حروب الشعارات المتصادمة والتوافقات السرية
جزء خامس
د. نزار السامرائي
هل يستطيع المهزومون فرض شروطهم على المنتصرين؟
من المعروف أن الحرب التي تنتهي بلا غالب ولا مغلوب، لا يستطيع أي منهما فرض شروطه على الطرف الآخر، فهل تصح المعادلة الواردة في السؤال الأول؟ ومع ذلك فإن هذه المعادلة وغيرها من معادلات العلاقات بين الدول، تقف بلا حراك عندما يتعلق الأمر بإيران وإيران وحدها، فلقد راكمت عبر آلاف السنين من الخبث والمخادعة والدهاء، والقدرة على المخاتلة والمناورة واتقان فن المماطلة وبيع الوهم وشراء الزمن، في الحرب والسلام على حد سواء، ما مكّنها من تخطي كثير من محاولات التطويق التي تعرضت لها، وهو ما استطاعت من خلاله تفريغ انتصارات أعدائها عليها من مضامينها، وذلك عن طريق الدخول في المفاوضات ليس بهدف الوصول إلى حلول ترضي جميع الأطراف وتعطيهم على قدر انجازاتهم في ساحة المعركة، بل تَدخل المفاوضات وهي مصممة على دخولها مع نية مبينة على جعلها بداية يتم الاحتفال بها تحت الأضواء الكاشفة، ثم لتدخل في سبات طويل، والبدء بمسيرة الألف ميل والتي لن تصل خط النهاية ولو بعد ألف عام.
ومن الطبيعي أن إيران لا تسلك هذا الطريق إلا عندما يتواصل الطرق على رأسها بقوة، بل تقضي وقتها وهي تعكف على دراسة الحالة النفسية للرموز القيادية في الطرف الآخر، وبقدر تعلق الأمر بالحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها، والتي تمكنتا من تفريغ إيران من الصفوف الأولى والثانية من قياداتها الدينية والسياسية والعسكرية، فإن من مفارقات السياسة الدولية أنها وضعت مقابل إيران، الرئيس الأمريكي ترمب الذي يتميز بأنه أكثر شخصية قلقة عرفتها مؤسسة الرئاسات الأمريكية، فضلا عن أنه يعاني من نرجسية عالية تسعى لتحقيق أي مكسب حتى لو اقترن ذلك بنزع أهم سلاح لديه، المهمُ لديه أن يُصورَ نفسه بأنه هو المنتصر حتى إذا لم يجد أحدا يُقر له بذلك، ومن مظاهر شخصية ترمب أنه يحاول فرض رؤيته لموضوعي الحرب والسلام، فعندما كان يرى أن إيران على وشك السقوط، رفع شعار أن إيران لا تستجيب لمنطق الحوار إلا بالضغط عليها، وأن عليه أن يواصل الضغط العسكري عليها بلا حدود، ولكنه لما تغيرت قناعاته في المراحل الأخيرة من الحرب، هبطت عليه فكرة أن الضغط الاقتصادي هو وحده الكفيل بإخضاع إيران لمتطلبات السلام.
إن عدم وجود رؤية واضحة للحرب أو لكيفية الخروج منها، مكّن إيران من توجيه رسائل إعلامية إلى الداخل الإيراني، صورت نفسها أنها هي الطرف المنتصر في حرب عام 2026، على الرغم من كل ما لحق بها من دمار، وربما استندت إلى معيار شرق أوسطي يفسر النصر بعبارة واحدة هي "عدم سقوط النظام"، ولما كانت إيران لا تمتلك دليلا واحدا على انتصارها العسكري، راحت تبحث بين الركام الذي خلّفه القصف الأمريكي الإسرائيلي على منشآتها النووية ومقار قياداتها العسكرية، وراحت تتعسف أكثر من حدود المتاح لها في تصوير كثير من مفردات مخلفات الحرب، مما يمكن أن تصوره على أنه إنجازات عسكرية وسياسية حققتها لنفسها في تلك المعركة التي كانت شؤما عليها بكل التفاصيل، ولما لم تستطع تأكيد نصرها المفترض "كي لا أقول المزعوم" طفقت تبحث بين ركام حرب الاثنين وأربعين يوما، فاخترعت إنجازين موهومين، الأول أنها تلاعبت بالظرف النفسي الذي ألبسته للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وهو ما يتميز به رجال الأعمال من تعجل في جني الأرباح بسرعة كبيرة، ففرضت عليه التراجع عن أهداف الأيام الأولى للحرب، وخاصة ما يتعلق بنقل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى الولايات المتحدة حصرا، وإذا به يُصّفر هذا الهدف ويبحث عن مخرج من أزمة ورط نفسه بها فبدأ يبحث عن أي حل بديل، ثم تدافعت الشروط مع بعضها، فبرزت قضية حرية المرور العابر في مضيق هرمز، وإزاء العناد الإيراني غير المنطقي، بدأت خطوات ترمب ترسم لنفسها عن مزغل للإفلات من هذا المضيق الخانق، وكل هذا ما كان ليحصل لو أن ترمب تخلى عن غرور القوة الفتاكة التي يباهي بها، ولولا وجود نائبه جي دي فانس التي يتحلى بروح انهزامية موروثة أو مكتسبة، لأنه وجد نفسه على حين غفلة من أهل البلاد في منصب نائب الرئيس، الذي ينتظر شغور المنصب لأي من الأسباب الطبيعية أو السياسية ليؤدي اليمين الدستورية رئيسا جديدا للولايات المتحدة، ويسكن البيت الأبيض وينقل مقره إلى المكتب البيضاوي، لقد اشتهر فانس بأنه أسوأ الناصحين في زمن الحرب، ويعطي النصائح الاستسلامية أكثر مما يعطي نصائح للسلام، المهم عنده أن يُظهر نفسه متميزا عن فريق الصقور المحيط بترمب كجزء من لعبة التنافس المبكر على منصب مرشح الحزب الجمهوري لانتخابات 2028.
وبدأ دولاب التراجع يدور بلا هوادة، وبدأت طهران تضغط على ترمب الحالم بالحصول على جائزة نوبل للسلام، كي يصفع بها وجه أوباما، حتى نجحت في واحدة من أدق مراحل الترقب الدولي لتوقيع مذكرة التفاهم التي تمهد لمفاوضات القرن والقرن الذي يليه، والتي لا تحتوى على كلمة تفاهم واحدة، فنجحت إيران في ربط ملف حزب الله اللبناني بملف وقف إطلاق النار بين الطرفين مع إلزام إسرائيل بما يتفق عليه الطرفان، كون الحزب المذكور أهم أذرعها في الوطن العربي ووكيلها العام فيه، كما نجحت بتمرير لعبتها القديمة مع أوباما عندما هددت بعدم توقيع اتفاقية الملف النووي عام 2015 في حال إدانة القصف السوري الكيمياوي لمدن سورية ثائرة على نظام بشار أو الرد عليه، ولما كان أوباما متعجلا كثيرا في توقيع ذلك الاتفاق لأسباب لا صلة لها بأسباب ترمب فقد أمر وزير خارجيته بالتوقيع وصار وثيقة تحاجج بها إيران، لهذا كله رأت إيران أن تكرار اللعبة نفسها في حزيران 2026 سيعطي النتائج القديمة نفسها، وهذا ما اعتبرته طهران نجاحا إيرانيا نادرا في تفكيك الحلف الاستراتيجي الأبدي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خلال معركة تمت من فصلين بين عام 2025 وعام 2026، وهو ما عجز العرب عن تحقيقه أو جانب منه، طيلة ثمانية عقود من تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وبذلك فإن إيران تمكنت من تدمير أحد أضلاع الحلف الاستراتيجي القائم بين إسرائيل والغرب، وبقراءة متأنية للمشهد بكامله نستطيع تكوين صورة ملتبسة للمشهد، ففي آخر زيارة لنتنياهو إلى واشنطن واجتماعه بترمب في المكتب البيضاوي، سحب ترمب الكرسي المخصص لجلوس رئيس الوزراء الإسرائيلي وأجلسه عليه، سرت تفسيرات كثيرة عن أن تلك خطوة هي تعبير عن دعم أمريكي ثابت لإسرائيل، وهذه حقيقة راسخة لا صلة لها بتغير الحكام، ولكنني أستطيع أن أخرج بتفسير مضاد لتلك الفرضية، وهي أن ترمب أراد أن يقول لنتنياهو، بأن ترمب هو القادر على إزاحتك عن كرسيك بنفس سهولة تثبيتك عليه متى أراد ذلك.
اختلاف أهداف الحرب بين الطرفين بدأت تطفو على السطح منذ انتهاء عملية حزيران 2025، عندما اضطر نتنياهو بناء على أمر من ترمب، إلى إصدار أوامر لسرب من الطائرات الإسرائيلية المقاتلة التي دخلت الأجواء الإيرانية وكانت على وشك قصف مقر المرشد علي خامنئي مع عدد كبير من مستشاريه ومساعديه، بالعودة إلى قواعدها، منذ ذلك اليوم بدأ الحديث يتشعب عن تغير موازين القوة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وكان طبيعيا أن ينسحب على رسم الخرائط السياسية على وفق المتغيرات الجيو سياسية.
لقد حافظت إسرائيل ومنذ قيامها على مكانة ممتازة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي ظل ينظر إليها كولاية أمريكية، فكانت تتباهي بأنها تأتي بالرؤساء الأمريكيين وتطيح بمن لا ترغب به، فبدأت الصورة تنقلب تدريجيا، فقد تحول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى صانع رؤساء الوزراء في إسرائيل، صحيح أن هذه حالة واحدة قد تنتهي برحيل ترمب من موقعه، وتعود الأوضاع إلى سابق عهدها، ولكن هل يطيق نتنياهو هذا الوضع حتى انتهاء ولاية ترمب الثانية؟ وماذا لو جاء جي دي فانس من بعده، وهو أعلى المبشرين صوتا في ضرورة التفاهم مع إيران والتفات الولايات المتحدة إلى مصالحها بدلا تركيزها على مصالح إسرائيل.
من يريد إحصاء أخطاء المفاوض الأمريكي، في اللقاءات الأخيرة مع إيران، فقد لا يجد لنفسه متسعا من الوقت للوصول إلى جواب شاف، فقد نجح ترمب في إضاعة نصر عسكري لامع على إيران، لم تقدم فيه الولايات المتحدة خسائر ذات قيمة، بل إن خسائرها في المناورات التي تجريها قواتها بين آونة وأخرى بالذخيرة الحية، كانت تتسبب بخسائر أكبر بكثير مما تكبدته في المواجهات التي استمرت لمدة شهرين، ثم إن المفاوض الإيراني تمكن من إذلال الوفد الأمريكي والتلاعب بأعصابه سواء في إسلام آباد عندما فرض توقيتاته على المفاوض الأمريكي فتم تعديل تحرك الوفد الأمريكي أكثر من مرة من واشنطن، أو في سويسرا عندما رفض المصافحة البروتوكولية بين أعضاء الوفدين أمام المصورين مع أن نائب الرئيس الأمريكي ظل ينتظر الفرصة بلهفة، صحيح أن الغربيين يتعاملون مع هذه المظاهر بلا مبالاة وليس كما يتعامل معها الانسان الشرقي، إلا أنها ستبقى واحدة من صفحات اللقاءات الماراثونية بين الولايات المتحدة وإيران، أما ما حصل في العاصمة القطرية الدوحة، فهو مواصلة لأفلام الغرب الأمريكي ولكن بنسخة هندية.





























