أوهام الأيديولوجيا القومية والواقع العربي المأزوم بالعنف والتطرف والحروب الأهلية
ورقة بحثية تحليلية لمناقشة ونقد تحديات الواقع العربي
د. غازي فيصل حسين
مقدمة
يعاني العالم العربي منذ عقود من أزمات بنيوية عميقة تتجلى في العنف المنظم، الحروب الأهلية، الانهيار الاقتصادي، تفكك الدولة الوطنية، وصعود الأيديولوجيات المتطرفة الإسلامية التي فشلت في بناء مشروع تنموي أو سياسي للدولة قابل للحياة. ورغم كثافة الخطابات القومية والدينية التي رافقت هذه المرحلة، إلا أن الواقع العربي يكشف عن فجوة خطيرة بين الأوهام الأيديولوجية وبين الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة العربية ليست نتاج مؤامرة خارجية فحسب، بل نتيجة فشل داخلي في فهم الدولة الحديثة، وإدارة التنوع، وبناء اقتصاد منتج، والاندماج العقلاني في النظام الدولي.
أولاً: الإطار الإشكالي: أزمة المشروع العربي
منذ تأسيس جامعة الدول العربية، طُرحت عشرات المشاريع التكاملية:
1. السوق العربية المشتركة
2. حرية انتقال السلع ورؤوس الأموال
3. التعاون البحثي والعلمي
4. الأمن الغذائي العربي
إلا أن أياً من هذه المشاريع لم يُنفذ فعلياً. وتشير البيانات إلى أن: أكثر من 95% من التجارة العربية تتم مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، والدول الاسيوية، وتستحوذ التجارة العربية البينية على أقل من 5% فقط وهو ما يعكس فشلًا هيكليًا في بناء تكامل اقتصادي عربي حقيقي.
ثانياً: الكلفة الاقتصادية والاجتماعية للانهيار العربي
تشير تقارير استراتيجية (منها تقرير المنتدى الاستراتيجي، الإمارات 2017) إلى أرقام صادمة، منها: 3 ترليونات دولار عائدات نفطية للدول العربية خلال 1950–2000. ضاع منها تريليون دولار في الفساد المالي وتريليون في التسلح وحروب الهزيمة ثم تريليون في مشاريع تنموية فاشلة.
الخسائر المباشرة:
1. سوريا: دمار يتجاوز 920 مليار دولار وإعادة الاعمار التي تكلف 340 مليار دولار
2. خسائر سنوية تُقدّر بـ 640 مليار دولار من الناتج المحلي للبلدان العربية
3. اليمن، ليبيا، السودان: انهيار شبه كامل للبنية التحتية الاقتصادية
المؤشرات الإنسانية:
1. أكثر من 30 مليون عاطل عن العمل
2. 57 مليون أمي
3. 70 مليون تحت خط الفقر
4. 50 مليار دولار سنوياً تكلفة اللجوء بسبب الحروب والعنف والاستبداد
5. يمتلك العالم العربي أكبر عدد من اللاجئين والمشردين عالمياً لأسباب تتعلق بالحروب والاضطهاد الديني والقومي والثقافي
ثالثاً: الدولة الغائبة وصعود العنف المقدّس
تشترك معظم الحركات المتطرفة المتمثلة بالسلفيات المتشددة والمعتدلة الشيعية والسنية: داعش، القاعدة، المليشيات الطائفية في سمة مركزية مشتركة: عدم الإيمان بالدولة الوطنية ولا بالدستور ولا بالمواطنة بل تأخذ بنظرية الولاية
هذه الحركات: تهدم الحدود لبناء دولة الخلافة وتقدّس الجهاد والعنف كما تستبدل القانون بـ “الشرعية المقدسة” وتُحوّل الدين أو القومية إلى أداة للصراع بين الشعوب. النتيجة: تفكك الدولة في العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان، لبنان وتحولها إلى ساحات صراع مفتوحة.
رابعاً: إشكالية الهوية وإدارة التنوع
تفترض الأيديولوجيات العربية التقليدية وجود: أمة عربية واحدة متجانسة، بينما الواقع يشير: ان العالم العربي يضم مئات الهويات الإثنية والدينية والثقافية، وأشار المبعوث الأمريكي توم باراك الى وجود 27 دولة في العالم العربي تضم 110 من المجموعات الاثنية التي لا تتوافق على مفهوم مشترك للدولة.
فشل الدولة في إدارة التنوع أدى إلى: حروب أهلية؛ نزاعات طائفية؛ انفصال اجتماعي؛ إن إنكار التعددية القومية والثقافية والسياسية أدى الى الفشل في تحقيق الوحدة العربية، وأنتج مشكلات بنيوية ووظيفية مضاعفة في البلدان.
خامساً: المقارنة مع تجارب ناجحة: ماليزيا – تركيا – الصين
ماليزيا: دولة إسلامية متعددة الأعراق والقوميات والاديان
تبنت: اقتصاد السوق المفتوح؛ الديمقراطية التعددية؛ الانفتاح على العولمة والنظام الاقتصادي الدولي ونجحت في الانتقال من الفقر والتخلف عام 1952 إلى قوة اقتصادية آسيوية.
تركيا: دولة إسلامية علمانية متعددة الأعراق نجحت في بناء هوية ثقافية مشتركة وفي بناء: الصناعة؛ وتبني اقتصاد السوق المفتوح؛ تعزيز علاقات الشراكات الاقتصادية والسياسية الدولية وأصبحت اليوم تحتل المرتبة 15 في الاقتصاد العالمي.
الصين: دولة شيوعية أيديولوجياً لكنها حرق كتاب ماو توسي تونغ: انفتحت على النظام الاقتصادي العالمي وانضمت لمنظمة التجارة العالمية والعولمة الاقتصادية وأخرجت 800 مليون إنسان من الفقر والجوع، وتحولت لاحتلال المرتبة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة
السؤال الجوهري: لماذا تنجح هذه الدول، بينما تفشل بلدان العالم العربي؟
سادساً: فشل مشاريع الوحدة العربية ونهاية الخطاب المثالي القومي
الوحدة العربية: فشلت تاريخياً تجربة الوحدة بين مصر وسورية بعد ان اصطدمت بـ: الدولة الأمنية؛ غياب الديمقراطية؛ قمع التنوع مع تبني سياسات اشتراكية اقتصادية انتجت رأسمالية الدولة مع استمرار الخطاب الشعبوي والتنظيم السياسي الواحد مما مهد للانقلاب على الوحدة والانفصال بفعل عوامل خارجية وداخلية.
كما أن النظام الدولي اليوم: يؤكد من خلال ميثاق الأمم المتحدة على سيادة الدول وعدم المساس بمبدأ وحدة الأرض وسلامة الحدود وحق تقرير الشعوب لمصيرها واختيار أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية واعتماد التعايش السلمي بي بين الدول والشعوب على اختلاف الأنظمة السياسية والاقتصادية.
بناء على ما تقدم، يجرّم ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة لتغيير الحدود، مما يجعل أي مشروع للوحدة القسرية عبر الاحتلال مستحيلاً قانونياً وسياسياً، لان احتلال دولة لدولة يمثل انتهاكا صارخا لمبدأ وحدة الأرض وسلامة الحدود واذا ما اندلعت نزاعات حدودية فبإمكان الدول اللجوء لمحكمة العدل الدولية في لاهيا كما حالة البحرين وقطر.
سابعاً: الدولة الحديثة كشرط للإنقاذ من التخلف وتحقيق التنمية المستدامة
أزمة العالم العربي ليست في: الدين؛ الهوية، الجغرافيا. بل في: غياب الدولة الحديثة وضعف المؤسسات الدستورية واحترام حقوق الانسان والتداول السلمي للسلطة واستمرار تحكم الأيديولوجيا بالعقل السياسي والاقتصادي مما يقود الى الجمود العقائدي.
الدولة الحديثة تقوم على: المواطنة، الدستور، الفصل بين السلطات، إدارة التنوع الديني والقومي والاجتماعي؛ اقتصاد انتاجي بدلا عن الاقتصاد الريعي في الدول النفطية.
خاتمة
يكشف الواقع العربي أن الأيديولوجيات الكبرى سواء القومية أو الدينية والثورية، تحولت من مشاريع خلاص إلى أدوات تدمير ذاتي. ولم يعد ممكناً الاستمرار في خطاب خمسينيات او ستينات وسبعينات القرن الماضي، بعد ان تفكك النموذج الشيوعي في الاتحاد السوفيتي والدول الاوروبية الشرقية الاشتراكية والتي تحولت نحو الليبرالية واقتصاد السوق المفتوح، وانهار منظمة الكوميكون التجارية وحلف الناتو العسكري، بينما تعيش المجتمعات العربية في القرن الحادي والعشرين.
إن الخروج من الأزمة يتطلب: الاعتراف بفشل النموذج الأيديولوجي؛ إعادة بناء الدولة الوطنية، تبني العقلانية الاقتصادية؛ احترام التعددية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مواءمة الخطاب السياسي مع الواقع؛ فالتغيير لا يبدأ بالحلم، بل بفهم ومواجهة تحديات الواقع.


































