اختبارات كثيرة بانتظار معرفة جدية حلف مكة
د.نزار السامرائي
الأحلاف لا تعقد لمجرد إشاعة أجواء الطمأنينة في بعض النفوس القلقة أو الدول الضعيفة، ولا تعقد لإضافة رقم إلى الأحلاف التي عرفتها منطقتنا العربية، وهي أكثر المناطق في العالم التي رُفعت فيها شعارات "لا لسياسة الأحلاف لا للقواعد الأجنبية".
صحيح أن النظم الراديكالية هي وحدها التي رُفعت فيها تلك الشعارات، ولكنها وجدت لها قاعدة شعبية واسعة من الدعم والتأييد مما أدى إلى تشهد تلك الدول حالة من عدم الاستقرار بسبب الصدام بين زاويتي نظر متباينتين، لأنها عرفت بالفطرة بأن الضعفاء غير قادرين على رسم مواقف الأقوياء سياسيا أو عسكريا، ولأن تلك الأحلاف ما عُقدت إلا بهدف تأمين مصالح الكبار في معادلة التوازن الدولي، وعلى الرغم من أن تركيا وباكستان لهما تجربة طويلة من خلال دخولهما في أحلاف غربية أو آسيوية، أو شرقية غربية مثل حلف بغداد أو "حلف المعاهدة الوسطى" بعد سقوط حلف بغداد عام 1958، إلا أنهما ما زالتا تصران على تقديم عروضهما في سيرك الأحداث الدولية لأهداف خفية خاصة بهما، فعلى الرغم من أنهما تعرفان أن تحالفاتهما السابقة والتي ما زالتا تحتفظان بعضويتها، لم تقدم لهما الكثير في نزاعاتهما الثنائية، وعلى الرغم من أن توقيت الإعلان عن حلف مكة قد تزامن مع أزمة المنطقة بعد تعرض إيران لهجوم أمريكي إسرائيلي منسق، أدى إلى حذفِ كمٍ غير يسير من قدرات إيران العسكرية والاقتصادية، أو الأكثر قيمةً من الناحية المعنوية على شعب ظل يتعامل مع على المعنويات أكثر مما يأكل من الخبز، أي فقدان الخطوط الأولى والثانية وربما الثالثة من زعاماتها الدينية والسياسية، ومع ذلك ظل محتفظا بالجزء الظاهر من تماسكه.
المهم أن حلف مكة تم عقده بين باكستان وتركيا والمملكة العربية السعودية التي أخذت نصيبا غير قليل من ردود الفعل الإيرانية الانتقامية على الضربات الموجعة التي كانت تتلقاها من الولايات المتحدة، إلا أن عقد الحلف في هذا الظرف بالذات أعطى انطباعا سريعا بأن القصد منه هو إظهار الدعم السياسي الباكستاني التركي للسعودية لا أكثر، عن طريق التلويح لإيران بعصا صغيرة ناعمة الملمس، مع أن الأطراف الثلاثة المتعاهدة السامية، تعي جيدا أن إيران لا تخيفها الشعارات المطروحة وإن كانت تزعجها، وتتخذ من ذلك مسوغا لردود فعل لا تخلو من طيش وحمق يتجاوز حدود حق الدفاع عن النفس أو حقوق الجيرة الجغرافية، إيران إن لم تُردع بالقوة والمطرقة المرفوعة فوق رأسها لن تتردد بإثارة القلاقل في كل مكان لأنها باتت على يقين أن العالم بحاجة إليها بنظامها القائم وابتزاز العرب به.
طالما أن إيران ضمنت عدم التصعيد الأمريكي إلا في حسابات لا صلة لها بسلامة الدول الإقليمية وإنما لحسابات أمريكية خالصة، فقد قادها ذلك إلى الدخول في حالة الوهم عن قوتها مقارنة بقوة الولايات المتحدة، فأساءت الأدب ووصلت إلى الخطوط الحمر التي وضعها العالم لنفسه في حال تعلق الأمر بالمشكلات الإقليمية في مناطق الإنتاج الرئيسي للطاقة الدولية.
تجربة حروب باكستان في حروبها السابقة مع الهند أعطتها درساً واحداً، وهو أن كل التحالفات التي عقدتها سابقا، ليس لم توفر لها الدعم الميداني أو الاستراتيجي، بل تركها تعيش حالة استرخاء سياسي انتظارا لدعم لا يأتي إلا عندما يظن الطرف المقدم للدعم أن مصالحه توجب عليه التحرك قبل أن يخسر فرصا سياسية كثيرة، معظم حلفاء باكستان اكتفوا بإصدار بيانات التضامن معها وأحيانا تدعوها والهند إلى ضبط النفس لا أكثر، فكان الدرس الوحيد الذي خرجت به من حروبها السابقة، أن الحلفاء لا يضيفون شيئا إلى رصيدها العسكري إلا البيانات السياسية الحافلة بالشجب بأعلى العبارات وما شابه ذلك من أدوات التعبير عن التضامن، فلم يحرك أحد منهم سرب طائرات أو فرقة مدرعة أو لواء قوات خاصة أو أسطولا بحريا لنجدتها، لهذا وجدت أن اعتمادها على قوتها الذاتية هو الضمانة الوحيدة لأمنها القومي، لهذا وظفت كل ما أتى إليها من دعم مالي سعودي في تطوير قدراتها الحربية، فصنعت السلاح النووي فصارت عضوا في النادي النووي الدولي وامتلكت الردع النووي المتبادل مع الهند العدو الودود والصديق اللدود وهذا الدرس هو ما تسعى إيران لاستنساخه.
أما تركيا العضو في حلف شمالي الأطلسي "الناتو" وهي من حيث الجغرافية بعيدة عن الأطلسي بل هي لا تمتلك في أوربا إلا الجزء الأوربي من مدينة اسطنبول، فقد كانت من الدول المؤسسة لحلف بغداد مع كل من بريطانيا العراق وتركيا وإيران وباكستان، وعلى الرغم من أن الحلف بالأصل هو فكرة أمريكية، كجزء من خطتها لمواجهة المد الشيوعي المدعوم بثقل الاتحاد السوفيتي السابق، إلا أن الولايات المتحدة لم تنتم إليه، بل وعدت بتقديم كل أشكال الدعم السياسي والعسكري له، لكن تركيا التي عاشت أزمات متناسلة مع اليونان العضو الآخر في الحلف المذكور، أيقنت أن عضوية أثينا في الناتو سوف لن تعطي أياً من تركيا أو اليونان الدعم الذي تطلبانه، مع أن الأطلسي لا يفرط بقوة تركيا باعتبارها تمتلك أقوى ثقل عسكري تقليدي في الجناح الجنوبي للناتو، وفي الجانب الآخر فإن العواطف الدينية تبقى أكثر تعلقا باليونان منها مع تركيا، على الرغم من أن تركيا ظلت ومنذ سقوط الدولة العثمانية ترفع شعارا اتاتوركياً علمانيا متطرفاً، أي يحاول شراء الدعم السياسي بثمن التخلي عن الثوابت الدينية المتأصلة في المجتمع التركي إذا سلخنا عنه التوجهات السياسية المتطرفة.
وكانت المملكة العربية السعودية التي كانت بعيدة جدا عن التحالفات العسكرية الجماعية، تحرص على توقيع اتفاقيات عسكرية ثنائية، وإن لم تهمل الالتزامات السياسية الجماعية المتبادلة، فقد حاولت الاحتفاظ بمسافة مدروسة مع الأطراف الدولية شرط أن تؤمن لها مصالحها الوطنية وتحفظ أمنها القومي، في ظل هذه التوترات الدولية الإقليمية تم توقيع حلف مكة من أجل تقديم الدعم لها في حال تعرضها لعدوان إيران.
هنا لا بد من التوقف عند هذه النقطة بالذات، وما مدي سريان التفسير القانوني على إيران في حال شن طرف من أدواتها أو مليشياتها التي نجحت في تشكيلها في عدة بلدان بعد أن تمكنت من خرق المنظومة الأمنية فيها، أو استغلت حالة انعدام الأمن أو الاضطراب في بعض الأقطار العربية، كما حصل في لبنان والعراق وسوريا واليمن، إذ كانت التشكيلات شبه العسكرية والتنظيمات الإيرانية المسلحة خارج الحدود الإيرانية، وكأنها قواعد عسكرية متقدمة أو قوات تدخل إيراني سريع خارج حدودها، بعد أن توصلت الزعامة الإيرانية العسكرية والسياسية ثم الدينية، إلى يقين راسخ بأن تجربة حرب الثماني سنوات يجب ألا تغيب عن ذهن المخطط الاستراتيجي الإيراني، وأن ضرورات حماية الأمن القومي الإيراني تحتم ابعاد شبح أي مواجهة عسكرية مستقبلية عن الداخل بأي ثمن، فكانت فكرة تشكيل خلايا تابعة للحرس الثوري، وأن تلفعت بشعارات جاذبة للتعاطف عن تحرير فلسطين والقدس والأقصى، ثم ربطت تلك التشكيلات بما يسمى بفيلق القدس الذي خاض معارك في معظم المدن العربية الشرق أوسطية، ولكنه لم يوجه بندقية واحدة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة.
إيران مسؤولة قانونيا وأخلاقيا، مسؤولية دولية عن كل ما يفعله أي تشكيل من التشكيلات التي أنفقت عليها وسلحتها ودربتها وأطلقت لها العنان لنعبث بأمن دول المنطقة من أجل الحصول منها على مكاسب سياسية، وإلا فإن العلاقات الدولية ستتعرض إلى أفدح الأخطار عن طريق ضياع المسؤولية الجنائية عن دور الأطراف الداعمة للإرهاب الدولي من وراء ستار وكأن عالم اليوم يعيش في تعتيم استخباري كما كان يعيشه في القرون السابقة.
لهذا فعلى المجتمع الدولي تحميل إيران مسؤولية كل فعل تأتي به التنظيمات والتشكيلات المسلحة وشبه المسلحة التي تحمل ولاءً معلناً لولاية الفقيه، لأن إيران مسؤولة عن تأسيس هذه التشكيلات ومواصلة دعهما ماليا وتسليحيا وتوفر لها مظلة الحماية السياسية، وبرز ذلك جليا حتى خلال المباحثات التي قام بها الوسطاء الثلاثة "باكستان وقطر وعًمان" لحصر تأثيرات الحرب الحالية في أضيق نطاق فطهران كانت تصرّ على شمول هذه الساحة أو تلك بأي هدنة مؤقتة أو وقف تجريبي لإطلاق النار.
إيران يمكن أن تنفي صلتها بهذا التشكيل أو ذاك عندما يصب ذلك في مصلحتها، ولكنها هي التي تحرك الجبهات الساكنة عندما يناسبها ذلك، وتسكن الجبهات المتحركة عندما تقتضي مصلحتها التفاوضية بقاءها ساكنة، وهذا ما يعزز القناعة بأن كل فعل يأتي به عملاؤها مثل حزب الله في لبنان أو المليشيات في العراق أو الحوثي في اليمن، هو فعل لا يأتي من مصلحة للبلدان التي تتحرك بها تلك القوى بل من أجل تعظيم الموقف التفاوضي لإيران، صحيح أن القذيفة تحملها يد لا ترطن باللغة الفارسية، إلا أن ولاءها هو لمركز التوجيه العقائدي في قم وطهران، وبالتالي فإن مطاردة الفاعل الميداني فقط وإهمال الموجه له سيقدم إغراءً عاليا لإيران للتنصل من المسؤولية الجنائية عما ترتكبه أذرعها من جرائم واعتداءات هنا وهناك.
إن تعرض جنوبي المملكة العربية السعودية لعدوان حوثي شكلاً وإيراني فعلاً، يمكن أن يطرح جملة من الأسئلة على الزعامة السعودية عن جدوى التزامها بشروط الوساطة الصينية التي توصلت إليها عبر الدبلوماسية السرية، فأنهت قطيعة مع إيران وانعكست أوتوماتيكيا على أوضاع اليمن، فهدأت الجبهات هناك وتوقف الحوثيون عن قصف الأجزاء الجنوبية من السعودية، هنا لا بد من طرح سؤال آخر عن طية الموقف الصيني في مثل هذه الأحوال، هل تعتقد السعودية أن إيران تحولت بين ليلة وضحاها من وحش جريح إلى حمل وديع؟
الاتفاقيات والتفاهمات الثنائية أو الجماعية تفرض درجة عالية من الحذر الاستباقي، لا إلى الاطمئنان الزائف إلى نوايا كانت تطلق من دون حساب، في زمن كان الغدر صفته الراجحة على ما عداه من نوايا الخير والوفاء بالتعهدات والالتزامات القانونية المتبادلة، صحيح يجب أن تُمد الأيدي لتتصافح بعد توقيع أية اتفاقية ثنائية مع ابتسامات عريضة أو تطلق بميزان، ولكن الحذر يجب إلا يغيب عن العقول الراجحة المدركة لمسؤوليتها التاريخية عن مصير الأمم ومستقبل الأجيال القادمة.
هل تشارك تركيا وباكستان السعودية زاوية النظر في طبيعة توصيفها للعدوان الحوثي ومن يتحمل مسؤوليته الجنائية؟ أي بعبارة أكثر وضوحا هل تشارك الدولتان السعودية في تحميل إيران مسؤولية ما وقع إن كانت تنظر إليه من هذا المنظار، والآن علينا أن نقف لنفهم ما جاء في بيان وزارة الخارجية السعودية الذي أعقب العدوان الحوثي وتحدثت فيه عما تعرض له جنوبها، فقد حصرت ما جرى وألقت بمسؤوليته على مليشيا الحوثي، ربما كانت تفكر بغير هذا التوصيف ولكن هذا ما صدر، فهل من حقنا أن نسأل عن طبيعة الاتصالات التي أجرتها الرياض مع أنقرة وإسلام آباد، إن كانت قد أجرت مثل هذه الاتصالات فعلا، ماذا طلبت السعودية من تركيا وباكستان، وهل يتصور أحد بأن النص الأهم في حلف مكة وهو "تقديم الدعم لأي طرف يتعرض للعدوان"، هل يكتفي البَلَدان ببيانات الشجب والاستنكار وهو ما يمكن أن أفعله أنا بكل أريحية، أو تفعله المنظمات الحقوقية وكذلك الأمم المتحدة، إن كانت تقف على الحياد حتى الآن فكل المؤشرات تقول إن المنظمة الدولية لم تغادر موقعها المنحاز إلى جانب عصابات الحوثي، انسجاما منها مع الموقف البريطاني والذي استطاع أن يستدرج معه موقفا أمريكياً وروسياً وصينياً مماثلا، لأن الحوثي دور مطلوب الآن وفي المستقبل المنظور، طالما أن العالم لم يغير من قناعته بشأن وضع حد للعبث الإيراني في المنطقة والعالم، فهل كان أحدنا يتوقع أنه سيحيا إلى زمن تعجز فيه الولايات المتحدة عن اسقاط النظام الإيراني في غضون ساعات لو أرادت؟
وماذا بعد؟
لا أظن أن أي حلف ثنائي أو ثلاثي أو أوسع، يمكن أن ينوب عن القوة الذاتية التي يجب أن يمتلكها أي طرف فيه، فالدول لا تتطابق مصالحها تحت أي ظرف، ولنأخذ مثلا هي الوسيط المفضل لدى واشنطن وطهران للوصول إلى حلول وسط في الأزمة الراهنة، حتى بفرض أن الطرفين يعيان جيدا أن إسلام آباد تقوم بالوساطة لتحقيق وجاهة سياسية افتقدتها منذ أن خسرت شطرها الشرقي المسمى اليوم ببنغلاديش، فأرادت أن تعزز مكانتها السياسية الدولية بعد أن أصبحت قوة نووية ضمن حسابات خاصة بشبه القارة الهندية، وكأنها تريد أن تستقل مركبة فضاء لتخرجها من المجال الجوي للأرض وتضعها في مدار آخر.
أما تركيا فقد عرضت وساطتها ولكنها قوبلت بصدود من الطرفين، الدور التركي لم يكن مرحبا إيرانياً لأنها تعتقد أن تركيا يجب أن تحافظ على دورها السري الذي أدته في تمرير الكثير من الصفقات الأساسية للاقتصاد الإيراني وسط ضجيج ما يسمى بسياسة الخنق الاقتصادي الأمريكي لإيران.
أعود إلى السؤال الرئيسي، ماذا يمكن أن تقدم تركيا وباكستان للمملكة العربية السعودية بعد العدوان الحوثي على منشآت نفطية لجأت إليها البلاد للتحرر الجزئي من ضغط التنمر الاستعراضي الإيراني الأخير؟ بل ما الذي تتوقعه السعودية منهما؟
غالب الظن سيكتفي الباكستانيون والأتراك بترك رسالة للسعودية إن سألت بالطبع، إننا نتعامل مع الدول وما تفعله ولسنا معنيين بما تفعله المنظمات الإرهابية الموصوفة بهذا الوصف دوليا؟

















































