الجمعة، 5 يونيو 2026

طارق عزيز.. رجل الحبر والسياسة وحارس بوابات بغداد الدبلوماسية/ بقلم نادية الصمادي

 طارق عزيز.. رجل الحبر والسياسة وحارس بوابات بغداد الدبلوماسية


نادية الصمادي

مقدمة: السيادة في حقل الألغام

في تاريخ العلاقات الدولية الحديث، قلّما تتجسد السياسة الخارجية لدولة ما في ملامح رجل واحد كما تجسدت الدبلوماسية العراقية في شخص طارق عزيز. بنظارته الطبية السميكة، وسجاره الكوبي، وبذلته الأنيقة، كان عزيز يمثل الواجهة الثقافية والسياسية لعراق أواخر القرن العشرين. لم يكن مجرد موظف رفيع المستوى، بل كان مهندس العلاقات الدولية لبغداد، والصوت الشجاع الذي وقف في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن يدافع عن بلده في مرحلة هي الأكثر تعقيداً ودرااماتيكية في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر.

الجذور والنشأة: من أروقة الأدب إلى دهاليز السياسة

وُلد "ميخائيل يوحنا" (الذي عُرف لاحقاً باسم طارق عزيز) في 28 نيسان/أبريل 1936 بقرية تل كيف التابعة لمحافظة نينوى شمالي العراق، لعائلة مسيحية كلدانية. انتقلت العائلة لاحقاً إلى بغداد، حيث تلقى تعليمه في مدارسها الشعبية.

في خمسينيات القرن الماضي، التحق بكلية الآداب في جامعة بغداد وتخرج منها حاملاً شهادة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي عام 1958. هذه الخلفية الأدبية لم تمنحه طلاقة اللغة الإنجليزية فحسب، بل أكسبته قدرة استثنائية على صياغة العبارات الدبلوماسية الدقيقة وفهم العقلية الغربية.

في تلك المرحلة، غلي الشارع العراقي بالأفكار القومية واليسارية، فانضم عزيز إلى حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1954، مغيراً اسمه من ميخائيل إلى "طارق عزيز" ليكون اسماً عروبياً عابراً للطوائف، ومبتدئاً مسيرة حزبية طويلة ربطت مصيره بمصير العراق.

صاحب الجلالة "الحبر": من الصحافة إلى التوجيه القومي

قبل الاستوزار، كان طارق عزيز رجلاً من رجال الصحافة والكلمة. بدأ مسيرته المهنية كمحرر وصحفي، وتولى رئاسة تحرير جريدة "الجماهير" عام 1963، ثم ترأس تحرير جريدة "الثورة"، الناطقة باسم حزب البعث، بعد قيام ثورة 17-30 تموز 1968.

كان قلم عزيز حاداً ورؤيته الإعلامية واضحة، مما جعله مقرباً جداً من القيادة السياسية، وتحديداً من صدام حسين (الذي كان حينها نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة). في عام 1974، عُين عزيز وزيراً للإعلام والتوجيه القومي، لتشهد الثقافة والإعلام في العراق تحت إدارته نهضة كبيرة في الرقمنة والترجمة وطباعة الكتب الثقافية.

مهندس الدبلوماسية ورجل المهمات الصعبة

دخل طارق عزيز المعترك الدبلوماسي الفعلي بتعيينه نائباً لرئيس الوزراء عام 1979، ثم وزيراً للخارجية عام 1983 في ذروة الحرب العراقية الإيرانية (1980 - 1988).

في هذه المرحلة، تجلت عبقرية عزيز الدبلوماسية في قدرته على حشد التأمل الدولي لصالح العراق وموازنة العلاقات بين الشرق والغرب:

العلاقات مع واشنطن: نجح عزيز في إعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة مع الولايات المتحدة عام 1984، والتقى بالرئيس الأمريكي رونالد ريجان.

التوازن الدولي: تمكن برصانته وهدوئه من كسب تأييد الاتحاد السوفيتي وفرنسا في آن واحد لتأمين غطاء سياسي وتسليحي للعراق خلال الحرب.

مؤتمر جنيف 1991: الصدام الكاريزمي الشهير

بعد أحداث دخول الكويت عام 1990، تصدر طارق عزيز المشهد الدولي كأبرز المدافعين عن الموقف العراقي. وفي 9 كانون الثاني/يناير 1991، احتضنت مدينة جنيف السويسرية لقاءً تاريخياً جمع عزيز بوزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في محاولة أخيرة لمنع الحرب.

امتد الاجتماع لعدة ساعات، وأظهر فيه عزيز صلابة نادرة؛ حيث رفض استلام رسالة التهديد الموجهة من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إلى الرئيس صدام حسين، معتبراً أن لغتها لا تليق بمخاطبة رؤساء الدول وتفتقر للعرف الدبلوماسي. هذا الموقف رسّخ صورة عزيز كرمز للأنفة السياسية العراقية.

عقد الحصار والمواجهة مع لجان التفتيش

طوال تسعينيات القرن الماضي، قاد طارق عزيز الدبلوماسية العراقية عبر حقل من الألغام تمثل في عقوبات اقتصادية خانقة (الحصار) ومواجهات مستمرة مع لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل التابعة للأمم المتحدة (مثل الأونسكوم).

تنقل عزيز بين عواصم العالم، من نيويورك إلى موسكو والفاتيكان، وكان يقارع نظراءه الغربيين بالحجة والقانون الدولي، مستخدماً لغته الإنجليزية الرصينة لدحض المبررات الأمريكية لضرب العراق، ومحاولاً بشتى الطرق الدبلوماسية تفكيك الطوق المضروب حول بغداد.

السقوط، الوفاء، والنهاية الشامخة

عشية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، قاد عزيز آخر معاركه الدبلوماسية، حيث زار الفاتيكان والتقى بالبابا يوحنا بولس الثاني في محاولة لحشد رأي عام مسيحي وعالمي ضد الحرب.

بعد سقوط بغداد في نيسان 2003، أدرجت القوات الأمريكية اسم طارق عزيز على قائمة المطلوبين الشهيرة (رقم 43 في ورق اللعب الأمريكي). وفي 24 نيسان 2003، سلّم عزيز نفسه للقوات الأمريكية بعد تأمين عائلته.

داخل المعتقل، واجه طارق عزيز سلسلة من المحاكمات السياسية من قبل المحكمة الجنائية العراقية العليا. ورغم الضغوط الرهيبة والإغراءات بتقديم شهادات تدين رفاقه أو الرئيس صدام حسين مقابل الإفراج عنه، رفض عزيز الخيانة تماماً، وظل وفياً لمبادئه وللقيادة التي عمل معها طوال حياته، قائلاً في إحدى شهاداته الشهيرة أمام المحكمة: "أنا دافعت عن العراق، وكنت وزيراً لخارجية دولة سيادية، ولم أكن يوماً مجرماً".

تدهورت حالته الصحية بشكل كبير نتيجة السجن والتقدم في السن، وفي 5 حزيران/يونيو 2015، ترجل فارس الدبلوماسية العراقية عن صهوة الحياة إثر نوبة قلبية في أحد مستشفيات الناصرية، ونُقل جثمانه لاحقاً ليُدفن في مدينة مادبا في الأردن، تاركاً وراءه إرثاً مذهلاً من الثبات والصلابة السياسية.

المراجع والملخصات المقترحة للتوسع:

بيكر، جيمس (1995). دبلوماسية الحرب والسلام: مذكرات وزير خارجية أمريكا (The Politics of Diplomacy). (تتضمن تفاصيل دقيقة عن لقاء جنيف 1991 مع طارق عزيز).

عزيز، طارق (مجموع المقابلات والخطابات الرسمية). أرشيف وزارة الخارجية العراقية (1983 - 2003).

السامرائي، حامد (2008). الملف العراقي: شهادات ومحاضر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق