعقد اجتماع يضم المرشد الأعلى علي خامنئي مع قيادات سياسية وعسكرية لدراسة كيفية التعاطي مع الأوضاع التي كانت جارية حينذاك، فعادت الطائرات أدراجها، مما يعني أن ترمب هو الوحيد بين الرؤساء الأمريكيين الذي استطاع ترويض رئيس وزراء إسرائيلي منذ عام 1948، بل ويلوي عنقه.

اعتقدَ ترمب حينها أنه حقق كامل أهدافه من الحرب، ولهذا رفع شعارات جعلها أهدافا لا يمكن النقاش فيها وراح يطلق التهديدات غير المسؤولة، كان في مقدمتها إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك البرنامجين النووي والصاروخي وفك الرابطة بين إيران وأذرعها الإقليمية، وكذلك ما اصطلح عليه بالتخصيب صفر، ورفعَ من سقف شروطه التي شملت تسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي قيلت بشأنه عدة روايات أبرزها أن إيران احتفظت به في مكان آمن، في حين قال ترمب إنه حرص على إصدار أوامر بعدم استهدافه خشية من تلوث نووي قد يتسبب بكارثة بيئية، وقيلت قصص أخرى، ولكنها جميعا كانت محض خيال سياسي مريض يركب عقل المنتصر فيحلق في سماء أخرى غير سمائنا، أو مهزوم يحاول مداراة هزيمته بكلام معسول فيفرك يديه بزهو فارغ ليصدق ما أطلقه من أكاذيب ظنها في عتمة أنها بيضاء فإذا بها كالحة السواد.

وأظن أن ترمب مثل طباخ مبتدئ، توفرت له كل فرص النجاح في إعداد الطعام ومستلزماته، ولكنه لم ينجح في إعداد وجبة صغيرة واحدة، فالولايات المتحدة هي الدولة التي تمتلك كل شيء من عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولكن الرئيس لم يحسن استخدامها لصنع نصر لبلده على دولة صغيرة، فكيف يستطيع إدارة معركة ناجحة مع دولة بوزن روسيا أو الصين؟ وربما لأن ترمب كان يسعى إلى تحقيق نصر له شخصيا.

كان بإمكان ترمب أن يقدم قراءة أكثرَ صوابا لو أنه أدار المعركة مع إيران بلا ملل، لأن إثارة الضجر هو اختصاصها في إدارة معاركها السياسية والحربية على حد سواء، إيران لا تجرؤ على قول لا، ولا ترغب بقول نعم، لأن اللا والنعم، قد تنصبان فخا لها، لأن إيران تضمر شيئا وتصرح بضده، ولهذا لا ثقة لها بأحد، تماما كما أن كل فريق إيراني يتعامل مع الآخرين بالطريقة نفسها.

ثم إن حالة الضجر الهائل وقلة الصبر اللذين تنطوي عليه شخصية ترمب، وسرعة تقلباته، هي التي أخرجت إيران من جلدها وباتت لا تكترث كثيرا لتهديداته وتحولت من حالة الدفاع عن النفس إلى حالة الهجوم على دول معروفة تقليديا أنها صديقة لواشنطن، ليس هذا فقط بل إن إيران عضت بأنياب مسمومة اليد التي طالما امتدت إليها لتسحبها من القلق إلى الطمأنينة وهي سلطنة عمان.

ومن بين مفارقات الحرب، أن الطرف المهزوم عسكريا استطاع أن يتحول إلى منتصر سياسيا، وأن الطرف المنتصر عسكريا فقد كل عناصر نصره وصار يتسول التوقيع على اتفاق أي اتفاق، حتى لو أدى ذلك إلى تخليه عن ثلاثة أرباع شروطه السابقة، وأضاف لإيران مكسبا لم يدخل يوما في حسابات تبادل مكاسب الحرب وهو موضوع حق المرور العابر في مضيق هرمز.

وهناك قضية أخرى أراها في غاية الأهمية، وهي أن الدول العربية التي تعرضت لانتقام إيراني لا مبرر له بكل المقاييس، توسطت من أجل توصل الولايات المتحدة وإيران لحل يجنبها ويلات حربٍ كانت تقول إنها لا ناقة لها فيها ولا جمل، سبب كل هذا هو أن دول الخليج العربي ركنت إلى الأمن المستورد والحماية الخارجية فنامت على زيد الوعود التي تطلقها الدول الكبرى عندما تريد أن توجد لنفسها موطئ قدم في منطقة ما، ولكنها تتنصل عن تعهداتها، لذا لا منجاة للعرب إلا بالقوة الذاتية وبكل أشكالها بلا حدود لعناوين القوة، وعليهم الأخذ بكل أسبابها وجعل أعدائهم يفكرون ألف مرة قبل التفكير بمجرد شن عدوان عليهم، نعم مجرد التفكير.

الخميس، 7 مايو 2026

نشرة انتفاضة شباب تشرين العدد ٥٣ // آيار ٢٠٢٦

نشرة انتفاضة شباب تشرين 

العدد ٥٣ // آيار ٢٠٢٦ 

رابط المجلة الالكتروني 

https://online.anyflip.com/rnvg/rxai/mobile/index.html





















قراءة في تاريخ إيران الجمهورية جزء ٣/ بقلم د. نزار السامرائي

 قراءة في تاريخ إيران الجمهورية

جزء ٣



د. نزار السامرائي

لم تذق منطقة الشرق الأوسط طعم الاستقرار منذ أن وصل الخميني إلى الحكم في إيران، الذي نجح في تصدير الفوضى التي عاشتها بلاده ليس إلى دول الجوار فقط بل إلى كثير من دول العالم حيثما وجد فيها فرصة لخدمة مشروعه لتصدير الثورة.

ولقد انطلت الشعارات التي رفعها في الأيام الأولى لاحتلاله موقع القيادة في إيران، على كثير من الشخصيات والحركات والمنظمات الإسلامية لا سيما في الوطن العربي المأخوذ بطبيعة العرب المجبولة بالنقاء والصدق والمروءة، والمعروفين بتعجلهم بإصدار الأحكام على أسس عاطفية عندما يتعلق الأمر بالإسلام، وكان الطرح الإيراني ينطلق من ثلاثة محاور:

1 - دينياً رفع شعار وحدة المسلمين. 

2 - سياسيا رفع شعار تحرير فلسطين لما كان يعرفه من مكانة فلسطين في الوجدانين العربي والإسلامي من تأثير عاطفي يرتبط بالموقع المقدس للمسجد الأقصى في عقيدة المسلمين.

3 - ثالثا إعلانه العداء للشيطان الأكبر والمستكبرين الغربيين والشرقيين على حد سواء، وبدأ بخطة تسويقه هذه البضاعة على أنها دفاع عن المستضعفين في العالم كله، على الرغم من أنه كان ينطلق من حسابات إيرانية خالصة لم تخرج من حدود إيران، بسبب ما شاب العلاقات الإيرانية الأمريكية من اختلال سياسي واقتصادي.

نعم انطلت هذه الشعارات على الحركات الإسلامية وبخاصة في الوطن العربي، لا سيما التنظيم الدولي لحركة الاخوان المسلمين والتشكيلات المحلية لها، وتوابعها من جمعيات ومنظمات وبعض من يحبون أن يوصفوا بأنهم مفكرون إسلاميون، فقد سارعت شخصيات من هذه المنظمات أفراداً وجماعات إلى تشكيل وفود لزيارة طهران وتقديم التهاني للخميني بنجاح الثورة، وفسرت أجهزة الدعاية المرتبطة بمكتب الخميني على أن هذه الزيارات كان لغرض تقديم البيعة له على السمع والطاعة إماما لكل المسلمين كافة، ولقد تحمست حركة الاخوان المسلمين بما فيها الفرع السوري في هذا التوجه المنحرف، إلى أن حصل الفراق بين الطرفين بعد سلسة حوادث عانى فيها الاخوان المسلمون في سوريا من ويلات البطش الأسدي والذي وصل مرحلة متقدمة عندما تراصف النظام السوري مع إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية، فرد الإيرانيون الجميل لنظام الأسد الأب بدعم مفتوح لا سيما عندما سارعت الحكومة الإيرانية لتقديم الدعم لحكم الأقلية العلوية في قمع الشعب السوري والذي بلغ ذروته في أحداث ثورة الشعب السوري على نظام الأسدين القمعي عام 2011، حينذاك اكتشف الاخوان السوريون حجم الخطأ الذي ارتكبوه بمراهنتهم على إسلامية النظام الذي جاء به الخميني إلى إيران، ومدى الضرر الذي أُلحقه بالإسلام والصورة التي يحاول الاخوان المسلمون تقديم الإسلام للعالم كدين وسطي ينبذ التطرف، وإذا بهم يكتشفون أنهم على متن أكثر المراكب صناعة للإرهاب الدولي وتسويقا له.

وفيما يتصل بالشعار الأول فقد مارس النظام سياسة التقية بأعلى درجاتها لخداع المسلمين وتمرير برنامجه الفقهي الذي اخترعه ولم يحظ بموافقة معظم المراجع الشيعة الكبار في النجف وقم، بل اعتبروه بدعة لا أساس لها في الفقه الجعفري الاثني عشري، ولقد أراد الخميني من هذه الخطوة فرض نفسه على أتباع جميع المذاهب الإسلامية، من خلال خطاب شعبوي فيه من الغوغائية السياسية أكثر مما فيه من الاجتهاد الفقهي، وإذا ما راجعنا خطوات إيران للتعبير عن معنى وحدة المسلمين، فقد قال الخميني في كتاب "تحرير الوسيلة"  بالنص (أما النواصب والخوارج لعنهم الله فهما نجسان من غير توقف)، وقال "الرسائل" (مخالفة العامة من مرجحات باب التعارض)، وفي كتابه "الحكومة الإسلامية"، قال (لأئمتنا مقام لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل)، وهذه الفكرة لا يقول  بها المسلمون.

 وفي مجال التطبيقات فقد أقدم على عدة خطوات كرست في محتواها وفي نهايتها معنى التمزق لا الوحدة، فعلى سبيل المثال جاء إلى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، إذ تم إقرار عيد الوحدة الإسلامية والذي جعله يبدأ بيوم الثاني عشر من ربيع الأول وهو عيد المولد النبوي لدى المسلمين والسابع عشر من الشهر نفسه وهو الذي يحتفل به الشيعة، فتم تكريس التفرقة تحت لافتة الوحدة، وغير هذا هناك مواقف وتصرفات تقع في الإعلام الإيراني تحت عنوان الوحدة ولكنها في حقيقتها معاول تضرب بصرح الوحدة الإسلامية بكل قوة، فضلا عن موقف التعالي على المسلمين ومحاولة السطو على إرادتهم وقناعاتهم.

وربما من المفيد أن أذكر هنا أن بعض الوفود التي زارت طهران اقترحت عليه استبدال اسم الخليج من الخليج الفارسي الذي تعتمده إيران إلى اسم الخليج الإسلامي، لكنه رفض مجرد الخوض في هذه الفكرة أصلا، على الرغم من أن إقليم فارس لا يمتلك إطلالة على الخليج العربي، فالخليج بشاطئيه عربي الأرض والسكان وما زال، ولكن المقص البريطاني الغادر هو الذي ألحق إقليم الأحواز العربي الذي تبلغ مساحته 375 ألف كيلو متر مربع بإيران عام 1925.

ووسط هذه الكثافة من الوفود التي تجشمت عناء السفر إلى طهران لتقديم فروض الطاعة للخميني، وجد أن سعادته تتحقق عندما يرى أن اسمه يتكرر في أجهزة الإعلام العالمية، ويصبح الشغل الشاغل لمختلف الجهات والمنظمات الدولية، فقد توصل فريقه السياسي إلى قناعة بأن وسائل الإعلام في دول العالم الثالث ومهما علا شأنها، فإنها تبقى ذات طابع محلي أو إقليمي في أحسن حالات صعودها، فهي لا تمتلك امكانية الانتشار الذي تتمتع به أجهزة الإعلام الغربية لأسباب عديدة، بسبب الهيمنة الأمريكية والأوربية فنياً وتقنيا ومالياً وسياسياً، فرأى الخميني أنه يجب أن يتوجه إلى افتعال أحداث كبيرة لها قابلية استقطاب الاهتمام الدولي سياسياً وإعلامياً، حتى رأى أن ضربته الأكثر فعالية ستكون في وضع واحد من تحدياته المعلنة موضع التنفيذ، فوجد ضالته في التعرض لمبنى السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز العاملين فيها، فكان ذلك الحدث الشغل الشاغل لأجهزة الإعلام الدولية وليس الأمريكية فقط، وربما أرضى هذا الاهتمام طموح رجل مغمور خرج من المجهول ليتحول إلى الخبر الأول على قنوات التلفزيون الأمريكية والأوربية.

وبعد أن حقق لنفسه دائرة واسعة للعلاقات العامة، عمد النظام الإيراني على فتح الصفحة الثانية وهي فتح نارا سياسية على العراق كان يختزن كثيرا من وقودها منذ أن كان يعيش في العراق لاجئا سياسيا أو دينيا كان مطاردا في بلده فلم يجد بلدا يؤويه إلا العراق، وفي تسارع كبير تحولت تلك المعركة، إلى نيران حرب استمرت ثماني سنوات بلا هوادة، كادت تجر إليها أطرافا شرق أوسطية في منطقة الخزان النفطي الأكبر والأكثر أهمية في حسابات الطاقة الدولية.

واعتمد فريق الخميني السياسي في ذلك على قياس بائس، وهو أن من أسقط الشاه في إيران، سيكون بمقدوره إسقاط نظام الرئيس صدام حسين بسهولة أكبر من خلال الدعم الذي ستحصل عليه إيران من شيعة العراق، فارتفعت في الأجواء تصريحات سياسية لكبار مسؤولي الدولة عن بطلان اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران لعام 1975، لأنها وقعّت بين نظامين طاغوتيين، أحدهما تم اسقاطه والثاني في طريقه إلى السقوط، ولذا أطلق دعوات في نداءات متتابعة أذيعت من أجهزة الإعلام الإيرانية موجهة إلى "شيعة العراق" بالامتناع عن تسديد الضرائب وفواتير الماء والكهرباء والتلفون، وأدت تلك الدعوات الساذجة إلى رد فعل مضاد تمثل بتسديد الفواتير المتراكمة.

وبقدر ما اهتمت أجهزة الإعلام العربية والدولية ببعض التفاصيل الصغيرة من المشهد الإقليمي، وارتفاع حدة التوتر إلى أقصى درجاتها، كان ذهن القيادة العراقية منصرفا لدراسة كل ما يصدر عن طهران من تصريحات حماسية موجهة ضد العراق، لكن ما صدر عن الخميني من آراء تتعلق بجوهر العقيدة الإسلامية التي تنص على (بسم الله الرحمن الرحيم، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فقد كان طموح الخميني يتعدى الساحة العراقية إلى ما هو أبعد بكثير، وأن جميع الدول الإسلامية كانت في متناول خطط الهيمنة الإيرانية، فقد كرر الخميني في خطبٍ وأحاديث مع أنصاره، فكرة خطيرة جدا وهي أن جميع الأنبياء والرسل قد أخفقوا في تأدية رسالاتهم، وأن "صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف" هو الذي سيكمل تلك المهمة، هذه الفكرة تعني أن "نائب الإمام بالحق" وهو الخميني نفسه، هو الذي سينهض بهذه الوظيفة المقدسة، وتأسيسا على هذه الفرضية التي أوكلها الخميني لنفسه ولإيران، فقد تأكد لكثير من دارسي الظاهرة الخمينية أن الرجل مصاب بداء العظمة، ومن هذه النقطة بدأت نوايا الشر بدأت تطل برأسها بقوة تجاه العراق من جاره الشرقي، ولتنطلق إلى الآفاق البعيدة، على الرغم من أن العراق بادر عبر القنوات الدبلوماسية لتقديم التهنئة للخميني بإسقاط نظام الشاه وذلك عندما بعث الرئيس أحمد حسن البكر رحمه الله برقية تهنئة للخميني، الذي أجاب ببرقية جوابية تكّفر النظام الوطني وتخلو من القيم الإسلامية التي حددها الله سبحانه وتعالى عندما قال في محكم كتابه العزيز، فقال بسم الله الرحمن الرحيم "وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوها"، وذلك عندما ختم الخميني برقيته بالقول والسلام على من اتبع الهدى.

و دخلت العلاقات العراقية الإيرانية مرحلة عدم اليقين، إذ لم تعرف فيه حدود البلدين استقرارا حقيقيا وطويلا، وكأنهما مكتوب عليهما أن يعيشا توترا متصلا، يستقطب فيه دخول أطراف إقليمية أو دولية، فالتصريحات النارية التي كان يطلقها الخميني بمناسبة ومن غير مناسبة، عن قضيتين مترابطتين ارتباطا راسخا، هما شعار تصدير الثورة "الإسلامية"، والثاني اعتبار اتفاقية الجزائر لعام 1975، باطلة لأنها وقعت بين نظامين طاغوتيين، أشعلت ضوءا أحمر في نهاية الطريق يحذر من أن السير فيه من دون حذر مضاف قد يعني السقوط في منحدر سحيق، فكأي نظام يشعر أن الأصوات الآتية من حدوده لا تشبه ما كان يرد منها من قبل، لا بد وأن يُخضع الأمر لإعادة تقييم استراتيجي، وهذا ما حصل.

ففي غضون أشهر معدودة، فَقدَ النظامُ الإيراني فضيلة الصبر، وبدأ بتنفيذ خطوات استفزازية على طول الحدود، ويبدو أنها كانت تجسيدا لشعار تصدير الثورة، والذي أُلحق بشعار يخص الساحة العراقية وحدها عندما رُفع شعار آخر وهو شعار "طريق القدس يمر في كربلاء" وكان هذا الشعار متحركا حسب ما تقتضيه الحاجة الإيرانية، فتارة يمر طريق القدس عبر بغداد وتارة أخرى تتوسع الطموحات الإمبراطورية، حتى انحرف مسار الطريق إلى الجنوب ليمر في مكة المكرمة وأحيانا ينزل جنوبا أبعد إلى اليمن، وأخرى يصعد شمالا فيصل إلى إدلب والقصير في سوريا، ومن يدري قد يصل إلى حد المرور في جاكارتا شرقا وتارة لا بد أن يمر في الرباط وطنجة في المغرب.

وتأسيسا لهذا المشروع التوسعي، فقد تعرضت مدن عراقية حدودية لقصف مدفعي عنيف من مدفعية بعيدة المدى من عيار 175 ملم الأمريكي الصنع، والمدفع الروسي 130ملم، ونتيجة لهذا القصف الذي تعرضت له مدن العراق ابتداءً من خانقين شمالا إلى البصرة جنوبا، فقد حصلت هجرة جماعية من معظم المدن الحدودية، ويبدو أن الزعامة الدينية الإيرانية أرادت اختبار مدى صبر القيادة العراقية، لكنها كانت تستحضر من داخل أدراج قيادة الأركان السابقة، كل نوايا العدوان على العراق، استنادا إلى خطط عسكرية معدّة من عهد الشاه، إلا أن القيادة العراقية ما كانت لتتردد في أداء واجبها في الدفاع استقلال البلاد وصيانة كرامة شعبه والمحافظة على الأمن الوطني والقومي، ومع ذلك سعت إيران بكل ما تمتلك من قدرات لإيصال الوضع إلى أقصى درجات التأزم، ولعلّ الحدث الأكثر مغزى هو الذي تم فيه إسقاط طائرة حربية إيرانية من طراز F5، بتاريخ 4 أيلول/ سبتمبر 1980، أي قبل نشوب العمليات العسكرية الكبرى بعدة أسابيع، واحتفظ العراق بقائد الطائرة "حسين علي رضا لشكري" أسيرا لأنّه يعد أهم وثيقة على بدء إيران للحرب حتى تم إطلاق سراحه عام 1998.

قراءة في تاريخ إيران الجمهورية جزء ٦/ بقلم د. نزار السامرائي

  قراءة في تاريخ إيران الجمهورية 

جزء ٦


د.نزار السامرائي

بعد أن وضعت حرب الثماني سنوات أوزارها، وبعد أن خلّفت دمارا هائلا لا سيما في إيران، وخاصة في البنى التحتية وعلى نحو أخص في البنى التحتية النفطية، فضلا عما تكبدته من خسائر بشرية وكذلك في مؤسساتها الاقتصادية الأخرى، اتخذت إيران قراراً استراتيجياً حاسماً وهو عدم السماح للهيب المعارك بدخول أراضيها، على قدر ما تمتلك من جهد وطاقة ومناورة سياسية، ولأن الأمر لا يرتبط برغباتها ولا بنواياها فقط، بل بقدرتها على وضع هذا الهدف موضع التنفيذ، اتخذت قرارا آخر لا يقل أهمية أو خطورة عن قرارها آنف الذكر، وهو توسيع نطاق حدود أمنها الإقليمي إلى أبعد نقطة قادرة على الوصول إليها، ولأنها محكومة بالجغرافية السياسية المعترف بها دوليا، فقد اتجهت إلى إقامة ركائز عقائدية قادرة على التحرك العسكري بتنسيق تنظيمي مع تلك الركائز الأمامية التي يمكن أن نُطلق عليها اسم "حجابات" وفقا لما يتداوله العسكريون في قاموسهم، على وفق لما تُمليه عليها متطلبات الأمن القومي الإيراني.

ولأن إيران رفعت شعار تصدير الثورة منذ الأيام الأولى لوصول الخميني إلى طهران مطلع شباط/ فبراير 1979، فقد كان جلياً أن الأمر ينطوي على صفحتين متلازمتين، الأولى إقامة تنظيمات وجمعيات شيعية ذات طابع عسكري صرف، وإن أخذت لنفسها تسميات تستطيع تخطي الحواجز النفسية للمجتمع الذي ستنشط فيه، كالجمعيات الخيرية والإنسانية، وأحيانا في تقديم الخدمات التعليمية والطبية في الأوساط الفقيرة، إلا أنها في واقع الحال حرصت على ابقائها خلايا نائمة تحركها عندما يحين الوقت لذلك، ولقد اقتبست إيران خبرتها في تأسيس هذه التشكيلات من خبرة الحركة الصهيونية عندما أسست عصابات الهاغانا وشتيرن وأرغون، التي تدربت عناصرها تحت سمع القوات البريطانية ونظرها، وكانت تنتظر ساعة الصفر للتحرك العسكري الموكول إليها، وعندما حانت لحظة تحركها، خرجت من تحت الأرض لترتكب جرائم شنيعة في الأوساط الفلسطينية، ويبدو أن اقتباس تجربة قيام إسرائيل في تأسيس هذه المنظمات الإرهابية، قد خضعت لدراسة معمقة من طرف الفريق السياسي والعقائدي المرافق للخميني في العراق وانتقل معه إلى فرنسا وحط رحاله في محطته الأخيرة في طهران.

ووضعَ أساسُ بنائها بدقة متناهية، كي تبقى ذات ولاء عقائدي مرتبط بولاية الفقيه برباط عقدي عضوي، يمنحها الشرعية الوحيدة المانعة لأي تشكيلات منافسة، وواقع الحال أن هذه الخطوة حددت توجهاً بحكم التراتيبية المذهبية في المذهب الجعفري الاثني عشري والتي تُلزم الشيعي "أي شيعي"، أن يعرف المرجع الذي يقلّده ويتبع أوامره ونواهيه، وهذا ما قد يفرض ثنائية في موضوع الولاء، والمفاضلة بين إتبّاع المرجع أو الولاء للوطن، وقد أسست هذه المدرسة لحالة من الصراع الحاد بين الولاء للمرجع الذي يعتبر أن الولاء له هو ولاء للدين والخروج عنه مبررا للإخراج من الملة، وربما أخذت هذه الظاهرة درجة أكبر من التصادم بين الولاء لمرجع التقليد الذي احتكره الخميني لنفسه مستعيناً بما توفر له من قدرات الدولة الإيرانية وسلطته المطلقة في ولاية الفقيه التي تفرض انقيادا أعمى لتلك الولاية في نفس الوقت الذي حجبه عن بقية المراجع الكبار الذين لا يشاطرونه الأخذ بمبدأ ولاية الفقيه، وهذا ما خلق تصادما بين الروح الوطنية والولاء العابر للأوطان باسم الدين أو المذهب، وهذا ما ظهر جليا أثناء الحرب العراقية الإيرانية عندما انضم عراقيون منشقون ينتمون إلى تيارات وأحزاب سياسية شيعية، إلى  القوات الإيرانية من قوات الحرس الثوري أو البسيج فقاتلوا معها ضد قوات بلدهم، وكذلك عندما جند حزب الله اللبناني كل جهده وطاقته لخدمة المشروع الإيراني الإقليمي، لا سيما مجريات حرب 2026، وهكذا نجح الخميني في تحويل ما رسمه المؤسسون الأوائل للمذهب من مجرد أفكار على الورق، أو أحاديث تتردد على الألسن أو دروس تُلقى في الحوزات العلمية، إلى واقع على الأرض، وقد حدد مسارين متضادين الأول هو الولاء لإيران من خلال الربط المحكم بين العقيدة الدينية وتحويلها إلى مسار سياسي، والثاني الولاء لولاية الفقيه.

أما الصفحة الثانية فكانت في ربط هذه التشكيلات بمكتب حركات التحرر المرتبط بقيادة الحرس الثوري وإن كان ذلك في بدايات تشكيلها، وتم تحويل ارتباطها إلى عمل مؤسسي وجزء من مشروع الدولة الإيرانية من خلال ارتباطها بفيلق القدس أحد أذرع الحرس الثوري، وتم اختيار عناصرها القادرة على حمل السلاح من النواحي العقائدية والبدنية والعمرية، وإخضاعها لبرنامج تدريب عقائدي وقتالي بأعلى ما يستطيع الحرس الثوري توفيره لعناصره، وعلى الرغم من أن الغرب تعامل مع العمليات الإرهابية التي تنفذها أذرع إيرانية معروفة بارتباطها بإيران، إلا أنها كانت تتظاهر بأن إيران غير مسؤولة عنها من أجل كسب ودها ورضاها، وعلى العموم فإن إيران التي أرادت من تلك المنظمات والتشكيلات والحركات خطاً أمامياً لحدود أمنها القومي، فإنها بالنتيجة النهائية شكلت عبئا سياسيا واقتصاديا وماليا ثقيلا عليها، وعكرّت علاقاتها السياسية الإقليمية والدولية مع إيران، مع أن كثيرا من دول العالم كانت تنتفع منفعة مالية كبيرة من خلال شراء النفط الإيراني بثمن يقل كثيرا عن التسعيرة الدولية لبرميل النفط الواحد.

وفي كل مرة عندما تشعر إيران بأنها تواجه مأزقا سياسيا، تلجأ إلى إحدى الساحات التي تشعر أن فصائلها أكثر تأثيرا في تقديم العون لها لمواجهة مأزقها، وتأمره بالتحرك بالكيفية التي تحقق لها أفضل النتائج، وبصفة عامة كانت الساحة اللبنانية أكثر الساحات استعداداً لتقديم النجدة السريعة، فكان حزب الله اللبناني أكثر الأدوات التزاما بالتوجيهات القادمة من الجهات النافذة في طهران، وهو الوحيد من الوكلاء الذي أعلن برنامجاً اندماجياً مع ولاية الفقيه، وذلك عندما أعلن أمينه العام السابق حسن نصر الله، أنه ينظر إلى تجربته على أنها ليست إقامة جمهورية إسلامية في لبنان، وإنما يسعى ليكون لبنان جزء من "الجمهورية الإسلامية في إيران وتحت قيادة الولي الفقيه علي خامنئي.

أما حماس التي لم تعلن موقف التشيع المذهبي، بل ظلت تجاهر بأنها سنية المذهب، فلم تحض بنفس الدعم السياسي والعسكري الذي حصل عليه حزب الله، وربما تفسره طهران بأن ذلك ناجم عن عدم وجود حدود مفتوحة إلى غزة كما تتوفر مع حزب الله عبر سوريا، إلا أن حماس في حقيقة الأمر كانت تضمر التشيع السياسي، وربما كانت تحرص على التعاطي مع القضية الفلسطينية من منظور إيراني بحت، حتى أن خالد مشعل أحد قادة حماس والمؤسسين لها، قال في أحد تصريحاته الأخيرة، "علينا أن نعترف بأننا نقاتل دفاعا عن الأمن القومي الإيراني"، وهذا في حقيقة الأمر أكثر خطورة من التشيع المذهبي، وذلك بسبب التخلي طواعية عن النزعة الوطنية ورهنها بخيار آخر يتصادم مع التوجهات الوطنية، ويجعل من حماس حاملة بريد إيراني وواجهة لطهران في الساحات العربية والإسلامية.

ويسجل المراقبون باهتمام أن وكلاء إيران يهبّون للدفاع عنها ويخوضون معاركها مع استعدادهم لتحمل الخسائر فيها، إلا أن إيران أكدت بشكل قاطع أنها ليست على استعداد لتحمل أدنى مجازفة والانخراط في معركة دفاعا عن أقرب وكلائها إليها، وخاصة حركة حماس والثمن الباهظ الذي دفعته مدينة غزة في معركة غير محسوبة النتائج، وكذلك حزب الله اللبناني، على الرغم من انخراطه في معركة الثأر لمقتل علي خامنئي.

ومن أجل المضي بهذا المخطط بنجاح، فقد تم تخصيص ميزانيات كبيرة لتلك المنظمات التي تحولت بمرور الوقت إلى تشكيلات مسلحة أو شبه مسلحة تظهر بكامل تجهيزاتها، بما ذلك الملابس العسكرية التي تميّزها عما سواها، والأسلحة المتوسطة والثقيلة، وإضافة إلى التنظيمات التي تأسست أثناء الحرب العراقية الإيرانية، لا سيما في الساحتين اللبنانية والعراقية، فقد تناسلت هذه التنظيمات أفقيا وعموديا واتسع مداها الجغرافي على نحو سريع جدا، وظهرت على السطح بعد أن ظلت متخفية لزمن طويل، تبعا لقوة الدولة ومنظومتها الأمنية وقدرتها على تفعيل قوانينها المحلية.

كان الخيار الإيراني الأول قد وقع على الساحة اللبنانية، لما تتمتع به من خصوصية تتصل بالنظام الديمقراطي الليبرالي العريق القائم على المحاصصة الدينية والمذهبية في ذلك البلد، فاستغل الإيرانيون خضوع لبنان لأجواء الحرب الأهلية التي اندلعت في نيسان 1975، وانتشار المنظمات المسلحة على طول الساحة اللبنانية وعرضها، وعلى الرغم من تآكل قوة معظم الطوائف في البلاد، فقد بقي الشيعة لوحدهم الطائفة التي لم تزج نفسها بتلك الصراعات بصفتها هذه، وكأنها كانت تخطط لاستنزاف الجميع وفي اللحظة المناسبة تطفو على السطح لتضع الجميع أمام خيارات صعبة تتمثل أما بالخضوع لإرادتها المسلحة أو الصمت إزاء ما يحصل.

ومع الوقت تحولت حركة "أمل" من حركة مدنية تسعى لإنصاف المحرومين حسب وصف مؤسسيها لها، إلى كيان مسلح فرض حضوره مقابل التشكيلات الفلسطينية والقوى السنية والمسيحية التي خاضت قتالات مختلفة الأسباب والأهداف مع ضدها النوعي أي حزب الله الذي كان يتشكل بدعم من النظام السوري وبشكل خاص من الرئيس السوري السابق حافظ أسد الذي أجاد اللعب على التوازنات لإضعاف الجميع، لأنه أراد تحريك كتلة متماسكة ضد العراق تنفذ مخططاته في الساحة اللبنانية، في تنفيذ عمليات إرهابية ضد المصالح العراقية كما حصل في نهاية عام 1981 بتفجير مبنى السفارة العراقية في بيروت، أو في عمليات إرهابية ضد مصالح أوربية وأمريكية بما ذلك الدبلوماسيون والصحفيون ورجال الأعمال والسياح، إذ تم اغتيال عدد من الصحفيين اللبنانيين والعرب والأجانب وإشاعة جو من الترقب والرعب في نفوس كل من يفكر بانتقاد الدور السوري في لبنان والمنطقة، أو تحالفه مع النظام الإيراني أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وأسست تلك العمليات لمرحلة طويلة لتكميم الأفواه ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم، وكانت الصفقات السياسية لصالح إيران أو النظام السوري تتم بإشراف المخابرات السورية وقوات الردع السورية التي دخلت لبنان بموافقة الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1976.

اللافت أن الدول التي لم تستطع إيران اختراق حدودها، أو هي لم تشأ أن تفعل ذلك لحسابات مرحلية سياسيا واقتصاديا وأمنيا، تجاهلت تماما معاناة المتضررين من إرهاب تلك المنظمات وجرائمها التي كانت تطال المدنيين والمؤسسات الاقتصادية.

الأربعاء، 29 أبريل 2026

قراءة في تاريخ إيران الجمهورية/ جزء ٥ / بقلم / د.نزار السامرائي

  قراءة في تاريخ إيران الجمهورية

د.نزار السامرائي


جزء ٥ 

بعد مماطلات ومناورات لا حصر لها في محاولة لكسبِ وقتٍ تستطيع فيه إيران إعادة بناء قواتها التي أوشكت على الخروج من الخدمة بسبب الضربات العسكرية المتلاحقة التي تلقتها على يد القوات العراقية في ربيع 1988، وكذلك لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني المحطم، وجه الخميني رسالة مطولة تزيد كلماتُها على 7530 كلمة للشعب الإيراني استنهض فيها همم الإيرانيين، وتحدث في معظم ما جاء فيها، عما حصل في عام 1987، في الحرم المكي من فتنةٍ زجَ فيها عناصرَ من الحرس الثوري الذين تم إرسالهم في موسم الحج لسنة 1407هـ، فأحدثوا في المسجد الحرام، أسوأ حادث أمني، منذ فتنة القرامطة سنة 317هـ 908م، عندما أغاروا بقيادة أبو طاهر الجنّابي القرمطي على الحجيج في يوم التروية فقتلوا منهم المئات وهم مُحرِمون، وسرقوا الحجر الأسود وغيبوه 22 سنة.

فخيبت تلك الكلمة ظن الإيرانيين بالزعامة الدينية التي لا تتعاطى مع الأزمات المحلية بشفافية ووضوح ومسؤولية من أجل إيجاد الحلول الواقعية لها، ولأنها أغفلت المحنة الحقيقية التي تعيشها البلاد بعد حرب ضروس استمرت ثمانية أعوام نتيجة عناد تقليدي تميزت به الشخصية الفارسية عبر الزمن، ولكنها هذه المرة اصطدمت بجدار عراقي شاهق من العزم على كسب المعركة.

لكنّ مراقبي المشهد الإيراني لم يَفتُهم تشخيص الحالة التي تقمص النظام لبوسها، فهذا ديدن الإيرانيين عندما تلحق بهم هزيمة منكرة في واحدة من الجبهات، فإنهم يستميتون لتحويل الأنظار عنها إلى قضايا أخرى يرون فيها تغطية كافية تجنبهم المساءلة الشعبية، بعد أن ينفخوا في بالونها الكثير من هواء أكاذيبهم وقدرتهم العالية على التبجح، فلم يكن ما جرى في الحرم المكي الشريف معركة بين جيشين بل كان مواجهة بين الحق بكل جنوده والباطل بكل ما حمله من زيف وتحريف، ومحاولة لإثارة الشغب في بيت الله الحرام الذي جعله الله آمنا، واصرار السلطة الحاكمة لتعويض خسارة الحرب بمكسب في جبهة أخرى، وذلك بانتزاع بيعة لدينٍ لم يرد به نص ولا قال به النبي صلى الله عليه وسلم، الهدف الرئيس من رسالة الخميني هو اطلاق شحنة كبيرة من الترياك الفارسي المشهور، وتخدير الشعب ومنعه من التفكير بما دفعته إيران من أثمان باهظة بسبب سدِّ الخميني شخصياً لأذنيه عن كل ما كان يرده من مستشاريه من نصائح بأن إيران وصلت إلى مرحلة الانهيار التام عسكريا واقتصاديا، وأن عليه أن يتدارك الموقف ويوقف سيل الهزيمة قبل فوات الأوان، ولكنه ظل يكابر وأغمض عينيه عن رؤية المآسي التي حلت بإيران، حتى أيقظه دوي الصواريخ العراقية على مقربة من حسينية جميران في يوم الصواريخ في ربيع 1988، وعندما اقترب الموت منه وجه رسالة المغالطات التي تتعامل مع المشكلات القائمة بتجاهل تام وتسعى لافتعال معارك في جبهات باردة، فوجه رسالته المليئة بالحشو الممل وأعلن إذعانه، بعد أن استيقظ على حقيقة أن إيران لم تعد تمتلك شيئا تقاتل به ومن أجله، وأن امتلكت فليس لديها رجال للقتال حتى تحت تأثير التخدير العقائدي، فلا أحد على استعداد لفتح حقول الألغام بجسده، فذلك الجيل ذهب هباء ولم يتمكن من فتح حقول الألغام التي وُعد بالجنة ثمنا لفتحها، وإن تمكن فتح ثغرة صغيرة فيها فإن جدار الصد العراقي كان للبقية بالمرصاد وهذا وقع.

كانت الخطة التي رسمتها الزعامة الإيرانية وأوكلت مهمة تنفيذها للحرس الثوري، تتضمن نقل أسلحة نارية عبر البريد الدبلوماسي، وتقتضي احتلال المسجد الحرام وإعلان البيعة للخميني زعيما سياسيا للأمة وإماما لها، ولكن التدخل السريع لقوات الأمن السعودية أحبط تلك الخطة وسقط أثناء ذلك عدد من القتلى والجرحى بين الحجاج والإرهابيين وقوات الأمن التي لم تكن مستعدة لمثل هذا الحادث الاستثنائي داخل الحرم الذي أنزل الله كتابا في حرمة القتال فيه عندما قال سبحانه وتعالى، بسم الله الرحمن الرحيم "وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين" البقرة191.

 وأكدت هذه العملية التي استهدفت أقدس مكان في الأرض جعله الله مثابة للناس وأمنا، أن إيران لا تُقيم وزناً لمقدسات المسلمين، أمام أية خطوة تخطوها على طريق تحقيق هدفها بإعادة بناء مجد الإمبراطورية الفارسية، كما أكدت الطابع الإرهابي للحرس الثوري الإيراني على نحو لم تعد هناك فرصة لمكابر على نفي هذه الصفة عنه؟

وأكد الخميني في تلك الرسالة أنه إن استطاع نسيان كل شيء فإنه لن ينسى ما حصل من "جريمة في الحرم المكي" من قتلٍ لعناصر الحرس الثوري وأنه لا بد أن يأخذ بثأرهم طال الزمن أم قصر، وطلب من أنصاره أن يحبسوا "حقدهم الثوري" في صدورهم، فأية نزعة انتقامية تلك التي طبعت تلك المرحلة وما تزال تفرض حضورها حتى اليوم، لقد تأخرت موافقة الخميني على قرار مجلس الأمن الدولي 598 الصادر في 20 تموز 1987 إلى يوم الثامن من آب 1988، ولو أنه كان قادرا على تخيل أن إيران قادرة على المطاولة ليوم واحد، ما كان ليوافق على ذلك القرار مهما لحق بها من خسائر بلا طائل أو جدوى.

بعد الموافقة الإيرانية على قرار 598 والتي تأخرت أكثر من سنة بقليل، والذي كان العراق قد وافق عليه بسرعة، بدأ سباق مارثون إقليمي – دولي، لتحقيق سلام دائم في المنطقة التي ينظر إليها الغرب المتقدم والشرق، على أنها محطة وقود رخيصة الأسعار، ولكن ظن العالم لم يأت بجديد، إذ اكتشف أن المفاوضون والوسطاء الإقليميون والدوليون بمن فيهم الأمم المتحدة ممثلة بأمينها العام، أن إطالة أمد حالة اللاحرب واللاسلم، لا تختلف في هذه الحالة عما حصل في وقت الحرب إلا ببعض التفاصيل.

ولعل أسوأ ما واجه المفاوض العراقي، أنه اصطدم بجدار إيراني أصم حول تنفيذ أهم البنود الإنسانية في القرار الأممي، وهو ما جاء في الفقرة الثالثة من القرار والتي تنص على أنه "يحث على إطلاق سراح جميع أسرى الحرب، وإعادتهم إلى بلديهم بدون تأخير، بعد توقف العمليات الفعلية وفقا لمعاهدة جنيف في 12/8/1949".

فالمجلس وحسب السياقات المتبعة في عمله، وضع "وقف إطلاق النار" أول فقراته وهذا شيء طبيعي وجعل الفقرة الثانية كيفية التحرك لوضع آليات ذلك من خلال اشراف الأمين العام، وهذا التسلسل يعكس جدية المنظمة الدولية على إحلال السلام ونبذ الحروب في حل المنازعات الثنائية والجماعية.

ويبدو أن الولايات المتحدة التي ألقت بثقلها لتمرير القرار المذكور، عندما عينت جنرالا سابقا في الجيش الأمريكي، هو "فيرون والترز" والذي تحرك بديناميكية نشطة إلى أبعد الحدود من خلال التحرك المتواصل على المندوبين لإصدار القرار بالإجماع، في زمن الحرب الباردة وعندما بدأت أعراض احتظار الاتحاد السوفيتي تلوح في الآفاق، كان الهدف منه إرساله رسالة إلى بغداد وطهران بدرجة أقوى، بأن العالم لم يعد قادرا على تحمل رؤية الاصرار على دوامة العنف في منطقة لها خصوصية عالية الأهمية في الحسابات الاستراتيجية الدولية.

ويبدو أن هذه النظرة تشكلت لدى الدول الكبرى، بعد أن خسرت رهانها على نجاح عمليات شرق البصرة في مطلع 1987، وخرجت إيران من المعادلة وهي مثخنة الجراح، لا تدري أين توجه تركيزها خاصة بعد أن استنزفت حرب الثماني سنوات كل رصيدها العسكري والمالي والمعنوي، هي التي دفعت بالولايات المتحدة، التي حرصت هي وبقية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن على استمرار الحرب لأطول زمن متاح من دون السماح لأي من المتحاربين بأن يتفوق على الآخر، ولما بدأت علامات العجز الإيراني عن الصمود أمام العراق في جبهات القتال، وإخفاق المراهنة الإيرانية على تحقيق نصف نصر عن طريق إحداث أعمال شغب في الداخل العراقي، تحركت ماكنة الأمم المتحدة التي ظلت واقفة في مكانها منذ تأسيسها بُعيد الحرب العالمية الثانية، فصدر هذا القرار الذي عانى من نقص معيب في مضمونه، فلو أنه تضمن فقرة تنص على الإشارة بأنه كل لا يتجزأ وأن التلكؤ بأيٍ من فقراته يعد خرقا للقرار كله، ويعني العودة إلى الحرب أوتوماتيكيا، ولكن الدول الكبرى كانت حريصة على إدامة عنصر إدارة الأزمات لا حلها، لأنها لا تريد أن تفقد شعورها بالهيمنة في حال حل المشكلات الدولية.

وهكذا بدأ سريان وقف إطلاق النار في العشرين من آب/أغسطس 1988، ولكن المشكلة الرئيسة لمخلفات الحرب وهي أن قضية الأسرى، لم تتزحزح عن مكانها خطوة واحدة، وهذا يعود لخلفيات التاريخ الفارسي المعقد في التعامل مع هذا الملف، ولو أن العالم كان يعي ما يعرفه العراق عن غاطس التقاليد الإيرانية في توظيف هذه القضية الإنسانية توظيفا سياسيا لانتزاع مكاسب في ميدان آخر، ربما كان العالم سيلجأ إلى صياغات أخرى فيما لو كانت النوايا صافية حقاً.

الجمعة، 24 أبريل 2026

ناجي صبري الحديثي.. "مِهندسُ الدبلوماسيةِ" وصوتُ العراقِ الذي واجهَ العاصفةَ بلسانِ العالِمِ وهيبةِ الدَّولة!

  ناجي صبري الحديثي.. "مِهندسُ الدبلوماسيةِ" وصوتُ العراقِ الذي واجهَ العاصفةَ بلسانِ العالِمِ وهيبةِ الدَّولة! 


✍️ بقلم 🪑 كرسي المؤرخ نتشرف أن نروي لكم 


👈📜💼 في تاريخِ الدبلوماسيةِ العراقية، تبرزُ شخصياتٌ لم تكن مجردَ أدواتٍ إدارية، بل كانت "صدوداً" فكريةً ووطنيةً في أصعبِ المنعطفات. الأستاذ الدكتور ناجي صبري أحمد الحديثي (أبو محمد)، ابن مدينة "حديثة" الصامدة، يمثلُ قصةَ الأكاديميِّ المبدعِ الذي غادرَ مدرجاتِ الأدبِ والترجمة ليقودَ أخطرَ المعاركِ السياسية في رِحابِ الأمم المتحدة، حارماً القوى العظمى من غطائها الشرعي ببراعةٍ دحضت حججَ الحربِ قبل وقوعها.

1. التكوينُ والأصالة: من ضفافِ الفراتِ إلى مِحاريبِ اللغة 🎓 

وُلد الدكتور ناجي صبري في رحاب عشيرة "الأغوات الطائية" العريقة، ونشأ في بيئةٍ عراقيةٍ أصيلة صقلتْ ملامحَ شخصيتِه الرصينة. حصل على شهاداته العلمية من جامعة بغداد، وتخصص في اللغة الإنجليزية والترجمة، فجمع بين فصاحة اللسان العربي وسعة الاطلاع الغربي. لم يكن تدرجه في العمل سهلاً، بل شقَّ طريقهُ كصحفيٍّ وكاتبٍ ومترجمٍ بارع، قبل أن تكتشفَ الدولةُ فيهِ ملكاتِ "المفاوضِ الصلب" الذي يتقنُ لغةَ العالم ويحملُ همومَ الوطن.

👈💼 المناصب التي تقلدها الدكتور ناجي الحديثي 

1968 - 1975 مدير قسم الشؤون الخارجية ومدير تحرير جريدة الثورة.

1969 - 1975 محاضر في قسم اللغة الإنكليزية، كلية الآداب / جامعة بغداد.

1975 - 1980 مستشار سفارة جمهورية العراق في لندن.

77 - 1980 مؤسس ومدير المركز الثقافي العراقي في لندن.

1977 - 1980 مؤسس ورئيس تحرير مجلة أور الخاصة بالفنون العربية الحديثة.

1980 - 1990 مدير عام دار المأمون للترجمة والنشر.

1980 - 1998 رئيس تحرير جريدة بغداد أوبزرفر.

1986 - 1995 مؤسس ورئيس تحرير مجلة كلكامش الخاصة بالفنون العراقية الحديثة.

1986 - 1995 نائب رئيس اللجنة الوطنية العراقية للتربية والثقافة والعلوم.

1990 - 1991 مدير عام الأعلام الخارجي في وزارة الثقافة والأعلام.

1991 - 1995 وكيل وزارة الثقافة والإعلام.

1995 - 1999 محاضر في الجامعة المستنصرية/ كلية الآداب.

1995 - 1998 مستشار في ديوان رئاسة الجمهورية.

حزيران 1998 سفير في مركز وزارة الخارجية/بغداد.

1999 - 2001 سفير جمهورية العراق لدى النمسا، وممثل العراق الدائم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) ومكتب الامم المتحدة في فيينا.

18 نيسان 2001 وزير دولة للشؤون الخارجية.

4 آب 2001 - 9 نيسان 2003 وزير الخارجية

2. "الوزيرُ المفاوض": معركةُ العقلِ ضدَّ آلةِ الحرب ⚖️ 

👈📅 في عام 2001، تسلم الدكتور ناجي حقيبة وزارة الخارجية، وهي المهمة الأكثر تعقيداً في تاريخ العراق المعاصر. لم يكن وزيراً تقليدياً، بل كان "إستراتيجياً" استطاع بحنكته الثقافية واللغوية إحراج الإدارتين الأمريكية والبريطانية في أروقة مجلس الأمن. وبشهادة المُنصفين، كان له الدور الأبرز في تفكيك الذرائع الدولية، حيث أدار ملف التفتيش والمفاوضات بذكاءٍ أكاديمي منعَ إضفاء أي شرعيةٍ دولية على مشروع الغزو، ليظل صوتهُ في الأمم المتحدة صدىً لسيادةِ بلدٍ يرفضُ الانكسار.

3. ما بَعدَ العاصفة: الغربةُ التي لم تكسرِ القلم 🕯️ 

👈📅 💥 بعد سقوط النظام عام 2003، لم يتعرض الدكتور ناجي صبري الحديثي للاعتقال بعد الغزو. فقد غادر مع عائلته بغداد صباح يوم ٩ نيسان يوم إعلان الاحتلال. ثم خرج مع عائلته  من العراق يوم ١٠ نيسان / أبريل ٢٠٠٣  إلى سوريا و  ظل فيها سبعة أشهر ثم سافر إلى دولة قطر أقام فيها منذ اواخر سنة ٢٠٠٣ و عمل في التعليم الجامعي استاذا في جامعة قطر ثم محاضرا في عدة معاهد تعليمية. 

4. الخاتمة: ذكرى الصمودِ وبياضِ السيرة 🕯️📍

يبقى الدكتور ناجي صبري الحديثي نموذجاً لـ "التكنوقراط العراقي" الذي خدمَ دولتَهُ بعلمه وكرامته. رجلٌ لم يتبدلْ في المِحَن، ولم تتلوثْ يداهُ بغيرِ مدادِ القلم وصدقِ الكلمة. هو اليوم يقيمُ في الدوحة، يمارسُ دورَهُ كأكاديميٍّ وكاتبٍ يَحظى باحترامِ الأوساطِ الثقافيةِ والدبلوماسية، بصفتهِ الشاهدَ الأخيرَ على حقبةٍ دافعَ فيها عن "اسمِ العراق" بكلِّ ما أوتيَ من حكمة.

5. المصادر والمراجع التاريخية 📚 

وزارة الخارجية العراقية: أرشيف الدبلوماسية (2001-2003).

الأمم المتحدة: محاضر جلسات مجلس الأمن (ملف العراق 2002).

جامعة بغداد: سجلات الهيئة التدريسية وقسم اللغة الإنجليزية.

الصحافة الدولية: تقارير صحف "الغارديان" و"نيويورك تايمز" عن الأداء الدبلوماسي العراقي.

💬 سؤال للجمهور 

"الدكتور ناجي صبري الحديثي استطاع حرمان (التحالف الدولي) من الشرعية القانونية للحرب عبر (براعة التفاوض).. برأيك، هل (القوة الناعمة) والدبلوماسية العلمية قادرة على هزيمة الجيوش أخلاقياً، حتى لو كانت الكفة الميدانية غير متكافئة؟" 👇🛡️🦅

🔖  هاشتاجات

#ناجي_صبري_الحديثي #دبلوماسية_العراق #تاريخ_العراق #وزير_الخارجية #الدوحة #حديثة #البيات #قادة_العراق #العلم_والسياسة #كرسي_المؤرخ #العراق_زمان #بغداد_زمان 


✒️ بتوقيع 

🪶 كرسي المؤرخ 🪑 

👈🎓"الدكتورُ ناجي صبري.. الوزير اللبق الذي حَمى (سيادةَ) العراقِ بلسانِ المفاوضِ، وحَفِظَ (تاريخَهُ) بعلمِ الأكاديمي، ليبقى (أبو محمد) شامةً في جبينِ الدبلوماسيةِ العربية." 

👑 كرسي المؤرخ 🪑... نروي لكم سير رجال العراق العظماء.

منقول عن صفحة كرسي المؤرخ

https://www.facebook.com/share/p/1FP3NHC8j8/?mibextid=wwXIfr


الأربعاء، 22 أبريل 2026

قراءة في تاريخ إيران الجمهورية/4 د. نزار السامرائي

 قراءة في تاريخ إيران الجمهورية/4

د. نزار السامرائي



بعد أن وصل العراق إلى يقين من خلال معلومات ومؤشرات دقيقة تم جمعها، أن إيران أجمعت أمرها على شن الحرب عليه، وخاصة بعد أن ارتفع طبول الحرب على أبوابه، استنادا إلى حسابات إيرانية غبية بأن رتلاً خامساً في الداخل العراقي ينتظر إشارة واحدة من الخميني بتحديد ساعة الصفر كي يهب لإسقاط الحكم فيه، ومن ثم تمهيد الأرضية المناسبة لاحتلاله والهيمنة عليه، فكان لا مناص من التفكير الجدي باعتماد الخطوات المناسبة لدرء هذا الخطر الجدي الذي كان يواجه العراق كما لم يحصل منذ مئات السنين.

لقد كان من العبث أن ينتظر العراق استكمال العدو لخططه وما يحتاج إليه من مستلزمات، كي يضرب ضربته، فهذا معناه أنه يجازف باستقلاله وسيادته ووحدة أراضيه، وأمن المواطن واستقراره في بلد مرهوب الجانب.

من المؤكد في التقديرات الاستراتيجية، تشير إلى أن تعليق مصير أي بلد من البلدان، على القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة، انتظارا لتأكيد الحجة القانونية لإدانة العدوان ومنفذيه، تبدو فكرة ساذجة إلى أبعد الحدود، مع التطور الهائل في صناعة السلاح وطرق استخدامه وسرعة حشد القطعات المعدة لشن أكبر الهجمات نتيجة توفر طرق المواصلات الحديثة.

لقد أكدت تجارب العالم أن الوقوع في فخ انتظار العدو لحين شن هجومه، والتشبث بفكرة توفير الحجة القانونية لإدانته، أوقعت كثيرا من البلدان التي تعرضت للضربة الأولى، في مآزق من لم يكن من الميسور تجاوز آثارها، وتعطينا الشواهد التاريخية أدلة على أن تردد الدول في مباشرة حقها في الدفاع عن نفسها، أوقعها في مأزق البحث عن فرصة للتخلص من دفع أثمان باهظة نتيجة ترددها في وضع الخطط اللازمة للدفاع عن نفسها، وفقا لما تتوصل إليه من قناعة أنها مستهدفة بنوايا عدوانية خارجية، وإن لم تتهيأ لدرء الخطر عنها فإنها لن تكون أفضل حالا من حال بغداد بعد أن تعرضت للغزو المغولي، نتيجة انشغالات بأمور ثانوية على الرغم من توفر معلومات موثقة عن زحف المغول إلى حاضرة الدولة العباسية، ولكن الخليفة والبطانة المحيطة به، تصرفا وكأنهما هياكل بلا روح حتى هوى السيف على رقبة الخليفة وبطانته، وفعل المحتلون الأفاعيل في مدينة بغداد التي كانت لؤلؤة العالم وعاصمة الحضارة الإنسانية ومدينة العلوم والآداب والفكر والفلسفة فأطفأ عينيها حتى دخل الشرق مرحلة ظلامية غير مسبوقة.

إن انتظار وقوع العدوان قبل مباشرة التصدي الوقائي له، وعدم الاستعداد لمواجهته في حال توفر المؤشرات على احتمال وقوعه، يقع تحت طائلة الخيانة العظمى والتواطؤ مع المعتدين، وسيؤدي إلى نتائج كارثية سيكون الثمن فيها مضاعفا عدة مرات، فالحرب الاستباقية هي أفضل وسيلة لتجنب أخطار الحرب الدفاعية، ذلك أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لم توفر الحماية الكافية لأي بلد من بلدان العالم من غزو الغزاة الطامعين في البلدان الضعيفة إذ بقي ذلك في نطاقه القانوني، فالأمم المتحدة لا تمتلك سرية دبابات واحدة ولا سربا من الطائرات من جيل المقاتلات الأول ولا الثاني، الأمم المتحدة تمتلك تأثيرا معنويا غير قادر على فرض نفسه على الأرض إلا بما تسمح به الدول الكبرى، وكذلك فإن مجلس الأمن غير قادر على إمضاء قراراته إلا على الدول الصغيرة والضعيفة.

واندلعت الحرب بعد أن هيأت الزعامة الإيرانية كل أسبابها، سواء بعد وصولها إلى الحكم بعد أن ضربت الفوضى أطنابها في جميع أرجاء إيران وفي كل مرافق الدولة وخاصة المؤسسة العسكرية، وحتى قبل الحادي عشر من شباط 1979، عندما كان الخميني يخطط للعودة إلى طهران وفي جيبه سلة من الأفكار البعيدة عن منطق بناء دولة مسالمة في بيئة تحتاج إلى الأمن والاستقرار أكثر من حاجتها إلى الشعارات الثورية.

كان عدد من مستشاري الخميني ممن ما زال يمتلك قليلا من حكمة الماضي القريب، قد حاول ثني مؤسسة الحكم الجديدة عن التورط في حرب لا تخدم أحدا، وخاصة قبل أن تستكمل إعادة بناء الدولة وعدم إضافة عبء جديد عليها، فالمجتمع الإيراني بحاجة إلى سنوات طويلة لبناء المجتمع الجديد، وإزالة ركائز النظام السابق، فلا تكفي النوايا الطيبة مهما كانت دوافعها نزيهة أو جادة للحصول على النتائج المطلوبة، بل تحتاج إلى تفكير هادئ وبعيد عن إثارة الأزمات الخارجية للتفرغ لحل مشاكل الداخل، ثم إن الحرب إذا اندلعت فالجميع سيعرف من أطلق رصاصتها الأولى ومتى حدث ذلك وأين، ولكن من المستحيل أن تعرف أكثر العقول رجاحة متى ستضع الحرب أوزارها.

 ومن الصعوبة بمكان التحكم بمسار العمليات الحربية حتى من قبل أقوى الجيوش، ذلك أن أي انجاز في إحدى مراحلها، سيوفر إغراءً غلابا لتحقيق المزيد من المكاسب، وأن أي نكسة في مرحلة من مراحلها، ستحفز الطرف المتضرر إلى العمل على إعادة التوازن في جبهات الحرب وإيجاد الأرضية الكافية لتلافي النقص الذي أدى إلى حصول ذلك، من أجل استرداد الأنفاس وأخذ الاستراحة الكافية ثم العودة إلى الحرب بخطط جديدة بعد استكمال مستلزمات الصمود فيها.

بعد أن قامت الحرب، قال الخميني كلمة لا تنم عن حرص على دماء أبناء وطنه، ولا على المتراكم من البناء الذي ورثه النظام الجديد من نظام الشاه، فقال "الخير في ما وقع"، ولما كان الخميني قد جعل من نفسه نائبا للإمام الثاني عشر "المهدي المنتظر" فكلامه غير قابل للنقاش من أي من المحيطين به، ناهيك عن الاعتراض من أي مستوى ديني أو سياسي، ويعزو عدد من دارسي شخصية الخميني إلى أن فقدان ابنه البكر "مصطفى" في النجف أثناء تواجده فيها على أيدي عملاء السافاك، قد أثر عليه تأثيرا بالغا، فجعله أقل اهتماما بمصير الشباب الذين يقتلون في جبهات الحرب، وهم من صغار السن الذين أوكلت إليهم مهمة فتح حقول الألغام بأجسادهم، تمهيدا لعبور القطعات العسكرية من حيش وحرس ثوري وبسيج.

على الجانب الآخر من الحدود، اضطر العراق لخوض الحرب، دفاعا عن سيادته الوطنية وعن وحدة أراضيه، فالعراق الذي وضع قدميه في مطلع عقد الثمانينيات على طريق تنمية انفجارية، كان أكثر الدول حرصا على تجنب كل ما من شأنه أن يشغله عن مواصلة طريق البناء أو تهديد ما هو قائم، لكن تعرّضه لكثير من الأعمال الإرهابية التي نفذتها فصائل ذات ولاء تاريخي لإيران لا يرتبط بنظام حكم معين في طهران، مثل حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي، وغيرهما، جعله في موقف لا يمكن أن يقف فيه متفرجا على مشهد يريد أن يعيده إلى قرون الاضطراب وحروب التوسع.

وبعد مرور أيام معدودة على نشوب الحرب، تداعى العالم عبر المنظمات الدولة والإقليمية للتعاطي بإيجابية مع الحرب، إذ أصدر مجلس الأمن الدولي قراره المرقم 479 في الثامن العشرين من أيلول 1980 والذي دعا فيه "إيران والعراق إلى الكف فورًا عن أي استخدام للمزيد من القوة وتسوية النزاع بينهما من خلال المفاوضات بدلاً من ذلك".

كما تحركت منظمة المؤتمر الإسلامي فشكلت "لجنة للمساعي الحميدة"، التي ضمت كلا من الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري، والرئيس الباكستاني الجنرال ضياء الحق، والذي ظهر في معظم اللقاءات منحازا بشكل لافت إلى جانب إيران، وربما يرجع ذلك إلى خشيته من تأثير أوساط محلية تتأثر بالخطاب الديني الذي ترفعه إيران، لا سيما في المراحل الأولى من عمر التغيير الذي شهدته طهران، والذي استقطب كثيرا من المنظمات ذات التوجهات الإسلامية، التي رأت في التغيير بداية لصحوة إسلامية شاملة، وبعض تلك الأوساط تأثرت كثيرا بما كان الخميني يطرحه من شعارات إسلامية عابرة للمذاهب.

وشهدت ساحات الحرب تقلبات ومتغيرات يمكن حصرها في ثلاث مراحل، المرحلة الأولى أي سيطرة القوات العراقية على معظم جبهات القتال، وهي التي استمرت أكثر من سنة بقليل، وانتهت يوم تمكن القوات الإيرانية من ابعاد القوات العراقية من شرقي الكارون في السابع والعشرين من أيلول 1981، واستمرت تلك المرحلة من ذلك التاريخ وكانت ذروة رجحان كفة الحرب لصالح إيران عام 1982 بوقوع معركتي الشوش ودزفول في آذار 1982 والمحمرة في أيار من السنة نفسها، وفي نهاية تلك السنة أعلن العراق إعادة قواته إلى الحدود الدولية بين البلدين، ومع ذلك فقد أعطت نتائج معارك عام 1982لإيران اغراءً قويا بمواصلة الحرب حتى النهاية مهما بلغت خسائرها، فقد شهد العام 1986 تمكن القوات الإيرانية من احتلال مدينة الفاو في أقصى جنوبي العراق، ولكن تقلص جبهة الحرب نتيجة إعادة تموضع القوات العراقية في خطوط دفاعية أقصر من خطوط ما قبل الانسحاب إلى الحدود الدولية، أعطى للقطعات العراقية مرونة أكبر في إقامة أكثر من خط دفاعي متماسك، مما صعّب من مهمة القطعات الإيرانية في احداث خرق في الخطوط الدفاعية العراقية الجديدة.

وفي إحدى مراحل الحرب وقعت أكبر فضيحة سياسية وأخلاقية للنظام الإيراني، الذي طرح نفسه كأكبر عدو للاستكبار العالمي وللصهيونية وإسرائيل، وكأكبر مدافع عن القضية الفلسطينية، وإذا به يستورد أسلحة من صنع الاستكبار العلمي ومملوكة لإسرائيل، فقد تم الاتفاق سراً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، على تجهيز الأخيرة بصفقة أسلحة أمريكية من موجودات الجيش الإسرائيلي، بعد أن ظهر الضعف على أداء القوات الإيرانية، إذ تم سحب آلاف الصواريخ المضادة للدروع من نوع تاو، وكذلك قطع غيار للطائرات من نوع فانتوم وصواريخ هوك المضادة للطائرات من مستودعات الجيش الإسرائيلي، وتم ترتيب الصفقة أثناء زيارة لباريس قام بها الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر، والذي عقد اجتماعا مع نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، خلال رئاسة الرئيس رونالد ريغان، وتم الاجتماع بحضور آري بن ميناشيا ممثل الموساد الإسرائيلي، وتم ذلك مقابل اطلاق سراح مواطنين أميركيين كانوا محتجزين في لبنان، وفي يوم 20 آب 1985 انطلقت أول شحنة من الأسلحة من إسرائيل إلى إيران على متن طائرة من نوع "دي سي 8".

ويوم ذاك حضر إلى طهران أوليفر نورث معاون مدير مجلس الأمن القومي الأمريكي، بملابس عمال صيانة الطائرات والتقى بهاشمي رفسنجاني وسلمه "كعكة" على هيئة خارطة العراق مع سكين، وذلك كناية عن تسليم العراق لإيران وإطلاق يدها بتقطيع أوصاله. 

وما كاد عام 1987 يطل على العالم، إلا وكانت إيران تدخل في أخطر مراحل الحرب، فبعد تحشيد طويل الأمد وتحضيرات لأكبر ما تمتلك من امكانات مادية وبشرية وجندت لها كل مؤسسات الدولة، مع الأسلحة الأمريكية التي حصلت عليها من إسرائيل، زجت بمئات الآلاف من أبنائها من مختلف الأعمار بمن فيهم الأطفال، وبدأ إعلامها يروج لفكرة "على مشارف الانتصار الكبير" إذ نشبت أكبر معارك الحرب برمتها وهي معركة شرق البصرة والتي أطلق عليها العراق اسم "الحصاد الأكبر" والتي تسمى بالوثائق بمعركة نهر جاسم، فقد تمكن العراق من امتصاص زخم موجات الهجمات المتعاقبة، والتي أكدت أن طول الحرب من دون بروز أمل بتحقيق النصر، وأن يأس الزعامة الإيرانية قد دفعها للزج بكل رصيدها السياسي والاقتصادي والحربي في هذه المعركة التي ظنت أنها المعركة التي ستؤدي إلى احتلال البصرة والصعود شمالا إلى بغداد.

وانتهت هذه المعركة بأكبر هزيمة عسكرية لإيران، لكن الآمال التي عقدتها على نتائجها، جعلت من وقع الهزيمة النفسية والسياسية أكبر بكثير من النتائج الحربية، حينذاك بدأت الأصوات ترتفع وراء جدران مغلقة من محيط الخميني، تدعوه إلى وقف الحرب، ولكنه أصم أذنيه عن سماع أكثر الأصوات حرصا على ما يسمى "بمصير البلاد" من الأخطار الخارجية، ولعل أكثر الأصوات ارتفاعا كان صوت هاشمي رفسنجاني، الذي يُنظر إليه أنه أشجع الجبناء في الفريق الحاكم، وكان رفسنجاني يشغل وظيفتين كبيرتين هما رئيس مجلس الشورى وممثل الخميني في مجلس الدفاع الأعلى، ويبدو أن أعضاء الفريق الحاكم كانوا هم الذين يكلفون رفسنجاني بهذه المهمة التي قد يدفع متبنيها إلى ساحة الإعدام.

ولم يذعن الخميني لما جاءه من النصح من مستشاريه المقربين، وكان عام 1987 قد انتهى وإيران تحاول أن تمتص آثار هزيمة شرقي البصرة، وحاولت النهوض من كبوتها، وكلما حاولت الوقوف وقعت في مأزق أكبر من الذي سبقه، عند ذاك صدر قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 598 في منتصف تموز 1987، ولكن إيران والتي لم تفكر يوما بمغادرة مماطلتها وترك العالم أمام معضلة الانتظار وترقب المجهول لم تتوقع ما سيحصل من تطورات لاحقة في سوح الحرب فأخرت موافقتها على القرار المذكور أكثر من عام كامل، بانتظار مدد مستحيل.

وعندما أطل عام الحرب الثامن، كان العراق يُعّدُ لأكبر المفاجآت التي شهدتها الحرب، إذ بدأت مواقع إيران الدفاعية على طول الجبهة بالتداعي واحدا تلو الآخر، ولعل معركة تحرير الفاو التي أنجزت في السابع عشر من نيسان 1988، عبر أكبر مخادعة استراتيجية وإعداد محكم لصفحات التحرير، والزج بقوات النخبة فيها، ما شكّل المفاجأة التي أذهلت الإيرانيين الذين سبق لهم القول بأن من المستحيل أن تخرج الفاو من قبضة أيديهم مهما هيأ العراق من قوة لتحريرها، ولكنها تحررت فكانت من الانتصارات الباهرة في تاريخ الحروب العربية، وكان انتصار الفاو التاريخي، بوابة للحسم العسكري في الحرب الذي ظن فيها الإيرانيون أن عنادهم هو الطريق لزرع الملل في نفوس العراقيين، وإذا بهم يفاجؤون بأن العراقيين هم الذين علموا البشرية على العناد الإيجابي، فأسقط بأيديهم فعادوا إلى مواقعهم كبلد مهزوم في داخله وليس في جبهات الحرب فقط.

وبعد معركة الفاو توالت انتصارات العراق التي أذهلت العالم كله بسرعة انتقالها من جبهة إلى أخرى، تماما كما أذهلت الإيرانيين حتى أن صحيفة "كيهان العربي" تساءلت بمرارة، "هل وصلنا إلى هذا الحد من الضعف؟ أم العراق بلغ حدا من القوة بحيث لا نستطيع مواصلة الحرب معه؟" كما أن كثيرا من الإيرانيين تساءلوا سؤالا محددا "لماذا لم يستخدم العراق كل قوته في ظروف الحرب السابقة، وعلق كثير منهم على ذلك، لقد رأف بنا العراق كثيرا، وعندما جاء شهر آب/أغسطس من عام 1988 اضطر الخميني إلى الإقرار بالهزيمة عندما قال "فتعساً لحالي إذ لا زلت حياً حتى اضطر إلى تجرع كأس السم بالموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي 598"، وجاءت هذه الموافقة بعد ثلاثة عشر شهرا من صدور القرار المذكور.

خلاصة القول، إيران لا تركن إلى منطق العقل والحكمة ما لم تجبر على ذلك بقوة السلاح، هذه الحقيقة لا يحسن فرضها إلا العراقيون.