الأربعاء، 29 أبريل 2026

قراءة في تاريخ إيران الجمهورية/ جزء ٥ / بقلم / د.نزار السامرائي

  قراءة في تاريخ إيران الجمهورية

د.نزار السامرائي


جزء ٥ 

بعد مماطلات ومناورات لا حصر لها في محاولة لكسبِ وقتٍ تستطيع فيه إيران إعادة بناء قواتها التي أوشكت على الخروج من الخدمة بسبب الضربات العسكرية المتلاحقة التي تلقتها على يد القوات العراقية في ربيع 1988، وكذلك لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني المحطم، وجه الخميني رسالة مطولة تزيد كلماتُها على 7530 كلمة للشعب الإيراني استنهض فيها همم الإيرانيين، وتحدث في معظم ما جاء فيها، عما حصل في عام 1987، في الحرم المكي من فتنةٍ زجَ فيها عناصرَ من الحرس الثوري الذين تم إرسالهم في موسم الحج لسنة 1407هـ، فأحدثوا في المسجد الحرام، أسوأ حادث أمني، منذ فتنة القرامطة سنة 317هـ 908م، عندما أغاروا بقيادة أبو طاهر الجنّابي القرمطي على الحجيج في يوم التروية فقتلوا منهم المئات وهم مُحرِمون، وسرقوا الحجر الأسود وغيبوه 22 سنة.

فخيبت تلك الكلمة ظن الإيرانيين بالزعامة الدينية التي لا تتعاطى مع الأزمات المحلية بشفافية ووضوح ومسؤولية من أجل إيجاد الحلول الواقعية لها، ولأنها أغفلت المحنة الحقيقية التي تعيشها البلاد بعد حرب ضروس استمرت ثمانية أعوام نتيجة عناد تقليدي تميزت به الشخصية الفارسية عبر الزمن، ولكنها هذه المرة اصطدمت بجدار عراقي شاهق من العزم على كسب المعركة.

لكنّ مراقبي المشهد الإيراني لم يَفتُهم تشخيص الحالة التي تقمص النظام لبوسها، فهذا ديدن الإيرانيين عندما تلحق بهم هزيمة منكرة في واحدة من الجبهات، فإنهم يستميتون لتحويل الأنظار عنها إلى قضايا أخرى يرون فيها تغطية كافية تجنبهم المساءلة الشعبية، بعد أن ينفخوا في بالونها الكثير من هواء أكاذيبهم وقدرتهم العالية على التبجح، فلم يكن ما جرى في الحرم المكي الشريف معركة بين جيشين بل كان مواجهة بين الحق بكل جنوده والباطل بكل ما حمله من زيف وتحريف، ومحاولة لإثارة الشغب في بيت الله الحرام الذي جعله الله آمنا، واصرار السلطة الحاكمة لتعويض خسارة الحرب بمكسب في جبهة أخرى، وذلك بانتزاع بيعة لدينٍ لم يرد به نص ولا قال به النبي صلى الله عليه وسلم، الهدف الرئيس من رسالة الخميني هو اطلاق شحنة كبيرة من الترياك الفارسي المشهور، وتخدير الشعب ومنعه من التفكير بما دفعته إيران من أثمان باهظة بسبب سدِّ الخميني شخصياً لأذنيه عن كل ما كان يرده من مستشاريه من نصائح بأن إيران وصلت إلى مرحلة الانهيار التام عسكريا واقتصاديا، وأن عليه أن يتدارك الموقف ويوقف سيل الهزيمة قبل فوات الأوان، ولكنه ظل يكابر وأغمض عينيه عن رؤية المآسي التي حلت بإيران، حتى أيقظه دوي الصواريخ العراقية على مقربة من حسينية جميران في يوم الصواريخ في ربيع 1988، وعندما اقترب الموت منه وجه رسالة المغالطات التي تتعامل مع المشكلات القائمة بتجاهل تام وتسعى لافتعال معارك في جبهات باردة، فوجه رسالته المليئة بالحشو الممل وأعلن إذعانه، بعد أن استيقظ على حقيقة أن إيران لم تعد تمتلك شيئا تقاتل به ومن أجله، وأن امتلكت فليس لديها رجال للقتال حتى تحت تأثير التخدير العقائدي، فلا أحد على استعداد لفتح حقول الألغام بجسده، فذلك الجيل ذهب هباء ولم يتمكن من فتح حقول الألغام التي وُعد بالجنة ثمنا لفتحها، وإن تمكن فتح ثغرة صغيرة فيها فإن جدار الصد العراقي كان للبقية بالمرصاد وهذا وقع.

كانت الخطة التي رسمتها الزعامة الإيرانية وأوكلت مهمة تنفيذها للحرس الثوري، تتضمن نقل أسلحة نارية عبر البريد الدبلوماسي، وتقتضي احتلال المسجد الحرام وإعلان البيعة للخميني زعيما سياسيا للأمة وإماما لها، ولكن التدخل السريع لقوات الأمن السعودية أحبط تلك الخطة وسقط أثناء ذلك عدد من القتلى والجرحى بين الحجاج والإرهابيين وقوات الأمن التي لم تكن مستعدة لمثل هذا الحادث الاستثنائي داخل الحرم الذي أنزل الله كتابا في حرمة القتال فيه عندما قال سبحانه وتعالى، بسم الله الرحمن الرحيم "وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين" البقرة191.

 وأكدت هذه العملية التي استهدفت أقدس مكان في الأرض جعله الله مثابة للناس وأمنا، أن إيران لا تُقيم وزناً لمقدسات المسلمين، أمام أية خطوة تخطوها على طريق تحقيق هدفها بإعادة بناء مجد الإمبراطورية الفارسية، كما أكدت الطابع الإرهابي للحرس الثوري الإيراني على نحو لم تعد هناك فرصة لمكابر على نفي هذه الصفة عنه؟

وأكد الخميني في تلك الرسالة أنه إن استطاع نسيان كل شيء فإنه لن ينسى ما حصل من "جريمة في الحرم المكي" من قتلٍ لعناصر الحرس الثوري وأنه لا بد أن يأخذ بثأرهم طال الزمن أم قصر، وطلب من أنصاره أن يحبسوا "حقدهم الثوري" في صدورهم، فأية نزعة انتقامية تلك التي طبعت تلك المرحلة وما تزال تفرض حضورها حتى اليوم، لقد تأخرت موافقة الخميني على قرار مجلس الأمن الدولي 598 الصادر في 20 تموز 1987 إلى يوم الثامن من آب 1988، ولو أنه كان قادرا على تخيل أن إيران قادرة على المطاولة ليوم واحد، ما كان ليوافق على ذلك القرار مهما لحق بها من خسائر بلا طائل أو جدوى.

بعد الموافقة الإيرانية على قرار 598 والتي تأخرت أكثر من سنة بقليل، والذي كان العراق قد وافق عليه بسرعة، بدأ سباق مارثون إقليمي – دولي، لتحقيق سلام دائم في المنطقة التي ينظر إليها الغرب المتقدم والشرق، على أنها محطة وقود رخيصة الأسعار، ولكن ظن العالم لم يأت بجديد، إذ اكتشف أن المفاوضون والوسطاء الإقليميون والدوليون بمن فيهم الأمم المتحدة ممثلة بأمينها العام، أن إطالة أمد حالة اللاحرب واللاسلم، لا تختلف في هذه الحالة عما حصل في وقت الحرب إلا ببعض التفاصيل.

ولعل أسوأ ما واجه المفاوض العراقي، أنه اصطدم بجدار إيراني أصم حول تنفيذ أهم البنود الإنسانية في القرار الأممي، وهو ما جاء في الفقرة الثالثة من القرار والتي تنص على أنه "يحث على إطلاق سراح جميع أسرى الحرب، وإعادتهم إلى بلديهم بدون تأخير، بعد توقف العمليات الفعلية وفقا لمعاهدة جنيف في 12/8/1949".

فالمجلس وحسب السياقات المتبعة في عمله، وضع "وقف إطلاق النار" أول فقراته وهذا شيء طبيعي وجعل الفقرة الثانية كيفية التحرك لوضع آليات ذلك من خلال اشراف الأمين العام، وهذا التسلسل يعكس جدية المنظمة الدولية على إحلال السلام ونبذ الحروب في حل المنازعات الثنائية والجماعية.

ويبدو أن الولايات المتحدة التي ألقت بثقلها لتمرير القرار المذكور، عندما عينت جنرالا سابقا في الجيش الأمريكي، هو "فيرون والترز" والذي تحرك بديناميكية نشطة إلى أبعد الحدود من خلال التحرك المتواصل على المندوبين لإصدار القرار بالإجماع، في زمن الحرب الباردة وعندما بدأت أعراض احتظار الاتحاد السوفيتي تلوح في الآفاق، كان الهدف منه إرساله رسالة إلى بغداد وطهران بدرجة أقوى، بأن العالم لم يعد قادرا على تحمل رؤية الاصرار على دوامة العنف في منطقة لها خصوصية عالية الأهمية في الحسابات الاستراتيجية الدولية.

ويبدو أن هذه النظرة تشكلت لدى الدول الكبرى، بعد أن خسرت رهانها على نجاح عمليات شرق البصرة في مطلع 1987، وخرجت إيران من المعادلة وهي مثخنة الجراح، لا تدري أين توجه تركيزها خاصة بعد أن استنزفت حرب الثماني سنوات كل رصيدها العسكري والمالي والمعنوي، هي التي دفعت بالولايات المتحدة، التي حرصت هي وبقية الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن على استمرار الحرب لأطول زمن متاح من دون السماح لأي من المتحاربين بأن يتفوق على الآخر، ولما بدأت علامات العجز الإيراني عن الصمود أمام العراق في جبهات القتال، وإخفاق المراهنة الإيرانية على تحقيق نصف نصر عن طريق إحداث أعمال شغب في الداخل العراقي، تحركت ماكنة الأمم المتحدة التي ظلت واقفة في مكانها منذ تأسيسها بُعيد الحرب العالمية الثانية، فصدر هذا القرار الذي عانى من نقص معيب في مضمونه، فلو أنه تضمن فقرة تنص على الإشارة بأنه كل لا يتجزأ وأن التلكؤ بأيٍ من فقراته يعد خرقا للقرار كله، ويعني العودة إلى الحرب أوتوماتيكيا، ولكن الدول الكبرى كانت حريصة على إدامة عنصر إدارة الأزمات لا حلها، لأنها لا تريد أن تفقد شعورها بالهيمنة في حال حل المشكلات الدولية.

وهكذا بدأ سريان وقف إطلاق النار في العشرين من آب/أغسطس 1988، ولكن المشكلة الرئيسة لمخلفات الحرب وهي أن قضية الأسرى، لم تتزحزح عن مكانها خطوة واحدة، وهذا يعود لخلفيات التاريخ الفارسي المعقد في التعامل مع هذا الملف، ولو أن العالم كان يعي ما يعرفه العراق عن غاطس التقاليد الإيرانية في توظيف هذه القضية الإنسانية توظيفا سياسيا لانتزاع مكاسب في ميدان آخر، ربما كان العالم سيلجأ إلى صياغات أخرى فيما لو كانت النوايا صافية حقاً.

الجمعة، 24 أبريل 2026

ناجي صبري الحديثي.. "مِهندسُ الدبلوماسيةِ" وصوتُ العراقِ الذي واجهَ العاصفةَ بلسانِ العالِمِ وهيبةِ الدَّولة!

  ناجي صبري الحديثي.. "مِهندسُ الدبلوماسيةِ" وصوتُ العراقِ الذي واجهَ العاصفةَ بلسانِ العالِمِ وهيبةِ الدَّولة! 


✍️ بقلم 🪑 كرسي المؤرخ نتشرف أن نروي لكم 


👈📜💼 في تاريخِ الدبلوماسيةِ العراقية، تبرزُ شخصياتٌ لم تكن مجردَ أدواتٍ إدارية، بل كانت "صدوداً" فكريةً ووطنيةً في أصعبِ المنعطفات. الأستاذ الدكتور ناجي صبري أحمد الحديثي (أبو محمد)، ابن مدينة "حديثة" الصامدة، يمثلُ قصةَ الأكاديميِّ المبدعِ الذي غادرَ مدرجاتِ الأدبِ والترجمة ليقودَ أخطرَ المعاركِ السياسية في رِحابِ الأمم المتحدة، حارماً القوى العظمى من غطائها الشرعي ببراعةٍ دحضت حججَ الحربِ قبل وقوعها.

1. التكوينُ والأصالة: من ضفافِ الفراتِ إلى مِحاريبِ اللغة 🎓 

وُلد الدكتور ناجي صبري في رحاب عشيرة "الأغوات الطائية" العريقة، ونشأ في بيئةٍ عراقيةٍ أصيلة صقلتْ ملامحَ شخصيتِه الرصينة. حصل على شهاداته العلمية من جامعة بغداد، وتخصص في اللغة الإنجليزية والترجمة، فجمع بين فصاحة اللسان العربي وسعة الاطلاع الغربي. لم يكن تدرجه في العمل سهلاً، بل شقَّ طريقهُ كصحفيٍّ وكاتبٍ ومترجمٍ بارع، قبل أن تكتشفَ الدولةُ فيهِ ملكاتِ "المفاوضِ الصلب" الذي يتقنُ لغةَ العالم ويحملُ همومَ الوطن.

👈💼 المناصب التي تقلدها الدكتور ناجي الحديثي 

1968 - 1975 مدير قسم الشؤون الخارجية ومدير تحرير جريدة الثورة.

1969 - 1975 محاضر في قسم اللغة الإنكليزية، كلية الآداب / جامعة بغداد.

1975 - 1980 مستشار سفارة جمهورية العراق في لندن.

77 - 1980 مؤسس ومدير المركز الثقافي العراقي في لندن.

1977 - 1980 مؤسس ورئيس تحرير مجلة أور الخاصة بالفنون العربية الحديثة.

1980 - 1990 مدير عام دار المأمون للترجمة والنشر.

1980 - 1998 رئيس تحرير جريدة بغداد أوبزرفر.

1986 - 1995 مؤسس ورئيس تحرير مجلة كلكامش الخاصة بالفنون العراقية الحديثة.

1986 - 1995 نائب رئيس اللجنة الوطنية العراقية للتربية والثقافة والعلوم.

1990 - 1991 مدير عام الأعلام الخارجي في وزارة الثقافة والأعلام.

1991 - 1995 وكيل وزارة الثقافة والإعلام.

1995 - 1999 محاضر في الجامعة المستنصرية/ كلية الآداب.

1995 - 1998 مستشار في ديوان رئاسة الجمهورية.

حزيران 1998 سفير في مركز وزارة الخارجية/بغداد.

1999 - 2001 سفير جمهورية العراق لدى النمسا، وممثل العراق الدائم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) ومكتب الامم المتحدة في فيينا.

18 نيسان 2001 وزير دولة للشؤون الخارجية.

4 آب 2001 - 9 نيسان 2003 وزير الخارجية

2. "الوزيرُ المفاوض": معركةُ العقلِ ضدَّ آلةِ الحرب ⚖️ 

👈📅 في عام 2001، تسلم الدكتور ناجي حقيبة وزارة الخارجية، وهي المهمة الأكثر تعقيداً في تاريخ العراق المعاصر. لم يكن وزيراً تقليدياً، بل كان "إستراتيجياً" استطاع بحنكته الثقافية واللغوية إحراج الإدارتين الأمريكية والبريطانية في أروقة مجلس الأمن. وبشهادة المُنصفين، كان له الدور الأبرز في تفكيك الذرائع الدولية، حيث أدار ملف التفتيش والمفاوضات بذكاءٍ أكاديمي منعَ إضفاء أي شرعيةٍ دولية على مشروع الغزو، ليظل صوتهُ في الأمم المتحدة صدىً لسيادةِ بلدٍ يرفضُ الانكسار.

3. ما بَعدَ العاصفة: الغربةُ التي لم تكسرِ القلم 🕯️ 

👈📅 💥 بعد سقوط النظام عام 2003، لم يتعرض الدكتور ناجي صبري الحديثي للاعتقال بعد الغزو. فقد غادر مع عائلته بغداد صباح يوم ٩ نيسان يوم إعلان الاحتلال. ثم خرج مع عائلته  من العراق يوم ١٠ نيسان / أبريل ٢٠٠٣  إلى سوريا و  ظل فيها سبعة أشهر ثم سافر إلى دولة قطر أقام فيها منذ اواخر سنة ٢٠٠٣ و عمل في التعليم الجامعي استاذا في جامعة قطر ثم محاضرا في عدة معاهد تعليمية. 

4. الخاتمة: ذكرى الصمودِ وبياضِ السيرة 🕯️📍

يبقى الدكتور ناجي صبري الحديثي نموذجاً لـ "التكنوقراط العراقي" الذي خدمَ دولتَهُ بعلمه وكرامته. رجلٌ لم يتبدلْ في المِحَن، ولم تتلوثْ يداهُ بغيرِ مدادِ القلم وصدقِ الكلمة. هو اليوم يقيمُ في الدوحة، يمارسُ دورَهُ كأكاديميٍّ وكاتبٍ يَحظى باحترامِ الأوساطِ الثقافيةِ والدبلوماسية، بصفتهِ الشاهدَ الأخيرَ على حقبةٍ دافعَ فيها عن "اسمِ العراق" بكلِّ ما أوتيَ من حكمة.

5. المصادر والمراجع التاريخية 📚 

وزارة الخارجية العراقية: أرشيف الدبلوماسية (2001-2003).

الأمم المتحدة: محاضر جلسات مجلس الأمن (ملف العراق 2002).

جامعة بغداد: سجلات الهيئة التدريسية وقسم اللغة الإنجليزية.

الصحافة الدولية: تقارير صحف "الغارديان" و"نيويورك تايمز" عن الأداء الدبلوماسي العراقي.

💬 سؤال للجمهور 

"الدكتور ناجي صبري الحديثي استطاع حرمان (التحالف الدولي) من الشرعية القانونية للحرب عبر (براعة التفاوض).. برأيك، هل (القوة الناعمة) والدبلوماسية العلمية قادرة على هزيمة الجيوش أخلاقياً، حتى لو كانت الكفة الميدانية غير متكافئة؟" 👇🛡️🦅

🔖  هاشتاجات

#ناجي_صبري_الحديثي #دبلوماسية_العراق #تاريخ_العراق #وزير_الخارجية #الدوحة #حديثة #البيات #قادة_العراق #العلم_والسياسة #كرسي_المؤرخ #العراق_زمان #بغداد_زمان 


✒️ بتوقيع 

🪶 كرسي المؤرخ 🪑 

👈🎓"الدكتورُ ناجي صبري.. الوزير اللبق الذي حَمى (سيادةَ) العراقِ بلسانِ المفاوضِ، وحَفِظَ (تاريخَهُ) بعلمِ الأكاديمي، ليبقى (أبو محمد) شامةً في جبينِ الدبلوماسيةِ العربية." 

👑 كرسي المؤرخ 🪑... نروي لكم سير رجال العراق العظماء.

منقول عن صفحة كرسي المؤرخ

https://www.facebook.com/share/p/1FP3NHC8j8/?mibextid=wwXIfr


الأربعاء، 22 أبريل 2026

قراءة في تاريخ إيران الجمهورية/4 د. نزار السامرائي

 قراءة في تاريخ إيران الجمهورية/4

د. نزار السامرائي



بعد أن وصل العراق إلى يقين من خلال معلومات ومؤشرات دقيقة تم جمعها، أن إيران أجمعت أمرها على شن الحرب عليه، وخاصة بعد أن ارتفع طبول الحرب على أبوابه، استنادا إلى حسابات إيرانية غبية بأن رتلاً خامساً في الداخل العراقي ينتظر إشارة واحدة من الخميني بتحديد ساعة الصفر كي يهب لإسقاط الحكم فيه، ومن ثم تمهيد الأرضية المناسبة لاحتلاله والهيمنة عليه، فكان لا مناص من التفكير الجدي باعتماد الخطوات المناسبة لدرء هذا الخطر الجدي الذي كان يواجه العراق كما لم يحصل منذ مئات السنين.

لقد كان من العبث أن ينتظر العراق استكمال العدو لخططه وما يحتاج إليه من مستلزمات، كي يضرب ضربته، فهذا معناه أنه يجازف باستقلاله وسيادته ووحدة أراضيه، وأمن المواطن واستقراره في بلد مرهوب الجانب.

من المؤكد في التقديرات الاستراتيجية، تشير إلى أن تعليق مصير أي بلد من البلدان، على القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة، انتظارا لتأكيد الحجة القانونية لإدانة العدوان ومنفذيه، تبدو فكرة ساذجة إلى أبعد الحدود، مع التطور الهائل في صناعة السلاح وطرق استخدامه وسرعة حشد القطعات المعدة لشن أكبر الهجمات نتيجة توفر طرق المواصلات الحديثة.

لقد أكدت تجارب العالم أن الوقوع في فخ انتظار العدو لحين شن هجومه، والتشبث بفكرة توفير الحجة القانونية لإدانته، أوقعت كثيرا من البلدان التي تعرضت للضربة الأولى، في مآزق من لم يكن من الميسور تجاوز آثارها، وتعطينا الشواهد التاريخية أدلة على أن تردد الدول في مباشرة حقها في الدفاع عن نفسها، أوقعها في مأزق البحث عن فرصة للتخلص من دفع أثمان باهظة نتيجة ترددها في وضع الخطط اللازمة للدفاع عن نفسها، وفقا لما تتوصل إليه من قناعة أنها مستهدفة بنوايا عدوانية خارجية، وإن لم تتهيأ لدرء الخطر عنها فإنها لن تكون أفضل حالا من حال بغداد بعد أن تعرضت للغزو المغولي، نتيجة انشغالات بأمور ثانوية على الرغم من توفر معلومات موثقة عن زحف المغول إلى حاضرة الدولة العباسية، ولكن الخليفة والبطانة المحيطة به، تصرفا وكأنهما هياكل بلا روح حتى هوى السيف على رقبة الخليفة وبطانته، وفعل المحتلون الأفاعيل في مدينة بغداد التي كانت لؤلؤة العالم وعاصمة الحضارة الإنسانية ومدينة العلوم والآداب والفكر والفلسفة فأطفأ عينيها حتى دخل الشرق مرحلة ظلامية غير مسبوقة.

إن انتظار وقوع العدوان قبل مباشرة التصدي الوقائي له، وعدم الاستعداد لمواجهته في حال توفر المؤشرات على احتمال وقوعه، يقع تحت طائلة الخيانة العظمى والتواطؤ مع المعتدين، وسيؤدي إلى نتائج كارثية سيكون الثمن فيها مضاعفا عدة مرات، فالحرب الاستباقية هي أفضل وسيلة لتجنب أخطار الحرب الدفاعية، ذلك أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لم توفر الحماية الكافية لأي بلد من بلدان العالم من غزو الغزاة الطامعين في البلدان الضعيفة إذ بقي ذلك في نطاقه القانوني، فالأمم المتحدة لا تمتلك سرية دبابات واحدة ولا سربا من الطائرات من جيل المقاتلات الأول ولا الثاني، الأمم المتحدة تمتلك تأثيرا معنويا غير قادر على فرض نفسه على الأرض إلا بما تسمح به الدول الكبرى، وكذلك فإن مجلس الأمن غير قادر على إمضاء قراراته إلا على الدول الصغيرة والضعيفة.

واندلعت الحرب بعد أن هيأت الزعامة الإيرانية كل أسبابها، سواء بعد وصولها إلى الحكم بعد أن ضربت الفوضى أطنابها في جميع أرجاء إيران وفي كل مرافق الدولة وخاصة المؤسسة العسكرية، وحتى قبل الحادي عشر من شباط 1979، عندما كان الخميني يخطط للعودة إلى طهران وفي جيبه سلة من الأفكار البعيدة عن منطق بناء دولة مسالمة في بيئة تحتاج إلى الأمن والاستقرار أكثر من حاجتها إلى الشعارات الثورية.

كان عدد من مستشاري الخميني ممن ما زال يمتلك قليلا من حكمة الماضي القريب، قد حاول ثني مؤسسة الحكم الجديدة عن التورط في حرب لا تخدم أحدا، وخاصة قبل أن تستكمل إعادة بناء الدولة وعدم إضافة عبء جديد عليها، فالمجتمع الإيراني بحاجة إلى سنوات طويلة لبناء المجتمع الجديد، وإزالة ركائز النظام السابق، فلا تكفي النوايا الطيبة مهما كانت دوافعها نزيهة أو جادة للحصول على النتائج المطلوبة، بل تحتاج إلى تفكير هادئ وبعيد عن إثارة الأزمات الخارجية للتفرغ لحل مشاكل الداخل، ثم إن الحرب إذا اندلعت فالجميع سيعرف من أطلق رصاصتها الأولى ومتى حدث ذلك وأين، ولكن من المستحيل أن تعرف أكثر العقول رجاحة متى ستضع الحرب أوزارها.

 ومن الصعوبة بمكان التحكم بمسار العمليات الحربية حتى من قبل أقوى الجيوش، ذلك أن أي انجاز في إحدى مراحلها، سيوفر إغراءً غلابا لتحقيق المزيد من المكاسب، وأن أي نكسة في مرحلة من مراحلها، ستحفز الطرف المتضرر إلى العمل على إعادة التوازن في جبهات الحرب وإيجاد الأرضية الكافية لتلافي النقص الذي أدى إلى حصول ذلك، من أجل استرداد الأنفاس وأخذ الاستراحة الكافية ثم العودة إلى الحرب بخطط جديدة بعد استكمال مستلزمات الصمود فيها.

بعد أن قامت الحرب، قال الخميني كلمة لا تنم عن حرص على دماء أبناء وطنه، ولا على المتراكم من البناء الذي ورثه النظام الجديد من نظام الشاه، فقال "الخير في ما وقع"، ولما كان الخميني قد جعل من نفسه نائبا للإمام الثاني عشر "المهدي المنتظر" فكلامه غير قابل للنقاش من أي من المحيطين به، ناهيك عن الاعتراض من أي مستوى ديني أو سياسي، ويعزو عدد من دارسي شخصية الخميني إلى أن فقدان ابنه البكر "مصطفى" في النجف أثناء تواجده فيها على أيدي عملاء السافاك، قد أثر عليه تأثيرا بالغا، فجعله أقل اهتماما بمصير الشباب الذين يقتلون في جبهات الحرب، وهم من صغار السن الذين أوكلت إليهم مهمة فتح حقول الألغام بأجسادهم، تمهيدا لعبور القطعات العسكرية من حيش وحرس ثوري وبسيج.

على الجانب الآخر من الحدود، اضطر العراق لخوض الحرب، دفاعا عن سيادته الوطنية وعن وحدة أراضيه، فالعراق الذي وضع قدميه في مطلع عقد الثمانينيات على طريق تنمية انفجارية، كان أكثر الدول حرصا على تجنب كل ما من شأنه أن يشغله عن مواصلة طريق البناء أو تهديد ما هو قائم، لكن تعرّضه لكثير من الأعمال الإرهابية التي نفذتها فصائل ذات ولاء تاريخي لإيران لا يرتبط بنظام حكم معين في طهران، مثل حزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي، وغيرهما، جعله في موقف لا يمكن أن يقف فيه متفرجا على مشهد يريد أن يعيده إلى قرون الاضطراب وحروب التوسع.

وبعد مرور أيام معدودة على نشوب الحرب، تداعى العالم عبر المنظمات الدولة والإقليمية للتعاطي بإيجابية مع الحرب، إذ أصدر مجلس الأمن الدولي قراره المرقم 479 في الثامن العشرين من أيلول 1980 والذي دعا فيه "إيران والعراق إلى الكف فورًا عن أي استخدام للمزيد من القوة وتسوية النزاع بينهما من خلال المفاوضات بدلاً من ذلك".

كما تحركت منظمة المؤتمر الإسلامي فشكلت "لجنة للمساعي الحميدة"، التي ضمت كلا من الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري، والرئيس الباكستاني الجنرال ضياء الحق، والذي ظهر في معظم اللقاءات منحازا بشكل لافت إلى جانب إيران، وربما يرجع ذلك إلى خشيته من تأثير أوساط محلية تتأثر بالخطاب الديني الذي ترفعه إيران، لا سيما في المراحل الأولى من عمر التغيير الذي شهدته طهران، والذي استقطب كثيرا من المنظمات ذات التوجهات الإسلامية، التي رأت في التغيير بداية لصحوة إسلامية شاملة، وبعض تلك الأوساط تأثرت كثيرا بما كان الخميني يطرحه من شعارات إسلامية عابرة للمذاهب.

وشهدت ساحات الحرب تقلبات ومتغيرات يمكن حصرها في ثلاث مراحل، المرحلة الأولى أي سيطرة القوات العراقية على معظم جبهات القتال، وهي التي استمرت أكثر من سنة بقليل، وانتهت يوم تمكن القوات الإيرانية من ابعاد القوات العراقية من شرقي الكارون في السابع والعشرين من أيلول 1981، واستمرت تلك المرحلة من ذلك التاريخ وكانت ذروة رجحان كفة الحرب لصالح إيران عام 1982 بوقوع معركتي الشوش ودزفول في آذار 1982 والمحمرة في أيار من السنة نفسها، وفي نهاية تلك السنة أعلن العراق إعادة قواته إلى الحدود الدولية بين البلدين، ومع ذلك فقد أعطت نتائج معارك عام 1982لإيران اغراءً قويا بمواصلة الحرب حتى النهاية مهما بلغت خسائرها، فقد شهد العام 1986 تمكن القوات الإيرانية من احتلال مدينة الفاو في أقصى جنوبي العراق، ولكن تقلص جبهة الحرب نتيجة إعادة تموضع القوات العراقية في خطوط دفاعية أقصر من خطوط ما قبل الانسحاب إلى الحدود الدولية، أعطى للقطعات العراقية مرونة أكبر في إقامة أكثر من خط دفاعي متماسك، مما صعّب من مهمة القطعات الإيرانية في احداث خرق في الخطوط الدفاعية العراقية الجديدة.

وفي إحدى مراحل الحرب وقعت أكبر فضيحة سياسية وأخلاقية للنظام الإيراني، الذي طرح نفسه كأكبر عدو للاستكبار العالمي وللصهيونية وإسرائيل، وكأكبر مدافع عن القضية الفلسطينية، وإذا به يستورد أسلحة من صنع الاستكبار العلمي ومملوكة لإسرائيل، فقد تم الاتفاق سراً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، على تجهيز الأخيرة بصفقة أسلحة أمريكية من موجودات الجيش الإسرائيلي، بعد أن ظهر الضعف على أداء القوات الإيرانية، إذ تم سحب آلاف الصواريخ المضادة للدروع من نوع تاو، وكذلك قطع غيار للطائرات من نوع فانتوم وصواريخ هوك المضادة للطائرات من مستودعات الجيش الإسرائيلي، وتم ترتيب الصفقة أثناء زيارة لباريس قام بها الرئيس الإيراني أبو الحسن بني صدر، والذي عقد اجتماعا مع نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، خلال رئاسة الرئيس رونالد ريغان، وتم الاجتماع بحضور آري بن ميناشيا ممثل الموساد الإسرائيلي، وتم ذلك مقابل اطلاق سراح مواطنين أميركيين كانوا محتجزين في لبنان، وفي يوم 20 آب 1985 انطلقت أول شحنة من الأسلحة من إسرائيل إلى إيران على متن طائرة من نوع "دي سي 8".

ويوم ذاك حضر إلى طهران أوليفر نورث معاون مدير مجلس الأمن القومي الأمريكي، بملابس عمال صيانة الطائرات والتقى بهاشمي رفسنجاني وسلمه "كعكة" على هيئة خارطة العراق مع سكين، وذلك كناية عن تسليم العراق لإيران وإطلاق يدها بتقطيع أوصاله. 

وما كاد عام 1987 يطل على العالم، إلا وكانت إيران تدخل في أخطر مراحل الحرب، فبعد تحشيد طويل الأمد وتحضيرات لأكبر ما تمتلك من امكانات مادية وبشرية وجندت لها كل مؤسسات الدولة، مع الأسلحة الأمريكية التي حصلت عليها من إسرائيل، زجت بمئات الآلاف من أبنائها من مختلف الأعمار بمن فيهم الأطفال، وبدأ إعلامها يروج لفكرة "على مشارف الانتصار الكبير" إذ نشبت أكبر معارك الحرب برمتها وهي معركة شرق البصرة والتي أطلق عليها العراق اسم "الحصاد الأكبر" والتي تسمى بالوثائق بمعركة نهر جاسم، فقد تمكن العراق من امتصاص زخم موجات الهجمات المتعاقبة، والتي أكدت أن طول الحرب من دون بروز أمل بتحقيق النصر، وأن يأس الزعامة الإيرانية قد دفعها للزج بكل رصيدها السياسي والاقتصادي والحربي في هذه المعركة التي ظنت أنها المعركة التي ستؤدي إلى احتلال البصرة والصعود شمالا إلى بغداد.

وانتهت هذه المعركة بأكبر هزيمة عسكرية لإيران، لكن الآمال التي عقدتها على نتائجها، جعلت من وقع الهزيمة النفسية والسياسية أكبر بكثير من النتائج الحربية، حينذاك بدأت الأصوات ترتفع وراء جدران مغلقة من محيط الخميني، تدعوه إلى وقف الحرب، ولكنه أصم أذنيه عن سماع أكثر الأصوات حرصا على ما يسمى "بمصير البلاد" من الأخطار الخارجية، ولعل أكثر الأصوات ارتفاعا كان صوت هاشمي رفسنجاني، الذي يُنظر إليه أنه أشجع الجبناء في الفريق الحاكم، وكان رفسنجاني يشغل وظيفتين كبيرتين هما رئيس مجلس الشورى وممثل الخميني في مجلس الدفاع الأعلى، ويبدو أن أعضاء الفريق الحاكم كانوا هم الذين يكلفون رفسنجاني بهذه المهمة التي قد يدفع متبنيها إلى ساحة الإعدام.

ولم يذعن الخميني لما جاءه من النصح من مستشاريه المقربين، وكان عام 1987 قد انتهى وإيران تحاول أن تمتص آثار هزيمة شرقي البصرة، وحاولت النهوض من كبوتها، وكلما حاولت الوقوف وقعت في مأزق أكبر من الذي سبقه، عند ذاك صدر قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 598 في منتصف تموز 1987، ولكن إيران والتي لم تفكر يوما بمغادرة مماطلتها وترك العالم أمام معضلة الانتظار وترقب المجهول لم تتوقع ما سيحصل من تطورات لاحقة في سوح الحرب فأخرت موافقتها على القرار المذكور أكثر من عام كامل، بانتظار مدد مستحيل.

وعندما أطل عام الحرب الثامن، كان العراق يُعّدُ لأكبر المفاجآت التي شهدتها الحرب، إذ بدأت مواقع إيران الدفاعية على طول الجبهة بالتداعي واحدا تلو الآخر، ولعل معركة تحرير الفاو التي أنجزت في السابع عشر من نيسان 1988، عبر أكبر مخادعة استراتيجية وإعداد محكم لصفحات التحرير، والزج بقوات النخبة فيها، ما شكّل المفاجأة التي أذهلت الإيرانيين الذين سبق لهم القول بأن من المستحيل أن تخرج الفاو من قبضة أيديهم مهما هيأ العراق من قوة لتحريرها، ولكنها تحررت فكانت من الانتصارات الباهرة في تاريخ الحروب العربية، وكان انتصار الفاو التاريخي، بوابة للحسم العسكري في الحرب الذي ظن فيها الإيرانيون أن عنادهم هو الطريق لزرع الملل في نفوس العراقيين، وإذا بهم يفاجؤون بأن العراقيين هم الذين علموا البشرية على العناد الإيجابي، فأسقط بأيديهم فعادوا إلى مواقعهم كبلد مهزوم في داخله وليس في جبهات الحرب فقط.

وبعد معركة الفاو توالت انتصارات العراق التي أذهلت العالم كله بسرعة انتقالها من جبهة إلى أخرى، تماما كما أذهلت الإيرانيين حتى أن صحيفة "كيهان العربي" تساءلت بمرارة، "هل وصلنا إلى هذا الحد من الضعف؟ أم العراق بلغ حدا من القوة بحيث لا نستطيع مواصلة الحرب معه؟" كما أن كثيرا من الإيرانيين تساءلوا سؤالا محددا "لماذا لم يستخدم العراق كل قوته في ظروف الحرب السابقة، وعلق كثير منهم على ذلك، لقد رأف بنا العراق كثيرا، وعندما جاء شهر آب/أغسطس من عام 1988 اضطر الخميني إلى الإقرار بالهزيمة عندما قال "فتعساً لحالي إذ لا زلت حياً حتى اضطر إلى تجرع كأس السم بالموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي 598"، وجاءت هذه الموافقة بعد ثلاثة عشر شهرا من صدور القرار المذكور.

خلاصة القول، إيران لا تركن إلى منطق العقل والحكمة ما لم تجبر على ذلك بقوة السلاح، هذه الحقيقة لا يحسن فرضها إلا العراقيون.

الثلاثاء، 21 أبريل 2026

الافتراء على البعث ومنجزاته العملاقة”

 ترقبوا قريبا جدا صدور كتاب:

الافتراء على البعث ومنجزاته العملاقة”


ليس مجرد كتاب… بل مواجهة صريحة مع الحقيقة.

في زمنٍ تتشابك فيه الروايات وتُصاغ فيه الاكاذيب حيث قام اعداء البعث بصناعة الكذب والافتراء في كتاب جرائم البعث الذي يدرس في ظل حكومات معادية للبعث وللنظام الوطني الذي كان يقوده حزب البعث العربي الاشتراكي ونحن ومن خلال هذا الكتاب ندحض ذلك بالحقائق الثابتة وغير المختلقة والتي يعرفها جيدا ابناء شعبنا العراقي الذين عاصروا مسيرة ثورة البعث وهي ثورة 17 تموز 1968 لاننا نحن من يمتلك الحقيقة ولسنا نصيغها او ندعيها ومن اجل خلق الوعي لدى المواطن العراقي بشكل عام ومن يغرر بهم من خلال الاكاذيب للاجيال التي لم تعاصر حكم البعث ، يأتي كتاب “الافتراء على البعث” ليكشف الستار عن واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد الوعي الجمعي: صناعة الكذب وتزييف الإدراك من قبل اعداء البعث . بأسلوبٍ تحليلي عميق ولغةٍ مشوّقة، يأخذ هذا الكتاب القارئ في رحلة فكرية جريئة نحو تفكيك منظومات التضليل، واستكشاف كيف تتحول الأكاذيب إلى “حقائق” راسخة في عقول الناس.

يتناول الكتاب أبعاد الافتراء على البعث من زوايا متعددة: سياسية، إعلامية، اجتماعية، وحتى نفسية، ليقدّم صورة متكاملة عن آليات التلاعب بالرأي العام، وكيف تُستخدم الشائعات والخطابات الموجّهة كأدوات للهيمنة والتأثير. كما يسلّط الضوء على نماذج واقعية وتجارب حيّة، تجعل القارئ أكثر وعيًا وقدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.

يتكون الكتاب من مقدمة توطئة الكتاب بين الافتراء والرد، وثلاثة أبواب اشتملت على أثنى عشر فصلاً. خصص الباب الأول لدحض الافتراءات بواقع فصلين، وتناول الباب الثاني جرائـم الاحتلال والحكومات التي أنشأها بواقع ستة فصول، فيما خصص الباب الثالث لمنجــزات البعث وعهده الوطني في العراق في أربعة فصول. كل فصل يمثل حلقة متصلة من سلسلة متكاملة تسعى إلى كشف الزيف الذي تمارسه السلطة المتحكمة في البلاد بعد 2003. تقدم الفصول تحليل عميق وتوثيق أمين لمظاهر الفساد غير المسبوق ولجرائم السلطة والدولة العميقة للميليشيات في تدمير العراق والاعتداء على حرماته ونهب ثرواته وتحطيم اقتصاده وافقار شعبه وتدمير جودة حياته الحرة الكريمة.

لا يكتفي “كتاب الافتراء على البعث” بالتشخيص، بل يطرح تساؤلات عميقة تدفع القارئ لإعادة النظر في كثير مما يعتقد أنه مسلّمات، ويمنحه مفاتيح التفكير النقدي في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث ويسهل فيه التزوير وتزداد فيه الضبابية. ويطرح الجرائم التي ارتكبها اعداء البع

ث ضد العراق وشعبه والتي تعتبر في العرف والقانون العراقي جرائم ارهابية اضافة الى جريمة الخيانة العظمى

هذا الكتاب موجّه لكل من يبحث عن الحقيقة، لكل قارئٍ يرفض أن يكون متلقّيًا سلبيًا، ولكل مهتم بفهم ما يدور خلف الكواليس من صراعات خفية تُدار بالكلمة والصورة والخبر.

“الافتراء على البعث” … لأن الحقيقة تستحق أن تُروى

 



بطاقة فهرسة مكتبية (Cataloging Card)

العنوان: الافتراء على البعث ومنجزاته العملاقة

المؤلف: نخبة من المفكرين والأكاديميين العراقيين

الناشر: مكتب الثقافة والإعلام القومي

سنة النشر: 2025

الطبعة: الأولى

الوصف المادي: كتاب؛ عدد الصفحات؛ 662)

ISBN: 978-9922-29-368-4  

الموضوعات:

•العراق — تاريخ حديث

•حزب البعث العربي الاشتراكي

•السياسة في العراق بعد 2003

•التنمية الاقتصادية والاجتماعية

•الاحتلال والتغيرات السياسية

التصنيف المقترح (ديوي): 956.704

السبت، 18 أبريل 2026

بعد أيام ستكون بين أيديكم نسخة ورقية وإلكترونية من كتاب "الإفتراء على البعث ومنجزاته العملاقة

 بعد أيام ستكون بين أيديكم نسخة ورقية وإلكترونية من كتاب


"الإفتراء على البعث ومنجزاته العملاقة" 

وهو كتاب سيصدر قريباً، يقع في ٦٦٤ صفحة من القطع الكبير. عنوانه ينطوي على مضمونه الذي يقدّم للقارئ   العراقي (داخل الوطن وخارجه ) بصورة خاصّة، والعربي بصورة عامّة، مادّة علمية توثيقية وتحليلية لمسيرة من الإنجازات العملاقة كماً ونوعاً لتجربة النظام الوطني في العراق قبل 2003. 

وهي التجربة التي ستبقى إنجازاتها شاهداً حياً على عظمتها الريادية في التطوير والنهوض على غير مستوى في البناء الوطني العمراني والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والثقافي، وفي تقديم النموذج البعثي في خلق الإنسان العروبي الجديد المتفاعل وطنياً وقوميا. عالجت موضوعات الكتاب المتنوّعة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمفكرين العراقيين الذين عاصروا تجربة ثورة ١٧ تموز 1968 لنحو من خمس وثلاثين عاماً، حيث رفعت العراق إلى مصاف الدول المتقدّمة المرتكزة إلى التخطيط الاستراتيجي السليم من ناحية، وإلى اعتماد التكنولوجيا والعلوم التطبيقية في تطوير قطاعات الإنتاج الصناعي والزراعي، مستفيدة، في كل ذلك، من تأميم الثروة النفطية الوطنية، وتوظيفها في خدمة النهوض والتطوير الشامل من ناحية أخرى.

يبقى الكتاب، ليس شاهداً فقط على إنجازات البعث العملاقة، وإنّما أيضاً شهادة دامغة في تاريخ العراق المعاصر تجب محاولات الحاقدين والمزوّرين وذيول الخارج الذي احتلّ العراق، وصبّ جام حقده الاستعماري والشعوبي لإسقاط تجربته الوطنية، هي التجربة التي ستبقى بإنجازاتها الاستثنائية في هذا الكتاب الموسوعي الذي يمثّل بحقّ، ذاكرة حافظة لتجربة البعث في العراق على مدى الزمن.



الثلاثاء، 14 أبريل 2026

نشرة انتفاضة شباب تشرين عدد خاص بمناسبة ذكرى تاسيس حزب البعث العربي

 

نشرة انتفاضة شباب تشرين 
عدد خاص بمناسبة ذكرى تاسيس حزب البعث العربي 
الاشتراكي والذي يصادف ٧ نيسان من كل عام .
للتصفح اضغط على الرابط الالكتروني ادناه 
https://online.anyflip.com/rnvg/hyxn/mobile/index.html














الاثنين، 13 أبريل 2026

الاستعداد للحرب / د- فالح حسن شمخي

  الاستعداد للحرب 

د- فالح حسن شمخي 


بسم الله الرحمن الرحيم 

"وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ"، 

أنا شخصيا لا أميل إلى توظيف الدين والقران الكريم على وجه الخصوص في السياسة والحروب ، لاني اعتقد بان زمن الحروب الدينية قد انتهى ، وما يحدث اليوم هي حروب اقتصادية هدفها السيطرة على مقدرات شعوب العالم الثالث ، انها حروب الهيمنة والجشع والقوة .

الذكاء الصناعي يشير إلى ان هذه الاية ( هي أمر إلهي شامل للمسلمين بضرورة الاستعداد لمواجهة الأعداء بكل وسائل القوة المتاحة والممكنة (العسكرية، التقنية، والاقتصادية) لإرهابهم وتحقيق السلام بعزة، وقد فسرها العلماء بأنها دعوة لتطوير العُدة والعتاد بما يناسب كل زمان).

كلنا يعلم ان هناك اوجه متعددة للقران الكريم قابلة للتفسير ، وبسبب  ذلك نرى الامة الاسلامية تحولت من امة واحدة إلى طوائف وطرق متعددة ، الامر الذي جعلهم يغضون الطرف عن الاية التي تقول :

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ..} .

ونتيجة للتفسيرات المختلفة وحروب الطوائف العبثية نجد ان الامة بدأت تتابع العرافين والعرافات وألمجانين والأبراج والروايات والأساطير ، وتحولت هذه الامة العظيمة ومعها الامة العربيه  إلى لعبة يتقاذفها الدجالون من ليلى عبد اللطيف  إلى ابو علي الشيباني ، ومن السفياني إلى الخرساني ، والغريب ان الغرب وأمريكا والكيان المسخ يؤمنون او يروجون إلى معركة يسمونها هرمجدون وبقرة حمراء وعدم المسجد الأقصى الذي يقول الله جل جلاله عنه :

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).

الذي حفزني للكتابة هو ألاية الواضحة والصريحة التي تقول (وأعدو لهم) ، الاية ترجع بي إلى التنمية الشاملة التي حدثت في العراق بعد العام ١٩٨٦ ،وفي المقدمة منها المفاعل النووي في العراق والصواريخ بعيدة المدى والجيش العقائدي ، وتلك كانت مقدمات لان يكون العراق هو راس الرمح في الدفاع عن الامة العربية التي تجابه الأطماع الامبريالية والصهيونية ، والعراق وكما هو معروف  ربط بين سياسيا بين  النضال القومي والصراع الطبقي ، وكلنا يعرف ماتعرض له العراق جراء سياسته الوطنية والقومية والنهضة العلمية  التي حققها ، تعرض العراق إلى ماتعرض اليه وهو كان في بداية مشروعه النهضوي العلمي وبداية الاعداد للمعركة المرتقبة ، تعرض لذلك بالتزامن مع انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الشرقية وهيمنة القطب الواحد ، بالإضافة إلى الرتل الخامس اللعين داخليا وخارجيا ، ولم يكن لدية ورقة مضيق هرمز ليستخدمها كما تستخدمها ايران اليوم .

اليوم وايران تخوض الحرب نجد انفسنا ملزمين بالمقارنة مع ماحدث للعراق بغض النظر عن الطائفية اللعينة والمفردات والمفاهيم التي يستخدمها البعض منا .

شخصيا ارى ان ايران استفادت من تجربة العراق سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، وهنا ادعو اصحاب الاختصاص لإجراء مقارنة ، استفادت عسكريا من  خلال تطوير مفاعلاتها النووية وقوتها الصاروخية وهنا لديَ معلومة تقول ان البعض من الخبرات والمهندسين الذين يعملون في هذا المجال هم من العراق ، استفادت ايران من تجربة العراق العسكرية في مجال بناء الجيش والقوة الرديفة ( الحرس الثوري )، كما كان الجيش والجيش  الشعبي في العراق ، سياسيا الواقع الموضوعي اليوم يختلف عن الواقع الموضوع الذي كان  ، والدليل وقوف اوربا بالضد  من امريكا ، وان الكيان شارك اليوم بالمعركة في حين انه لم يشارك في الحرب على العراق لان امريكا منعته لانها اعتمدت ٣٣ دولة في حربها على العراق ،ومنها للاسف اقطار عربية للاسف  .

اقتصاديا كان العراق محاصر من اربعة جهات وايران لها ابواب بحريّة وبرية مفتوحة اربع جهات ولم يحاصرها العرب ، وان الصين وروسيا معها وتدعمها بكل المجالات والعراق بوابتها في نقل العملة وما إلى ذلك  ، والأقطار العربية لم تخاصرها كما حاصرت العراق .

اجتماعياً ايران كالعراق فيها اعراق وطوائف واديان لكن الشعوب الإيرانية وكما يبدو لم يساندوا امريكا والكيان كما فعلت المعارضة العراقية .

هناك الكثير من الذي علينا الحديث عنه  ، والمقارنة واجبة وضرورية اليوم ، فالعراق قد ظُلم  وعلى وجه الخصوص من الإعلام بصورة عامة ، الإعلام الذي لم يكن متطورا لنقل الحقائق كما هو اليوم  وكانت القنوات العالمية والعربية مُسَخَرة. للحرب على العراق ومنها قناة الجزيرة والعربية ومساهمتها في الحرب على العراق وبشكل علني ، وبالاضافة إلى ان تم  ظلمه من النخبة والمثقفين العرب ، الأمر الذي لم يحدث اليوم  .

السؤال لماذا لم يحتاح العراق السعودية بعد اجتياح الكويت والسيطرة على مصادر الطاقة ، لماذا لم يستهدف اقطار الخليج كما استهدف الكيان المحتل ؟

العراق كان قادر على ذلك لكنه لم يفعل كما فعلت ايران اليوم ، لم يفعل ذلك وهو يعرف انهم حاصروه وجوعوا شعبه ، لم يفعل ذلك وهو يعرف ان العدوان عليه انطلق من أراضيهم ، لم يفعل ذلك وهو يعرف ان الكويت كانت سكين الخاصرة وان الآمارات هي العراب ، لم يفعل ذلك وهو يعرف ان الكيان وأقطار الخليج وجهين لعملة واحدة وانهم القاعدة المتقدمة للإمبريالية والصهيونية العالمية، للأسف العراق لم يفعل .

للأسف العراق وتجربته دمرت ، وايران استفادت من الدروس المستخلصة من التجربة العراقية .

السبت، 11 أبريل 2026

قراءة في تاريخ إيران الجمهورية / د. نزار السامرائي 2

 قراءة في تاريخ إيران الجمهورية

نزار السامرائي


جزء / ٢

اعتمد النظام الإيراني الجديد سياسة مركبة وفي غاية التعقيد لتثبيت أركانه، تمثلت من جهة في سياسة القمع التي مارسها النظام باسم سلطة قضائية ثورية تعتمد سياقات لا تمت للعدالة بصلة، وأوكلت هذه السلطة إلى رجال لا يمتون إلى القضاء بصلة، بل جاءوا من فريق العمل الذي عمل مع الخميني لفترة طويلة ومعظمهم معممون، وكان لأولِ مدعٍ عامٍ بعد التغيير "صادق خلخالي" المعروف بتشدده تجاه المتهمين أبلغ الأثر في الأخذ بالحد الأعلى من الأحكام على المتهمين، فسيق المئات من أركان النظام السابق عسكريين ومدنيين إلى السجون أو ساحات الإعدام أو فرّ منهم الآلاف خارج إيران لينجو من حبل المشنقة.

ومن جهة أخرى نشط الفريق المفوض من الخميني في خطة الحد من دور الجيش في البلاد، لا سيما بعد تشكيل أول نواة للحرس الثوري كجيش موازٍ، وأخذ يتوسع في حجمه وفي واجباته على حساب الجيش والأجهزة الأمنية، وتحول مع الوقت إلى مؤسسة عسكرية تتألف من مختلف الصنوف القتالية، ويقال إن ما كان يدور في رأس الخميني، كأولوية أولى إصدار قرار بحل الجيش بسبب قناعته بأنه موالٍ للشاه، والاعتماد الكلي على الحرس الثوري، في حماية الثورة من الأخطار الداخلية، والاضطلاع بمهمة الدفاع عن الجمهورية الإسلامية بوجه الأخطار الخارجية، وباعتباره جهازا عقائديا، أوكلت إليه مهمة "تصدير الثورة الإسلامية"، وهو الهدف الذي أثار كثيرا من المخاوف والقلق لدى دول الجوار القريب، وبمجرد صدور قرار الخميني بتشكيل الحرس الثوري، اندفع آلاف من العاطلين عن العمل، من طبقة الفقراء والمعدمين القاطنين في الأحياء الجنوبية لطهران للانضمام إليه، كثير منهم طمعا بالحصول على مورد ثابت ومضمون، وقليل منهم بدافع الانتماء للثورة، وقسم منهم طلبا للنفوذ السياسي والوجاهة الاجتماعية.

لكن وكشأن أي تغيير سياسي، كان طبيعيا أن يواجه النظام الجديد أزمات داخلية تمثلت باختيار أولوياته في مواجهة قوى سياسية ذات حضور قديم في المجتمع الإيراني، ناصبته العداء من الأيام الأولى، وأخرى دعمته وانخرطت في صفوفه ولكنها رأت في سلوكه تهديدا لتصوراتها، وفي بداية الطريق وقع الصدام والفراق مع توجهات الحكم الجديد وما كان يطرحه من شعارات، كما واجه النظام الجديد معارضة قوية من جانب المؤسسة الدينية، ولكنها ظلت محصورة في نطاق المناقشات والأطروحات داخل الحوزات العلمية، وبين رجال الدين الأعلى رتبة من الخميني في تراتيبية الدرجات التي يحملها رجال الدين الشيعة في إيران والعراق، والذين لا يشاركون الخميني فكرة "ولاية الفقيه المطلقة".

 وبرزت أمام الحكومة التي شكلّها الخميني من الجبهة الوطنية برئاسة مهدي بازركان في 4 شباط 1979، وهي أول حكومة تأسست في إيران بعد الثورة، أزمات خارجية كانت نائمة، وأخرى تترقب انجلاء الموقف عن صورة سياسية واضحة المعالم يمكن البناء فيها على النوايا المعلنة، ذلك أن علاقات إيران مع دول العالم وبخاصة مع دول الجوار اتسمت بكثير من الشكوك والترقب، بسبب الفوضى التي سادت البلاد بعد انتقال السلطة من نظام بيروقراطي مركزي صارم، له تحالفات وعلاقات خارجية مستقرة مع بعض الدول، إلى نظام ثوري ديني يعاني من قلق متعدد الوجوه، وانعدام الخبرة السياسية نتيجة عمليات التطهير الواسعة التي طالت أجهزة الدولة ومؤسساتها  البيروقراطية، وعلى الرغم من أن النظام الإيراني بدأ اعتمادا تدريجيا على بعض كوادر الدولة في تسيير شؤونها لا سيما وزارة الخارجية، نتيجة مشورة قُدمت له من الجبهة الوطنية الإيرانية، إلا أن هذه الخطوة حققت نجاحا ضئيلا في مساعي النظام الجديد لإزالة المخاوف الناجمة عن الشعارات التي رفعها رجال الثورة، لا سيما شعار تصدير الثورة ثم تكريس معناه في الدستور الإيراني الجديد. 

ومع الأيام بدأت مهمات الحرس الثوري تتشعب وتتعدد على نحو متداخل، لعل أبرزها حماية الأمن الداخلي بوجه التحديات المتعددة المصادر، ومواجهة أنشطة قوى متباينة التوجهات لاقتناص الفرصة المتاحة لأخذ نصيبها من الكعكة المعروضة أمامها، كما أن الحرس الثوري كان حريصا بدرجة أكبر على بسط السيطرة على المؤسسة العسكرية القديمة، وكانت أولى المهمات الداخلية التي نفذها الحرس الثوري وأصبحت مؤشرا على منهاجٍ سيتكرس في سلوك إيران على امتداد عقود عدة، وأوشكت أن تصل إلى نصف قرن من الزمان، هي عملية احتلال السفارة الأمريكية في طهران، فقد نفذ الحرس تحت اسم "الطلبة المؤمنين بخط الإمام" وبأوامر مباشرة من الخميني نفسه، في 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979م عملية اقتحام للسفارة الأمريكية، فعند الساعة العاشرة صباحاً، شن الحرس هجوما على مبنى السفارة، إذ قام الطلبة بكسر الأقفال وفتحوا الأبواب، واقتحموا ساحة السفارة، واحتجزوا فيها أكثر من خمسين موظفا، بينهم دبلوماسيون وموظفون إداريون، واحتل ذلك الحدث الموقع الأول في نشرات الأخبار، خاصة في شبكات التلفزيون الأمريكية والصحف ووكالات الأنباء العالمية، وبقي المحتجزون 444 يوما داخل سفارة بلادهم.

بعد تحول الأزمة إلى قضية رأي عام واهتمام دولي واسع النطاق، تشبثت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، والذي يُنظر إليه باعتباره أضعف رئيس أمريكي شغل هذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة حتى ذلك الوقت، بجميع الأطراف الدولية التي ظنت أنها قادرة على التأثير في القرار الإيراني، فدخلت أكثر من دولة على خط التوسط لإطلاق سراح الرهائن، وكانت أكثر الوساطات نجاحا الوساطة الجزائرية، ومن أجل نجاح الوساطة قدمت واشنطن لإيران تنازلات كبيرة ارتبطت بدفع عدة مليارات من الدولارات، التي قيل حينها إنها من أرصدة الشاه المجمدة في البنوك الأمريكية، وفسر كثير من المراقبين هذا التصرف على أنه هو الذي وضع الأساس لتقاليد جديدة في التعامل الأمريكي مع إرهاب الدول، نتيجة ما استشعرته إيران من تراجع أقوى دولة في العالم أمام عنادها، عاشت تحت إغراء اللجوء إلى هذا النمط من السلوك الرسمي لدولة عضو في الأمم المتحدة مع الدول الأخرى، كلما أحست أن هناك ملفات مغلقة بحاجة إلى سلوك غير تقليدي لفتح أبوابها، فأوكلت إلى الحرس الثوري، تنفيذ مهمات خارجية قادرة على انتزاع تنازلات سياسية، لم يكن ميسورا الحصول عليها بالوسائل السياسية المعتمدة في التعامل بين الدول، وعبر هذه الوسيلة تم الحصول على مبالغ كبيرة من دول أقل قوة من الولايات المتحدة، بعد اختطاف مواطنين من رعاياها من دبلوماسيين وسياسيين وصحفيين، ومقايضتهم بفديات كبيرة تتناسب مع مكانتهم في بلدانهم ومع إمكانات بلدانهم المالية.

لقد اضطرت الولايات المتحدة في تعاملها مع ملف سفارتها في طهران، لاتخاذ خطوات اعتبرها كثير من الأمريكيين تنازلات مهينة، فقد اضطرت إدارة الرئيس كارتر للتنازل عن قرار سيادي أمريكي يتعلق بحق الولايات المتحدة باستقبال من تشاء من أصدقائها وضيوفها، سواء حملوا صفة سياسية في بلدانهم أثناء الزيارة أم لم يحملوا، إذ رفضت واشنطن دخول شاه إيران إلى الأراضي الأمريكية لتلقي العلاج من مرض السرطان الذي كان يعاني منه قبل سقوط نظامه، وكانت واشنطن تعرف حقيقية مرض الشاه، والتي ظلت طي الكتمان لأسباب سياسية كانت معتمدة كقاعدة شرق أوسطية عامة في التعامل مع الحالة الصحية لقادة الدول في هذه المنطقة، لتعلقها بالأمن القومي لتلك الدول كما تعتقد، وبهذا التصرف الأمريكي تشجعت إيران على المضي قُدما في ممارسة الضغط على جميع دول العالم، وانصياعا لهذه المخاوف، فإن عددا من الدول الأخرى رفضت استقبال الشاه باستثناء المملكة المغربية التي استضافته لفترة قصيرة جدا، حتى أعلن الملك الحسن الثاني أن الشاه لم يبدِ رغبته في الإقامة الدائمة في بلاده، لأن ذلك لو حصل فعليه أن يقوم بسلسلة من الإجراءات مثل ترتيب أوضاع أولاده الدراسية وكذلك اختيار السكن المناسب له.

بعد ذلك توجه الشاه المخلوع إلى مصر، التي استقبلته كموقف أخلاقي من الرئيس أنور السادات الذي قال إنه استقبل الشاه بسبب دعمه لمصر بالنفط، قدمته إيران إلى مصر في وقت سابق ولأسباب إنسانية لتلقي العلاج، لكنه توفي فيها ودفن هناك.

ومن اللافت أن الجزائر التي حرصت على استمرار العلاقات الخاصة مع إيران، وبذلت جهودا أخرى في أكثر من قضية، لا سيما ما بذلته من جهود أثناء الحرب العراقية الإيرانية من أجل وقفها، ولكن تلك المساعي لم تصل إلى نهاية سعيدة، ومع ذلك لم تيأس الحكومة الجزائرية من تكرار الفشل في وساطاتها بشأن قضايا كبيرة تخص علاقات إيران مع الدول الكبرى وخاصة مع الولايات المتحدة، إذ أن إيران بدأت تفضل الجهد العماني على المساعي الجزائرية.

على العموم بعد 444 يوما وصل الرهائن الأمريكيون إلى الجزائر، قبل يوم واحد من انتقال الرئاسة إلى الرئيس رونالد ريغان، لكن كثير من المراقبين السياسيين لا يعزون النجاح إلى الدور الجزائري، بقدر ما يعزونه إلى اقتراب موعد مغادرة جيمي كارتر للبيت الأبيض بعد خسارته للانتخابات الرئاسية في بلاده، وتسليم مقاليد الحكم للرئيس دونالد ريغان والذي يوصف بأنه واحد من بين أقوى الرؤساء الأمريكيين، خاصة أنه قال أكثر من مرة، إنه سيتعامل مع أيران بطريقة مختلفة بشأن قضية الرهائن في حال انتقال ملفهم إليه من الإدارة السابقة، لكن يقال أيضا بأن الإيرانيين لم يرغبوا بمنح ريغان مكسبا لا يستحقه، ثم أن هذا المكسب لا يمكن أن ينفع كارتر بأي قدر من المقادير.   

وبعد أن انتهت أزمة الرهائن وغادر كارتر البيت الأبيض لانتهاء مهامه الرئاسية قال إنه انهمك في أنشطة مكثفة بحثا عن حل لهذه الأزمة الخانقة، ثم أردف "التقيت بالمستشارين وأصحاب الرأي ووصلتني آلاف الرسائل عن كيفية حل هذه الأزمة السياسية الإنسانية على حد وصفه"، وقال قُدمت لي مقترحات كثيرة كان أكثرها إثارة اقتراح باستخدام السلاح النووي، لكنني أشحت بوجهي عنه، ومع ذلك فقد أقدم كارتر على إجازة خطة لإنزال جوي للقوات الخاصة الأمريكية في صحراء طبس في 25 نيسان 1980، وبعدة طائرات هيلوكوبتر في عملية أطلق عليها اسم مخلب النسر، لإنقاذ الرهائن لكنها باءت بالفشل وأدت إلى تدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أمريكيين. 

ولولا نشوب الحرب العراقية الإيرانية في 4 أيلول 1980، لكان جيش الشاه الذي يُطلق عليه وصف خامس جيش في العالم من حيث قوته، من ذكريات الماضي ولتمت تصفية ضباطه بين قتيل باسم القانون أو محال على التقاعد أو سجين في المعتقلات أو في بيوتهم أو هاربين إلى دول المنافي، فالخميني كان يضع نصب عينيه حل الجيش الإيراني وإحالة الضباط الأبرياء منهم إلى التقاعد والمذنبين إلى القضاء الخاضع لسلطته، وظل الجيش هاجساً مقلقاً لذهن الزعامة الإيرانية الجديدة، على الرغم من أن عمليات التطهير التي تعرض لها وإحالة ضباطه من رتبة عقيد فأعلى على التقاعد، فقد اضطرت الحكومة الجديدة إلى الإبقاء على خدماتهم  لغرض الاستفادة من خبراتهم في الخطط الحربية والإشراف على المعارك التي تم زج الحرس الثوري فيها ضمن ما أُطلق عليه اسم الكتل البشرية، وبخاصة بعد تكبد قوات الحرس الثوري خسائر بشرية كبيرة، وتعامل أولئك الضباط مع ملف الحرب كقضية وطنية تسمو على وجهات النظر السياسية  أو من يحكم في طهران.

واستنادا إلى شعار تصدير الثورة، فقد تفتق الذهن الإيراني عن خطط تفصيلية لتحقيق هذا الهدف، من خلال جني مكاسب تلك العمليات الإرهابية وعدم تحمل التبعات السياسية المترتبة على ذلك، إلى أطراف لا تحمل الجنسية الإيرانية وإن كانت مرتبطة بها سياسيا وعقائديا، وذلك بتأسيس تشكيلات سياسية عسكرية محلية في بعض الأقطار العربية، ومدّها بالأموال اللازمة وتوفير فرص التدريب العسكري والعقائدي بمعسكرات داخل إيران تابعة للحرس الثوري، ومسحت إيران الساحة العربية كلها، وعثرت على ضالتها في الساحة اللبنانية، من خلال هامش الديمقراطية هناك والحريات الممنوحة لكل التيارات السياسية، ومما ساعد إيران على التسلل التدريجي إلى الساحة اللبنانية، استمرار الحرب الأهلية التي اندلعت في نيسان عام 1975، وتكبدت خلالها كل مكونات الشعب اللبناني خسائر بشرية كبيرة لاسيما في جيل  الشباب القادرين على حمل السلاح وخسائر مادية هائلة ودمار متعدد الوجوه، مع احتفاظ الطائفة الشيعية في لبنان بكل قدراتها البشرية وامكاناتها الاقتصادية التي تعاظمت في ظروف الحرب الأهلية لدورها العسكري المحدود أو المفقود  في تلك الحرب، كما أن وجود رجل الدين الإيراني موسى الصدر الذي نجح في طرح نفسه كرجل يسعى لإصلاح المجتمع اللبناني من أزماته الاجتماعية والاقتصادية، ومد الجسور بين المكونات في مشاريع التكافل الاجتماعي، وتأسيسه لحركة أمل، كل ذلك كان كافيا لمنح المشروع الإيراني قوة دفع استثنائية للتغلغل الناعم في لبنان، ثم بعد ذلك تشكيل "حزب الله"، والذي سيتحول في غضون سنوات معدودة إلى ممثل ينوب عن إيران في عموم المنطقة العربية، فأدى وظيفة الوكيل العام لولاية الفقيه وذراعها الإقليمي بنجاح استثنائي، وأصبح شرطيها المتنقل من مكان إلى آخر.