الأربعاء، 24 يونيو 2026

ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية وإعادة تشكيل المستقبل./ الكاتب مهند المدني

  ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية وإعادة تشكيل المستقبل.


الكاتب مهند المدني*

تمر المنطقة العربية بمرحلة تحول جيوسياسي هي الأعنف والأكثر تعقيداً منذ عقود، حيث لم تعد الساحة الإقليمية مجرد ميدان لصراعات محلية، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز رئيسية في صراع القوى العظمى لإعادة صياغة النظام الدولي. ومن منظور يستند إلى تفكيك الواقع وتحليله عبر عدسة واقعية سياسية مجردة من العواطف، يصبح رصد هذه الملامح ضرورة استراتيجية لفهم كيف يُعاد تشكيل مستقبل المنطقة.

أولاً/ لم يعد النظام الدولي أحادي القطبية، فالمنطقة العربية تشهد اليوم تقاطعاً حاداً بين ثلاثة مشاريع دولية كبرى، يسعى كل منها إلى تأمين مصالحه الحيوية وجعل المنطقة جزءاً من مجاله الحيوي، وتتوزع ملامح هذا التنافس على النحو التالي:

أ- الولايات المتحدة الأمريكية: يتركز مستهدفها الاستراتيجي في الحفاظ على هيمنتها الأمنية التقليدية، وتأمين التدفق الحر لإمدادات الطاقة العالمية، إلى جانب محاصرة وتطويق النفوذ الصيني والروسي المتصاعد في المنطقة. وتعتمد واشنطن في تحقيق ذلك على شبكة شراكاتها الأمنية التاريخية، وانتشار قواعدها العسكرية، وإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.

ب- الصين: ينصب تركيزها الأساسي على البُعد الاقتصادي والتنموي، حيث تسعى لتأمين خطوط الإمداد الحيوية لصناعاتها، ودمج المنطقة العربية كحلقة وصل رئيسية في شبكة التجارة العالمية. وتتخذ بكين من المشاريع الاقتصادية الضخمة أداة تنفيذية لبسط نفوذها، من خلال مبادرة الحزام والطريق والاستثمارات الاستراتيجية الواسعة في البنى التحتية والموانئ الحيوية.

ج- روسيا: تتمحور استراتيجيته حول كسر حالة العزل الدولي التي يحاول الغرب فرضها عليه، وإيجاد موطئ قدم دائم ونفوذ جيوسياسي في البحر المتوسط والخليج العربي. وتعتمد موسكو في تمددها على أدوات الدبلوماسية العسكرية المرنة وعقد صفقات التسليح والاستثمار الاستراتيجي في قطاعات الطاقة والغاز وبناء تحالفات سياسية مباشرة مع الأطراف الإقليمية الفاعلة.

ثانياً/ ملامح المنافسة الجيوسياسية (أين يتركز الصراع؟):

تتخذ المنافسة الدولية في المنطقة أشكالاً متعددة تتجاوز المفهوم التقليدي للاحتلال العسكري، لتتركز في ثلاثة أبعاد أساسية:

أ- حرب الممرات المائية والمضايق الاستراتيجية:

تضم المنطقة العربية أكثر الممرات المائية حيوية في العالم (مضيق هرمز، باب المندب، وقناة السويس). وهذه السيطرة التنافسية سواء المباشرة أو عبر الوكلاء الإقليميين على هذه الممرات (كما هو حاصل الآن بالنسبة لمضيق هرمز) تعني التحكم في شريان التجارة العالمي وأمن الطاقة الدولي، وهو ما يفسر التواجد العسكري المكثف للقوى الدولية في مناطق مثل القرن الإفريقي وخليج عدن.

ب- ممرات الطاقة والربط البيني الجديد:

لم يعد التنافس محصوراً في قطاع النفط التقليدي، بل انتقل إلى غاز شرق المتوسط، ومشاريع الهيدروجين الأخضر، وممرات الربط البري والبحري التي تربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط. القوة التي ستتحكم في هندسة هذه الممرات ستملك القدرة على صياغة الشروط الاقتصادية للمستقبل.

ج- التنافس التكنولوجي والأمني الرقمي:

تطورت أدوات المنافسة لتشمل شبكات الاتصالات من الجيل الخامس والسادس، والأمن السيبراني، ومشاريع الذكاء الاصطناعي. لتحاول القوى الغربية الضغط لعدم اعتماد التقنيات الشرقية في البنى التحتية الحساسة للدول العربية، مما يضع القرار السيادي العربي تحت اختبار حقيقي.

ثالثاً/ القوى الإقليمية الفاعلة بين صراع النفوذ والتحوط الاستراتيجي:

أمام هذا التنافس الدولي، تبرز أدوار خمس قوى إقليمية رئيسية تحاول أن تُعيد صياغة موازين القوى في المنطقة وفقاً لمصالحها

1: المملكة العربية السعودية بقيادتها البراغماتية: تُمثل النموذج الأبرز لتطبيق استراتيجية (التحوط وتنويع التحالفات) حيث تدير علاقاتها ببراغماتية عالية ((شراكة أمنية مع واشنطن وتوازن طاقة مع روسيا عبر أوبك بلس وشراكة تكنولوجية مع الصين)) مستهدفةً تحويل التنافس الدولي إلى بيئة جذب لدعم رؤيتها التنموية 2030 وفرض ريادتها الاقتصادية.

2: إيران ومشروعها النفوذي والتسويات الحرجة: تعتمد إيران على استراتيجية (الدفاع المتقدم) عبر شبكة حلفائها وفصائلها في الساحات العربية، وبسبب الضغوط الغربية اتجهت نحو تعميق التحالف مع الصين وروسيا لكسر العزلة، مع إبداء مرونة براغماتية عالية في المفاوضات ومذكرات التفاهم الدولية للحفاظ على مكتسباتها الجيوسياسية.

3: تركيا والبراغماتية الصاعدة والربط اللوجستي: تُناور بذكاء كونها عضواً في الناتو وبوابة اقتصادية مفتوحة على الشرق (روسيا والصين). تسعى لفرض نفوذها الأمني والمائي على حدودها مع العراق وسوريا، وتطمح لأن تكون المركز اللوجستي العالمي الأول للطاقة والبضائع عبر الرهان على مشاريع الربط الكبرى وتصفير أزماتها مع المحيط العربي.

4: العراق باعتباره قلب المعادلة وجسر التوازن: يقع العراق في النقطة الأكثر حرجاً، كونه ساحة التجاذب الرئيسية. ويقف مستقبله بين سيناريوهين:

أ- إما البقاء كساحة مفتوحة لتصفية الحسابات واستنزاف السيادة.

ب- أو التحول إلى (دولة الجسر) التي تفرض التوازن الاقتصادي والربط الدولي عبر مشاريع واعدة مثل (طريق التنمية وميناء الفاو) شريطة حماية قراره الداخلي.

5: إسرائيل وهيمنتها الأمنية وإعادة الهندسة الإقليمية: تتحرك كفاعل عسكري وتكنولوجي يسعى لفرض واقع جيوسياسي جديد يقوم على ركيزتين:

تفكيك وتقويض مفاصل محور المقاومة التابع لإيران لتأمين عمقها الاستراتيجي والسعي للاندماج في شبكات الربط الاقتصادي والأمني المدعومة أمريكياً وغربياً، مستهدفةً تحويل التنافس الدولي إلى غطاء لتثبيت تفوقها النوعي وجعل نفسها عنصراً إلزامياً في أي ترتيبات مستقبلية لأمن المنطقة وطاقتها.

رابعاً/ إعادة تشكيل المستقبل والسيناريوهات المتوقعة:

بناءً على تداخل أدوار القوى الدولية والإقليمية، يتأرجح مستقبل المنطقة بين سيناريوهين رئيسيين:

السيناريو الأول/ سيناريو الاستقطاب الحاد والحروب بالوكالة: وفيه تفشل القوى الإقليمية في إدارة التوازنات، مما يؤدي إلى ارتهان الدول الهشة للمحاور الدولية، وتعميق التفتيت، وتحويل المنطقة إلى ساحة استنزاف دائم لمواردها وسيادتها لصالح الأقطاب الكبرى، وتقريباً هذا الذي يحصل الآن.

السيناريو الثاني/ سيناريو التوازن الذكي والبراغماتية الاقتصادية: وفيه تنجح العواصم الإقليمية المؤثرة في رفض معادلة (إما معنا أو ضدنا) لتفرض شروطها السيادية عبر تعظيم المصالح المشتركة مع جميع الأقطاب، وتحويل التنافس الدولي إلى فرصة تطوير للمؤسسات والبنى التحتية وتحقيق الاستقرار المستدام.

ختاماً إن وعينا يدرك أن المستقبل يُصنع ولا ينتظر. والمنافسة الدولية الراهنة على المنطقة العربية، رغم كل مخاطرها الجسيمة، تفتح نافذة للدول التي تملك رؤية براغماتية حقيقية لتعظيم مكاسبها. الخطوة الأولى تبدأ من الداخل عبر الوعي السياسي الواقعي، وإصلاح مؤسسي مرن، وقراءة دقيقة لموازين القوى الدولية دون الانحياز الأعمى لقطب على حساب الآخر.

(*) كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق