الاثنين، 20 يوليو 2026

أوهام الأيديولوجيا القومية والواقع العربي المأزوم بالعنف والتطرف والحروب الأهلية / ورقة بحثية تحليلية لمناقشة ونقد تحديات الواقع العربي/ د. غازي فيصل حسين

  أوهام الأيديولوجيا القومية والواقع العربي المأزوم بالعنف والتطرف والحروب الأهلية

ورقة بحثية تحليلية لمناقشة ونقد تحديات الواقع العربي


 د. غازي فيصل حسين

مقدمة

يعاني العالم العربي منذ عقود من أزمات بنيوية عميقة تتجلى في العنف المنظم، الحروب الأهلية، الانهيار الاقتصادي، تفكك الدولة الوطنية، وصعود الأيديولوجيات المتطرفة الإسلامية التي فشلت في بناء مشروع تنموي أو سياسي للدولة قابل للحياة. ورغم كثافة الخطابات القومية والدينية التي رافقت هذه المرحلة، إلا أن الواقع العربي يكشف عن فجوة خطيرة بين الأوهام الأيديولوجية وبين الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة العربية ليست نتاج مؤامرة خارجية فحسب، بل نتيجة فشل داخلي في فهم الدولة الحديثة، وإدارة التنوع، وبناء اقتصاد منتج، والاندماج العقلاني في النظام الدولي.

أولاً: الإطار الإشكالي: أزمة المشروع العربي

منذ تأسيس جامعة الدول العربية، طُرحت عشرات المشاريع التكاملية:

1. السوق العربية المشتركة

2. حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال

3. التعاون البحثي والعلمي

4. الأمن الغذائي العربي

إلا أن أياً من هذه المشاريع لم يُنفذ فعلياً. وتشير البيانات إلى أن: أكثر من 95% من التجارة العربية تتم مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، والدول الاسيوية، وتستحوذ التجارة العربية البينية على أقل من 5% فقط وهو ما يعكس فشلًا هيكليًا في بناء تكامل اقتصادي عربي حقيقي.

ثانياً: الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للانهيار العربي

تشير تقارير استراتيجية (منها تقرير المنتدى الاستراتيجي، الإمارات 2017) إلى أرقام صادمة، منها: 3   ترليونات دولار عائدات نفطية للدول العربية خلال 1950–2000. ضاع منها تريليون دولار في الفساد المالي وتريليون في التسلح وحروب الهزيمة ثم تريليون في مشاريع تنموية فاشلة.

الخسائر المباشرة:

1. سوريا: دمار يتجاوز 920 مليار دولار وإعادة الاعمار التي تكلف 340 مليار دولار

2. خسائر سنوية تُقدّر بـ 640 مليار دولار من الناتج المحلي للبلدان العربية

3. اليمن، ليبيا، السودان: انهيار شبه كامل للبنية التحتية الاقتصادية

المؤشرات الإنسانية:

1. أكثر من 30 مليون عاطل عن العمل

2. 57 مليون أمي

3. 70 مليون تحت خط الفقر

4. 50 مليار دولار سنوياً تكلفة اللجوء بسبب الحروب والعنف والاستبداد

5. يمتلك العالم العربي أكبر عدد من اللاجئين والمشردين عالمياً لأسباب تتعلق بالحروب والاضطهاد الديني والقومي والثقافي

ثالثاً: الدولة الغائبة وصعود العنف المقدّس

تشترك معظم الحركات المتطرفة المتمثلة بالسلفيات المتشددة والمعتدلة الشيعية والسنية: داعش، القاعدة، المليشيات الطائفية في سمة مركزية مشتركة: عدم الإيمان بالدولة الوطنية ولا بالدستور ولا بالمواطنة بل تأخذ بنظرية الولاية

هذه الحركات: تهدم الحدود لبناء دولة الخلافة وتقدّس الجهاد والعنف كما تستبدل القانون بـ “الشرعية المقدسة” وتُحوّل الدين أو القومية إلى أداة للصراع بين الشعوب. النتيجة: تفكك الدولة في العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان، لبنان وتحولها إلى ساحات صراع مفتوحة.

رابعاً: إشكالية الهوية وإدارة التنوع

تفترض الأيديولوجيات العربية التقليدية وجود: أمة عربية واحدة متجانسة، بينما الواقع يشير: ان العالم العربي يضم مئات الهويات الإثنية والدينية والثقافية، وأشار المبعوث الأمريكي توم باراك الى وجود 27 دولة في العالم العربي تضم 110 من المجموعات الاثنية التي لا تتوافق على مفهوم مشترك للدولة.

فشل الدولة في إدارة التنوع أدى إلى: حروب أهلية؛ نزاعات طائفية؛ انفصال اجتماعي؛ إن إنكار التعددية القومية والثقافية والسياسية أدى الى الفشل في تحقيق الوحدة العربية، وأنتج مشكلات بنيوية ووظيفية مضاعفة في البلدان.

خامساً: المقارنة مع تجارب ناجحة: ماليزيا – تركيا – الصين

ماليزيا: دولة إسلامية متعددة الأعراق والقوميات والاديان

تبنت: اقتصاد السوق المفتوح؛ الديمقراطية التعددية؛ الانفتاح على العولمة والنظام الاقتصادي الدولي ونجحت في الانتقال من الفقر والتخلف عام 1952 إلى قوة اقتصادية آسيوية.

تركيا: دولة إسلامية علمانية متعددة الأعراق نجحت في بناء هوية ثقافية مشتركة وفي بناء: الصناعة؛ وتبني اقتصاد السوق المفتوح؛ تعزيز علاقات الشراكات الاقتصادية والسياسية الدولية وأصبحت اليوم تحتل المرتبة 15 في الاقتصاد العالمي.

الصين: دولة شيوعية أيديولوجياً لكنها حرق كتاب ماو توسي تونغ: انفتحت على النظام الاقتصادي العالمي وانضمت لمنظمة التجارة العالمية والعولمة الاقتصادية وأخرجت 800 مليون إنسان من الفقر والجوع، وتحولت لاحتلال المرتبة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة

السؤال الجوهري: لماذا تنجح هذه الدول، بينما تفشل بلدان العالم العربي؟

سادساً: فشل مشاريع الوحدة العربية ونهاية الخطاب المثالي القومي

الوحدة العربية: فشلت تاريخياً تجربة الوحدة بين مصر وسورية بعد ان اصطدمت بـ: الدولة الأمنية؛ غياب الديمقراطية؛ قمع التنوع مع تبني سياسات اشتراكية اقتصادية انتجت رأسمالية الدولة مع استمرار الخطاب الشعبوي والتنظيم السياسي الواحد مما مهد للانقلاب على الوحدة والانفصال بفعل عوامل خارجية وداخلية.

كما أن النظام الدولي اليوم: يؤكد من خلال ميثاق الأمم المتحدة على سيادة الدول وعدم المساس بمبدأ وحدة الأرض وسلامة الحدود وحق تقرير الشعوب لمصيرها واختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية واعتماد التعايش السلمي بي بين الدول والشعوب على اختلاف الأنظمة السياسية والاقتصادية.

بناء على ما تقدم، يجرّم ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة لتغيير الحدود، مما يجعل أي مشروع للوحدة القسرية عبر الاحتلال مستحيلاً قانونياً وسياسياً، لان احتلال دولة لدولة يمثل انتهاكا صارخا لمبدأ وحدة الأرض وسلامة الحدود واذا ما اندلعت نزاعات حدودية فبإمكان الدول اللجوء لمحكمة العدل الدولية في لاهيا كما حالة البحرين وقطر.

سابعاً: الدولة الحديثة كشرط للإنقاذ من التخلف وتحقيق التنمية المستدامة

أزمة العالم العربي ليست في: الدين؛ الهوية، الجغرافيا. بل في: غياب الدولة الحديثة وضعف المؤسسات الدستورية واحترام حقوق الانسان والتداول السلمي للسلطة واستمرار تحكم الأيديولوجيا بالعقل السياسي والاقتصادي مما يقود الى الجمود العقائدي.

الدولة الحديثة تقوم على: المواطنة، الدستور، الفصل بين السلطات، إدارة التنوع الديني والقومي والاجتماعي؛ اقتصاد انتاجي بدلا عن الاقتصاد الريعي في الدول النفطية.

خاتمة

يكشف الواقع العربي أن الأيديولوجيات الكبرى سواء القومية أو الدينية والثورية، تحولت من مشاريع خلاص إلى أدوات تدمير ذاتي. ولم يعد ممكناً الاستمرار في خطاب خمسينيات او ستينات وسبعينات القرن الماضي، بعد ان تفكك النموذج الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والدول الاوروبية الشرقية الاشتراكية والتي تحولت نحو الليبرالية واقتصاد السوق المفتوح، وانهار منظمة الكوميكون التجارية وحلف الناتو العسكري، بينما تعيش المجتمعات العربية في القرن الحادي والعشرين.

إن الخروج من الأزمة يتطلب: الاعتراف بفشل النموذج الأيديولوجي؛ إعادة بناء الدولة الوطنية، تبني العقلانية الاقتصادية؛ احترام التعددية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مواءمة الخطاب السياسي مع الواقع؛ فالتغيير لا يبدأ بالحلم، بل بفهم ومواجهة تحديات الواقع.

الاثنين، 13 يوليو 2026

ترمب وإيران.. المسرحية تتواصل د. نزار السامرائي

  ترمب وإيران.. المسرحية تتواصل

د. نزار السامرائي 



مضيق هرمز لم يعمل أحد على حفره، بل هو ممر وهبه الله لهذه البقعة من يوم أن خلق الله الأرض وما عليها، لم يزعم أحد امتلاك حق فيه.

غبن الجغرافية السياسية ودور بريطانيا (العظمة) الخبيث، في التلاعب بتنشئة الدول، أو رسم حدودها وإعادة تفصيلها على مقاسات الدول الكبرى بما يوفر لها أعلى قدر من المنفعة، جعل شرق الخليج العربي جزءا من الدولة الفارسية، مع تضخم حجم الطموحات السياسية والرغبة بلعب أدوار إقليمية بعد أن امتلكت فارس إقليم النفط العربي والإطلالة البحرية الطويلة على الشاطئ الشرقي للخليج العربي التي لم تكن تحلم بها.

هذه الخطوات المتلاحقة جعلت "إيران" بعد أن صار هذا هو اسم فارس، تلبس حذاء أكبر من قياسها بكثير ولهذا كانت خطواتها تتعثر، فكان أقصى ما سمحت لنفسها أن تبتز المجتمع الدولي به، أن تهدد بإغلاق مضيق هرمز، واكتشف الإيرانيون على حين غفلة من الأسرة الدولية، أن المضيق يعادل عشرات القنابل النووية.

فإذا عرفنا ان السلاح النووي ليس للاستخدام بل للردع كي يتم تجنب الحرب، سنفهم معنى التصريح الإيراني آنف الذكر، أي أن إيران مع يقينها بعدم قدرتها على وضع مضيق هرمز تحت سيادتها المنفردة، لأن ذلك إخلال بالقوانين الدولية لا سيما قانون البحار لعام 1982 والذي دخل حيز التنفيذ عام 1994، بسبب الرفض الدولي 'وهو قابل للمساومة" على ما أظن وذلك للسرعة الفائقة في تبدل التحالفات وتغير المصالح، ثم إن الموقف العربي لم يرتقِ إلى حد القدرة على التأثير بحيث يمكن الركون إلى قدرة دول الخليج العربي الدول الأكثر تضررا من التلاعب الفارسي بالتكييف القانوني لحق المرور العابر لمضيق هرمز الهبة الإلهية لبلاد العرب، وما لم يمتلك العرب الإرادة السياسية الحقيقية والقدرة العسكرية المستقلة على صيانة حقهم التاريخي، فإن إيران ستتغول وتخرج عليهم وعلى المجتمع الدولي صباح كل يوم جديد بفكرة شيطانية وتشغلهم بها ردحا من الزمن، وإذا اعتمدوا على حقهم وأنفسهم في رد تهديدات إيران فإنها ستجد أن طموحاتها ليست أكثر من حلم صيف سيتبخر في أجواء الخليج العربي الحارة جدا.

ولكن لماذا صارت إيران تتحدث عن تحديد القوانين التي ستفرضها على حق المرور بالمضيق، بعد أن كانت غير مصدقة بقدرتها على غلق المضيق، إلا عبر تصرفات حمقاء بزرع لغم هنا وآخر هناك، ولكن الوضع الناشئ بعد الحرب الاخيرة جعل احلام إيران تتوسع على طول المدى، وهي هنا ليست مدينة لبطولتها الفارغة بشيء بل هي مدينة لشخص واحد فقط، جمع في جوفه كل حماقات التاريخ من يوم قتل أحد ابني ادم أخاه ثم أصبح من النادمين، وحتى شهد التاريخ غزو نابليون لروسيا، ثم استنساخ هتلر للخطة نفسها فخسر كلاهما المعركة ثم الحرب بعد ذلك.

أظن أن إيران ستعرف بعد رحيل عمر قادتها الحاليين ومن سيأتي من بعدهم، أنها يجب أن تقيم تمثالا من الذهب الخالص لدونالد ترمب، في مركز كل محافظة وقضاء وناحية، ثم تقيم مزارا رمزيا للرئيس الأمريكي الذي وهبها قنبلتين نوويتين، الأولى مضيق هرمز والثانية القنبلة النووية الحقيقية عندما سمح لها بإعادة بناء مشاريعها النووية فأشغل العالم بتصريحات بلهاء لا تسمن نحيفا ولا تغني فقيرا ولا تشمت شامتا ينتظر الفرصة لفرح حقيقي.

ثم يتواصل الهتاف الموت لباراك حسين أوباما بدلا من الموت لأمريكا، كي تتواصل هبات ترمب وهداياه الثمينة لطهران دولة الولي الفقيه.

الخميس، 9 يوليو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية الجزء السادس د.نزار السامرائي

  حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية

الجزء السادس 

د.نزار السامرائي


ابتداءً ومن باب تثبيت الحقائق والمواقف، أنا لست معنيا إن تمرغت هيبة الولايات المتحدة وسمعتها في البحار أو في المستنقعات أو في الأوحال، سواء ما حصل لها في الحرب الفيتنامية أو أثناء الغزو الدولي للعراق عام 2003، أو على يد الإيرانيين أو غيرهم من الأقوام، ذلك أن الدور الذي لعبته أمريكا في غزو العراق وتدميره سياسيا واقتصاديا ودمرت نسيجه الاجتماعي، بعد أن سلمته لإيران بعد أن كان دولة متكاملة الأركان مرهوبة الجانب، وتمتلك تفوقا إقليميا في المجالات كافة سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وفي حقول التعليم والعلوم والخدمات العامة والبنى التحتية، وفي غضون أشهر معدودة بعد الاحتلال تحوَل العراقُ إلى كتل من الركام والخراب.

كما أنني لا أكترث كثيرا في حال التزمت الولايات المتحدة بتعهداتها بالدفاع عن أصدقائها أو حلفائها من دول الخليج العربي، أو تنصلت عن ذلك فهذا شأن أمريكي تكسب منه بقدر ما تؤكد التزاماتها التعاقدية أو السياسية المعلنة، وتخسر إن تنصلت عن أي التزام مكتوب أو مطروح على ألسنة المسؤولين الأمريكيين، ذلك بأن هناك اتجاها عاما وقويا في الساحة الدولية من أنها تستطيع إجبار أية قوة تخرج عن إرادتها أو تتمرد على الاتفاقات الموقعة بين الولايات المتحدة وأي من حلفائها أو أصدقائها، ولكن واشنطن لا تريد تفعيل التزاماتها أو جانبا منها، ليس لعجز منها بل لأنها وجدت أن مصلحتها تتحقق في ذلك.

وبقدر تعلق الأمر بالولايات المتحدة، فإنها فقدت كثيرا من مصداقيتها المفترضة في علاقاتها مع الآخرين، بل فقدت كثيرا مما كانت تلوح به من عناصر قوتها التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يبالغ في حدود قدرته على استخدامها في أي ساحة من الساحات، ولو أنه بقي يلوح باستخدامها في أي ساحة يريد، لأثار الرعب والهلع في نفوس زعماء الجهة المستهدفة بالتهديد، أما في الأوساط الشعبية فيمكن افتراض أن جميع شعوب الأرض تتطلع إلى سلام يحترم حقوقها من دون أي محاولة للإذلال وفقدان الكرامة، لكننا سنجد في الكتلة المتنورة التي يمكن وصف عناصرها بالمفكرين الاستراتيجيين، من ينظر إلى التلويح باستخدام القوة على أنها محاولات للردع لا للتطبيق، لأن حدود استخدام القوة لا تحكمه القدرات المادية فقط، بل تدخل فيها عناصر متعددة لغرض تحويله من المكاتب إلى الميدان، العامل الأول المؤثر فيه هو توازن الردع الدولي المتبادل، وكذلك القوانين الدولية وميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك ما تطرحه منظمات حقوق الانسان والمنظمات الدولية المتخصصة مثل جمعيات حقوق الانسان واللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما لا يمكن أن نغفل دور جهات الضغط الداخلي للدول التي تفكر بشن العدوان على دول أخرى، وتأثير المواقف الإنسانية على صياغة مواقف الرأي العام الدولي مما يرافق الحروب من صور الكوارث والآلام التي ترافقها، ولنا في ما حصل أثناء الحرب الفيتنامية من تحول داخل المجتمع الأمريكي نفسه من تعاطف مع كفاح الشعب الفيتنامي، بحيث اتسعت دائرة الدعوة إلى عدم التطوع في الجيش الأمريكي، ولعل حادثة تمزيق الملاكم محمد علي كلاي لوثيقة التطوع من فوق حلبة الملاكمة وأمام ملايين المشاهدين عبر شاشات التلفزيون أو مئات الحاضرين في صالة ماديسون سكوير، ما يعطي انطباعا عن فقدان الحرب لشرعيتها المحلية.

أما على مستوى الدول التي كانت توصف بأنها حليفة للولايات المتحدة، فقد حصلت تحولات كبرى في موقف الدول الأوربية من الحرب ولا سيما السويد التي فتحت أبوابها لكل جندي أمريكي يفر من الخدمة العسكرية في فيتنام، ومنحه حق اللجوء السياسي.

وهكذا يكون التلويح باستخدام سلاح الردع، أقوى تأثيرا من استخدام أي سلاح آخر، ولنا في التلويح بامتلاك الدول الكبرى المالكة للسلاح النووي عن تفوقها في قوة تأثير ما تمتلكه من هذا النوع من الاسلحة وقدراتها التدميرية، والإعلان بين آونة وأخرى عن نقل منصات صواريخه من منطقة إلى أخرى، ليس أكثر من رسائل إلى أعدائها أو الأطراف الأخرى، بأن الاستعدادات جارية على قدم وساق لاستخدام هذا السلاح، الذي اكتشف العالم هول  تأثيراته الحربية المباشرة، والتأثيرات المأساوية على الأجيال اللاحقة والبيئة لفترات طويلة، منذ أن ألقت الولايات المتحدة بقنبلتيها النوويتين على اليابان في آواخر الحرب العالمية الثانية. 

منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في حزيران 2025، ثم الحقتاهما بالصفحة الثانية من العمليات العسكرية في 28 شباط 2026، والولايات المتحدة تفقد مصداقيتها تدريجيا في المنطقة والعالم، لأنها وعلى الرغم من القوة العسكرية الهائلة، بالكم والأكثر تطورا بالنوع، فإنها أدارت المعركة بمنتهى الخفة وعدم وضوح الرؤية، وانعدام الهدف المركزي لها من جهة وعدم وجود خريطة خروج سلس من الحرب إذا حققت الحرب أهدافها، أو رأت القيادة السياسية أن من الأفضل الخروج منها لأي سبب من الأسباب.

لقد كانت سمعة أمريكا الدولية وهيبتها على مستوى العالم مثار تساؤل عن النتائج المحتملة لأية مواجهة بينها وبين أية قوة أخرى، ولكنها وعلى الرغم من انتهاء حرب عام 2025 من دون تحقيق الأهداف المعلنة لها أو جزء منها، قرر الرئيس ترمب وقف العمليات العسكرية من طرف واحد، حتى من دون أن يأخذ رأي شريكه فيها أي إسرائيل، كما أنه لم يعلن تفاصيل ما توصل إليه من نتائج عبر الاتصالات التي أجرتها الوفود الأمريكية مع إيران، إن كانت قد جرت أصلا، وهنا اتضحت أولى الدلائل عن المزاج السياسي الحاد والمتقلب للرئيس ترمب وخاصة في جانب منه، أنه يريد تحقيق أسرع الإنجازات والنتائج من أية تجربة سياسية أو مغامرة حربية أو صفقة تجارية، ولا استعداد لديه لانتظار ساعة إضافية لما توقعه مع نفسه لانتهاء الوقت المحدد الذي رسمه وحده. 

ولم يقتصر إخفاق الولايات المتحدة في إدارة المعركة الحربية فقط، بل كان إخفاقها في دفاعها عن أصدقائها الإقليميين مثار تساؤل عن معنى عقد الصداقة معها، لا سيما وأن بعضهم استضاف القواعد العسكرية الأمريكية فوق أراضيه، أو ربط سياساته مع واشنطن، على المستويات الدولية والاقتصادية وخاصة في ميدان السياسة النفطية، ولكنهم عندما تعرضت أراضيهم للقصف الإيراني، على الرغم من أن تلك الدول طلبت من أمريكا عدم استخدام تلك القواعد ضد إيران، بل أن بعضها لعب دور الوسيط المحايد بين الطرفين.

ويبدو أن إيران من فرط استخفافها بدول الخليج العربي، تعمدت مهاجمة أراضيها، وأغفلت الأخطار التي يمكن أن تأتي عليها من قواعد أخرى في جمهورية أذربيجان وتركيا، صحيح أن تركيا تعرضت لأكثر من ضربة صاروخية إيرانية لكن الموقف التركي القوي أوصل رسالة لطهران بأن موقفها سيتناسب مع الافعال الإيرانية مستقبلاً وهو ما أوقف إيران عند ذلك الحد.

إيران اتخذت من وجود تلك القواعد ذريعة لشن الحرب عليها بهدف استدراجها للقيام برد فعل ما كي توسع من دائرة الحرب، لأنها تعي جيدا أن عصب الاقتصاد الخليجي يقع في متناول مسيّراتها وصواريخها القريبة المدى بل وزوارقها السريعة، وبهذا فقد وجدت دول الخليج العربي في الولايات المتحدة ولكن بعد فوات الأوان أنها حليف غير موثوق به، ولا صديق لا يمكن الاطمئنان إلى تعهداته. 

لكننا يجب أن نتوقف هنا وقفة طويلة، عند أهم سؤال يجب أن نطرحه عن شكل العلاقة المطلوب بناؤها مع الولايات المتحدة، فنحن من جانب نؤكد على أن مبدأ التكافؤ في ميدان العلاقات بين الدول بصرف النظر عن صغيرها وكبيرها يشكل الركيزة لعالم خال من الظلم والعدوان، لكننا في نهاية المطاف نأتي لاحقا إلى ما نسميه بـ"الصديق الكبير"، لنطلب منه توفير الحماية لنا من التهديدات الخارجية القادمة من أطراف إقليمية أو دولية، علينا إذن أن نحدد ماذا نريد من الولايات المتحدة ومن غيرها، وما هي الحدود التي عليها التوقف عندها.

غير أن التجارب السابقة كان يجب أن تعلمنا، أن عالما تسوده شرعة الغاب، لا يمكن أن يركن طرف ضعيف على وعود غامضة من طرف أقوى، فعالم اليوم يعيش مرحلة سرعة تغير التحالفات والعداوات على نحو دراماتيكي تصعب ملاحقته ويصعب التكهن به، فليس من المنطقي أن توكل دولة ما أو مجموعة من الدول، أهم واجباتها الوطنية وهي الدفاع عن سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها، إلى دولة أجنبية أو إلى كتلة دولية سياسية أو عسكرية من منطقة جغرافية بعيدة نسبيا عنها، فالقدرة الذاتية لكل دولة على انفراد تبقى هي الركيزة الأساسية لأمنها القومي، ثم إن عالم اليوم هو عالم التكتلات السياسية والاقتصادية، فما نصيب الأمة العربية وخاصة دول الخليج العربي من هذا التوجه من أجل توفير القدر المطلوب من الأمن الجماعي لها كمجموعة منسجمة؟ أو لكل على انفراد لأن الأحداث الأخيرة أكدت أن توفير الأمن الذاتي هو الطريق الوحيد القادر على أن يفرض نفسه كحقيقة ماثلة على الأرض أو مياه الخليج العربي، ويمكن أن نلمس نتائج هذا الخيار حتى لو لم يكن اللجوء إلى القوة هو الخيار الوحيد، لأننا نواجه دولة تمتلك نزعة عدوانية طالما عبرت عنها قولاً، عن طريق رفع أكثر الشعارات التوسعية استفزازا، وهو شعار "تصدير الثورة" الذي يلخص منهاجا سياسيا توسعيا على حساب أراضي الغير، ولم تكتف بطرح الشعارات بل حولته إلى قاعدة للتحرك الميداني في أكثر من ساحة عربية، فاحتلت استنادا إليه أكثر من دولة عربية، ما زالت تعاني من ويلات التدخل الإيراني.

الجمعة، 3 يوليو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية / جزء خامس / د. نزار السامرائي

  حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية

جزء خامس

د. نزار السامرائي


هل يستطيع المهزومون فرض شروطهم على المنتصرين؟

من المعروف أن الحرب التي تنتهي بلا غالب ولا مغلوب، لا يستطيع أي منهما فرض شروطه على الطرف الآخر، فهل تصح المعادلة الواردة في السؤال الأول؟ ومع ذلك فإن هذه المعادلة وغيرها من معادلات العلاقات بين الدول، تقف بلا حراك عندما يتعلق الأمر بإيران وإيران وحدها، فلقد راكمت عبر آلاف السنين من الخبث والمخادعة والدهاء، والقدرة على المخاتلة والمناورة واتقان فن المماطلة وبيع الوهم وشراء الزمن، في الحرب والسلام على حد سواء، ما مكّنها من تخطي كثير من محاولات التطويق التي تعرضت لها، وهو ما استطاعت من خلاله تفريغ انتصارات أعدائها عليها من مضامينها، وذلك عن طريق الدخول في المفاوضات ليس بهدف الوصول إلى حلول ترضي جميع الأطراف وتعطيهم على قدر انجازاتهم في ساحة المعركة، بل تَدخل المفاوضات وهي مصممة على دخولها مع نية مبينة على جعلها بداية يتم الاحتفال بها تحت الأضواء الكاشفة، ثم لتدخل في سبات طويل، والبدء بمسيرة الألف ميل والتي لن تصل خط النهاية ولو بعد ألف عام.

ومن الطبيعي أن إيران لا تسلك هذا الطريق إلا عندما يتواصل الطرق على رأسها بقوة، بل تقضي وقتها وهي تعكف على دراسة الحالة النفسية للرموز القيادية في الطرف الآخر، وبقدر تعلق الأمر بالحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، والتي تمكنتا من تفريغ إيران من الصفوف الأولى والثانية من قياداتها الدينية والسياسية والعسكرية، فإن من مفارقات السياسة الدولية أنها وضعت مقابل إيران، الرئيس الأمريكي ترمب الذي يتميز بأنه أكثر شخصية قلقة عرفتها مؤسسة الرئاسات الأمريكية، فضلا عن أنه يعاني من نرجسية عالية تسعى لتحقيق أي مكسب حتى لو اقترن ذلك بنزع أهم سلاح لديه، المهمُ لديه أن يُصورَ نفسه بأنه هو المنتصر حتى إذا لم يجد أحدا يُقر له بذلك، ومن مظاهر شخصية ترمب أنه يحاول فرض رؤيته لموضوعي الحرب والسلام، فعندما كان يرى أن إيران على وشك السقوط، رفع شعار أن إيران لا تستجيب لمنطق الحوار إلا بالضغط عليها، وأن عليه أن يواصل الضغط العسكري عليها بلا حدود، ولكنه لما تغيرت قناعاته في المراحل الأخيرة من الحرب، هبطت عليه فكرة أن الضغط الاقتصادي هو وحده الكفيل بإخضاع إيران لمتطلبات السلام.

 إن عدم وجود رؤية واضحة للحرب أو لكيفية الخروج منها، مكّن إيران من توجيه رسائل إعلامية إلى الداخل الإيراني، صورت نفسها أنها هي الطرف المنتصر في حرب عام 2026، على الرغم من كل ما لحق بها من دمار، وربما استندت إلى معيار شرق أوسطي يفسر النصر بعبارة واحدة هي "عدم سقوط النظام"، ولما كانت إيران لا تمتلك دليلا واحدا على انتصارها العسكري، راحت تبحث بين الركام الذي خلّفه القصف الأمريكي الإسرائيلي على منشآتها النووية ومقار قياداتها العسكرية، وراحت تتعسف أكثر من حدود المتاح لها في تصوير كثير من مفردات مخلفات الحرب، مما يمكن أن تصوره على أنه إنجازات عسكرية وسياسية حققتها لنفسها في تلك المعركة التي كانت شؤما عليها بكل التفاصيل، ولما لم تستطع تأكيد نصرها المفترض "كي لا أقول المزعوم" طفقت تبحث بين ركام حرب الاثنين وأربعين يوما، فاخترعت إنجازين موهومين، الأول أنها تلاعبت بالظرف النفسي الذي ألبسته للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وهو ما يتميز به رجال الأعمال من تعجل في جني الأرباح بسرعة كبيرة، ففرضت عليه التراجع عن أهداف الأيام الأولى للحرب، وخاصة ما يتعلق بنقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى الولايات المتحدة حصرا، وإذا به يُصّفر هذا الهدف ويبحث عن مخرج من أزمة ورط نفسه بها فبدأ يبحث عن أي حل بديل، ثم تدافعت الشروط مع بعضها، فبرزت قضية حرية المرور العابر في مضيق هرمز، وإزاء العناد الإيراني غير المنطقي، بدأت خطوات ترمب ترسم لنفسها عن مزغل للإفلات من هذا المضيق الخانق، وكل هذا ما كان ليحصل لو أن ترمب تخلى عن غرور القوة الفتاكة التي يباهي بها، ولولا وجود نائبه جي دي فانس التي يتحلى بروح انهزامية موروثة أو مكتسبة، لأنه وجد نفسه على حين غفلة من أهل البلاد في منصب نائب الرئيس، الذي ينتظر شغور المنصب لأي من الأسباب الطبيعية أو السياسية ليؤدي اليمين الدستورية رئيسا جديدا للولايات المتحدة، ويسكن البيت الأبيض وينقل مقره إلى المكتب البيضاوي، لقد اشتهر فانس بأنه أسوأ الناصحين في زمن الحرب، ويعطي النصائح الاستسلامية أكثر مما يعطي نصائح للسلام، المهم عنده أن يُظهر نفسه متميزا عن فريق الصقور المحيط بترمب كجزء من لعبة التنافس المبكر على منصب مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات 2028.

وبدأ دولاب التراجع يدور بلا هوادة، وبدأت طهران تضغط على ترمب الحالم بالحصول على جائزة نوبل للسلام، كي يصفع بها وجه أوباما، حتى نجحت في واحدة من أدق مراحل الترقب الدولي لتوقيع مذكرة التفاهم التي تمهد لمفاوضات القرن والقرن الذي يليه، والتي لا تحتوى على كلمة تفاهم واحدة، فنجحت إيران في ربط ملف حزب الله اللبناني بملف وقف إطلاق النار بين الطرفين مع إلزام إسرائيل بما يتفق عليه الطرفان، كون الحزب المذكور أهم أذرعها في الوطن العربي ووكيلها العام فيه، كما نجحت بتمرير لعبتها القديمة مع أوباما عندما هددت بعدم توقيع اتفاقية الملف النووي عام 2015 في حال إدانة القصف السوري الكيمياوي لمدن سورية ثائرة على نظام بشار أو الرد عليه، ولما كان أوباما متعجلا كثيرا في توقيع ذلك الاتفاق لأسباب لا صلة لها بأسباب ترمب فقد أمر وزير خارجيته بالتوقيع وصار وثيقة تحاجج بها إيران، لهذا كله رأت إيران أن تكرار اللعبة نفسها في حزيران 2026 سيعطي النتائج القديمة نفسها، وهذا ما اعتبرته طهران نجاحا إيرانيا نادرا في تفكيك الحلف الاستراتيجي الأبدي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خلال معركة تمت من فصلين بين عام 2025 وعام 2026، وهو ما عجز العرب عن تحقيقه أو جانب منه، طيلة ثمانية عقود من تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وبذلك فإن إيران تمكنت من تدمير أحد أضلاع الحلف الاستراتيجي القائم بين إسرائيل والغرب، وبقراءة متأنية للمشهد بكامله نستطيع تكوين صورة ملتبسة للمشهد، ففي آخر زيارة لنتنياهو إلى واشنطن واجتماعه بترمب في المكتب البيضاوي، سحب ترمب الكرسي المخصص لجلوس رئيس الوزراء الإسرائيلي وأجلسه عليه، سرت تفسيرات كثيرة عن أن تلك خطوة هي تعبير عن دعم أمريكي ثابت لإسرائيل، وهذه حقيقة راسخة لا صلة لها بتغير الحكام، ولكنني أستطيع أن أخرج بتفسير مضاد لتلك الفرضية، وهي أن ترمب أراد أن يقول لنتنياهو، بأن ترمب هو القادر على إزاحتك عن كرسيك بنفس سهولة تثبيتك عليه متى أراد ذلك.

اختلاف أهداف الحرب بين الطرفين بدأت تطفو على السطح منذ انتهاء عملية حزيران 2025، عندما اضطر نتنياهو بناء على أمر من ترمب، إلى إصدار أوامر لسرب من الطائرات الإسرائيلية المقاتلة التي دخلت الأجواء الإيرانية وكانت على وشك قصف مقر المرشد علي خامنئي مع عدد كبير من مستشاريه ومساعديه، بالعودة إلى قواعدها، منذ ذلك اليوم بدأ الحديث يتشعب عن تغير موازين القوة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وكان طبيعيا أن ينسحب على رسم الخرائط السياسية على وفق المتغيرات الجيو سياسية.

لقد حافظت إسرائيل ومنذ قيامها على مكانة ممتازة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي ظل ينظر إليها كولاية أمريكية، فكانت تتباهي بأنها تأتي بالرؤساء الأمريكيين وتطيح بمن لا ترغب به، فبدأت الصورة تنقلب تدريجيا، فقد تحول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى صانع رؤساء الوزراء في إسرائيل، صحيح أن هذه حالة واحدة قد تنتهي برحيل ترمب من موقعه، وتعود الأوضاع إلى سابق عهدها، ولكن هل يطيق نتنياهو هذا الوضع حتى انتهاء ولاية ترمب الثانية؟ وماذا لو جاء جي دي فانس من بعده، وهو أعلى المبشرين صوتا في ضرورة التفاهم مع إيران والتفات الولايات المتحدة إلى مصالحها بدلا تركيزها على مصالح إسرائيل.     

من يريد إحصاء أخطاء المفاوض الأمريكي، في اللقاءات الأخيرة مع إيران، فقد لا يجد لنفسه متسعا من الوقت للوصول إلى جواب شاف، فقد نجح ترمب في إضاعة نصر عسكري لامع على إيران، لم تقدم فيه الولايات المتحدة خسائر ذات قيمة، بل إن خسائرها في المناورات التي تجريها قواتها بين آونة وأخرى بالذخيرة الحية، كانت تتسبب بخسائر أكبر بكثير مما تكبدته في المواجهات التي استمرت لمدة شهرين، ثم إن المفاوض الإيراني تمكن من إذلال الوفد الأمريكي والتلاعب بأعصابه سواء في إسلام آباد عندما فرض توقيتاته على المفاوض الأمريكي فتم تعديل تحرك الوفد الأمريكي أكثر من مرة من واشنطن، أو في سويسرا عندما رفض  المصافحة البروتوكولية بين أعضاء الوفدين أمام المصورين مع أن نائب الرئيس الأمريكي ظل ينتظر الفرصة بلهفة، صحيح أن الغربيين يتعاملون مع هذه المظاهر بلا مبالاة وليس كما يتعامل معها الانسان الشرقي، إلا أنها ستبقى واحدة من صفحات اللقاءات الماراثونية بين الولايات المتحدة وإيران، أما ما حصل في العاصمة القطرية الدوحة، فهو مواصلة لأفلام الغرب الأمريكي ولكن بنسخة هندية.

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

مجلة صوت الطلبة العدد ٦٤ /٣٠ حزيران ٢٠٢٦


مجلة صوت الطلبة 
العدد ٦٤ / السنة السابعة 
٣٠ حزيران ٢٠٢٦
للتصفح ،اضغط على الرابط الالكتروني ادناه 
https://online.anyflip.com/rnvg/wume/mobile/index.html



















السبت، 27 يونيو 2026

حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية/جزء ٤ / بقلم د. نزار السامرائي

  حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية

د.نزار السامرائي

جزء ٤

يعتقد بعض المراقبين أن الحرب التي شنتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في حزيران عام 2025، كانت مصممة لكي تنتهي بالشكل الذي يتيح لكل طرف أن يقول إنه انتصر وحقق كل أهدافه منها، فإيران التي تؤمن إيمانا مطلقا أن مجرد بقاء نظامها الراهن هو الاستثمار المقدس، الذي يستحق كل ما يُقدم من أجله من تضحيات بشرية ومادية استنادا إلى قول منسوب للخميني جاء فيه "إن حماية النظام من أوجب الواجبات"، خرجت من هذه الحرب وهي أكثر يقينا على قدرتها في التكيّف مع كل ظرف يتطلبه ذلك، حتى لو استجابت لكل الشروط التي يطلبها المجتمع الدولي منها، معتمدة في ذلك على خزين قديم من الخبرة على المناورة والمماطلة والتسويف، وهذه حقائق يعرفها عنها البعيد من الدول والقريب، لكن اللافت أن كثيرا من تلك الدول التي اكتوت بنيران نكث طهران للاتفاقيات الثنائية، ما زالت على استعداد لتجربة حظها والدخول في مفاوضات بلا هدف وبلا سقوف زمنية، مع ثعالب لا تحسن شيئا مثل خبرتها في المناورة والخداع.

كل هذا كان يحصل للجميع عن طيب خاطر واستعداد لطي صفحات الماضي، وصفحات نسيان الغدر التي وقع ضحيتها كثير من الدول الإقليمية، استنادا إلى مبدأ حسن الجوار الذي يقرر أن جميع المتجاورين لا مناص لهم ولا خيار، إلا تطبيع العلاقات على الحد الأدنى من التنازل عن الحقوق الصغيرة، ولكن إيران كانت على الدوام هي الطرف الرابح في كل صفقة يتم إبرامها ثنائياً أو جماعياً، ذلك أن إيران تمتلك أعلى شهية لقضم أراضٍ جديدة لتحسين مركزها الاستراتيجي، ونهماً للحصول على المزيد من التنازلات، ومع كل تلك التجارب التي ما زالت ماثلة للعيان، وقعت بعض القوى الدولية بما فيها الدول الكبرى ضحية لقدرة المناورة وإعطاء التعهدات لتقديم أفضل ما لديها من عروض سياسية واقتصادية مكتوبة أو على موائد الحوار، وعلينا أن نقرّ أن ارتكاب أي خطأ من قبل الدول الكبرى في ما تعقده من اتفاقيات مع إيران اعتقادا منها أنها قادرة على ترجيح كفتها التفاوضية مع طهران، إلا أن تلك الدول ترى في بعض الأحيان أن التزامها بالمواثيق الدولية دليل على أن معيار الرقي يكمن في احترام قواعد القانون الدولي وليس الخروج عليها، ومع أن أكثر من رئيس أمريكي قال إن "إيران لم تكسب حربا ولم تخسر مفاوضات"، لكن واشنطن استخدمت هذه المقولة لتبرير اخفاقاتها في كثير من صفحات علاقاتها مع إيران، وهي أي الولايات المتحدة أعطت لإيران دفعة معنوية للمضي في هذا النهج المتعالي ونشوة الإحساس بعبقرية المفاوض الإيراني وقدرته على وضع مفاوضي الدول الأخرى في موضع العاجز عن تحقيق أي خرق في جدار المنعة الإيراني العصي على الاقتحام.

وطيلة عقود كانت الولايات المتحدة أكثر دول العالم اندفاعا في تأمين مصالح إيران الاستراتيجية، رغم كل حالة العداء المتبادل، والأوصاف التي تطلق على أمريكا في الشارع الإيراني بأوامر من الزعامة الإيرانية التي ترفع لواء العداء للاستكبار العالمي وخاصة مع الشيطان الأكبر، في حين أنها ظلت تحافظ على خيوط متينة من التواصل مع واشنطن في أكثر الأوقات توترا معها، ويبدو أن ما كان قد قاله باراك حسين أوباما في وصف الحضارة الفارسية بأنها حضارة متكاملة الأركان ومتفوقة وتستحق الإعجاب، على خلاف العرب الذي يحملون تراكماً من التخلف والبداوة المتوارثة، بل ويريدون من الولايات المتحدة أن توفر لهم مظلة الحماية من أخطار حقيقية أو متصورة.

ونتيجة الأخطاء التي ارتكبها ترمب في ذروة المواجهات، وخاصة عندما أعلن عن وقف اطلاق النار في الوقت الذي كانت فيه إيران على وشك السقوط،  بادرها من تلقاء نفسه وألقى إليها بقارب النجاة في أشد حالات اختناقها، بدلا من استثمار الفوز وتطوير الهجوم الشامل، وهذا أحد أهم المبادئ التي يجب أن يعتمدها المتحاربون عندما تلوح بالأفق مؤشرات على قرب انهيار العدو، وذلك بإدامة زخم المعارك وتطويرها للضغط على العدو حتى يفقد ارادة القتال، وهنا علينا أن نسأل عدة أسئلة كي تتبين الصورة جلية عن أهداف بدء الحرب في منتصف عام 2025 وبداية عام 2026، وهل هناك مؤشرات على أن إسرائيل هي التي استدرجت الولايات المتحدة إلى الحرب وورطتها فيها  استنادا إلى وهم أكد زيف هذه الفرضية فيما بعد، من أن النظام الإيراني آيل إلى السقوط، بمجرد ضرب بعض المرتكزات الأساسية له، لا سيما الخط القيادي الأول لزعامته الدينية والسياسية والعسكرية، فتم ترحيل ثلاثة خطوط قيادية في البلاد دفعة واحدة وبضربة إسرائيلية واحدة، ومع لم  يسقط النظام، وهذا هو الذي أدخل الرئيس الأمريكي إلى نفق مظلم من القلق الذي لا ينسجم مع مواصفات رئيس دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، عندما عجز عن قراءة المشهد السياسي والعسكري استنادا إلى معلومات حقيقية من مصادر الاستخبارات الأمريكية نفسها وإخضاعها للدراسة والتحليل من جانب كبار المتخصصين الاستراتيجيين الذين تزدحم بهم الجامعات الأمريكية ومراكز الدراسات الاستراتيجية فضلا عن مجلس الأمن القومي، فمن لحظة الانكسار النفسي التي عاشها ترمب، بدأت قرارات الحرب تتضارب، وربما صارت قيادة القوات العاملة في المنطقة تتلقى في اليوم الواحد أكثر من عشرة قرارات ثم يتم إلغاؤها بعد دقائق معدودات، وهذا وحده كفيل بخلق حالةٍ من عدم اليقين وانعدام الرؤية الواضحة في منظومة القيادة والسيطرة.

فإذا كان نتنياهو قد أوقع ترمب في فخ خوض حرب غير معروفة الأهداف وغير محسوبة النتائج، فهل ذلك يدل على ضعف الشخصية القيادية لترمب أمام نتنياهو؟ أم يدل على أكبر قوة سياسية وعسكرية واقتصادية في العالم تدار من خارج الحدود؟ وهنا يكون من حق المراقب أن يستنتج أن ترمب الذي صار رهينة بيد نتنياهو، أقدم على خطوات في غاية الانفعال لإثبات عكس تلك الصورة النمطية المأخوذة عن معظم رؤساء الولايات المتحدة من أنهم أدوات تحركها الحركة الصهيونية، عند ذاك سنجد المبرر الذي دفع ترمب لإصدار أوامره لنتنياهو بإرجاع طائرات حربية إسرائيلية كانت على وشك أن تنقضّ على أهداف إيرانية، منها ما يتعلق بمقار حصينة لزعامات دينية ومنها ما يتعلق بضرب منشآت اقتصادية كمحطات تصدير النفط ومحطات توليد الطاقة الكهربية أو ضرب أهداف استراتيجية لها صلة بخطوط الامداد الحربي مثل طرق المواصلات والجسور، وكأن ترمب كان ينفس عن حالة احتقان بات يعيشها بسبب إضاعة طريق إنهاء معركة لم يخطط لها كما ينبغي، وتؤكد عجز منظومة الاستخبارات الأمريكية عن معرفة الطافي من قوة النظام الإيراني والغاطس منه.

الولايات المتحدة أكدت عبر تاريخ طويل من علاقاتها مع إيران الشاه، على دعمها في كل المحافل والمحاور،  وخاصة في كل ما من شأنه تعزيز قوتها العسكرية على حساب دول الخليج العربي والعراق، وعلى الرغم من سقوط الشاه ومجيء نظام ثيوقراطي راديكالي يتخذ من شعار الموت لأمريكا منهاجا على مستوى الشارع وعلى مستوى السلوك الرسمي، وعلى الرغم مما تركته عملية احتجاز أكثر من خمسين دبلوماسيا أمريكيا في مبنى سفارة بلادهم في طهران لمدة 444، فإن واشنطن كانت على استعداد للتنازل عن حقوقها من أجل ألا تفلت "هذه الجوهرة الثمينة" من يديها، وهنا لا بد من التأكيد بأن أوباما لم يكن يُلقي محاضرة على طلابه في جامعة هارفارد ثم يمضي في سبيله، ولم يعبّر عن رأي شخصي لرجل رومانسي في لحظةٍ عاطفية حالمة، عن إعجابه بحضارة فارس، وتوجيه الطعن للعرب وإنكار حضارتهم، ولم يكن شاعرا مفتونا بمآثر فارس جاء ليُلقي قصيدة ويغادر القاعة، بل هذا موقف راسخ لدى راسمي الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط وضع للمستقبل كما كان تعبيرا عن صورة من الماضي، حتى يثبت العكس.

ولو غادرنا فارس قليلا، لألفينا أمة أخرى وهي "الأمة الأمريكية"، تحمل من الأفكار المتعالية في تعاملها مع دول المنطقة بل مع دول العالم بما فيها دول أوربا التي أقام مهاجروها الأوائل الصرح الذي تتباهى به الولايات المتحدة اليوم، وإن كان هذا في موازين الحاضر من الأخطاء الفادحة، لأن لغة المصالح هي التي تحدد مسار العلاقات بين الدول مجتمعة أو على المستوى الثنائي، ويبدو أن العرب أمة لا تستطيع التخلي عن شيء مما ورثته من الآباء والأجداد، ولو أن زعماء العالم بمن فيهم زعماء أمريكا قرأوا تاريخ المنطقة بصورة منهجية مستفيضة، لما أوقعوا أنفسهم في هذا المطب المعرفي المعيب، ولما وضعوا حجر عثرة في مصالح بلادهم نتيجة جهلهم، مع أن كثيرا من المسؤولين الأمريكيين يفكرون أن العرب سريعو النسيان وعلى استعداد للتسامح مقابل بيت شعر واحد في مديح بلد ما أو زعيمه، ثم يبدون الاستعداد لفتح الخزائن أمام كل متسول أو متفوق يريد فرض الجزية.

الدول الغربية والشرقية على حد سواء تنظر إلى إيران ككيان منفصل عن النظام الذي يحكم فيه، لأنها تعرف أن إيران أتقنت لعبة الأمم كما ينبغي وتتعامل بلغة المصالح في عصر تميّز بالصراع بين الكبار وتعمد ألا يترك مكانا للدول الصغيرة في التنافس على الثروات بما فيها ثرواتها الوطنية، ومهما ارتفعت حرارة الشعارات المدوية في المدن الإيرانية، هناك صوت واحد يدير المشهد وفي لحظة واحدة يستطيع اسكات كل الأصوات، ولنا في تجربة ما تم الاتفاق بين الولايات المتحدة ودولة الولي الفقيه، فعلى الرغم من العداء الذي بدأ الإيرانيون صفحته الأولى، بمجرد أن تم التوقيع على مذكرة التفاهم بوساطة باكستانية، أعلن في طهران عن وقف رفع أية شعارات تثير الكراهية بين البلدين، هذا كله في الجانب الإيراني، فماذا سنرى في الجانب العربي؟

هناك اثنان وعشرون صوتا يمكن أن يسمعها أي مفاوض دولي مع العرب، وقد تكون المواقف متصادمة أكثر مما هو قائم بين عدوين، فلا أحد على استعداد أن يتنازل لشقيقه عن اليسير مما يظنه حقا تاريخيا له، وهناك حالة من الاستقواء بين الدول العربية باللجوء إلى قوى خارجية للتأثير على مواقف دول عربية أخرى، وأجواء التنافس هذه لم ينجح ميثاق الجامعة العربية ولا معاهدة الدفاع العربي المشترك، ولا اتفاقيات تأسيس المجالس الإقليمية الفرعية، مثل مجلس التعاون الخليجي، ولا اتفاقية تأسيس الاتحاد المغاربي، وكذلك الحال مع مجلس التعاون العربي، في وضع حد لها والتقريب بينها أو التنسيق فيما بين الأعضاء للحصول على النتائج الملبية للحد الأدنى من متطلبات المصلحة الوطنية والقومية، وبقي الخطاب الرسمي العربي موزعا على اثنين وعشرين بلدا، ولم تنجح كل المحاولات التي بذلت من أجل تقريب وجهات النظر على عشرات القضايا المطروحة على بساط البحث مع الأطراف الخارجية، وهذا يجعل من التعاون الاقتصادي والفني بين دول العالم مع دولة واحدة أيسر بكثير، ولو ألقينا نظرة على أكثر التكتلات العربية انسجاما وهو مجلس التعاون الخليجي لرأينا أن دول المجلس اختلفت بعد وقت قصير من تأسيسه على قضايا رئيسية، لعل أهمها تأسيس مجلس نقد مشترك لدول المجلس وإصدار عملة واحدة، فالمملكة العربية السعودية رأت أنها بحكم كونها الدولة الأكبر في قوة اقتصادها، أنها أولى باستضافة مجلس النقد الخليجي المقترح، لكن الإمارات العربية أصرت على جعل المقر في "أبو ظبي"، وما زالت الإمارات تحاول إظهار اختلافها مع الجميع، ولعل آخر سلوك هو خروجها من منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك، أما سلطنة عمان فإنها عضو في مجلس التعاون الخليجي وربما ينظر البعض إلى هذه العضوية على أنها العضوية المفروضة، ويرى كثير من المراقبين أنها جلست في المكان الخطأ، ربما كان في ذلك مداراة لحرج استشعرته في حال بقائها خارج هذا الوعاء الخليجي في بداية تشكيل المجلس، بعد فترة وجيزة من نشوب الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، والذي قيل إنه تشكل ليستبعد العراق، كي يعلن أنه طرف غير معني بالنزاع الناشب على مقربة خزان النفط الرئيس في العالم.

وإذا عُدنا إلى الأمس القريب فإننا سنرى موقفا أثار تساؤلات عن مدى الانسجام داخل مجموعة كانت تصرّ على أنها أكثر البيئات العربية انسجاما واقتربا من العادات والطبائع البشرية، فبعد الانقلاب الذي قاده الحوثيون في اليمن، انسحبت قطر في وقت مبكر من التحالف العربي الداعم للشرعية، بل وأظهرت ميلا إلى جانب الحوثيين، تم التعبير عن مفرداته في تغطية قناة الجزيرة الفضائية لمجريات الحرب، وخاصة ما حصل في تغطية أخبار ميناء الحديدة اليمني، إذ كانت قد عُرضت في قناة العربية صور من سيطرة قوات الشرعية بدعم من التحالف العربي على الميناء، ولكن قناة الجزيرة كانت حريصة على دحض تلك المشاهد، أما ما جرى من توترات بين قطر والبحرين في مرحلة سابقة من القرن الماضي حول عائدية جزر "فشت الديبل" والتي من بينها جزيرة اسمها جزيرة "حوار"، أذكر أن الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي حينذاك، توسط بين الطرفين وقال كلمة معبرة "يجب أن يكون جهدنا لحل الأزمة منسجما مع اسم الجزيرة"، على العموم هذه الإشكاليات الفرعية بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي، تلخص الخلافات البينية التي كانت مثل قنبلة موقوتة تهدد استمرار المجلس على قيد الحياة.

من هذا كله يمكن أن نستخلص نتيجة واحدة، وهي أن العرب منقسمون على أنفسهم وأن وحدتهم تظهر في المواقف المعلنة لا غير، وأن العالم سيظل يستخف بهم كما ظهر في الحرب الأخيرة عندما تعاملت معهم إيران على أنهم الضلع الأوهن في معادلة الحرب والسلام، وأنهم آخر من يؤخذ رأيه فيهما

مَن لِمَن؟.. حين تُدار حواضر الرافدين بعقلية الغنيمة والسمسرة/ بقلم حميد مجيد محمد

  مَن لِمَن؟.. 

حين تُدار حواضر الرافدين بعقلية الغنيمة والسمسرة

حميد مجيد محمد 

قراءة تخرق وجه الريح لتكشف تفاصيل الجلسة الأخطر في تاريخ بلاد النهرين، حيث تلاشت الخطب المنبرية وتعرّت وجوه الطغمة التي تبيع السيادة بدراهم معدودة، ليبقى السؤال الحاسم: مَن لِمَن؟

بين مطارقِ الوصايةِ وسندانِ التواطؤ، يجلسُ العراقُ اليومَ في غُرفةِ "المداولةِ" الكبرى؛ لا كقاضٍ يزنُ الجنايةَ بميزانِ العدل، بل كوطنٍ يُساقُ إلى المقصلةِ بدمٍ بارد، وتحتَ عباءةِ نصوصٍ ومحاضرَ صاغَتها أصابعُ الهواةِ وأمْلتْها أهواءُ الغزاة. إنها الجلسةُ الأخطرُ في تاريخِ بلادِ النهرين، حيثُ لم يعدِ السؤالُ المطروحُ فوقَ طاولةِ الساسةِ: "كيفَ ننهض؟"، بل غدا السؤالُ الفاضحُ العاري: "مَن لِمَن؟!"

إقطاعيات ممسوخة: حين تباع النخيل بدراهم معدودة

مَن لِمَن؟ ومطامعُ الجوارِ تنهشُ الخاصرة، والولاءاتُ العابرةُ للحدودِ تبيعُ النخيلَ بثمنٍ بَخسٍ دراهمَ معدودة! مَن لِمَن؟ والسيادةُ صارت خِرقَةً باليةً تتقاذفُها عواصمُ القرار، بينما ينظرُ ابنُ الرافدينِ إلى أرضِ أبائهِ وأجدادهِ فلا يرى سوى "إقطاعياتٍ" ممسوخة، تُدارُ بعقلياتِ الغنيمةِ لا بروحِ الدولة. لقد جُرِّدَ السيفُ من غِمده، ولم يعدْ في الوقتِ متسعٌ للمجاملاتِ الباردةِ أو الخطبِ المنبريةِ المتساقطةِ كأوراقِ الخريف؛ فإما وطنٌ يستردُّ أنفاسَهُ بضربةِ حقٍّ قاطعة، أو غيابٌ أبديٌّ في غياهبِ التبعية.

سماسرة الأزمات: الواهمون خلف كواليس الحبر المسموم

إنَّ الذينَ يظنونَ أنَّ العراقَ مجردُ ورقةٍ في ملفِ المفاوضاتِ الإقليمية, أو حصةٍ لشركةٍ قابضةٍ تُوزَّعُ أرباحُها خلفَ الكواليس، واهمونَ حدَّ الفجيعة. فهذهِ الأرضُ التي علَّمتِ البشريةَ النطقَ والكتابة، لا تُمحى بجرَّةِ قلمٍ من حبرٍ مسموم، ولا تستسلمُ لرجالِ صدفةٍ قذفتْ بهم أمواجُ الأزماتِ إلى كراسي الحكم. العلةُ ليست في جسدِ العراق، بل في هذهِ الطغمةِ التي أدمنتِ العيشَ في جلبابِ السمسرة، وتخلتْ عن شرفِ الانتماءِ لأعرقِ حضارةٍ عرفَها الوجود.

سقوط الأقنعة الرمادية: السيف أصدق أنباءً من خطب التهدئة

وفي هذهِ المداولةِ المصيرية، تخرقُ الحقيقةُ وجهَ الريحِ كشفرةِ سيفٍ يمانيٍّ صقيل: الوطنُ ليسَ لِمن يسكنُ القصورَ المحصنةَ بالخوف، بل لِمن يحملُ همَّ الجائعينَ والمحرومينَ في الشوارعِ الخلفية. الوطنُ لِمن يحرسُ حدودَهُ بعينينِ لا تنامان، لا لِمن يفتحُ الثغورَ للغرباءِ ليقبضَ ثمنَ الخيانةِ مناصبَ زائفةً وعروشاً من ورق. لقد سقطتِ الأقنعةُ كلُّها، وتعرّتِ الوجوه، ولم يعدْ هناكَ منطقةٌ رماديةٌ نختبئُ خلفَها؛ فالسيفُ أصدقُ إنباءً من خطبِ التهدئة، والحسمُ اليومَ لم يعدْ خياراً، بل هو شريانُ الحياةِ الأخير.

حسم الوعي: مزبلة التاريخ بانتظار السجانين وقضبانهم

بناءً على ذلك، فإنَّ الجوابَ الحاسمَ لـ "مَن لِمَن" يكتبُهُ اليومَ وعيٌ عراقيٌّ جديد، يرفضُ المداهنةَ ويقطعُ حبالَ الوهم. العراقُ للعراقيينَ الذينَ لم تتلوثْ ضمائرُهم بأموالِ السُّحتِ الخارجي، ولم تنحنِ قاماتُهم لسيدٍ وراءَ البحارِ أو خلفَ الجبال. ستنتهي جلسةُ المداولةِ هذهِ عاجلاً أم آجلاً، وسيخرجُ القضبانُ والسجانونَ واللافتاتُ المستعارةُ إلى مزبلةِ التاريخ، ليبقى وجهُ العراقِ ناصعاً، طاهراً، وحراً؛ عصياً على الكسر، ومستعصياً على البيعِ والشراء.

2026/6/27