قراءة في تاريخ إيران الجمهورية/4
د. نزار السامرائي
بعد أن وصل العراق إلى يقين من خلال معلومات ومؤشرات دقيقة تم جمعها، أن إيران أجمعت أمرها على شن الحرب عليه، وخاصة بعد أن ارتفع طبول الحرب على أبوابه، استنادا إلى حسابات إيرانية غبية بأن رتلاً خامساً في الداخل العراقي ينتظر إشارة واحدة من الخميني بتحديد ساعة الصفر كي يهب لإسقاط الحكم فيه، ومن ثم تمهيد الأرضية المناسبة لاحتلاله والهيمنة عليه، فكان لا مناص من التفكير الجدي باعتماد الخطوات المناسبة لدرء هذا الخطر الجدي الذي كان يواجه العراق كما لم يحصل منذ مئات السنين.
لقد كان من العبث أن ينتظر العراق استكمال العدو لخططه وما يحتاج إليه من مستلزمات، كي يضرب ضربته، فهذا معناه أنه يجازف باستقلاله وسيادته ووحدة أراضيه، وأمن المواطن واستقراره في بلد مرهوب الجانب.
من المؤكد في التقديرات الاستراتيجية، تشير إلى أن تعليق مصير أي بلد من البلدان، على القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة، انتظارا لتأكيد الحجة القانونية لإدانة العدوان ومنفذيه، تبدو فكرة ساذجة إلى أبعد الحدود، مع التطور الهائل في صناعة السلاح وطرق استخدامه وسرعة حشد القطعات المعدة لشن أكبر الهجمات نتيجة توفر طرق المواصلات الحديثة.
لقد أكدت تجارب العالم أن الوقوع في فخ انتظار العدو لحين شن هجومه، والتشبث بفكرة توفير الحجة القانونية لإدانته، أوقعت كثيرا من البلدان التي تعرضت للضربة الأولى، في مآزق من لم يكن من الميسور تجاوز آثارها، وتعطينا الشواهد التاريخية أدلة على أن تردد الدول في مباشرة حقها في الدفاع عن نفسها، أوقعها في مأزق البحث عن فرصة للتخلص من دفع أثمان باهظة نتيجة ترددها في وضع الخطط اللازمة للدفاع عن نفسها، وفقا لما تتوصل إليه من قناعة أنها مستهدفة بنوايا عدوانية خارجية، وإن لم تتهيأ لدرء الخطر عنها فإنها لن تكون أفضل حالا من حال بغداد بعد أن تعرضت للغزو المغولي، نتيجة انشغالات بأمور ثانوية على الرغم من توفر معلومات موثقة عن زحف المغول إلى حاضرة الدولة العباسية، ولكن الخليفة والبطانة المحيطة به، تصرفا وكأنهما هياكل بلا روح حتى هوى السيف على رقبة الخليفة وبطانته، وفعل المحتلون الأفاعيل في مدينة بغداد التي كانت لؤلؤة العالم وعاصمة الحضارة الإنسانية ومدينة العلوم والآداب والفكر والفلسفة فأطفأ عينيها حتى دخل الشرق مرحلة ظلامية غير مسبوقة.
إن انتظار وقوع العدوان قبل مباشرة التصدي الوقائي له، وعدم الاستعداد لمواجهته في حال توفر المؤشرات على احتمال وقوعه، يقع تحت طائلة الخيانة العظمى والتواطؤ مع المعتدين، وسيؤدي إلى نتائج كارثية سيكون الثمن فيها مضاعفا عدة مرات، فالحرب الاستباقية هي أفضل وسيلة لتجنب أخطار الحرب الدفاعية، ذلك أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لم توفر الحماية الكافية لأي بلد من بلدان العالم من غزو الغزاة الطامعين في البلدان الضعيفة إذ بقي ذلك في نطاقه القانوني، فالأمم المتحدة لا تمتلك سرية دبابات واحدة ولا سربا من الطائرات من جيل المقاتلات الأول ولا الثاني، الأمم المتحدة تمتلك تأثيرا معنويا غير قادر على فرض نفسه على الأرض إلا بما تسمح به الدول الكبرى، وكذلك فإن مجلس الأمن غير قادر على إمضاء قراراته إلا على الدول الصغيرة والضعيفة.
واندلعت الحرب بعد أن هيأت الزعامة الإيرانية كل أسبابها، سواء بعد وصولها إلى الحكم بعد أن ضربت الفوضى أطنابها في جميع أرجاء إيران وفي كل مرافق الدولة وخاصة المؤسسة العسكرية، وحتى قبل الحادي عشر من شباط 1979، عندما كان الخميني يخطط للعودة إلى طهران وفي جيبه سلة من الأفكار البعيدة عن منطق بناء دولة مسالمة في بيئة تحتاج إلى الأمن والاستقرار أكثر من حاجتها إلى الشعارات الثورية.
كان عدد من مستشاري الخميني ممن ما زال يمتلك قليلا من حكمة الماضي القريب، قد حاول ثني مؤسسة الحكم الجديدة عن التورط في حرب لا تخدم أحدا، وخاصة قبل أن تستكمل إعادة بناء الدولة وعدم إضافة عبء جديد عليها، فالمجتمع الإيراني بحاجة إلى سنوات طويلة لبناء المجتمع الجديد، وإزالة ركائز النظام السابق، فلا تكفي النوايا الطيبة مهما كانت دوافعها نزيهة أو جادة للحصول على النتائج المطلوبة، بل تحتاج إلى تفكير هادئ وبعيد عن إثارة الأزمات الخارجية للتفرغ لحل مشاكل الداخل، ثم إن الحرب إذا اندلعت فالجميع سيعرف من أطلق رصاصتها الأولى ومتى حدث ذلك وأين، ولكن من المستحيل أن تعرف أكثر العقول رجاحة متى ستضع الحرب أوزارها.
ومن الصعوبة بمكان التحكم بمسار العمليات الحربية حتى من قبل أقوى الجيوش، ذلك أن أي انجاز في إحدى مراحلها، سيوفر إغراءً غلابا لتحقيق المزيد من المكاسب، وأن أي نكسة في مرحلة من مراحلها، ستحفز الطرف المتضرر إلى العمل على إعادة التوازن في جبهات الحرب وإيجاد الأرضية الكافية لتلافي النقص الذي أدى إلى حصول ذلك، من أجل استرداد الأنفاس وأخذ الاستراحة الكافية ثم العودة إلى الحرب بخطط جديدة بعد استكمال مستلزمات الصمود فيها.
بعد أن قامت الحرب، قال الخميني كلمة لا تنم عن حرص على دماء أبناء وطنه، ولا على المتراكم من البناء الذي ورثه النظام الجديد من نظام الشاه، فقال "الخير في ما وقع"، ولما كان الخميني قد جعل من نفسه نائبا للإمام الثاني عشر "المهدي المنتظر" فكلامه غير قابل للنقاش من أي من المحيطين به، ناهيك عن الاعتراض من أي مستوى ديني أو سياسي، ويعزو عدد من دارسي شخصية الخميني إلى أن فقدان ابنه البكر "مصطفى" في النجف أثناء تواجده فيها على أيدي عملاء السافاك، قد أثر عليه تأثيرا بالغا، فجعله أقل اهتماما بمصير الشباب الذين يقتلون في جبهات الحرب، وهم من صغار السن الذين أوكلت إليهم مهمة فتح حقول الألغام بأجسادهم، تمهيدا لعبور القطعات العسكرية من حيش وحرس ثوري وبسيج.
على الجانب الآخر من الحدود، اضطر العراق لخوض الحرب، دفاعا عن سيادته الوطنية وعن وحدة أراضيه، فالعراق الذي وضع قدميه في مطلع عقد الثمانينيات على طريق تنمية انفجارية، كان أكثر الدول حرصا على تجنب كل ما من شأنه أن يشغله عن مواصلة طريق البناء أو تهديد ما هو قائم، لكن تعرّضه لكثير من الأعمال الإرهابية التي نفذتها فصائل ذات ولاء تاريخي لإيران لا يرتبط بنظام حكم معين في طهران، مثل حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي، وغيرهما، جعله في موقف لا يمكن أن يقف فيه متفرجا على مشهد يريد أن يعيده إلى قرون الاضطراب وحروب التوسع.
وبعد مرور أيام معدودة على نشوب الحرب، تداعى العالم عبر المنظمات الدولة والإقليمية للتعاطي بإيجابية مع الحرب، إذ أصدر مجلس الأمن الدولي قراره المرقم 479 في الثامن العشرين من أيلول 1980 والذي دعا فيه "إيران والعراق إلى الكف فورًا عن أي استخدام للمزيد من القوة وتسوية النزاع بينهما من خلال المفاوضات بدلاً من ذلك".
كما تحركت منظمة المؤتمر الإسلامي فشكلت "لجنة للمساعي الحميدة"، التي ضمت كلا من الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري، والرئيس الباكستاني الجنرال ضياء الحق، والذي ظهر في معظم اللقاءات منحازا بشكل لافت إلى جانب إيران، وربما يرجع ذلك إلى خشيته من تأثير أوساط محلية تتأثر بالخطاب الديني الذي ترفعه إيران، لا سيما في المراحل الأولى من عمر التغيير الذي شهدته طهران، والذي استقطب كثيرا من المنظمات ذات التوجهات الإسلامية، التي رأت في التغيير بداية لصحوة إسلامية شاملة، وبعض تلك الأوساط تأثرت كثيرا بما كان الخميني يطرحه من شعارات إسلامية عابرة للمذاهب.
وشهدت ساحات الحرب تقلبات ومتغيرات يمكن حصرها في ثلاث مراحل، المرحلة الأولى أي سيطرة القوات العراقية على معظم جبهات القتال، وهي التي استمرت أكثر من سنة بقليل، وانتهت يوم تمكن القوات الإيرانية من ابعاد القوات العراقية من شرقي الكارون في السابع والعشرين من أيلول 1981، واستمرت تلك المرحلة من ذلك التاريخ وكانت ذروة رجحان كفة الحرب لصالح إيران عام 1982 بوقوع معركتي الشوش ودزفول في آذار 1982 والمحمرة في أيار من السنة نفسها، وفي نهاية تلك السنة أعلن العراق إعادة قواته إلى الحدود الدولية بين البلدين، ومع ذلك فقد أعطت نتائج معارك عام 1982لإيران اغراءً قويا بمواصلة الحرب حتى النهاية مهما بلغت خسائرها، فقد شهد العام 1986 تمكن القوات الإيرانية من احتلال مدينة الفاو في أقصى جنوبي العراق، ولكن تقلص جبهة الحرب نتيجة إعادة تموضع القوات العراقية في خطوط دفاعية أقصر من خطوط ما قبل الانسحاب إلى الحدود الدولية، أعطى للقطعات العراقية مرونة أكبر في إقامة أكثر من خط دفاعي متماسك، مما صعّب من مهمة القطعات الإيرانية في احداث خرق في الخطوط الدفاعية العراقية الجديدة.
وفي إحدى مراحل الحرب وقعت أكبر فضيحة سياسية وأخلاقية للنظام الإيراني، الذي طرح نفسه كأكبر عدو للاستكبار العالمي وللصهيونية وإسرائيل، وكأكبر مدافع عن القضية الفلسطينية، وإذا به يستورد أسلحة من صنع الاستكبار العلمي ومملوكة لإسرائيل، فقد تم الاتفاق سراً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، على تجهيز الأخيرة بصفقة أسلحة أمريكية من موجودات الجيش الإسرائيلي، بعد أن ظهر الضعف على أداء القوات الإيرانية، إذ تم سحب آلاف الصواريخ المضادة للدروع من نوع تاو، وكذلك قطع غيار للطائرات من نوع فانتوم وصواريخ هوك المضادة للطائرات من مستودعات الجيش الإسرائيلي، وتم ترتيب الصفقة أثناء زيارة لباريس قام بها الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر، والذي عقد اجتماعا مع نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، خلال رئاسة الرئيس رونالد ريغان، وتم الاجتماع بحضور آري بن ميناشيا ممثل الموساد الإسرائيلي، وتم ذلك مقابل اطلاق سراح مواطنين أميركيين كانوا محتجزين في لبنان، وفي يوم 20 آب 1985 انطلقت أول شحنة من الأسلحة من إسرائيل إلى إيران على متن طائرة من نوع "دي سي 8".
ويوم ذاك حضر إلى طهران أوليفر نورث معاون مدير مجلس الأمن القومي الأمريكي، بملابس عمال صيانة الطائرات والتقى بهاشمي رفسنجاني وسلمه "كعكة" على هيئة خارطة العراق مع سكين، وذلك كناية عن تسليم العراق لإيران وإطلاق يدها بتقطيع أوصاله.
وما كاد عام 1987 يطل على العالم، إلا وكانت إيران تدخل في أخطر مراحل الحرب، فبعد تحشيد طويل الأمد وتحضيرات لأكبر ما تمتلك من امكانات مادية وبشرية وجندت لها كل مؤسسات الدولة، مع الأسلحة الأمريكية التي حصلت عليها من إسرائيل، زجت بمئات الآلاف من أبنائها من مختلف الأعمار بمن فيهم الأطفال، وبدأ إعلامها يروج لفكرة "على مشارف الانتصار الكبير" إذ نشبت أكبر معارك الحرب برمتها وهي معركة شرق البصرة والتي أطلق عليها العراق اسم "الحصاد الأكبر" والتي تسمى بالوثائق بمعركة نهر جاسم، فقد تمكن العراق من امتصاص زخم موجات الهجمات المتعاقبة، والتي أكدت أن طول الحرب من دون بروز أمل بتحقيق النصر، وأن يأس الزعامة الإيرانية قد دفعها للزج بكل رصيدها السياسي والاقتصادي والحربي في هذه المعركة التي ظنت أنها المعركة التي ستؤدي إلى احتلال البصرة والصعود شمالا إلى بغداد.
وانتهت هذه المعركة بأكبر هزيمة عسكرية لإيران، لكن الآمال التي عقدتها على نتائجها، جعلت من وقع الهزيمة النفسية والسياسية أكبر بكثير من النتائج الحربية، حينذاك بدأت الأصوات ترتفع وراء جدران مغلقة من محيط الخميني، تدعوه إلى وقف الحرب، ولكنه أصم أذنيه عن سماع أكثر الأصوات حرصا على ما يسمى "بمصير البلاد" من الأخطار الخارجية، ولعل أكثر الأصوات ارتفاعا كان صوت هاشمي رفسنجاني، الذي يُنظر إليه أنه أشجع الجبناء في الفريق الحاكم، وكان رفسنجاني يشغل وظيفتين كبيرتين هما رئيس مجلس الشورى وممثل الخميني في مجلس الدفاع الأعلى، ويبدو أن أعضاء الفريق الحاكم كانوا هم الذين يكلفون رفسنجاني بهذه المهمة التي قد يدفع متبنيها إلى ساحة الإعدام.
ولم يذعن الخميني لما جاءه من النصح من مستشاريه المقربين، وكان عام 1987 قد انتهى وإيران تحاول أن تمتص آثار هزيمة شرقي البصرة، وحاولت النهوض من كبوتها، وكلما حاولت الوقوف وقعت في مأزق أكبر من الذي سبقه، عند ذاك صدر قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 598 في منتصف تموز 1987، ولكن إيران والتي لم تفكر يوما بمغادرة مماطلتها وترك العالم أمام معضلة الانتظار وترقب المجهول لم تتوقع ما سيحصل من تطورات لاحقة في سوح الحرب فأخرت موافقتها على القرار المذكور أكثر من عام كامل، بانتظار مدد مستحيل.
وعندما أطل عام الحرب الثامن، كان العراق يُعّدُ لأكبر المفاجآت التي شهدتها الحرب، إذ بدأت مواقع إيران الدفاعية على طول الجبهة بالتداعي واحدا تلو الآخر، ولعل معركة تحرير الفاو التي أنجزت في السابع عشر من نيسان 1988، عبر أكبر مخادعة استراتيجية وإعداد محكم لصفحات التحرير، والزج بقوات النخبة فيها، ما شكّل المفاجأة التي أذهلت الإيرانيين الذين سبق لهم القول بأن من المستحيل أن تخرج الفاو من قبضة أيديهم مهما هيأ العراق من قوة لتحريرها، ولكنها تحررت فكانت من الانتصارات الباهرة في تاريخ الحروب العربية، وكان انتصار الفاو التاريخي، بوابة للحسم العسكري في الحرب الذي ظن فيها الإيرانيون أن عنادهم هو الطريق لزرع الملل في نفوس العراقيين، وإذا بهم يفاجؤون بأن العراقيين هم الذين علموا البشرية على العناد الإيجابي، فأسقط بأيديهم فعادوا إلى مواقعهم كبلد مهزوم في داخله وليس في جبهات الحرب فقط.
وبعد معركة الفاو توالت انتصارات العراق التي أذهلت العالم كله بسرعة انتقالها من جبهة إلى أخرى، تماما كما أذهلت الإيرانيين حتى أن صحيفة "كيهان العربي" تساءلت بمرارة، "هل وصلنا إلى هذا الحد من الضعف؟ أم العراق بلغ حدا من القوة بحيث لا نستطيع مواصلة الحرب معه؟" كما أن كثيرا من الإيرانيين تساءلوا سؤالا محددا "لماذا لم يستخدم العراق كل قوته في ظروف الحرب السابقة، وعلق كثير منهم على ذلك، لقد رأف بنا العراق كثيرا، وعندما جاء شهر آب/أغسطس من عام 1988 اضطر الخميني إلى الإقرار بالهزيمة عندما قال "فتعساً لحالي إذ لا زلت حياً حتى اضطر إلى تجرع كأس السم بالموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي 598"، وجاءت هذه الموافقة بعد ثلاثة عشر شهرا من صدور القرار المذكور.
خلاصة القول، إيران لا تركن إلى منطق العقل والحكمة ما لم تجبر على ذلك بقوة السلاح، هذه الحقيقة لا يحسن فرضها إلا العراقيون.



_1.jpg)
_2.jpg)
_3.jpg)
_4.jpg)
_5.jpg)
_6.jpg)
_7.jpg)
_8.jpg)
_9.jpg)
_10.jpg)
_11.jpg)
_12.jpg)
_13.jpg)















