هل حققت الحرب شيئا من أهداف المتحاربين؟
د.نزار السامرائي
بعد أن سأم المقاتلون من دخول الحرب إلى منعرجات لم تخطر ببال أكثر المتفائلين بسرعة حسمها، وبعد أن راجع أطرافها حساباتهم السابقة، تبين لهم أنهم خاضوها من دون أن يعرف أي منهم ما هو هدفه منها والمدى الذي يريد الوصول إليه؟ وما هي خُططه لوقفها عندما يريد؟ وهل وضع في باله أن رغبته بتحقيق النصر فيها، أو أعداد النفس للقبول بنصف نصر أو نصف هزيمة، يشكل المدخل المناسب لتدوين أحداثها ونتائجها بلا تزييف، لأن مثل هذا السلوك يوصف بأنه بعض أخلاق الفرسان.
عندما يقال إن الحرب توشك أن تضعَ أوزارها، أكاد أصدق ما يقال لا لثقتي بما يدعيه كل فريق، بل لأنني سأمت الحروب التي تخاض بلا أهداف تتطابق مع المُعلن من المواقف، لكنّ دويّ القذائف التي تتساقط على أهداف عربية حاولت النأي بنفسها عن هذه المحرقة، لا سيما دول الخليج العربي وخاصة الإمارات العربية، يُشعرني بأن تحت الضلوع الفارسية داءً دوياً، كلما أحسن بعض العرب بهم الظن، أصروا على استنطاق ما حصل من أحدات في تاريخ موغل في القدم، والثأر لخيبات عصفت بإمبراطوريتهم في نهاية المطاف، وعلى الرغم من بُعدِ ذلك الدوي عن اقامتي جغرافيا، فقد كان ذلك يدفعني بقوة لأن أفقد آخر ما تبقى لدي من أمل بأن يكفَ قادة الدول وكبار مسؤوليها عن الكذب وإصرارهم على تزييف الحقائق، لا لأنني بدأت أغيّر من قناعاتي القديمة، بل لأن التطور التكنولوجي في صناعة أقمار التجسس والرصد، وهي حاضرة على مدار ساعات اليوم (الـ24) في مدارات ثابتة، وبالتالي قد تردع من احترف مهنة الكذب عن التمسك بوظيفة فقدت بريقها، وعلى الجميع البدء فورا بالبحث عن وظيفة أخرى لا تسمح لهم بمواصلة أعمالهم السابقة التي يتقاضون عنها أجرا كبيرا، وبخاصة إذا كان أبرزهم يشغل منصب رئيس أقوى دولة بكل المقاييس.
ما دفعني لقول ما قلت، إن الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، على إيران بسبب غطرستها الفارغة وضجيجها العالي أكثر من المسموح به، بتهديداتها التي توزعها على الجهات الأربع بعدالة مطلقة، توقفت أو توشكُ أن تضعَ أوزارها، من دون بروز مؤشر حاسم لطرف منتصر يستطيع فرض كلمته على الطرف الآخر، فالنصر باختصار شديد هو كسر إرادة القتال عن أحد طرفي الحرب.
ولأن الحرب آخر صفحة من صفحات التفاوض، فقد أدخلني الرئيس الأمريكي في حالة انعدام وزن سياسي، لأنه تحدث كثيرا وأطلق على نفسه صفات كانت لافتة في نبش قبور الرؤساء الأمريكان السابقين، وبخاصة الرئيسين باراك حسين أوباما وجوزيف بايدن، فقال في لحظة تجلّي نادرا ما يشعر بها رئيس تخوض بلاده حربا مع بلد آخر، لم يحسن قراءة تقاليده في التفاوض وقدرته على إدخال الأعداء في دوامة لا نهاية لها من الأنفاق والكهوف والدهاليز المظلمة، إذ قال "سأنهي هذه الحرب على طريقتي، لأنني لا أريد ترك أمريكا رهينة لعدو مجنون مع رئيس أمريكي ضعيف لا يمتلك الجرأة على معالجة التهديد الإيراني بنفس الحزم الذي تعاملت به مع إيران"، ولكن ترمب تميّز بأنه أكثر رئيس أمريكي يتحدث للصحافة مع كل احتمالات صدور كلمات لا يقصدها أبدا، وأنه أكثر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة كان يمنح لعدوه مهلا ويتراجع عنها، وأنه كذلك أكثر رئيس كان يتفنن بإطلاق التهديدات ولكنه لم يثبت أنه قادر على تنفيذ أي منها، لأنه ببساطة خاض الحرب ولم يضع لها أهدافا محددة، بل كانت أهدافه تتلاعب بها نتائج ميدانية صغيرة جدا، صحيح أن أهداف الحرب قابلة للتطوير تبعا لنتائج ما يحصل في الميدان، إلا أن ترمب كان متقلبا إلى حدود غير متصورة، فلم يتمكن من إخافة عدوه، ولم ينجح في تطمين حليفه، وعلى سبيل المثال قال إنّ إيران إن أطلقت رصاصة على قطعة واحدة من أسطولنا الذي يفرض حصارا عليها، فإن ذلك سيضع حدا للاتفاق الهش لوقف العمليات العسكرية، ثم اعترف لاحقا بإن زوارق الحرس الثوري استهدفت بوارج أمريكية وزعم أنها تمكنت من معالجة الخطر، ولا ندري هل ابتلع ترمب تهديداته السابقة؟ ثم إنه كان يعطي إيران مهلاً قصيرة ويعود لتمديدها أكثر من مرة، ولكنه انتقل مؤخرا إلى مرحلة انتظار الذي يأتي ولا يأتي.
في الحرب لا يجوز لقائد بلد أن يدّل أعداء بلده على نقاط قوتهم ونقاط ضعف بلده، فهذه تقع في خانة الخيانة العظمى، وكأن الاقتصاد الأمريكي لا يستقيم أوضاع إلا بعد الحصول على استثمارات في إيران في مجال المعادن النفيسة وفي مجالات الطاقة، لقد أعطى ترمب من الوعود ما يمكن أن تصنعه لها الولايات المتحدة إن اتفقتا، كان يكرر تصريحات بعبارات تصلح لعروض الأزياء أكثر من صلاحيتها لعالم السياسة، مما يعطي انطباعا بضعف أطروحة الرئيس، بحيث يبدو وكأنه يستجدي السلام مع دولة لم تحترم تعهداتها أبدا وسجلها حافل بكل الأدلة الناطقة على ذلك، ثم لماذا يتحول ترمب إلى موظف في مكتب وزير خارجية إيران عندما يصّرُ في أكثر من تصريح فيقول "نحن متأكدون أن إيران تريد توقيع اتفاق معنا"، هل سبرَ أغوار الإيرانيين فتحولوا إلى حمامة سلام بين ليلة وضحاها بعد أن كانوا طلاب حرب؟.
كان كثير من خبراء الشأن الأمريكي ثابتين على قناعة لا تتزحزح، بأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، بل يقولون إن هناك دولة موازية للدولة المعلنة، وهي الدولة العميقة التي تمتلك لجاما قويا من مخلفات أفلام الغرب الأمريكي تستطيع تفعليه متى شاءت، لتوقف الرئيس "أي رئيس" عند حدّه ولو لجأت إلى أساليب غير تقليدية في ما تريد تطبيقه بحقه من إجراءات، ولكن ومن خلال ما حصل خلال فترة رئاسة دونالد ترمب الأولى وما رافقها من أحداث، ثم إفشاله في المنافسة مع بايدن، ثم أخضعته لتحقيقين الأول بتهمة حصوله على دعم روسي بزعم أنه هو الذي رجح كفته في الانتخابات على منافسته هيلاري كلنتون، والثاني تلاعبه بموجودات البيت الأبيض وذلك عندما أجاز لنفسه الاستحواذ على وثائق على درجة عالية من السرية ما كان له حق بأخذها، بما ذلك إجراءات تفتيش مصور في منزله قام به عناصر من جهاز FBI ، أدى زرع بذرة من نزعة الانتقام لديه، إذ يبدو أن ترمب وفريق محاميه، طفقا يدرسان خطط الانتقام ممن فتح ملفات لم تستطع التأثير سلبا على وضع ترمب القانوني، بل على العكس، فقد حقق في انتخابات الرئاسة اللاحقة، عودة ظافرة إلى البيت الأبيض بفوزٍ ساحق، ليس له فقط بل للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، وفي غرفتي الكونغرس، وهذا ما حوله إلى شخص آخر يفكر بملفين الأول تهديم الهيكل الذي كاد أن يسقط فوق رأسه، فراح يتصرف خارج القواعد المألوفة التي نص عليها الدستور الأمريكي، وخارج كل السياقات التي سار عليها الرؤساء السابقون له، ومع أن الدستور الأمريكي قد رسم حدود صلاحيات السلطات الثلاث في البلاد، إلا أنه في واقع الحال أعطى لرئيس البلاد من الصلاحيات ما لم تعطه أكثر دساتير العالم الثالث دكتاتورية في العالم لرؤسائها، ولكن التقاليد الأمريكية فرضت نفسها على كل الحالمين بالدخول إلى البيت الأبيض، والجلوس في المكتب البيضاوي ليدير شركة مساهمة أسمها الكرة الأرضية، فحوّل الكونغرس إلى هيئة أمم متحدة، فكأن مجلس النواب هو الجمعية العمومية ومجلس الشيوخ هو مجلس الأمن الدولي.
وصادف ترمب نجاحاً هنا وآخر هناك، فظن أن العالم أصبح طوع يديه، فراح يعلن عن برامج خرافية، فتارة يطالب بالحصول على شبه جزيرة غرينلاند بالقوة أو مقابل ثمن، وتارة يدعو إلى ضم كندا وجعلها الولاية الواحدة والخمسين، مستعيداً في ذاكرته ما حصل عام 1867 عندما اشترت الولايات المتحدة الأسكا من روسيا القيصرية بمبلغ مضحك جعل روسيا تتجرع آلام تلك الصفقة في كل 30 آذار/ مارس، وبالمقابل قوبلت تلك الصفقة بسخرية لاذعة من قبل الكونغرس، حيث وصف الصفقة التي وقع اتفاقيتها وزير الخارجية الأمريكية ويليام ستيوارت، بحماقة ستيوارت، وربما أعطت هذه التجربة احساسا جارفا لترمب بأن الرؤساء يُلهمون حكمة مضاعفة بمجرد دخولهم المكتب البيضاوي، ولهذا حاول تجربة حظه في قضايا خاسرة، لأن العالم اجتاز قرنا ونصف قرن من يوم توقيع حماقة ستيوارت.
ما يعرفه المراقبون عن ترمب أنه رئيس وصل إلى منصبه من شارع رجال الأعمال، ولكنه كان يحمل خيالا طموحا فوق طاقة رؤساء جاءوا إلى مناصبهم من مؤسسات تشريعية ومن مناصب حكومية عليا، ومع ذلك فمنهم من نجح ومنهم من فشل، ولكنني أعترف لترمب أنه أتقن واحدة من الدروس التي يتعلمها رجال الإعلام أثناء دراساتهم النظرية وهي قاعدة الهرم المقلوب في إعداد الأخبار، أي حذف الكثير من محتويات المادة الإخبارية كي يصار إلى صياغة الخبر بأقصر مضمون لا يخل بأصل الفكرة وبأقل كلمات، لكن ترمب ارتكب كثيرا من الخطايا، فقد أكثر ترمب من أحاديث عن المستقبل الرائع لإيران إذا ما وقعت اتفاقا مع بلاده وتحولها إلى دولة عظيمة، بسبب امتلاكها لثروات هائلة، وهذا ما جعل غريزة التدلل الإيراني المعهودة ترتفع إلى قمتها، فبدأت بالتمنع وراحت تتحدى توقيتات ترمب وتهديداته التي أيقنت أنها تصريحات رئيس حائر وملول، فبعد أن كان يحدد توقيتات قصيرة لإيران وبعد أن ظل يهدد بإزالة إيران من الخارطة، صار هو الذي يمنحها الذرائع للتأخر في الردود، وبعد أن قال إنه في حال إطلاق الإيرانيين طلقة واحدة على أحدى قطع الأسطول الأمريكي في مضيق هرمز فإن ذلك سيعني تدمير ما تبقى من قطع بحرية إيرانية، ولكنه في النهاية قال بأنه متأكد من أن إيران ترغب بشدة بتوقيع اتفاق مع بلاده، هل سبر غور الشخصية الإيرانية، بحيث صار يبحث لها عن مبررات كي لا يشعر بقليل من الحرج مع نفسه وشعبه وحزبه والحزب المنافس له والصحافة الأمريكية؟.
ولعل ما حصل في حرب الاثني عشر يوما، ما يعكس وجها من وجوه ترمب المتعددة وذلك عندما هاجمت الطائرات الأمريكية بما فيها طائرات B2 وF35، مع الطائرات الإسرائيلية، بين يومي 13 و 24 حزيران 2025، وألحقت دمارا هائلا بالمواقع النووية والدفاعات الجوية وكثير من المنشآت الاقتصادية، وتمت تصفية الخط الأول من قيادات الحرس الثوري والجيش والأمن القومي، يوم ذاك أمر الرئيس الأمريكي رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، بأن يعيد الطائرات الإسرائيلية التي كانت قد دخلت الأجواء الإيرانية والتي كانت مُخَططا لها أن تقصف موقعا كان معدا لعقد اجتماع يضم المرشد الأعلى علي خامنئي مع قيادات سياسية وعسكرية لدراسة كيفية التعاطي مع الأوضاع التي كانت جارية حينذاك، فعادت الطائرات أدراجها، مما يعني أن ترمب هو الوحيد بين الرؤساء الأمريكيين الذي استطاع ترويض رئيس وزراء إسرائيلي منذ عام 1948، بل ويلوي عنقه.
اعتقدَ ترمب حينها أنه حقق كامل أهدافه من الحرب، ولهذا رفع شعارات جعلها أهدافا لا يمكن النقاش فيها وراح يطلق التهديدات غير المسؤولة، كان في مقدمتها إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك البرنامجين النووي والصاروخي وفك الرابطة بين إيران وأذرعها الإقليمية، وكذلك ما اصطلح عليه بالتخصيب صفر، ورفعَ من سقف شروطه التي شملت تسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي قيلت بشأنه عدة روايات أبرزها أن إيران احتفظت به في مكان آمن، في حين قال ترمب إنه حرص على إصدار أوامر بعدم استهدافه خشية من تلوث نووي قد يتسبب بكارثة بيئية، وقيلت قصص أخرى، ولكنها جميعا كانت محض خيال سياسي مريض يركب عقل المنتصر فيحلق في سماء أخرى غير سمائنا، أو مهزوم يحاول مداراة هزيمته بكلام معسول فيفرك يديه بزهو فارغ ليصدق ما أطلقه من أكاذيب ظنها في عتمة أنها بيضاء فإذا بها كالحة السواد.
وأظن أن ترمب مثل طباخ مبتدئ، توفرت له كل فرص النجاح في إعداد الطعام ومستلزماته، ولكنه لم ينجح في إعداد وجبة صغيرة واحدة، فالولايات المتحدة هي الدولة التي تمتلك كل شيء من عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولكن الرئيس لم يحسن استخدامها لصنع نصر لبلده على دولة صغيرة، فكيف يستطيع إدارة معركة ناجحة مع دولة بوزن روسيا أو الصين؟ وربما لأن ترمب كان يسعى إلى تحقيق نصر له شخصيا.
كان بإمكان ترمب أن يقدم قراءة أكثرَ صوابا لو أنه أدار المعركة مع إيران بلا ملل، لأن إثارة الضجر هو اختصاصها في إدارة معاركها السياسية والحربية على حد سواء، إيران لا تجرؤ على قول لا، ولا ترغب بقول نعم، لأن اللا والنعم، قد تنصبان فخا لها، لأن إيران تضمر شيئا وتصرح بضده، ولهذا لا ثقة لها بأحد، تماما كما أن كل فريق إيراني يتعامل مع الآخرين بالطريقة نفسها.
ثم إن حالة الضجر الهائل وقلة الصبر اللذين تنطوي عليه شخصية ترمب، وسرعة تقلباته، هي التي أخرجت إيران من جلدها وباتت لا تكترث كثيرا لتهديداته وتحولت من حالة الدفاع عن النفس إلى حالة الهجوم على دول معروفة تقليديا أنها صديقة لواشنطن، ليس هذا فقط بل إن إيران عضت بأنياب مسمومة اليد التي طالما امتدت إليها لتسحبها من القلق إلى الطمأنينة وهي سلطنة عمان.
ومن بين مفارقات الحرب، أن الطرف المهزوم عسكريا استطاع أن يتحول إلى منتصر سياسيا، وأن الطرف المنتصر عسكريا فقد كل عناصر نصره وصار يتسول التوقيع على اتفاق أي اتفاق، حتى لو أدى ذلك إلى تخليه عن ثلاثة أرباع شروطه السابقة، وأضاف لإيران مكسبا لم يدخل يوما في حسابات تبادل مكاسب الحرب وهو موضوع حق المرور العابر في مضيق هرمز.
وهناك قضية أخرى أراها في غاية الأهمية، وهي أن الدول العربية التي تعرضت لانتقام إيراني لا مبرر له بكل المقاييس، توسطت من أجل توصل الولايات المتحدة وإيران لحل يجنبها ويلات حربٍ كانت تقول إنها لا ناقة لها فيها ولا جمل، سبب كل هذا هو أن دول الخليج العربي ركنت إلى الأمن المستورد والحماية الخارجية فنامت على زيد الوعود التي تطلقها الدول الكبرى عندما تريد أن توجد لنفسها موطئ قدم في منطقة ما، ولكنها تتنصل عن تعهداتها، لذا لا منجاة للعرب إلا بالقوة الذاتية وبكل أشكالها بلا حدود لعناوين القوة، وعليهم الأخذ بكل أسبابها وجعل أعدائهم يفكرون ألف مرة قبل التفكير بمجرد شن عدوان عليهم، نعم مجرد التفكير.