الأحد، 26 يوليو 2026

استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي/ د نزار السامرائي / جزء اول

  استراتيجيات متصادمة تعرقل الوصول إلى حل سياسي


د. نزار السامرائي

جزء اول 

ربما تجد جميع الأطراف المتنازعة والدول التي تبحث لنفسها عن موقع في عالم الكبار، بإبداء رغبة ملحة بلعب دور الوسيط وخرج بعضها من تحت ركام النسيان وبعضها من عالم الإهمال المتعمد، وكذلك الدول الصامتة إزاء مسار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي شاركت إسرائيل فيها ببداية اندلاعها بشكل فعال، أنها تسعى لتحقيق الهدف المستحيل من الحرب، أي ألا يخرج أي طرف من أطرافها منتصرا، لأن فكرة ألا يخرج منتصر في حرب ما، هي فكرة الدول الكبرى عندما تندلع حروب إقليمية بين دول صغيرة لا تجد الدول الأكبر منها، سواء كانت إقليمية أو دولا كبرى، ففي مثل تلك النتيجة قد تبرز قوة فتخرج على قواعد اللعبة الدولية وتعيد ترتيب الأوضاع الإقليمية بما يحقق لها نفوذا أكبر مما تسمح به دوائر صنع القرار الدولي.

على العموم تبقى فكرة الخروج من أي نزاع مسلح بلا غالب ولا مغلوب، فكرة محصورة في الدول الصغيرة، لأن النتائج المترتبة على أي انتصار حاسم لأحد أطرافها سيعيد خلط أوراق اللعبة الدولية وقد يخلق توازنات جديدة أو أزمات أكبر من سابقاتها، ربما هي الأكثر إثارة للقلق في تاريخ الحروب الحديثة، بحيث يصعب معها كثيرا على بقية دول المنطقة تكييف أوضاعها السياسية وتحالفاتها الإقليمية والدولية مع إفرازات النزاعات الأخيرة ولحقبة قد تكون طويلة الأمد.

ولنطرح سؤالاً صغيراً، ماذا يحصل للمنطقة، لو أن حققت إيران نصرا مؤكدا أو مفترضاً، هل تشهد المنطقة تعاظما في أزماتها الراهنة؟ أنها ستميل إلى استقرار أكثر بسبب خروج أحد أطراف النزاع من المنازلة حتى ولو بصفة مؤقتة؟

إن إيران بما تمتلكه من أدوات الخداع وتزييف الحقائق، وبحكم ما تمتلكه من أدوات غير إيرانية، قادرة على إقناع قطاعات واسعة من البسطاء المؤمنين  بدورها المركزي في المنطقة سياسيا وعقائديا، إذ سيتم التسويق لوجهات النظر الإيرانية مهما كانت درجة مصداقيتها هابطة، عبر ماكنة الدعاية الضخمة التي تمتلكها إيران وأدواتها الإقليمية، ستبقى إيران تروج لفكرة أنها حققت انتصارا لامعا حتى لو وقفت جيوش أعدائها فوق جبال البرز بل على قمة أشنو، وخاصة لدى طرح فكرة عدم سقوط النظام، لأن هذا الهدف مؤشر عليه كأهم شواهد انتصار إيران في الحرب.

لقد تباينت أهداف الحرب تبعا لكل مرحلة منها، وذلك نتيجة لعدم ادراك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لطبيعة التفكير الإيراني الموغل في القدم، الذي يستمرئ لعبة مراكز تعدد مراكز القوى داخل المؤسسة الحاكمة في طهران، ثم إن عدم امتلاك الرئيس الأمريكي تصورا عاقلا لخريطة طريق لإنهاء الحرب، وتخبطه في خيارات متصادمة بين التهديد بالحد الأعلى من التدمير الذي سيلحق بإيران في حال تعنتت في الاستجابة لشروطه، وبين الركوع على أبوابها على نحو لم يحصل لسمعة الولايات المتحدة طيلة تاريخها الممتد لمئتين وخمسين عاما، وعدم استقرار الخطاب السياسي الأمريكي على توجه واحد يعكس قدرتها العسكرية التي طالما تبجح بها ترمب أكثر من أي رئيس أمريكي آخر، وهو ما عزز من ثقة النظام الإيراني بنفسه وبقدرته على امتصاص معظم الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية والسياسية التي تعرضت لها في الحرب، لا سيما وأن النظام الحاكم بنى تجربته بممارسة أقسى درجات القمع في تعامله مع انتفاضات الشعب الإيراني، وإرغامه على التعايش مع الواقع المعاشي المتردي، وانعدام الخدمات منذ 1979، ولأنه كان يتعامل بمنتهى القسوة والوحشية مع كل من يعترض على البطالة وتفشي الفقر وانعدام الخدمات وارتفاع نسبة التضخم.

هل فكر الرئيس الأمريكي أو أحد مساعديه، بالصورة الراهنة للمشهد العام للنزاع الحالي بعد مواجهات لا تختلف كثيرا عن أفلام الأكشن الأمريكية، والذي يجسد فيه البطل أعلى درجات التسامح والفروسية مع ألد خصومه، هذا المشهد الممل الذي استمر عرضه أكثر من سنة بين الولايات المتحدة وإيران، وكان الرئيس ترمب يقول إن إيران في أضعف حالاتها العسكرية، مقابل أعتى قوة عسكرية عرفتها البشرية منذ أن عرف الإنسان تشكيل الجيوش الوطنية لحماية البلدان وسيادتها واستقلالها، كيف سيكون شكل النزاع لو أن إيران كانت أكثر قوة مما حصل لها بعد التدمير الذي تحدث عنه ترمب؟ وماذا لو أنها استطاعت خداع المجتمع الدولي وامتلكت السلاح النووي في غفلة منه، وهي بلا شك قادرة على تأدية أكثر ألاعيب الخداع والتضليل كفاءة، فإذا كانت إيران قد فقدت ثلاثة خطوط من زعاماتها السياسية والعسكرية وهي تحافظ على هذا المستوى من العناد والمناورة، فكيف ستكون إذا عززت قدراتها العسكرية بسلاح نوعي في زمن لا تخضع فيه سوق السلاح الدولية، لأية رقابة أو قدرة على التحكم بصفحاتها أو صفقاتها؟ فطالما هناك رؤية ثنائية أو ثلاثية للمشهد، وطالما هناك أكثر من إغراء مالي أو استراتيجي يتعلق بواقع المنطقة الأكثر استقطابا للتنافس الدولي، فهناك دول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية التي ستجد في نفسها رغبة في إيجاد موطئ قدم استراتيجي فيها، وكسب جولة صغيرة في معركة طويلة الأمد بين مراكز الاستقطاب القائمة حاليا أو في طريقها للتشكل، ثم أن برامج إيران في مجال تطوير أسلحتها الخاصة واحتمال حصولها على السلاح النووي، هذا كله سيعزز من قدراتها العسكرية في مواجهة أي تحرك عسكري مضاد، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل.

الحديث يتواصل هذه الأيام بسذاجة مفرطة عن الموقع المنيع للجغرافية الإيرانية، بحيث يوحي للمتلقي بأن إيران عصية على أي هزيمة عسكرية ومن أية قوة خارجية، ويُصورها كقلعة منيعة لا يمكن اختراق أسوارها، صحيح أن إيران نجحت في توزيع معامل برنامجها النووي، في مواقع ذاتية التحصين، ولكن مواصلة الحديث عن هذا الملف يراد منه زرق إبرة معنويات إضافية للإيرانيين وتصوير بلدهم بأنه بعيد عن أي اختراق خارجي، وتعطيها تطمينا بأنها تواجه العالم اليوم بسلاح أمضى من السلاح النووي، والذي لو كانت امتلكته حقا، لما تأخرت دقيقة واحدة في استخدامه بوجه أي تهديد خارجي أو حتى داخلي يهدف إلى اسقاط النظام فلن يتردد لحظة في قمع أي تحرك مهما بلغ الثمن، وزرع اليأس والإحباط في نفس كل من يفكر بالتصدي للمشروع الإيراني التوسعي.

لو أن الرئيس الأمريكي ينتقل من الضرب المتكرر لأهداف ثبت بالتجربة عدم قدرتها على إلحاق القدر الكافي من الألم بالوضع الإيراني سياسيا واقتصاديا، إلى اختيار أهداف نوعية قادرة على فرض حالة من الشلل الاقتصادي في البلاد وفي حركة المجتمع اليومية، كضرب محطات توليد الطاقة الكهربائية ومصافي النفط ومنصات التصدير الإيرانية للغاز أو للنفط، وضرب الطرق والجسور، لما استطاعت إيران الصمود ساعة واحدة وبذلك تسقط تلك الدينوصورات التي عجز ترمب عن التعاطي معها بما تستحق من أساليب.

إيران هذه التي تزعم الدوائر الغربية وخاصة مراكز الدراسات الأمريكية بهدف تثبيط العزائم، ويشار إليها بالقول إن إيران بسبب اتساع رقعتها الجغرافية، وبسبب تضاريسها المعقدة غير قابلة للهزيمة، ولكن إيران هذه نفسها بجغرافيتها وتضاريسها وفارق السكان الذي يميل لصالحها بثلاثة أضعاف، هُزمت شر هزيمة في الحرب العراقية الإيرانية التي تواصلت بلا انقطاع لمدة ثمانية أعوام، مع  وجود الخميني الذي يحمل لوحده حاصل جمع عناد الإيرانيين، ومع ذلك أرغمه العراقيون على تجرع كأس السم عندما اختار الأهداف المفصلية التي يجب أن تضرب، عندما كان العراق لا يمتلك واحدا بالألف مما تمتلكه الولايات المتحدة من تفوق عسكري هائل، الفارق الوحيد هو امتلاك الإرادة السياسية لإحراز النصر مع وجود رؤية واضحة للوصول إلى هذا الهدف.    

لا أعتقد بوجود دولة واحدة في العالم على استعداد لقبول فكرة خروج إيران منتصرة من الحرب مع الولايات المتحدة، بل لا تريد أية دولة أن تسمع من إيران المزاعم التي تعودت على إطلاقها مع كل مواجهة تخوضها مع أي طرف آخر، عن انتصار بأي قدر من المقادير، لأن إيران إن خرجت منتصرة فعلا فإنها بما تمتلكه من أذرع كاملة الولاء لأطروحة ولاية الفقيه، والمندفعة وراءها بحماسة تفوق حماسة معظم الإيرانيين وراء تلك الأطروحة، وستفرض هيمنة سياسية واقتصادية وتحكم بقبضة من حديد، حركة المجتمع استنادا إلى قناعات عقائدية، عليها وعلى معظم دول المنطقة وتُحَول تلك الدول إلى أقمار صغيرة تدور في فلكها بل حيثما استطاعت الوصول، وتسيطر على مواردها الاقتصادية تحت ذرائع الولاية الدينية التي تجعل من أي بلد خارج الحدود الإيرانية مجرد منجم واجبه رفد الخزينة الإيرانية بكل مداخيله كي تغتني حتى لو عاشت الأقاليم الأخرى تحت حادلة الانسحاق الإنساني، وحينذاك ستكون الدولة الإيرانية الجديدة أكبر كتلة اقتصادية وقوة عسكرية إقليمية، وذلك بتأسيس مليشيات مرتبطة فنيا وسياسيا بالحرس الثوري الإيراني، ولن تختلف أوضاع  المجتمعات الجديدة عما حصل في العراق ولبنان واليمن وسوريا قبل اسقاط الشعب السوري لنظام بشار.

مجلة صوت الطلبة / بغداد العدد ٦٥ ٢٦ تموز ٢٠٢٦

مجلة صوت الطلبة / بغداد 

العدد ٦٥

٢٦ تموز ٢٠٢٦

رابط مجلة صوت الطلبة الالكتروني 

https://online.anyflip.com/rnvg/azcz/mobile/index.html





















الاثنين، 20 يوليو 2026

أوهام الأيديولوجيا القومية والواقع العربي المأزوم بالعنف والتطرف والحروب الأهلية / ورقة بحثية تحليلية لمناقشة ونقد تحديات الواقع العربي/ د. غازي فيصل حسين

  أوهام الأيديولوجيا القومية والواقع العربي المأزوم بالعنف والتطرف والحروب الأهلية

ورقة بحثية تحليلية لمناقشة ونقد تحديات الواقع العربي


 د. غازي فيصل حسين

مقدمة

يعاني العالم العربي منذ عقود من أزمات بنيوية عميقة تتجلى في العنف المنظم، الحروب الأهلية، الانهيار الاقتصادي، تفكك الدولة الوطنية، وصعود الأيديولوجيات المتطرفة الإسلامية التي فشلت في بناء مشروع تنموي أو سياسي للدولة قابل للحياة. ورغم كثافة الخطابات القومية والدينية التي رافقت هذه المرحلة، إلا أن الواقع العربي يكشف عن فجوة خطيرة بين الأوهام الأيديولوجية وبين الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة العربية ليست نتاج مؤامرة خارجية فحسب، بل نتيجة فشل داخلي في فهم الدولة الحديثة، وإدارة التنوع، وبناء اقتصاد منتج، والاندماج العقلاني في النظام الدولي.

أولاً: الإطار الإشكالي: أزمة المشروع العربي

منذ تأسيس جامعة الدول العربية، طُرحت عشرات المشاريع التكاملية:

1. السوق العربية المشتركة

2. حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال

3. التعاون البحثي والعلمي

4. الأمن الغذائي العربي

إلا أن أياً من هذه المشاريع لم يُنفذ فعلياً. وتشير البيانات إلى أن: أكثر من 95% من التجارة العربية تتم مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، والدول الاسيوية، وتستحوذ التجارة العربية البينية على أقل من 5% فقط وهو ما يعكس فشلًا هيكليًا في بناء تكامل اقتصادي عربي حقيقي.

ثانياً: الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للانهيار العربي

تشير تقارير استراتيجية (منها تقرير المنتدى الاستراتيجي، الإمارات 2017) إلى أرقام صادمة، منها: 3   ترليونات دولار عائدات نفطية للدول العربية خلال 1950–2000. ضاع منها تريليون دولار في الفساد المالي وتريليون في التسلح وحروب الهزيمة ثم تريليون في مشاريع تنموية فاشلة.

الخسائر المباشرة:

1. سوريا: دمار يتجاوز 920 مليار دولار وإعادة الاعمار التي تكلف 340 مليار دولار

2. خسائر سنوية تُقدّر بـ 640 مليار دولار من الناتج المحلي للبلدان العربية

3. اليمن، ليبيا، السودان: انهيار شبه كامل للبنية التحتية الاقتصادية

المؤشرات الإنسانية:

1. أكثر من 30 مليون عاطل عن العمل

2. 57 مليون أمي

3. 70 مليون تحت خط الفقر

4. 50 مليار دولار سنوياً تكلفة اللجوء بسبب الحروب والعنف والاستبداد

5. يمتلك العالم العربي أكبر عدد من اللاجئين والمشردين عالمياً لأسباب تتعلق بالحروب والاضطهاد الديني والقومي والثقافي

ثالثاً: الدولة الغائبة وصعود العنف المقدّس

تشترك معظم الحركات المتطرفة المتمثلة بالسلفيات المتشددة والمعتدلة الشيعية والسنية: داعش، القاعدة، المليشيات الطائفية في سمة مركزية مشتركة: عدم الإيمان بالدولة الوطنية ولا بالدستور ولا بالمواطنة بل تأخذ بنظرية الولاية

هذه الحركات: تهدم الحدود لبناء دولة الخلافة وتقدّس الجهاد والعنف كما تستبدل القانون بـ “الشرعية المقدسة” وتُحوّل الدين أو القومية إلى أداة للصراع بين الشعوب. النتيجة: تفكك الدولة في العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان، لبنان وتحولها إلى ساحات صراع مفتوحة.

رابعاً: إشكالية الهوية وإدارة التنوع

تفترض الأيديولوجيات العربية التقليدية وجود: أمة عربية واحدة متجانسة، بينما الواقع يشير: ان العالم العربي يضم مئات الهويات الإثنية والدينية والثقافية، وأشار المبعوث الأمريكي توم باراك الى وجود 27 دولة في العالم العربي تضم 110 من المجموعات الاثنية التي لا تتوافق على مفهوم مشترك للدولة.

فشل الدولة في إدارة التنوع أدى إلى: حروب أهلية؛ نزاعات طائفية؛ انفصال اجتماعي؛ إن إنكار التعددية القومية والثقافية والسياسية أدى الى الفشل في تحقيق الوحدة العربية، وأنتج مشكلات بنيوية ووظيفية مضاعفة في البلدان.

خامساً: المقارنة مع تجارب ناجحة: ماليزيا – تركيا – الصين

ماليزيا: دولة إسلامية متعددة الأعراق والقوميات والاديان

تبنت: اقتصاد السوق المفتوح؛ الديمقراطية التعددية؛ الانفتاح على العولمة والنظام الاقتصادي الدولي ونجحت في الانتقال من الفقر والتخلف عام 1952 إلى قوة اقتصادية آسيوية.

تركيا: دولة إسلامية علمانية متعددة الأعراق نجحت في بناء هوية ثقافية مشتركة وفي بناء: الصناعة؛ وتبني اقتصاد السوق المفتوح؛ تعزيز علاقات الشراكات الاقتصادية والسياسية الدولية وأصبحت اليوم تحتل المرتبة 15 في الاقتصاد العالمي.

الصين: دولة شيوعية أيديولوجياً لكنها حرق كتاب ماو توسي تونغ: انفتحت على النظام الاقتصادي العالمي وانضمت لمنظمة التجارة العالمية والعولمة الاقتصادية وأخرجت 800 مليون إنسان من الفقر والجوع، وتحولت لاحتلال المرتبة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة

السؤال الجوهري: لماذا تنجح هذه الدول، بينما تفشل بلدان العالم العربي؟

سادساً: فشل مشاريع الوحدة العربية ونهاية الخطاب المثالي القومي

الوحدة العربية: فشلت تاريخياً تجربة الوحدة بين مصر وسورية بعد ان اصطدمت بـ: الدولة الأمنية؛ غياب الديمقراطية؛ قمع التنوع مع تبني سياسات اشتراكية اقتصادية انتجت رأسمالية الدولة مع استمرار الخطاب الشعبوي والتنظيم السياسي الواحد مما مهد للانقلاب على الوحدة والانفصال بفعل عوامل خارجية وداخلية.

كما أن النظام الدولي اليوم: يؤكد من خلال ميثاق الأمم المتحدة على سيادة الدول وعدم المساس بمبدأ وحدة الأرض وسلامة الحدود وحق تقرير الشعوب لمصيرها واختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية واعتماد التعايش السلمي بي بين الدول والشعوب على اختلاف الأنظمة السياسية والاقتصادية.

بناء على ما تقدم، يجرّم ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة لتغيير الحدود، مما يجعل أي مشروع للوحدة القسرية عبر الاحتلال مستحيلاً قانونياً وسياسياً، لان احتلال دولة لدولة يمثل انتهاكا صارخا لمبدأ وحدة الأرض وسلامة الحدود واذا ما اندلعت نزاعات حدودية فبإمكان الدول اللجوء لمحكمة العدل الدولية في لاهيا كما حالة البحرين وقطر.

سابعاً: الدولة الحديثة كشرط للإنقاذ من التخلف وتحقيق التنمية المستدامة

أزمة العالم العربي ليست في: الدين؛ الهوية، الجغرافيا. بل في: غياب الدولة الحديثة وضعف المؤسسات الدستورية واحترام حقوق الانسان والتداول السلمي للسلطة واستمرار تحكم الأيديولوجيا بالعقل السياسي والاقتصادي مما يقود الى الجمود العقائدي.

الدولة الحديثة تقوم على: المواطنة، الدستور، الفصل بين السلطات، إدارة التنوع الديني والقومي والاجتماعي؛ اقتصاد انتاجي بدلا عن الاقتصاد الريعي في الدول النفطية.

خاتمة

يكشف الواقع العربي أن الأيديولوجيات الكبرى سواء القومية أو الدينية والثورية، تحولت من مشاريع خلاص إلى أدوات تدمير ذاتي. ولم يعد ممكناً الاستمرار في خطاب خمسينيات او ستينات وسبعينات القرن الماضي، بعد ان تفكك النموذج الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والدول الاوروبية الشرقية الاشتراكية والتي تحولت نحو الليبرالية واقتصاد السوق المفتوح، وانهار منظمة الكوميكون التجارية وحلف الناتو العسكري، بينما تعيش المجتمعات العربية في القرن الحادي والعشرين.

إن الخروج من الأزمة يتطلب: الاعتراف بفشل النموذج الأيديولوجي؛ إعادة بناء الدولة الوطنية، تبني العقلانية الاقتصادية؛ احترام التعددية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مواءمة الخطاب السياسي مع الواقع؛ فالتغيير لا يبدأ بالحلم، بل بفهم ومواجهة تحديات الواقع.

الاثنين، 13 يوليو 2026

ترمب وإيران.. المسرحية تتواصل د. نزار السامرائي

  ترمب وإيران.. المسرحية تتواصل

د. نزار السامرائي 



مضيق هرمز لم يعمل أحد على حفره، بل هو ممر وهبه الله لهذه البقعة من يوم أن خلق الله الأرض وما عليها، لم يزعم أحد امتلاك حق فيه.

غبن الجغرافية السياسية ودور بريطانيا (العظمة) الخبيث، في التلاعب بتنشئة الدول، أو رسم حدودها وإعادة تفصيلها على مقاسات الدول الكبرى بما يوفر لها أعلى قدر من المنفعة، جعل شرق الخليج العربي جزءا من الدولة الفارسية، مع تضخم حجم الطموحات السياسية والرغبة بلعب أدوار إقليمية بعد أن امتلكت فارس إقليم النفط العربي والإطلالة البحرية الطويلة على الشاطئ الشرقي للخليج العربي التي لم تكن تحلم بها.

هذه الخطوات المتلاحقة جعلت "إيران" بعد أن صار هذا هو اسم فارس، تلبس حذاء أكبر من قياسها بكثير ولهذا كانت خطواتها تتعثر، فكان أقصى ما سمحت لنفسها أن تبتز المجتمع الدولي به، أن تهدد بإغلاق مضيق هرمز، واكتشف الإيرانيون على حين غفلة من الأسرة الدولية، أن المضيق يعادل عشرات القنابل النووية.

فإذا عرفنا ان السلاح النووي ليس للاستخدام بل للردع كي يتم تجنب الحرب، سنفهم معنى التصريح الإيراني آنف الذكر، أي أن إيران مع يقينها بعدم قدرتها على وضع مضيق هرمز تحت سيادتها المنفردة، لأن ذلك إخلال بالقوانين الدولية لا سيما قانون البحار لعام 1982 والذي دخل حيز التنفيذ عام 1994، بسبب الرفض الدولي 'وهو قابل للمساومة" على ما أظن وذلك للسرعة الفائقة في تبدل التحالفات وتغير المصالح، ثم إن الموقف العربي لم يرتقِ إلى حد القدرة على التأثير بحيث يمكن الركون إلى قدرة دول الخليج العربي الدول الأكثر تضررا من التلاعب الفارسي بالتكييف القانوني لحق المرور العابر لمضيق هرمز الهبة الإلهية لبلاد العرب، وما لم يمتلك العرب الإرادة السياسية الحقيقية والقدرة العسكرية المستقلة على صيانة حقهم التاريخي، فإن إيران ستتغول وتخرج عليهم وعلى المجتمع الدولي صباح كل يوم جديد بفكرة شيطانية وتشغلهم بها ردحا من الزمن، وإذا اعتمدوا على حقهم وأنفسهم في رد تهديدات إيران فإنها ستجد أن طموحاتها ليست أكثر من حلم صيف سيتبخر في أجواء الخليج العربي الحارة جدا.

ولكن لماذا صارت إيران تتحدث عن تحديد القوانين التي ستفرضها على حق المرور بالمضيق، بعد أن كانت غير مصدقة بقدرتها على غلق المضيق، إلا عبر تصرفات حمقاء بزرع لغم هنا وآخر هناك، ولكن الوضع الناشئ بعد الحرب الاخيرة جعل احلام إيران تتوسع على طول المدى، وهي هنا ليست مدينة لبطولتها الفارغة بشيء بل هي مدينة لشخص واحد فقط، جمع في جوفه كل حماقات التاريخ من يوم قتل أحد ابني ادم أخاه ثم أصبح من النادمين، وحتى شهد التاريخ غزو نابليون لروسيا، ثم استنساخ هتلر للخطة نفسها فخسر كلاهما المعركة ثم الحرب بعد ذلك.

أظن أن إيران ستعرف بعد رحيل عمر قادتها الحاليين ومن سيأتي من بعدهم، أنها يجب أن تقيم تمثالا من الذهب الخالص لدونالد ترمب، في مركز كل محافظة وقضاء وناحية، ثم تقيم مزارا رمزيا للرئيس الأمريكي الذي وهبها قنبلتين نوويتين، الأولى مضيق هرمز والثانية القنبلة النووية الحقيقية عندما سمح لها بإعادة بناء مشاريعها النووية فأشغل العالم بتصريحات بلهاء لا تسمن نحيفا ولا تغني فقيرا ولا تشمت شامتا ينتظر الفرصة لفرح حقيقي.

ثم يتواصل الهتاف الموت لباراك حسين أوباما بدلا من الموت لأمريكا، كي تتواصل هبات ترمب وهداياه الثمينة لطهران دولة الولي الفقيه.

الخميس، 9 يوليو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية الجزء السادس د.نزار السامرائي

  حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية

الجزء السادس 

د.نزار السامرائي


ابتداءً ومن باب تثبيت الحقائق والمواقف، أنا لست معنيا إن تمرغت هيبة الولايات المتحدة وسمعتها في البحار أو في المستنقعات أو في الأوحال، سواء ما حصل لها في الحرب الفيتنامية أو أثناء الغزو الدولي للعراق عام 2003، أو على يد الإيرانيين أو غيرهم من الأقوام، ذلك أن الدور الذي لعبته أمريكا في غزو العراق وتدميره سياسيا واقتصاديا ودمرت نسيجه الاجتماعي، بعد أن سلمته لإيران بعد أن كان دولة متكاملة الأركان مرهوبة الجانب، وتمتلك تفوقا إقليميا في المجالات كافة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وفي حقول التعليم والعلوم والخدمات العامة والبنى التحتية، وفي غضون أشهر معدودة بعد الاحتلال تحوَل العراقُ إلى كتل من الركام والخراب.

كما أنني لا أكترث كثيرا في حال التزمت الولايات المتحدة بتعهداتها بالدفاع عن أصدقائها أو حلفائها من دول الخليج العربي، أو تنصلت عن ذلك فهذا شأن أمريكي تكسب منه بقدر ما تؤكد التزاماتها التعاقدية أو السياسية المعلنة، وتخسر إن تنصلت عن أي التزام مكتوب أو مطروح على ألسنة المسؤولين الأمريكيين، ذلك بأن هناك اتجاها عاما وقويا في الساحة الدولية من أنها تستطيع إجبار أية قوة تخرج عن إرادتها أو تتمرد على الاتفاقات الموقعة بين الولايات المتحدة وأي من حلفائها أو أصدقائها، ولكن واشنطن لا تريد تفعيل التزاماتها أو جانبا منها، ليس لعجز منها بل لأنها وجدت أن مصلحتها تتحقق في ذلك.

وبقدر تعلق الأمر بالولايات المتحدة، فإنها فقدت كثيرا من مصداقيتها المفترضة في علاقاتها مع الآخرين، بل فقدت كثيرا مما كانت تلوح به من عناصر قوتها التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يبالغ في حدود قدرته على استخدامها في أي ساحة من الساحات، ولو أنه بقي يلوح باستخدامها في أي ساحة يريد، لأثار الرعب والهلع في نفوس زعماء الجهة المستهدفة بالتهديد، أما في الأوساط الشعبية فيمكن افتراض أن جميع شعوب الأرض تتطلع إلى سلام يحترم حقوقها من دون أي محاولة للإذلال وفقدان الكرامة، لكننا سنجد في الكتلة المتنورة التي يمكن وصف عناصرها بالمفكرين الاستراتيجيين، من ينظر إلى التلويح باستخدام القوة على أنها محاولات للردع لا للتطبيق، لأن حدود استخدام القوة لا تحكمه القدرات المادية فقط، بل تدخل فيها عناصر متعددة لغرض تحويله من المكاتب إلى الميدان، العامل الأول المؤثر فيه هو توازن الردع الدولي المتبادل، وكذلك القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك ما تطرحه منظمات حقوق الانسان والمنظمات الدولية المتخصصة مثل جمعيات حقوق الانسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما لا يمكن أن نغفل دور جهات الضغط الداخلي للدول التي تفكر بشن العدوان على دول أخرى، وتأثير المواقف الإنسانية على صياغة مواقف الرأي العام الدولي مما يرافق الحروب من صور الكوارث والآلام التي ترافقها، ولنا في ما حصل أثناء الحرب الفيتنامية من تحول داخل المجتمع الأمريكي نفسه من تعاطف مع كفاح الشعب الفيتنامي، بحيث اتسعت دائرة الدعوة إلى عدم التطوع في الجيش الأمريكي، ولعل حادثة تمزيق الملاكم محمد علي كلاي لوثيقة التطوع من فوق حلبة الملاكمة وأمام ملايين المشاهدين عبر شاشات التلفزيون أو مئات الحاضرين في صالة ماديسون سكوير، ما يعطي انطباعا عن فقدان الحرب لشرعيتها المحلية.

أما على مستوى الدول التي كانت توصف بأنها حليفة للولايات المتحدة، فقد حصلت تحولات كبرى في موقف الدول الأوربية من الحرب ولا سيما السويد التي فتحت أبوابها لكل جندي أمريكي يفر من الخدمة العسكرية في فيتنام، ومنحه حق اللجوء السياسي.

وهكذا يكون التلويح باستخدام سلاح الردع، أقوى تأثيرا من استخدام أي سلاح آخر، ولنا في التلويح بامتلاك الدول الكبرى المالكة للسلاح النووي عن تفوقها في قوة تأثير ما تمتلكه من هذا النوع من الاسلحة وقدراتها التدميرية، والإعلان بين آونة وأخرى عن نقل منصات صواريخه من منطقة إلى أخرى، ليس أكثر من رسائل إلى أعدائها أو الأطراف الأخرى، بأن الاستعدادات جارية على قدم وساق لاستخدام هذا السلاح، الذي اكتشف العالم هول  تأثيراته الحربية المباشرة، والتأثيرات المأساوية على الأجيال اللاحقة والبيئة لفترات طويلة، منذ أن ألقت الولايات المتحدة بقنبلتيها النوويتين على اليابان في آواخر الحرب العالمية الثانية. 

منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في حزيران 2025، ثم الحقتاهما بالصفحة الثانية من العمليات العسكرية في 28 شباط 2026، والولايات المتحدة تفقد مصداقيتها تدريجيا في المنطقة والعالم، لأنها وعلى الرغم من القوة العسكرية الهائلة، بالكم والأكثر تطورا بالنوع، فإنها أدارت المعركة بمنتهى الخفة وعدم وضوح الرؤية، وانعدام الهدف المركزي لها من جهة وعدم وجود خريطة خروج سلس من الحرب إذا حققت الحرب أهدافها، أو رأت القيادة السياسية أن من الأفضل الخروج منها لأي سبب من الأسباب.

لقد كانت سمعة أمريكا الدولية وهيبتها على مستوى العالم مثار تساؤل عن النتائج المحتملة لأية مواجهة بينها وبين أية قوة أخرى، ولكنها وعلى الرغم من انتهاء حرب عام 2025 من دون تحقيق الأهداف المعلنة لها أو جزء منها، قرر الرئيس ترمب وقف العمليات العسكرية من طرف واحد، حتى من دون أن يأخذ رأي شريكه فيها أي إسرائيل، كما أنه لم يعلن تفاصيل ما توصل إليه من نتائج عبر الاتصالات التي أجرتها الوفود الأمريكية مع إيران، إن كانت قد جرت أصلا، وهنا اتضحت أولى الدلائل عن المزاج السياسي الحاد والمتقلب للرئيس ترمب وخاصة في جانب منه، أنه يريد تحقيق أسرع الإنجازات والنتائج من أية تجربة سياسية أو مغامرة حربية أو صفقة تجارية، ولا استعداد لديه لانتظار ساعة إضافية لما توقعه مع نفسه لانتهاء الوقت المحدد الذي رسمه وحده. 

ولم يقتصر إخفاق الولايات المتحدة في إدارة المعركة الحربية فقط، بل كان إخفاقها في دفاعها عن أصدقائها الإقليميين مثار تساؤل عن معنى عقد الصداقة معها، لا سيما وأن بعضهم استضاف القواعد العسكرية الأمريكية فوق أراضيه، أو ربط سياساته مع واشنطن، على المستويات الدولية والاقتصادية وخاصة في ميدان السياسة النفطية، ولكنهم عندما تعرضت أراضيهم للقصف الإيراني، على الرغم من أن تلك الدول طلبت من أمريكا عدم استخدام تلك القواعد ضد إيران، بل أن بعضها لعب دور الوسيط المحايد بين الطرفين.

ويبدو أن إيران من فرط استخفافها بدول الخليج العربي، تعمدت مهاجمة أراضيها، وأغفلت الأخطار التي يمكن أن تأتي عليها من قواعد أخرى في جمهورية أذربيجان وتركيا، صحيح أن تركيا تعرضت لأكثر من ضربة صاروخية إيرانية لكن الموقف التركي القوي أوصل رسالة لطهران بأن موقفها سيتناسب مع الافعال الإيرانية مستقبلاً وهو ما أوقف إيران عند ذلك الحد.

إيران اتخذت من وجود تلك القواعد ذريعة لشن الحرب عليها بهدف استدراجها للقيام برد فعل ما كي توسع من دائرة الحرب، لأنها تعي جيدا أن عصب الاقتصاد الخليجي يقع في متناول مسيّراتها وصواريخها القريبة المدى بل وزوارقها السريعة، وبهذا فقد وجدت دول الخليج العربي في الولايات المتحدة ولكن بعد فوات الأوان أنها حليف غير موثوق به، ولا صديق لا يمكن الاطمئنان إلى تعهداته. 

لكننا يجب أن نتوقف هنا وقفة طويلة، عند أهم سؤال يجب أن نطرحه عن شكل العلاقة المطلوب بناؤها مع الولايات المتحدة، فنحن من جانب نؤكد على أن مبدأ التكافؤ في ميدان العلاقات بين الدول بصرف النظر عن صغيرها وكبيرها يشكل الركيزة لعالم خال من الظلم والعدوان، لكننا في نهاية المطاف نأتي لاحقا إلى ما نسميه بـ"الصديق الكبير"، لنطلب منه توفير الحماية لنا من التهديدات الخارجية القادمة من أطراف إقليمية أو دولية، علينا إذن أن نحدد ماذا نريد من الولايات المتحدة ومن غيرها، وما هي الحدود التي عليها التوقف عندها.

غير أن التجارب السابقة كان يجب أن تعلمنا، أن عالما تسوده شرعة الغاب، لا يمكن أن يركن طرف ضعيف على وعود غامضة من طرف أقوى، فعالم اليوم يعيش مرحلة سرعة تغير التحالفات والعداوات على نحو دراماتيكي تصعب ملاحقته ويصعب التكهن به، فليس من المنطقي أن توكل دولة ما أو مجموعة من الدول، أهم واجباتها الوطنية وهي الدفاع عن سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها، إلى دولة أجنبية أو إلى كتلة دولية سياسية أو عسكرية من منطقة جغرافية بعيدة نسبيا عنها، فالقدرة الذاتية لكل دولة على انفراد تبقى هي الركيزة الأساسية لأمنها القومي، ثم إن عالم اليوم هو عالم التكتلات السياسية والاقتصادية، فما نصيب الأمة العربية وخاصة دول الخليج العربي من هذا التوجه من أجل توفير القدر المطلوب من الأمن الجماعي لها كمجموعة منسجمة؟ أو لكل على انفراد لأن الأحداث الأخيرة أكدت أن توفير الأمن الذاتي هو الطريق الوحيد القادر على أن يفرض نفسه كحقيقة ماثلة على الأرض أو مياه الخليج العربي، ويمكن أن نلمس نتائج هذا الخيار حتى لو لم يكن اللجوء إلى القوة هو الخيار الوحيد، لأننا نواجه دولة تمتلك نزعة عدوانية طالما عبرت عنها قولاً، عن طريق رفع أكثر الشعارات التوسعية استفزازا، وهو شعار "تصدير الثورة" الذي يلخص منهاجا سياسيا توسعيا على حساب أراضي الغير، ولم تكتف بطرح الشعارات بل حولته إلى قاعدة للتحرك الميداني في أكثر من ساحة عربية، فاحتلت استنادا إليه أكثر من دولة عربية، ما زالت تعاني من ويلات التدخل الإيراني.

الجمعة، 3 يوليو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية / جزء خامس / د. نزار السامرائي

  حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية

جزء خامس

د. نزار السامرائي


هل يستطيع المهزومون فرض شروطهم على المنتصرين؟

من المعروف أن الحرب التي تنتهي بلا غالب ولا مغلوب، لا يستطيع أي منهما فرض شروطه على الطرف الآخر، فهل تصح المعادلة الواردة في السؤال الأول؟ ومع ذلك فإن هذه المعادلة وغيرها من معادلات العلاقات بين الدول، تقف بلا حراك عندما يتعلق الأمر بإيران وإيران وحدها، فلقد راكمت عبر آلاف السنين من الخبث والمخادعة والدهاء، والقدرة على المخاتلة والمناورة واتقان فن المماطلة وبيع الوهم وشراء الزمن، في الحرب والسلام على حد سواء، ما مكّنها من تخطي كثير من محاولات التطويق التي تعرضت لها، وهو ما استطاعت من خلاله تفريغ انتصارات أعدائها عليها من مضامينها، وذلك عن طريق الدخول في المفاوضات ليس بهدف الوصول إلى حلول ترضي جميع الأطراف وتعطيهم على قدر انجازاتهم في ساحة المعركة، بل تَدخل المفاوضات وهي مصممة على دخولها مع نية مبينة على جعلها بداية يتم الاحتفال بها تحت الأضواء الكاشفة، ثم لتدخل في سبات طويل، والبدء بمسيرة الألف ميل والتي لن تصل خط النهاية ولو بعد ألف عام.

ومن الطبيعي أن إيران لا تسلك هذا الطريق إلا عندما يتواصل الطرق على رأسها بقوة، بل تقضي وقتها وهي تعكف على دراسة الحالة النفسية للرموز القيادية في الطرف الآخر، وبقدر تعلق الأمر بالحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، والتي تمكنتا من تفريغ إيران من الصفوف الأولى والثانية من قياداتها الدينية والسياسية والعسكرية، فإن من مفارقات السياسة الدولية أنها وضعت مقابل إيران، الرئيس الأمريكي ترمب الذي يتميز بأنه أكثر شخصية قلقة عرفتها مؤسسة الرئاسات الأمريكية، فضلا عن أنه يعاني من نرجسية عالية تسعى لتحقيق أي مكسب حتى لو اقترن ذلك بنزع أهم سلاح لديه، المهمُ لديه أن يُصورَ نفسه بأنه هو المنتصر حتى إذا لم يجد أحدا يُقر له بذلك، ومن مظاهر شخصية ترمب أنه يحاول فرض رؤيته لموضوعي الحرب والسلام، فعندما كان يرى أن إيران على وشك السقوط، رفع شعار أن إيران لا تستجيب لمنطق الحوار إلا بالضغط عليها، وأن عليه أن يواصل الضغط العسكري عليها بلا حدود، ولكنه لما تغيرت قناعاته في المراحل الأخيرة من الحرب، هبطت عليه فكرة أن الضغط الاقتصادي هو وحده الكفيل بإخضاع إيران لمتطلبات السلام.

 إن عدم وجود رؤية واضحة للحرب أو لكيفية الخروج منها، مكّن إيران من توجيه رسائل إعلامية إلى الداخل الإيراني، صورت نفسها أنها هي الطرف المنتصر في حرب عام 2026، على الرغم من كل ما لحق بها من دمار، وربما استندت إلى معيار شرق أوسطي يفسر النصر بعبارة واحدة هي "عدم سقوط النظام"، ولما كانت إيران لا تمتلك دليلا واحدا على انتصارها العسكري، راحت تبحث بين الركام الذي خلّفه القصف الأمريكي الإسرائيلي على منشآتها النووية ومقار قياداتها العسكرية، وراحت تتعسف أكثر من حدود المتاح لها في تصوير كثير من مفردات مخلفات الحرب، مما يمكن أن تصوره على أنه إنجازات عسكرية وسياسية حققتها لنفسها في تلك المعركة التي كانت شؤما عليها بكل التفاصيل، ولما لم تستطع تأكيد نصرها المفترض "كي لا أقول المزعوم" طفقت تبحث بين ركام حرب الاثنين وأربعين يوما، فاخترعت إنجازين موهومين، الأول أنها تلاعبت بالظرف النفسي الذي ألبسته للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وهو ما يتميز به رجال الأعمال من تعجل في جني الأرباح بسرعة كبيرة، ففرضت عليه التراجع عن أهداف الأيام الأولى للحرب، وخاصة ما يتعلق بنقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى الولايات المتحدة حصرا، وإذا به يُصّفر هذا الهدف ويبحث عن مخرج من أزمة ورط نفسه بها فبدأ يبحث عن أي حل بديل، ثم تدافعت الشروط مع بعضها، فبرزت قضية حرية المرور العابر في مضيق هرمز، وإزاء العناد الإيراني غير المنطقي، بدأت خطوات ترمب ترسم لنفسها عن مزغل للإفلات من هذا المضيق الخانق، وكل هذا ما كان ليحصل لو أن ترمب تخلى عن غرور القوة الفتاكة التي يباهي بها، ولولا وجود نائبه جي دي فانس التي يتحلى بروح انهزامية موروثة أو مكتسبة، لأنه وجد نفسه على حين غفلة من أهل البلاد في منصب نائب الرئيس، الذي ينتظر شغور المنصب لأي من الأسباب الطبيعية أو السياسية ليؤدي اليمين الدستورية رئيسا جديدا للولايات المتحدة، ويسكن البيت الأبيض وينقل مقره إلى المكتب البيضاوي، لقد اشتهر فانس بأنه أسوأ الناصحين في زمن الحرب، ويعطي النصائح الاستسلامية أكثر مما يعطي نصائح للسلام، المهم عنده أن يُظهر نفسه متميزا عن فريق الصقور المحيط بترمب كجزء من لعبة التنافس المبكر على منصب مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات 2028.

وبدأ دولاب التراجع يدور بلا هوادة، وبدأت طهران تضغط على ترمب الحالم بالحصول على جائزة نوبل للسلام، كي يصفع بها وجه أوباما، حتى نجحت في واحدة من أدق مراحل الترقب الدولي لتوقيع مذكرة التفاهم التي تمهد لمفاوضات القرن والقرن الذي يليه، والتي لا تحتوى على كلمة تفاهم واحدة، فنجحت إيران في ربط ملف حزب الله اللبناني بملف وقف إطلاق النار بين الطرفين مع إلزام إسرائيل بما يتفق عليه الطرفان، كون الحزب المذكور أهم أذرعها في الوطن العربي ووكيلها العام فيه، كما نجحت بتمرير لعبتها القديمة مع أوباما عندما هددت بعدم توقيع اتفاقية الملف النووي عام 2015 في حال إدانة القصف السوري الكيمياوي لمدن سورية ثائرة على نظام بشار أو الرد عليه، ولما كان أوباما متعجلا كثيرا في توقيع ذلك الاتفاق لأسباب لا صلة لها بأسباب ترمب فقد أمر وزير خارجيته بالتوقيع وصار وثيقة تحاجج بها إيران، لهذا كله رأت إيران أن تكرار اللعبة نفسها في حزيران 2026 سيعطي النتائج القديمة نفسها، وهذا ما اعتبرته طهران نجاحا إيرانيا نادرا في تفكيك الحلف الاستراتيجي الأبدي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خلال معركة تمت من فصلين بين عام 2025 وعام 2026، وهو ما عجز العرب عن تحقيقه أو جانب منه، طيلة ثمانية عقود من تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وبذلك فإن إيران تمكنت من تدمير أحد أضلاع الحلف الاستراتيجي القائم بين إسرائيل والغرب، وبقراءة متأنية للمشهد بكامله نستطيع تكوين صورة ملتبسة للمشهد، ففي آخر زيارة لنتنياهو إلى واشنطن واجتماعه بترمب في المكتب البيضاوي، سحب ترمب الكرسي المخصص لجلوس رئيس الوزراء الإسرائيلي وأجلسه عليه، سرت تفسيرات كثيرة عن أن تلك خطوة هي تعبير عن دعم أمريكي ثابت لإسرائيل، وهذه حقيقة راسخة لا صلة لها بتغير الحكام، ولكنني أستطيع أن أخرج بتفسير مضاد لتلك الفرضية، وهي أن ترمب أراد أن يقول لنتنياهو، بأن ترمب هو القادر على إزاحتك عن كرسيك بنفس سهولة تثبيتك عليه متى أراد ذلك.

اختلاف أهداف الحرب بين الطرفين بدأت تطفو على السطح منذ انتهاء عملية حزيران 2025، عندما اضطر نتنياهو بناء على أمر من ترمب، إلى إصدار أوامر لسرب من الطائرات الإسرائيلية المقاتلة التي دخلت الأجواء الإيرانية وكانت على وشك قصف مقر المرشد علي خامنئي مع عدد كبير من مستشاريه ومساعديه، بالعودة إلى قواعدها، منذ ذلك اليوم بدأ الحديث يتشعب عن تغير موازين القوة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وكان طبيعيا أن ينسحب على رسم الخرائط السياسية على وفق المتغيرات الجيو سياسية.

لقد حافظت إسرائيل ومنذ قيامها على مكانة ممتازة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي ظل ينظر إليها كولاية أمريكية، فكانت تتباهي بأنها تأتي بالرؤساء الأمريكيين وتطيح بمن لا ترغب به، فبدأت الصورة تنقلب تدريجيا، فقد تحول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى صانع رؤساء الوزراء في إسرائيل، صحيح أن هذه حالة واحدة قد تنتهي برحيل ترمب من موقعه، وتعود الأوضاع إلى سابق عهدها، ولكن هل يطيق نتنياهو هذا الوضع حتى انتهاء ولاية ترمب الثانية؟ وماذا لو جاء جي دي فانس من بعده، وهو أعلى المبشرين صوتا في ضرورة التفاهم مع إيران والتفات الولايات المتحدة إلى مصالحها بدلا تركيزها على مصالح إسرائيل.     

من يريد إحصاء أخطاء المفاوض الأمريكي، في اللقاءات الأخيرة مع إيران، فقد لا يجد لنفسه متسعا من الوقت للوصول إلى جواب شاف، فقد نجح ترمب في إضاعة نصر عسكري لامع على إيران، لم تقدم فيه الولايات المتحدة خسائر ذات قيمة، بل إن خسائرها في المناورات التي تجريها قواتها بين آونة وأخرى بالذخيرة الحية، كانت تتسبب بخسائر أكبر بكثير مما تكبدته في المواجهات التي استمرت لمدة شهرين، ثم إن المفاوض الإيراني تمكن من إذلال الوفد الأمريكي والتلاعب بأعصابه سواء في إسلام آباد عندما فرض توقيتاته على المفاوض الأمريكي فتم تعديل تحرك الوفد الأمريكي أكثر من مرة من واشنطن، أو في سويسرا عندما رفض  المصافحة البروتوكولية بين أعضاء الوفدين أمام المصورين مع أن نائب الرئيس الأمريكي ظل ينتظر الفرصة بلهفة، صحيح أن الغربيين يتعاملون مع هذه المظاهر بلا مبالاة وليس كما يتعامل معها الانسان الشرقي، إلا أنها ستبقى واحدة من صفحات اللقاءات الماراثونية بين الولايات المتحدة وإيران، أما ما حصل في العاصمة القطرية الدوحة، فهو مواصلة لأفلام الغرب الأمريكي ولكن بنسخة هندية.

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

مجلة صوت الطلبة العدد ٦٤ /٣٠ حزيران ٢٠٢٦


مجلة صوت الطلبة 
العدد ٦٤ / السنة السابعة 
٣٠ حزيران ٢٠٢٦
للتصفح ،اضغط على الرابط الالكتروني ادناه 
https://online.anyflip.com/rnvg/wume/mobile/index.html