أحلاف جديدة تُعقد وأخرى قديمة تغرق في أعماق البحر الأحمر./ جزء 5
د. نزار السامرائي
بعد أن شهدت الساحة العربية الكثير من الأحداث الساخنة، والتي انعكست على العلاقات العربية البينية، والعلاقات العربية مع المجتمع الدولي، وبعد أن وضعت الحرب العراقية الإيرانية أوزارها في 8 /8 /1988، وكشفت ما خفي من غاطس العلاقات العربية مع العراق، الذي قاتل نيابة عن الأمن القومي العربي وعن سيادته الوطنية وأمنه الوطني، متصديا لمشروع إيراني قديم خُطط له أن يواصل سعيه للتمدد خارج حدود الجغرافيا السياسية لإيران، ثم ارتدى بعد شباط 1979 لبوسا إسلامية مغلقة على نفسها، بعد أن كان قد غلّف نفسه بشعارات الحداثة ومواكبة العصر في عهد الشاه، طفت على السطح أولى علامات الخذلان العربي للعراق، لا سيما بعد مطالبة بعض دول مجلس التعاون الخليجي تسديد ديون كانت قد اعتبرتها هبات للعراق أثناء الحرب، التي طالت زمنا كان يثقل على اقتصادات دول كبرى تمتلك قاعدة صناعية بتقنيات عالية، ومتعددة المصادر والموارد، صحيح أن العراق لم يخض الحرب الدفاعية عن نفسه أو عن الأمن القومي العربي، استجابة لطلب من أحد بل كان يتصرف مدفوعا بحسه القومي المبني على شعور مبكر بالخطر الذي تمثله المشاريع القومية الخارجية بصرف النظر عن أسمائها أو العناوين التي ترفعها والشعارات تقف تحتها، ولكنه من خلال دراسة عميقة وعبر تجاربه التاريخية القريبة والبعيدة، وجد أنه هو المستهدف الأول بمشروع التوسع الإيراني، الذي غدا شعار المرحلة التي أعقبت وصول الخميني للسلطة في إيران، وأنه خط الدفاع الأول عن الوطن العربي وربما العالم المتحضر، ولكنه وفي الوقت نفسه وبالدرجة عينها هو خط الدفاع الذي لا يوجد سواه من يشغل هذا الدور، أي بعبارة أخرى إن سقط خط الدفاع الأول فلن يجد العدو أمامه خطاً ثانيا للدفاع عن الكرامة العربية بل ستصبح الأرض العربية ساحة مفتوحة لخيول الغزاة من كل السحنات واللكنات.
ولكن العرب وتكرارا لكثير من طبائعهم القديمة، كانوا سريعي نسيان تضحيات من يضحي من أجلهم، فكما فعل حافظ أسد في مؤتمر القمة العربي السابع الذي انعقد في العاصمة المغربية الرباط في أواخر تشرين الأول 1974، عندما تعمّد وفي حركة استعراضية صبيانية بهدف إغاضة العراقيين، فأشاد بدور قوات رمزية أرسلت من جانب دول عربية لم تتمكن من دخول الأراضي السورية إلى ما بعد وقف إطلاق النار، تجاهل دور الجيش العراقي في المشاركة في الصفحات الأولى للقتال "من دون منة منه بل هذا واجبه القومي الذي نذر له نفسه".
تعمد اغفال دوره في حماية العاصمة السورية من السقوط تحت قبضة الجيش الإسرائيلي، ذلك الحدث الذي لو حصل لكان مصير دمشق مثل مصير الجولان السوري المحتل حتى اليوم.
كما أن رئيس النظام السوري العائلي الساقط بثورة 8 كانون الأول 2024 اتخذ خطوة عدائية عكست نزعة الانتقام التي كان يحملها تجاه العراق، وذلك بقرار من جانب واحد بإملاء بحيرة سد الطبقة على نهر الفرات بصورة تعسفية خارقا قانون الأنهار الدولية، أو ما تفرضه اعتبارات العلاقات الثنائية بين قطرين عربيين متجاورين، ثم إنه خرج على القواعد المعتمدة لإملاء خزانات السدود الجديدة في سنوات محددة كي لا يُلحق ضررا في الدول الواقعة أسفل السد، ويمكن أن يُنظر إلى هذا التصرف على أنه امتداد للخلافات التي تنشأ بين الدول التي تمر فيها أنهار مشتركة.
وإذا تغاضينا عن ذلك كله فكيف يمكننا أن ننظر إلى دوافع نظام الأسد في التلاعب المستمر بعملية نقل النفط العراقي وذلك بإغلاقه من دون مبرر مقنع كلما مرت أزمة ثنائية في علاقات البلدين، وكان النفط المصّدر عن طريق شواطئ المتوسط الشرقية، بواسطة أنبوبين أحدها يصل إلى ميناء بانياس السوري والآخر إلى ميناء طرابلس اللبناني، وكان هذا الخطان يوفران لسوريا مداخيل مهمة عن رسوم المرور عبر الأراضي السورية واللبنانية، ومع ذلك أقدم على محاصرة النفط العراقي وألحق الضرر بثلاثة بلدان وهي العراق وسوريا ولبنان.
عندما سكتت المدافع عن القصف، بدأت تتضح صور مؤسفة لوجهة نظر ترى ان خروج العراق منتصرا على إيران في حرب السنوات الثمان، تهديدا جديا لأمن كثير من جيرانه القريبين والبعيدين على حد سواء، فبدأت دول النفط العربية تعد لمعركة من طراز جديد هدفها إضعاف العراق بلا حرب، من نفس نقطة انطلاق المشروع الإيراني التوسعي، ولكن من دون استخدام الطائرات المقاتلة أو الدبابات، بنفس السلاح الذي استخدمته قريش عندما حاصرت بني هاشم في أحد شعاب مكة، لإجبار النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على التراجع عن دعوته إلى توحيد الله، وكأن هذه الرسالة اختيار دنيوي وليس قرارا ربانيا نزل من السماء على الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم.
ولما لم تنجح سياسة التجويع، ولما لم يحقق الحالمون بتركيع العراق ولي ذراعه، حلمهم القديم، انتقلوا إلى الصفحة الثانية وهي إجبار العراق على القيام بعمل غير تقليدي، وكما اضطر العراق لخوض حربه الدفاعية مع إيران، فقد اضطر لخوض معركة التصدي لمشروع التجويع الظالم الذي شنته كل من الامارات العربية والكويت وسط صمت عربي ودعم دولي، فأقدم مضطرا على دخول الكويت، ويبدو أن من خطط لشن الحرب الاقتصادية، كان قد عقد اتفاقات سرية للإطاحة بالعراق القوي بصرف النظر عن أي تصرف يصدر عنه، ظنا ممن خطط لهذه الحرب أنه حين يتخلص من العراق فسيكون في مأمن من مخاطر غياب العراق عن الساحة العربية المفتوحة على أخطار داهمة من كل حدب وصوب، وهنا لا أريد أن أعرض لموضوع دخول العراق إلى الكويت، فتلك مسألة لها مجالها الخاص، ولست في حرج من تناوله في هذه السلسلة، ولكنني قبل أن أغادر هذا المقطع أريد أن أثبت حقيقة واحدة وهي أن العراق لم يكن استثناء في سعيه للحصول على حق يراه ولم يحقق النجاح الذي كان يتوقعه، فدول كبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق كانا في أوقات سابقة قد دخلا في حروب طاحنة وخرجا منها بدروس قاسية وهزائم لا يمكن انكارها، على الرغم من أن كلا منهما يمتلك من القدرات العسكرية ما هو معروف للجميع، ويمتلكان من مراكز الدراسات وأجهزة المخابرات والمجالس التشريعية مما يحول دون الفشل، وتجربة الولايات المتحدة في كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق وأخيرا إيران، ما يعطي انطباعا راسخا بأن التفوق في كل شيء، لم يحل دون خسارة الولايات المتحدة حروبها في تلك الجبهات، وكذلك تجربة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان والتي كانت سببا جوهريا في تفكيكه وفقدانه وحدة الدولة وتشظيها إلى خمس عشرة جمهورية مستقلة، ومع ذلك لم تتوقف روسيا الاتحادية عن اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة في أماكن أخرى، فقد دخلت الحرب في أوكرانيا التي لم تتوقف حتى الآن، مما أكد أن روسيا النووية لم تتمكن من حسم المعركة في كييف، ومع ذلك هناك وجهات نظر تقول بوجوب التمييز بين الخطأ في الحسابات والخطأ في الهدف، وبقدر تعلق الأمر بالعراق فأرى أن الخطأ كان بالحسابات لا أكثر.
بعد أن دخل العراق الكويت في 2 آب 1990، ونتيجة هيمنة القوة الأمريكية على الأمم المتحدة وصدور سلة كاملة من قرارات مجلس الأمن ضد العراق، ووقوف الاتحاد السوفيتي والصين عاجزين عن مجرد التلويح بالفيتو، فحولت الولايات المتحدة سلطة القرار الدولي إلى أداة تلعب بمقدراتها بطريقة أسهل بكثير من قدرة السلطة الاتحادية الأمريكية على فرض وجهات نظرها على إحدى الولايات في البلاد.
وفي الوطن العربي حصل خلط للأوراق على نحو محيّر، فتم دفن تحالفات ذات طابع مرحلي كما حصل في مجلس التعاون العربي الذي ظل لغز تشكيله محيرا لعقول كثير من مراقبي الأوضاع العربية وتقلباتها الدراماتيكية، في حين نشأت تحالفات عسكرية ذات طابع مرحلي أيضا، أملت الولايات المتحدة على أعضائها توجهاتها المركزية، فوجدت مصر أن مصالحها تقتضي الانحياز إلى جانب التحالف الثلاثيني الذي يضم دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة العراق تحت لافتة استعادة الكويت، مصر فعلت ذلك بعد أن وُعدت بإطفاء ديونها الخارجية والبالغة سبعة مليارات دولار، وعندما حانت ساعة تشكيل القوات الدولية، رأت السعودية أن تقليص حجم المشاركة العربية أمر لا مندوحة عنه لحصر اختلاط أفرادها بالمجتمع السعودي وحصول تأثيرات متبادلة، ولكن الدور السعودي في تقرير حجم القوات وجنسيتها لم يكن أمرا منوطا بها بل بقيادة التحالف الأمريكية.
لقد نشأ على أنقاض النزاع المصري السعودي القديم في اليمن، تحالف المصلحة بين البلدين، حلف لم ينشأ بناء على حسابات استراتيجية تهم الأمن القومي للبلدين، بل أملته مصلحة عابرة مرت بها المنطقة، رأى كل من الطرفين أن تقاسم الغنيمة يجب أن يتم على جناح السرعة قبل أن تهدأ الخواطر، ويبدأ التفكير السوي بلعب دور فرملة السرعة، مما قد يعيد الحسابات إلى مسارها الصحيح، الرئيس المصري حسني مبارك تنكر لتاريخ طويل من الدعم العراقي سواء في حرب تشرين الأول 1973، لاسيما دور سلاح الجو العراقي في الضربة الأولى، كما ترك خلفه كثيرا من صفحات العلاقة الاستراتيجية مع العراق كدولة أو في إطار مجلس التعاون العربي الذي قيلت فيه أقوال كثيرة بين مؤيدة أو معترضة أو مترقبة تنتظر النتائج.
ونجح مخطط احتلال العراق، فمرت المنطقة بأحداث مفصلية كثيرة منذ أن تم احتلاله عام 2003، وتوسعت دائرة النفوذ الإيراني أفقيا وعموديا، حتى أوشك الهلال الشيعي أن يكتمل بدراً لولا التطورات التي رافقت نجاح الثورة السورية وتحرير سوريا من الهيمنة الإيرانية، بعد أن كان الشعب السوري قد دفع ثمنا باهظا من دماء أبنائه فاق المليون شهيد وملايين المهجرين والمشردين في مشارق الأرض ومغاربها، وبعد أن ركبوا البحر بحثا عن الأمن والخبز وقليل من الحرية، وتركوا وراءهم طغمة فاسدة استباحت الوطن والمواطن، كان انتصار الثامن من كانون الأول 2024، مؤشر خط الانتقال لمرحلة جديدة، اعتبرها كثير من المراقبين العرب بأنها ستضع حدا للتدخلات الخارجية في الشؤون العربية، ولكن وكما كان العرب يتطلعون إلى غد أفضل، فإن أعداءهم وضعوا الخطط الطارئة للتصدي للمشروع العربي الآخذ بالتبلور ببطء شديد، ومن تلك النقطة حصل التصادم بين مشروعين، عربي يُفترض أنه في طور النشوء، وآخر فارسي له أقدام ترسخت عميقا في أكثر من مكان، وخاصة في لبنان مستفيدا من أجواء الديمقراطية والتعددية في البلاد لتزرع نواة لأكبر كيان ممثل "للجمهورية الإسلامية" في الخارج فكان حزب الله اللبناني محل الثقة المطلقة التي تنوعت واجباتها في كثير من المناطق حتى وصل الحزب إلى أمريكا اللاتينية، وتركزت جهوده في اليمن على نحو خاص، ومن خلال خبرته القديمة نجح في إقامة ذراع فارسي فاعل هناك تمهيدا لأية خطط إيرانية لسيطرة محتملة على مضيق باب المندب، ووفرت له الدعم ليكون وكيلا عاما لمشروعها التوسعي في المنطقة كلها، فكانت امتداداته حيث وجدت التربة الصالحة لإنباته، فأصبحت اليمن بما فيها من تنوع مذهبي فرصة مواتية تماما لإيجاد البؤرة الثانية في الوطن العربي.
وكلما مرّ وقت خارج الرصد العربي، كانت الحركة الحوثية تزداد قوة وحضورا في المنطقة، بحكم عوامل عدة، الأول هو أن إيران فتحت أبواب خزائنها المالية ومستودعاتها العسكرية فكانت الأسلحة والعتاد الحربي تتدفق إليهم بلا انقطاع، مع خبراء في الأسلحة والتدريب على استخدامها من عناصر الحرس الثوري وحزب الله اللبناني، ووظفت إيران كل خبرتها الطويلة في التهريب لتضع في متناول الحوثيين والمتحوثين المزيد من الأموال والسلاح كي ترفع من جاهزيتهم ومعنوياتهم إلى حدها الأقصى، وجعلت إيران من الخبرة القتالية الطويلة لليمنيين، مع تضاريس اليمن المنيعة، لتجعل من اليمن خطاً دفاعياً أمامياً عنها عند اقتضاء الضرورة، وجعلت منها حركة ذات واجبات محددة مثل إشغال المنطقة بنفسها، والسيطرة على المضائق البحرية، وتهديد الأمن والاستقرار في منطقة ظلت تعاني من حالة عدم استقرار طويلة.
























































