نشرة انتفاضة شباب تشرين
العدد ٥٩
تشرين اول ٢٠٢٦
لتصفح النشرة
اضغط على الرابط الالكتروني ادناه
https://online.anyflip.com/rnvg/amrh/mobile/index.html
نشرة انتفاضة شباب تشرين
العدد ٥٩
تشرين اول ٢٠٢٦
لتصفح النشرة
اضغط على الرابط الالكتروني ادناه
https://online.anyflip.com/rnvg/amrh/mobile/index.html
أحلاف جديدة تُعقد وأخرى قديمة تغرق في أعماق البحر الأحمر./ جزء 5
د. نزار السامرائي
بعد أن شهدت الساحة العربية الكثير من الأحداث الساخنة، والتي انعكست على العلاقات العربية البينية، والعلاقات العربية مع المجتمع الدولي، وبعد أن وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها في 8 /8 /1988، وكشفت ما خفي من غاطس العلاقات العربية مع العراق، الذي قاتل نيابة عن الأمن القومي العربي وعن سيادته الوطنية وأمنه الوطني، متصديا لمشروع إيراني قديم خُطط له أن يواصل سعيه للتمدد خارج حدود الجغرافيا السياسية لإيران، ثم ارتدى بعد شباط 1979 لبوسا إسلامية مغلقة على نفسها، بعد أن كان قد غلّف نفسه بشعارات الحداثة ومواكبة العصر في عهد الشاه، طفت على السطح أولى علامات الخذلان العربي للعراق، لا سيما بعد مطالبة بعض دول مجلس التعاون الخليجي تسديد ديون كانت قد اعتبرتها هبات للعراق أثناء الحرب، التي طالت زمنا كان يثقل على اقتصادات دول كبرى تمتلك قاعدة صناعية بتقنيات عالية، ومتعددة المصادر والموارد، صحيح أن العراق لم يخض الحرب الدفاعية عن نفسه أو عن الأمن القومي العربي، استجابة لطلب من أحد بل كان يتصرف مدفوعا بحسه القومي المبني على شعور مبكر بالخطر الذي تمثله المشاريع القومية الخارجية بصرف النظر عن أسمائها أو العناوين التي ترفعها والشعارات تقف تحتها، ولكنه من خلال دراسة عميقة وعبر تجاربه التاريخية القريبة والبعيدة، وجد أنه هو المستهدف الأول بمشروع التوسع الإيراني، الذي غدا شعار المرحلة التي أعقبت وصول الخميني للسلطة في إيران، وأنه خط الدفاع الأول عن الوطن العربي وربما العالم المتحضر، ولكنه وفي الوقت نفسه وبالدرجة عينها هو خط الدفاع الذي لا يوجد سواه من يشغل هذا الدور، أي بعبارة أخرى إن سقط خط الدفاع الأول فلن يجد العدو أمامه خطاً ثانيا للدفاع عن الكرامة العربية بل ستصبح الأرض العربية ساحة مفتوحة لخيول الغزاة من كل السحنات واللكنات.
ولكن العرب وتكرارا لكثير من طبائعهم القديمة، كانوا سريعي نسيان تضحيات من يضحي من أجلهم، فكما فعل حافظ أسد في مؤتمر القمة العربي السابع الذي انعقد في العاصمة المغربية الرباط في أواخر تشرين الأول 1974، عندما تعمّد وفي حركة استعراضية صبيانية بهدف إغاضة العراقيين، فأشاد بدور قوات رمزية أرسلت من جانب دول عربية لم تتمكن من دخول الأراضي السورية إلى ما بعد وقف إطلاق النار، تجاهل دور الجيش العراقي في المشاركة في الصفحات الأولى للقتال "من دون منة منه بل هذا واجبه القومي الذي نذر له نفسه".
تعمد اغفال دوره في حماية العاصمة السورية من السقوط تحت قبضة الجيش الإسرائيلي، ذلك الحدث الذي لو حصل لكان مصير دمشق مثل مصير الجولان السوري المحتل حتى اليوم.
كما أن رئيس النظام السوري العائلي الساقط بثورة 8 كانون الأول 2024 اتخذ خطوة عدائية عكست نزعة الانتقام التي كان يحملها تجاه العراق، وذلك بقرار من جانب واحد بإملاء بحيرة سد الطبقة على نهر الفرات بصورة تعسفية خارقا قانون الأنهار الدولية، أو ما تفرضه اعتبارات العلاقات الثنائية بين قطرين عربيين متجاورين، ثم إنه خرج على القواعد المعتمدة لإملاء خزانات السدود الجديدة في سنوات محددة كي لا يُلحق ضررا في الدول الواقعة أسفل السد، ويمكن أن يُنظر إلى هذا التصرف على أنه امتداد للخلافات التي تنشأ بين الدول التي تمر فيها أنهار مشتركة.
وإذا تغاضينا عن ذلك كله فكيف يمكننا أن ننظر إلى دوافع نظام الأسد في التلاعب المستمر بعملية نقل النفط العراقي وذلك بإغلاقه من دون مبرر مقنع كلما مرت أزمة ثنائية في علاقات البلدين، وكان النفط المصّدر عن طريق شواطئ المتوسط الشرقية، بواسطة أنبوبين أحدها يصل إلى ميناء بانياس السوري والآخر إلى ميناء طرابلس اللبناني، وكان هذا الخطان يوفران لسوريا مداخيل مهمة عن رسوم المرور عبر الأراضي السورية واللبنانية، ومع ذلك أقدم على محاصرة النفط العراقي وألحق الضرر بثلاثة بلدان وهي العراق وسوريا ولبنان.
عندما سكتت المدافع عن القصف، بدأت تتضح صور مؤسفة لوجهة نظر ترى ان خروج العراق منتصرا على إيران في حرب السنوات الثمان، تهديدا جديا لأمن كثير من جيرانه القريبين والبعيدين على حد سواء، فبدأت دول النفط العربية تعد لمعركة من طراز جديد هدفها إضعاف العراق بلا حرب، من نفس نقطة انطلاق المشروع الإيراني التوسعي، ولكن من دون استخدام الطائرات المقاتلة أو الدبابات، بنفس السلاح الذي استخدمته قريش عندما حاصرت بني هاشم في أحد شعاب مكة، لإجبار النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على التراجع عن دعوته إلى توحيد الله، وكأن هذه الرسالة اختيار دنيوي وليس قرارا ربانيا نزل من السماء على الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم.
ولما لم تنجح سياسة التجويع، ولما لم يحقق الحالمون بتركيع العراق ولي ذراعه، حلمهم القديم، انتقلوا إلى الصفحة الثانية وهي إجبار العراق على القيام بعمل غير تقليدي، وكما اضطر العراق لخوض حربه الدفاعية مع إيران، فقد اضطر لخوض معركة التصدي لمشروع التجويع الظالم الذي شنته كل من الامارات العربية والكويت وسط صمت عربي ودعم دولي، فأقدم مضطرا على دخول الكويت، ويبدو أن من خطط لشن الحرب الاقتصادية، كان قد عقد اتفاقات سرية للإطاحة بالعراق القوي بصرف النظر عن أي تصرف يصدر عنه، ظنا ممن خطط لهذه الحرب أنه حين يتخلص من العراق فسيكون في مأمن من مخاطر غياب العراق عن الساحة العربية المفتوحة على أخطار داهمة من كل حدب وصوب، وهنا لا أريد أن أعرض لموضوع دخول العراق إلى الكويت، فتلك مسألة لها مجالها الخاص، ولست في حرج من تناوله في هذه السلسلة، ولكنني قبل أن أغادر هذا المقطع أريد أن أثبت حقيقة واحدة وهي أن العراق لم يكن استثناء في سعيه للحصول على حق يراه ولم يحقق النجاح الذي كان يتوقعه، فدول كبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق كانا في أوقات سابقة قد دخلا في حروب طاحنة وخرجا منها بدروس قاسية وهزائم لا يمكن انكارها، على الرغم من أن كلا منهما يمتلك من القدرات العسكرية ما هو معروف للجميع، ويمتلكان من مراكز الدراسات وأجهزة المخابرات والمجالس التشريعية مما يحول دون الفشل، وتجربة الولايات المتحدة في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق وأخيرا إيران، ما يعطي انطباعا راسخا بأن التفوق في كل شيء، لم يحل دون خسارة الولايات المتحدة حروبها في تلك الجبهات، وكذلك تجربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان والتي كانت سببا جوهريا في تفكيكه وفقدانه وحدة الدولة وتشظيها إلى خمس عشرة جمهورية مستقلة، ومع ذلك لم تتوقف روسيا الاتحادية عن اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة في أماكن أخرى، فقد دخلت الحرب في أوكرانيا التي لم تتوقف حتى الآن، مما أكد أن روسيا النووية لم تتمكن من حسم المعركة في كييف، ومع ذلك هناك وجهات نظر تقول بوجوب التمييز بين الخطأ في الحسابات والخطأ في الهدف، وبقدر تعلق الأمر بالعراق فأرى أن الخطأ كان بالحسابات لا أكثر.
بعد أن دخل العراق الكويت في 2 آب 1990، ونتيجة هيمنة القوة الأمريكية على الأمم المتحدة وصدور سلة كاملة من قرارات مجلس الأمن ضد العراق، ووقوف الاتحاد السوفيتي والصين عاجزين عن مجرد التلويح بالفيتو، فحولت الولايات المتحدة سلطة القرار الدولي إلى أداة تلعب بمقدراتها بطريقة أسهل بكثير من قدرة السلطة الاتحادية الأمريكية على فرض وجهات نظرها على إحدى الولايات في البلاد.
وفي الوطن العربي حصل خلط للأوراق على نحو محيّر، فتم دفن تحالفات ذات طابع مرحلي كما حصل في مجلس التعاون العربي الذي ظل لغز تشكيله محيرا لعقول كثير من مراقبي الأوضاع العربية وتقلباتها الدراماتيكية، في حين نشأت تحالفات عسكرية ذات طابع مرحلي أيضا، أملت الولايات المتحدة على أعضائها توجهاتها المركزية، فوجدت مصر أن مصالحها تقتضي الانحياز إلى جانب التحالف الثلاثيني الذي يضم دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة العراق تحت لافتة استعادة الكويت، مصر فعلت ذلك بعد أن وُعدت بإطفاء ديونها الخارجية والبالغة سبعة مليارات دولار، وعندما حانت ساعة تشكيل القوات الدولية، رأت السعودية أن تقليص حجم المشاركة العربية أمر لا مندوحة عنه لحصر اختلاط أفرادها بالمجتمع السعودي وحصول تأثيرات متبادلة، ولكن الدور السعودي في تقرير حجم القوات وجنسيتها لم يكن أمرا منوطا بها بل بقيادة التحالف الأمريكية.
لقد نشأ على أنقاض النزاع المصري السعودي القديم في اليمن، تحالف المصلحة بين البلدين، حلف لم ينشأ بناء على حسابات استراتيجية تهم الأمن القومي للبلدين، بل أملته مصلحة عابرة مرت بها المنطقة، رأى كل من الطرفين أن تقاسم الغنيمة يجب أن يتم على جناح السرعة قبل أن تهدأ الخواطر، ويبدأ التفكير السوي بلعب دور فرملة السرعة، مما قد يعيد الحسابات إلى مسارها الصحيح، الرئيس المصري حسني مبارك تنكر لتاريخ طويل من الدعم العراقي سواء في حرب تشرين الأول 1973، لاسيما دور سلاح الجو العراقي في الضربة الأولى، كما ترك خلفه كثيرا من صفحات العلاقة الاستراتيجية مع العراق كدولة أو في إطار مجلس التعاون العربي الذي قيلت فيه أقوال كثيرة بين مؤيدة أو معترضة أو مترقبة تنتظر النتائج.
ونجح مخطط احتلال العراق، فمرت المنطقة بأحداث مفصلية كثيرة منذ أن تم احتلاله عام 2003، وتوسعت دائرة النفوذ الإيراني أفقيا وعموديا، حتى أوشك الهلال الشيعي أن يكتمل بدراً لولا التطورات التي رافقت نجاح الثورة السورية وتحرير سوريا من الهيمنة الإيرانية، بعد أن كان الشعب السوري قد دفع ثمنا باهظا من دماء أبنائه فاق المليون شهيد وملايين المهجرين والمشردين في مشارق الأرض ومغاربها، وبعد أن ركبوا البحر بحثا عن الأمن والخبز وقليل من الحرية، وتركوا وراءهم طغمة فاسدة استباحت الوطن والمواطن، كان انتصار الثامن من كانون الأول 2024، مؤشر خط الانتقال لمرحلة جديدة، اعتبرها كثير من المراقبين العرب بأنها ستضع حدا للتدخلات الخارجية في الشؤون العربية، ولكن وكما كان العرب يتطلعون إلى غد أفضل، فإن أعداءهم وضعوا الخطط الطارئة للتصدي للمشروع العربي الآخذ بالتبلور ببطء شديد، ومن تلك النقطة حصل التصادم بين مشروعين، عربي يُفترض أنه في طور النشوء، وآخر فارسي له أقدام ترسخت عميقا في أكثر من مكان، وخاصة في لبنان مستفيدا من أجواء الديمقراطية والتعددية في البلاد لتزرع نواة لأكبر كيان ممثل "للجمهورية الإسلامية" في الخارج فكان حزب الله اللبناني محل الثقة المطلقة التي تنوعت واجباتها في كثير من المناطق حتى وصل الحزب إلى أمريكا اللاتينية، وتركزت جهوده في اليمن على نحو خاص، ومن خلال خبرته القديمة نجح في إقامة ذراع فارسي فاعل هناك تمهيدا لأية خطط إيرانية لسيطرة محتملة على مضيق باب المندب، ووفرت له الدعم ليكون وكيلا عاما لمشروعها التوسعي في المنطقة كلها، فكانت امتداداته حيث وجدت التربة الصالحة لإنباته، فأصبحت اليمن بما فيها من تنوع مذهبي فرصة مواتية تماما لإيجاد البؤرة الثانية في الوطن العربي.
وكلما مرّ وقت خارج الرصد العربي، كانت الحركة الحوثية تزداد قوة وحضورا في المنطقة، بحكم عوامل عدة، الأول هو أن إيران فتحت أبواب خزائنها المالية ومستودعاتها العسكرية فكانت الأسلحة والعتاد الحربي تتدفق إليهم بلا انقطاع، مع خبراء في الأسلحة والتدريب على استخدامها من عناصر الحرس الثوري وحزب الله اللبناني، ووظفت إيران كل خبرتها الطويلة في التهريب لتضع في متناول الحوثيين والمتحوثين المزيد من الأموال والسلاح كي ترفع من جاهزيتهم ومعنوياتهم إلى حدها الأقصى، وجعلت إيران من الخبرة القتالية الطويلة لليمنيين، مع تضاريس اليمن المنيعة، لتجعل من اليمن خطاً دفاعياً أمامياً عنها عند اقتضاء الضرورة، وجعلت منها حركة ذات واجبات محددة مثل إشغال المنطقة بنفسها، والسيطرة على المضائق البحرية، وتهديد الأمن والاستقرار في منطقة ظلت تعاني من حالة عدم استقرار طويلة.
مجلة صوت الطلبة / بغداد
العدد ٦٨
١٦ تشرين اول ٢٠٢٦
للتصفح / اضغط على الرابط الالكتروني ادناه
https://online.anyflip.com/rnvg/dwve/mobile/index.html
أحلاف جديدة تُعقد وأخرى قديمة تغرق في أعماق البحر الأحمر.
د.نزار السامرائي
جزء ٣
لأي حلف أو تكتل سياسي أو عسكري أو اقتصادي، إيجابيات وسلبيات معلومة وخفية تتوزع على المتحالفين بنسب غير متساوية، ولست هنا في وارد تعدادهما أو إعطاء ترجيحات لأحداهما على الاخرى، لكنني أسارع لأقول، إن دول العالم في اختيارها للانخراط بحلف إقليمي أو دولي، إنما تتوقع أن تحصل على مكاسب هذا الانخراط، من دون أن تعقد صفقة خاسرة أو غير متكافئة، غير أن السياسة لا تقوم على أساس من الربح الثابت، فلا بد من القبول بخسارة كبيرة أو صغيرة، ولكن واقع الحال لا يقبل خسارة دائمة أو ربحا مؤكدا، وعالم اليوم شهد تحالفات كثيرة بين نظم سياسية متقاربة في توجهاتها، فتتوقع أن تحصل على فرص لتحسين مركزها السياسي أمام التكتلات والتحالفات الأخرى.
لا يوجد تطابق تام داخل كل حلف في المصالح وزوايا النظر إلى الأخطار القائمة أو المحتملة، ففي السياسة تتقدم المصالح على المبادئ، ولكن ما هي زاوية الميل في كلا الحالتين؟ وعلى الدول التي تتوافق على الدخول في حلف أن تكون على استعداد للتخلي عن حرية قرارها السياسي، بعبارة أكثر وضوحا عليها أن تتخلى عن جزء يسير من سيادتها، فحتى بفرض تعرض أمنها القومي لخطر خارجي، عليها أن تتشاور مع الدول الأعضاء في الحلف قبل أن يتقرر شكل الرد أو مداه، لأنها قد تطالب بحكم المسؤولية القانونية الجماعية لدول الحلف بالوقوف إلى جانبها، وهنا قد تبرز خلافات متراوحة المدى بين الدول الأعضاء، وفي هذا الخصوص أبرز مثال على تباين وجهات النظر هو ما حصل داخل مؤسسة الناتو "حلف شمالي الأطلسي" عندما نشبت الخلافات الحادة بين تركيا واليونان في عقد السبعينيات من القرن الماضي بشأن اختلافات جدية حول عائدية جزر مختلف عليها بينهما، وكانت وجهات نظر دول الحلف متباينة، فهي تؤيد اليونان لأسباب دينية ولكنها لا تستطيع المجاهرة بذلك لأسباب معروفة، ولكنها لا تريد إغضاب تركيا القوية والتي تمتلك أكبر جيش في الجناح الجنوبي في الحلف.
وبنفس المستوى من الأهمية فأية دولة في حلف ما، لا تستطيع أن تتصرف بشكل منفرد خارج نطاق الإرادة الجماعية للحلف وتوجهاته الاستراتيجية، في حال أرادت ان تُحسّن علاقاتها مع دولة تتعارض سياساتها العامة مع مصالح الحلف وتوجهاته أو مع طرف أو أكثر فيه، ولكن هذه المواقف تبقى في إطارها القانوني كلاً أو جزءً، ومن غير الممكن تحويلها إلى فعل ميداني على الأرض أوتوماتيكيا، بسبب التطور الهائل والسريع في دبلوماسية رؤساء الدول وسحب الكثير من صلاحيات وزارة الخارجية، وتضارب المصالح الاقتصادية بين الدول وسعي كل دولة لبناء اقتصاد وطني بمعزل عن التكتلات الاقتصادية، وبالمقابل قد يذهب الحلف لخيار سياسي أو عسكري وتنفرد دولة عضو فيه أو أكثر بالتزام الحياد لأنها لا تستطيع اتخاذ خطوة من شأنها تعكير علاقاتها مع دولة أخرى أقوى منها سياسيا واقتصاديا لها معها مصالح متشابكة، أو أقرب إليها جغرافياً من بقية أعضاء الحلف، ولا تريد الدخول في اختبار نوايا الحلفاء الآخرين بالوقوف معها، وهناك أمثلة كثيرة حصلت أثناء الحرب الباردة التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وإذا رجعنا إلى المنطقة العربية وأجرينا مسحاً سريعا لما عاشته في النصف الثاني من القرن العشرين وحصرا في عقد الثمانينيات، فإننا سنرى أن دول الخليج العربي أسست عام 1981 مجلس التعاون الخليجي، ويمكن النظر إلى هذا المجلس على أنه أول حلف عربي إقليمي بين مجموعة متجانسة في كل شيء "كما كانت تطرح نفسها في اللقاءات السياسية وعلى منابر الإعلام"، ولأن المجلس تم تأسيسه أثناء الحرب العراقية الإيرانية التي اندلعت في بداية شهر أيلول 1980، جاء تأسيس المجلس وكأنه رسالة للطرفين بل للعراق خاصة بأن دول الخليج العربي تقف على الحياد في النزاع.
لكن العراق البلد العربي المؤسس لجامعة الدول العربية والمُوّقع على معاهدة الدفاع العربي المشترك، رأى في تلك الخطوة التي طُبخت في مطابخ ترطن بلغات غير مفهومة في ليل مظلم، وكأنها رسالة سياسية واضحة السطور مفهومة الكلمات، على غير المعهود في لغة التخاطب الدبلوماسي، بأن الحرب التي كان يخوضها العراق في ذلك الوقت مع إيران هي حربه الخاصة وعليه أن يتحمل أوزارها لوحده، في حين أن العراق وعلى الرغم من أنه لم يتوقع في أي يوم من الأيام أن يقف إلى جانبه بلد عربي أثناء ما يتطلبه التعاضد العربي بسبب ما شاب العلاقات بين النظم السياسية العربية من التباسات حادة، على الرغم من أن العراق لم يَدع فرصةً لإبداء التضامن سياسيا واقتصاديا وعسكريا مع أي بلد عربي كان يستنجد به أو لم يطلب النجدة، مع أن بعض النظم العربية كانت توجه له رسائل سياسية وإعلامية بأنه كان يلتزم موقفا متشددا تجاه الحلول المقترحة للقضية الفلسطينية، لمجرد كونه بعيد جغرافيا عن فلسطين، وكانت تلك النظم تتجاهل أدوار العراق في حرب 1948 وحرب الأيام الستة عام 1967، أما دوره في حرب 1973 فمما لا يستطيع انكاره إلا جاحد، فعلى الجبهة المصرية وبشهادة الفريق سعد الشاذلي رئيس الأركان المصرية وأحد أهم مهندسي نصر أكتوبر عام 1973 الذي ذكر في مذكراته، أن الطلعة الأولى للطيران التي ضربت المواقع المتقدمة للجيش الإسرائيلي في غربي سيناء كانت من نصيب الطيارين العراقيين، ويذكر الفريق سعد الشاذلي في مذكراته عن الحرب أن قادة القوات المصرية التي عبرت قناة السويس بعد أن دمرت خط بارليف المحصن، كانوا يطالبون بإسناد الطائرات العراقية حصرا لقواتهم، أما في الجبهة السورية فالأمر مختلف كثيراً، فبعد أن أصبح الإسرائيليون على بعد 30 كيلومترا عن دمشق، وصلت القيادة السورية إلى الشلل التام عن قرار يعالج التداعي، انتقلت قوات الدروع العراقية من الناقلات إلى ميدان الحرب، وبعد أن وصل جزء كبير منها على سُرف الدبابات، نجحت من رد القوات الإسرائيلية على أعقابها، وحمت دمشق من السقوط بيد الإسرائيليين، ولو سارت الأمور كما خطط لها الإسرائيليون لكانت دمشق اليوم تحت سيطرة غير أهلها.
ويبدو أن دول مجلس التعاون أرادت الإعلان عن أول خروج جماعي غير رسمي على ميثاق الجامعة العربية ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وأن دول المجلس تريد تمييز موقفها بطريقة لا تخلو من استعراضية الوضع السياسي والاجتماعي، فأرادت مسك العصا من الوسط في نزاع لا يمكن أن تحصره إيران في زاوية واحدة، لأنها أعلنت برنامجها بتصدير الثورة الذي لا يستثني بلدا، مما يعني أنها تمرحل خطوات قضمها لأية بقعة عربية وتجعل منها منصة وُثُوب إلى مناطق أخرى، ومع ذلك فإن هذه السياسة أكدت خطلها وخطأها على المستويين الميداني والاستراتيجي، فلا إيران تعاملت مع دول التعاون الخليجي على فرضية أنها نأت بنفسها عن دعم العراق، لأنها تعي جيدا أن العرب متفقون فيما بينهم وإن تعددت قراءاتهم ومواقفهم المطروحة على المستوى الإعلامي والسياسي، ولا سمحت تلك الدول أن ترى بنفسها العراق وهو يقدم القرابين على طريق حماية نفسه وعلى طريق التصدي للمشروع الفارسي التوسعي، فدول المجلس لم تنجح في تجنيب نفسها عداوة إيران الجمهورية الجديدة، وبالمقابل خسرت العراق على الرغم من أن العراق بقي حارسا للبوابة الشرقية، مع أنه كان يعرف غاطس ما يخطط له أشقاؤه.
وبدعم عربي رسمي واسع النطاق تم احتلال العراق عام 2003 بعد حصار مطبق عليه استمر ثلاثة عشر عاما، تمكنت إيران من تجيير المكاسب التي حققها المحتلون الأمريكيون في العراق لصالحها بتواطؤ معها على نحو غير مسبوق في مسيرة الاحتلالات في تاريخ الأمم والشعوب، وبخاصة في تاريخ الولايات المتحدة التي تميز تاريخُها بنزعة الهيمنة على الأرض والثروة في أي مكان وصلت إليه، ولما فوجئ الأمريكيون بردة فعل العراقيين على الغزو وتكبيد القوات الأمريكية خسائر هائلة أعادت للرأي العام الأمريكي ذكريات مُرة ما تزال تضغط على أعصاب المواطن هناك، نتيجة هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام، فخططت للانتقام من العراقيين بواسطة أحد أبرز وكلائها في المنطقة أي إيران، فدخلت المنطقة في أسوأ أزمة عرفتها في تاريخها، فلم يعد أحد يعرف من هو الصديق الحقيقي ومن هو العدو الحقيقي.
وكانت دول مجلس التعاون الخليجي قلقة من غدٍ مجهول النهايات، بعد أن عاشت حالة استرخاء مؤقت بعد تدمير قوة العراق وإخراجه من معادلة الأمن القومي، وعاشت على أمل يوم جديد تعيش فيه لهمومها الخاصة بعد أن تخلصت من الأخ الكبير الذي كان يقسو عليها أكثر مما ينبغي عندما يرى أن الأشقاء أو بعضهم قد ضيعوا اتجاهات البوصلة القومية وراحوا يبحثون عن دليل جديد يقطع بهم الصحارى والفيافي.
في هذه اللحظة اتضح أن لكل فريق حساباته الخاصة وتتمايز عن حسابات الآخرين، فالإحساس بخطر خارجي قد يقود إلى تقارب بالاجتهادات، وسرعان ما يفرقها الشعور بالطمأنينة، فبدأ كثير من الخلافات مما اختبأ وراء جدار معاداة العراق بين دول مجلس التعاون الخليجي يطفو على السطح، فالكل كان يريد التخلص من عراق قوي، ولكن أيّاً منهم لم يرد بخاطره أن يشغل مكان العراق أي طرف آخر من داخل الكتلة الخليجية الصلبة، بصرف النظر عن قدراته العسكرية والاقتصادية وعدد سكانه أو مساحته.
ولكن لما وصلت الرياض إلى قناعة بأنها خُذلت "كي لا أقول إنها تعرضت للخيانة" من أربع دول أعضاء في مجلس التعاون الخليجي أثناء عاصفة الحزم في اليمن، ولكل منها سببها، ولم تبق معها في المشهد إلا البحرين، استيقظت على حقيقة مفزعة، بأن عليها أن تواجه قدرها منفردة، فطفقت تبحث عن قوى بعيدة تشعر أنها أكثر قدرة وجدية لإسناد موقفها الأمني والاقتصادي في المنطقة، لاسيما وأنها أخذت تطرح نفسها كأكبر قوة سياسية في بيئة تمتلك حساسية عالية تجاه مقاييس الأكبر والأصغر، ويبدو أن هذه المعضلة تختبئ وراءها معظم مشاكل المنطقة حتى لو أخذت واجهات وأسماء أخرى، لا سيما وأنها لم تفضل خيار اللجوء إلى ما تمتلكه من قوة عسكرية بسبب ما تفرضه الولايات المتحدة من قيود على ما تصدّره من سلاح لزبائنها، بحيث تبقى مجرد خردة من حديد لا تساوي قيمة ما ينفق عليها من أموال لصيانها وتكاليف العاملين عليها، فلجأت إلى دولة معها ود مدفوع الثمن، وهي باكستان، ودولة حافظت العلاقات بينهما على مستوى من عدم الانسجام إلى أن وصل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا نهاية عام 2002، لتنفتح صفحة مشوبة بكثير من الالتباس لدى الطرفين، رافقته إجراءات وتدابير من كليهما عمقت من سوء الفهم المتبادل، فتم التحضير لطبخة حلف جديد أُعد على نارٍ سريعة، لم تنضج ظروف إعلانه بعد، إذ جلب للسعودية خاصة، من أسباب القلق أكثر مما وعدها بغدٍ مستقر، فالولايات المتحدة ردت برسالة لا تخلو من مغزى سياسي عسكري مزدوج على حلف مكة، بإعلان الرئيس ترمب بأنه تلقى رسائل من الحوثيين بأنهم لا يريدون محاربة الولايات المتحدة ولا حركتها التجارية في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب، بل ذهبوا إلى القول إنهم لا يريدون التعرض للسفن الإسرائيلية العابرة للمنطقة وأنهم سيحصرون عملياتهم باستهداف ناقلات النفط السعودية والسفن التجارة المتعاملة معها، وبذلك فقدت السعودية فرصة الحماية السابقة التي كانت تحصل من الولايات المتحدة، ولكنها بالمقابل لم تضمن لنفسها رادعا خارجيا من جانب حلف مكة أو بعض منه، ذهبت إلى هذا الخيار بدلا من الاعتماد على النفس في امتلاك الرادع الحقيقي القادر على تأمين سلامة أراضيها وأمنها القومي.
إن تكديس السلاح حتى لو كان من أحدث الأجيال والمناشئ، لا يمكن أن يغني عن بناء قوات مسلحة وطنية حديثة مدربة بأعلى مستويات التدريب وأكثرها حداثة، وتأخذ بكل أسباب القوة والمنعة، لكن المملكة العربية السعودية التي كدست أسلحة حديثة وبكميات كبيرة في زمن اقتنائها، تصرفت وكأنها تعقد تلك الصفقات لمجرد المباهاة ولإيجاد فرص عمل لآلاف من الأيدي العاملة المهددة بالبطالة في بلد بدأت تطفو فوق سطحه أكثر من مشكلة سياسية اقتصادية.
وكما شعرت المملكة العربية السعودية بأنها تعرضت للخذلان من جانب حلفاء الأمس في مجلس التعاون، فإن تلك الدول لم تخفِ أحساسها بالخذلان مما أصابها من مفاجأة الأداء المثير للخيبة الذي قدمته القوات المسلحة السعودية في مواجهات ليست مما يمكن أن يطلق وصف الحروب الكبيرة، وهذا دفع دول مجلس التعاون الخليجي أن يذهب كل منها في الاتجاه الذي يظن أنه يوفر له الحد الأدنى من متطلبات الأمن الخاص أو الجماعي.
إن عقد حلف مكة بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ورغم كل التسويق الإعلامي الذي رافقه، وأحاديث التطمينات التي تداولتها التصريحات السياسية، والحديث عن "أن أي اعتداء على أي طرف في الحلف" سيُنظر إليه باعتباره اعتداءً على الأطراف الثلاثة، ومع أن المفهوم من هذا النص سرعان ما يجد تفسيره في سياق ظروف التأزم الحاصل بعد أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، فإن الحلف سقط في أول اختبار لجدية النصوص التي وقّع عليها المتحالفون الثلاثة، فكل من باكستان وتركيا، لا يمكن أن تخوضا حربا لصالح السعودية أو نيابة عنها، ضد إيران التي راحت بلا كلل تشن هجمات على الأراضي والمصالح السعودية، في وقت انسحبت الولايات المتحدة عن التزاماتها السابقة بالدفاع عن مصالحها في تأمين امدادات النفط إلى الدول المستهلكة الكبرى له، فهل يجوز لمراقب أن يقول إن الولايات المتحدة تخلت عن تلك الالتزامات استنادا إلى تصورات جديدة بأن حلف مكة يمكن أن ينهض بهذا الواجب، وبذلك فقد وجدت فيه الفرصة الثمينة لإرسال رسالة لحليف قديم، بأنه لا يمتلك ترف مغادرة الساحة متى شاء لأنه حصل على شريك جديد.
إن باكستان وتركيا لا تصلحان لعقد تحالف قد يفسره المراقبون بأنه موجه ضد إيران، حتى لو أقيمت من أجل ذلك مئات المهرجانات أو عقدت عشرات المؤتمرات الصحفية لتنفي عنه هذا الهدف، لأنهما مرتبطتان بوشائج ومصالح مع إيران لا يمكن أن يغطيها أي طرف آخر، ولهذا فقد حرصتا على إظهار عدم الالتزام بما تسعى الولايات المتحدة فرضه من ضغوط اقتصادية على إيران، وبدلا من انخراطهما في النزاع فقد ذهبتا إلى القيام بدور الوسيط المرضي عنه من كلا الجانبين، وإن كانتا قد أعربتا عن تذمرٍ صامتٍ من عدم الاستجابة الإيرانية التي تمنحهما وجاهة دور سياسي تبحثان عنه بشتى الأساليب، فالوسيط لا يصلح حليفا، كما أن الحليف لا يصلح وسيطا، في عالم لم تَعد فيه الأخبار حبيسة جدران سميكة.
وتبقى الأحلاف قاصرة عن قتال النيابة فمثل هذا الدور لا تقوم الدول التي تحترم نفسها وشعبها، وتحرص على سلامة حدودها ووحدة أراضيها وأمنها القومي، من يصلح لتنفيذ صفحات القتال بالنيابة هي الدول عديمة الوزن السياسي، والعصابات والمليشيات المستأجرة ومن عنده استعداد ليربط مصيره بمصير غيره من الدول.
السلاح الوطني بأيد وطنية على استعداد للدفاع عن الوطن حتى الموت هو الأداة الوحيدة التي يمكن الركون إليها عن كل ملمة ونازلة تهدد أمن البلد وسيادته واستقلاله وأمنه القومي.
مجلة صوت الطلبة
عدد ٦٧
١٩ أيلول ٢٠٢٦ بغداد
للتصفح اضغط على الرابط الالكتروني ادناه
https://online.anyflip.com/rnvg/snka/mobile/index.html