قراءة في تاريخ إيران الجمهورية
د.نزار السامرائي
جزء ٥
بعد مماطلات ومناورات لا حصر لها في محاولة لكسبِ وقتٍ تستطيع فيه إيران إعادة بناء قواتها التي أوشكت على الخروج من الخدمة بسبب الضربات العسكرية المتلاحقة التي تلقتها على يد القوات العراقية في ربيع 1988، وكذلك لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني المحطم، وجه الخميني رسالة مطولة تزيد كلماتُها على 7530 كلمة للشعب الإيراني استنهض فيها همم الإيرانيين، وتحدث في معظم ما جاء فيها، عما حصل في عام 1987، في الحرم المكي من فتنةٍ زجَ فيها عناصرَ من الحرس الثوري الذين تم إرسالهم في موسم الحج لسنة 1407هـ، فأحدثوا في المسجد الحرام، أسوأ حادث أمني، منذ فتنة القرامطة سنة 317هـ 908م، عندما أغاروا بقيادة أبو طاهر الجنّابي القرمطي على الحجيج في يوم التروية فقتلوا منهم المئات وهم مُحرِمون، وسرقوا الحجر الأسود وغيبوه 22 سنة.
فخيبت تلك الكلمة ظن الإيرانيين بالزعامة الدينية التي لا تتعاطى مع الأزمات المحلية بشفافية ووضوح ومسؤولية من أجل إيجاد الحلول الواقعية لها، ولأنها أغفلت المحنة الحقيقية التي تعيشها البلاد بعد حرب ضروس استمرت ثمانية أعوام نتيجة عناد تقليدي تميزت به الشخصية الفارسية عبر الزمن، ولكنها هذه المرة اصطدمت بجدار عراقي شاهق من العزم على كسب المعركة.
لكنّ مراقبي المشهد الإيراني لم يَفتُهم تشخيص الحالة التي تقمص النظام لبوسها، فهذا ديدن الإيرانيين عندما تلحق بهم هزيمة منكرة في واحدة من الجبهات، فإنهم يستميتون لتحويل الأنظار عنها إلى قضايا أخرى يرون فيها تغطية كافية تجنبهم المساءلة الشعبية، بعد أن ينفخوا في بالونها الكثير من هواء أكاذيبهم وقدرتهم العالية على التبجح، فلم يكن ما جرى في الحرم المكي الشريف معركة بين جيشين بل كان مواجهة بين الحق بكل جنوده والباطل بكل ما حمله من زيف وتحريف، ومحاولة لإثارة الشغب في بيت الله الحرام الذي جعله الله آمنا، واصرار السلطة الحاكمة لتعويض خسارة الحرب بمكسب في جبهة أخرى، وذلك بانتزاع بيعة لدينٍ لم يرد به نص ولا قال به النبي صلى الله عليه وسلم، الهدف الرئيس من رسالة الخميني هو اطلاق شحنة كبيرة من الترياك الفارسي المشهور، وتخدير الشعب ومنعه من التفكير بما دفعته إيران من أثمان باهظة بسبب سدِّ الخميني شخصياً لأذنيه عن كل ما كان يرده من مستشاريه من نصائح بأن إيران وصلت إلى مرحلة الانهيار التام عسكريا واقتصاديا، وأن عليه أن يتدارك الموقف ويوقف سيل الهزيمة قبل فوات الأوان، ولكنه ظل يكابر وأغمض عينيه عن رؤية المآسي التي حلت بإيران، حتى أيقظه دوي الصواريخ العراقية على مقربة من حسينية جميران في يوم الصواريخ في ربيع 1988، وعندما اقترب الموت منه وجه رسالة المغالطات التي تتعامل مع المشكلات القائمة بتجاهل تام وتسعى لافتعال معارك في جبهات باردة، فوجه رسالته المليئة بالحشو الممل وأعلن إذعانه، بعد أن استيقظ على حقيقة أن إيران لم تعد تمتلك شيئا تقاتل به ومن أجله، وأن امتلكت فليس لديها رجال للقتال حتى تحت تأثير التخدير العقائدي، فلا أحد على استعداد لفتح حقول الألغام بجسده، فذلك الجيل ذهب هباء ولم يتمكن من فتح حقول الألغام التي وُعد بالجنة ثمنا لفتحها، وإن تمكن فتح ثغرة صغيرة فيها فإن جدار الصد العراقي كان للبقية بالمرصاد وهذا وقع.
كانت الخطة التي رسمتها الزعامة الإيرانية وأوكلت مهمة تنفيذها للحرس الثوري، تتضمن نقل أسلحة نارية عبر البريد الدبلوماسي، وتقتضي احتلال المسجد الحرام وإعلان البيعة للخميني زعيما سياسيا للأمة وإماما لها، ولكن التدخل السريع لقوات الأمن السعودية أحبط تلك الخطة وسقط أثناء ذلك عدد من القتلى والجرحى بين الحجاج والإرهابيين وقوات الأمن التي لم تكن مستعدة لمثل هذا الحادث الاستثنائي داخل الحرم الذي أنزل الله كتابا في حرمة القتال فيه عندما قال سبحانه وتعالى، بسم الله الرحمن الرحيم "وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين" البقرة191.
وأكدت هذه العملية التي استهدفت أقدس مكان في الأرض جعله الله مثابة للناس وأمنا، أن إيران لا تُقيم وزناً لمقدسات المسلمين، أمام أية خطوة تخطوها على طريق تحقيق هدفها بإعادة بناء مجد الإمبراطورية الفارسية، كما أكدت الطابع الإرهابي للحرس الثوري الإيراني على نحو لم تعد هناك فرصة لمكابر على نفي هذه الصفة عنه؟
وأكد الخميني في تلك الرسالة أنه إن استطاع نسيان كل شيء فإنه لن ينسى ما حصل من "جريمة في الحرم المكي" من قتلٍ لعناصر الحرس الثوري وأنه لا بد أن يأخذ بثأرهم طال الزمن أم قصر، وطلب من أنصاره أن يحبسوا "حقدهم الثوري" في صدورهم، فأية نزعة انتقامية تلك التي طبعت تلك المرحلة وما تزال تفرض حضورها حتى اليوم، لقد تأخرت موافقة الخميني على قرار مجلس الأمن الدولي 598 الصادر في 20 تموز 1987 إلى يوم الثامن من آب 1988، ولو أنه كان قادرا على تخيل أن إيران قادرة على المطاولة ليوم واحد، ما كان ليوافق على ذلك القرار مهما لحق بها من خسائر بلا طائل أو جدوى.
بعد الموافقة الإيرانية على قرار 598 والتي تأخرت أكثر من سنة بقليل، والذي كان العراق قد وافق عليه بسرعة، بدأ سباق مارثون إقليمي – دولي، لتحقيق سلام دائم في المنطقة التي ينظر إليها الغرب المتقدم والشرق، على أنها محطة وقود رخيصة الأسعار، ولكن ظن العالم لم يأت بجديد، إذ اكتشف أن المفاوضون والوسطاء الإقليميون والدوليون بمن فيهم الأمم المتحدة ممثلة بأمينها العام، أن إطالة أمد حالة اللاحرب واللاسلم، لا تختلف في هذه الحالة عما حصل في وقت الحرب إلا ببعض التفاصيل.
ولعل أسوأ ما واجه المفاوض العراقي، أنه اصطدم بجدار إيراني أصم حول تنفيذ أهم البنود الإنسانية في القرار الأممي، وهو ما جاء في الفقرة الثالثة من القرار والتي تنص على أنه "يحث على إطلاق سراح جميع أسرى الحرب، وإعادتهم إلى بلديهم بدون تأخير، بعد توقف العمليات الفعلية وفقا لمعاهدة جنيف في 12/8/1949".
فالمجلس وحسب السياقات المتبعة في عمله، وضع "وقف إطلاق النار" أول فقراته وهذا شيء طبيعي وجعل الفقرة الثانية كيفية التحرك لوضع آليات ذلك من خلال اشراف الأمين العام، وهذا التسلسل يعكس جدية المنظمة الدولية على إحلال السلام ونبذ الحروب في حل المنازعات الثنائية والجماعية.
ويبدو أن الولايات المتحدة التي ألقت بثقلها لتمرير القرار المذكور، عندما عينت جنرالا سابقا في الجيش الأمريكي، هو "فيرون والترز" والذي تحرك بديناميكية نشطة إلى أبعد الحدود من خلال التحرك المتواصل على المندوبين لإصدار القرار بالإجماع، في زمن الحرب الباردة وعندما بدأت أعراض احتظار الاتحاد السوفيتي تلوح في الآفاق، كان الهدف منه إرساله رسالة إلى بغداد وطهران بدرجة أقوى، بأن العالم لم يعد قادرا على تحمل رؤية الاصرار على دوامة العنف في منطقة لها خصوصية عالية الأهمية في الحسابات الاستراتيجية الدولية.
ويبدو أن هذه النظرة تشكلت لدى الدول الكبرى، بعد أن خسرت رهانها على نجاح عمليات شرق البصرة في مطلع 1987، وخرجت إيران من المعادلة وهي مثخنة الجراح، لا تدري أين توجه تركيزها خاصة بعد أن استنزفت حرب الثماني سنوات كل رصيدها العسكري والمالي والمعنوي، هي التي دفعت بالولايات المتحدة، التي حرصت هي وبقية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن على استمرار الحرب لأطول زمن متاح من دون السماح لأي من المتحاربين بأن يتفوق على الآخر، ولما بدأت علامات العجز الإيراني عن الصمود أمام العراق في جبهات القتال، وإخفاق المراهنة الإيرانية على تحقيق نصف نصر عن طريق إحداث أعمال شغب في الداخل العراقي، تحركت ماكنة الأمم المتحدة التي ظلت واقفة في مكانها منذ تأسيسها بُعيد الحرب العالمية الثانية، فصدر هذا القرار الذي عانى من نقص معيب في مضمونه، فلو أنه تضمن فقرة تنص على الإشارة بأنه كل لا يتجزأ وأن التلكؤ بأيٍ من فقراته يعد خرقا للقرار كله، ويعني العودة إلى الحرب أوتوماتيكيا، ولكن الدول الكبرى كانت حريصة على إدامة عنصر إدارة الأزمات لا حلها، لأنها لا تريد أن تفقد شعورها بالهيمنة في حال حل المشكلات الدولية.
وهكذا بدأ سريان وقف إطلاق النار في العشرين من آب/أغسطس 1988، ولكن المشكلة الرئيسة لمخلفات الحرب وهي أن قضية الأسرى، لم تتزحزح عن مكانها خطوة واحدة، وهذا يعود لخلفيات التاريخ الفارسي المعقد في التعامل مع هذا الملف، ولو أن العالم كان يعي ما يعرفه العراق عن غاطس التقاليد الإيرانية في توظيف هذه القضية الإنسانية توظيفا سياسيا لانتزاع مكاسب في ميدان آخر، ربما كان العالم سيلجأ إلى صياغات أخرى فيما لو كانت النوايا صافية حقاً.
.jpeg)




_1.jpg)
_2.jpg)
_3.jpg)
_4.jpg)
_5.jpg)
_6.jpg)
_7.jpg)
_8.jpg)
_9.jpg)
_10.jpg)
_11.jpg)
_12.jpg)
_13.jpg)

