الاثنين، 11 مايو 2026

القوة الذاتية وردع المعتدين / د. نزار السامرائي

  القوة الذاتية وردع المعتدين



د. نزار السامرائي

اذا كان ما قيل عن دور اتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية في ردع إيران عن أي اعتداء على الأراضي السعودية حتى الان، صحيحا بحذافيره، فمن سيقف مع الكويت، اذا افترضنا أن وجود مقر قيادة الأسطول الخامس في البحرين ما زال يشكل سببا لشن الاعتداءات وردعها في نفس الوقت.

ولماذا لا يكون وجود قاعدة علي السالم ضمانة للكويت ايضا؟

ومن سيكون لسلطنة عمان التي كُرهت عربيا بسبب تفضيلها لعلاقات خاصة جدا مع ايران على حساب الاخ وابن العم، ومع ذلك جوزيت جزاء سنمار من قبل إيران التي تنسى كل الأيدي التي تمتد لمصاقحتها وتعطيها ما قسم الله من عطاء.

تبقى الإمارات ويبدو أنها بقيت خارج كل المعادلات التكتلية فلا فتح أبواب اقتصادها لإيران وتحولها إلى مزرعة ومصنع تلعب فيهما إيران اقتصاديا، ولا انتماؤها لمجلس التعاون الخليجي ولا للجامعة العربية ولا للأم المتحدة شكلت لها مظلة من المسيرات والصواريخ الإيرانية.

اذن أين تولي وجهها في زمن التكتلات الكبرى والتحالف الإقليمية والدولية؟ حتى أنها عندما حاولت تقليص اعتمادها على موانئها الخليجية فهربت نحو بحر العرب حيث ميناء الفجيرة، فلم ينجها ذلك من القصف، إيران تقول بصمت طالما كنت ممنوعة من الصرف والتصدير، فلا أحد يُصدّر.

ألم تؤكد أحداث المنطقة منذ ما يقرب من عام أن القوة الذاتية هي بعد التوكل على الله، هي أعظم عاصم لها من نوايا الشر الإيرانية وأن الأمن المستورد مجرد وهم فلا أحد على استعداد لمنحك عصاه للتوكيء اذا كان هو الأعرج.

القوة الذاتية والقوة الذاتية هي اللغة الوحيدة التي تفهما كل الأمم والشعوب بمن فيهم قراصنة اليابسة والبحر

. والجو من دون مترجم.

هل حققت الحرب شيئا من أهداف المتحاربين؟ / د. نزار السامرائي

  هل حققت الحرب شيئا من أهداف المتحاربين؟

د.نزار السامرائي

بعد أن سأم المقاتلون من دخول الحرب إلى منعرجات لم تخطر ببال أكثر المتفائلين بسرعة حسمها، وبعد أن راجع أطرافها حساباتهم السابقة، تبين لهم أنهم خاضوها من دون أن يعرف أي منهم ما هو هدفه منها والمدى الذي يريد الوصول إليه؟ وما هي خُططه لوقفها عندما يريد؟ وهل وضع في باله أن رغبته بتحقيق النصر فيها، أو أعداد النفس للقبول بنصف نصر أو نصف هزيمة، يشكل المدخل المناسب لتدوين أحداثها ونتائجها بلا تزييف، لأن مثل هذا السلوك يوصف بأنه بعض أخلاق الفرسان.

عندما يقال إن الحرب توشك أن تضعَ أوزارها، أكاد أصدق ما يقال لا لثقتي بما يدعيه كل فريق، بل لأنني سأمت الحروب التي تخاض بلا أهداف تتطابق مع المُعلن من المواقف، لكنّ دويّ القذائف التي تتساقط على أهداف عربية حاولت النأي بنفسها عن هذه المحرقة، لا سيما دول الخليج العربي وخاصة الإمارات العربية، يُشعرني بأن تحت الضلوع الفارسية داءً دوياً، كلما أحسن بعض العرب بهم الظن، أصروا على استنطاق ما حصل من أحدات في تاريخ موغل في القدم، والثأر لخيبات عصفت بإمبراطوريتهم في نهاية المطاف، وعلى الرغم من بُعدِ ذلك الدوي عن اقامتي جغرافيا، فقد كان ذلك يدفعني بقوة لأن أفقد آخر ما تبقى لدي من أمل بأن يكفَ قادة الدول وكبار مسؤوليها عن الكذب وإصرارهم على تزييف الحقائق، لا لأنني بدأت أغيّر من قناعاتي القديمة، بل لأن التطور التكنولوجي في صناعة أقمار التجسس والرصد، وهي حاضرة على مدار ساعات اليوم (الـ24) في مدارات ثابتة، وبالتالي قد تردع من احترف مهنة الكذب عن التمسك بوظيفة فقدت بريقها، وعلى الجميع البدء فورا بالبحث عن وظيفة أخرى لا تسمح لهم بمواصلة أعمالهم السابقة التي يتقاضون عنها أجرا كبيرا، وبخاصة إذا كان أبرزهم يشغل منصب رئيس أقوى دولة بكل المقاييس.

ما دفعني لقول ما قلت، إن الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، على إيران بسبب غطرستها الفارغة وضجيجها العالي أكثر من المسموح به، بتهديداتها التي توزعها على الجهات الأربع بعدالة مطلقة، توقفت أو توشكُ أن تضعَ أوزارها، من دون بروز مؤشر حاسم لطرف منتصر يستطيع فرض كلمته على الطرف الآخر، فالنصر باختصار شديد هو كسر إرادة القتال عن أحد طرفي الحرب.

ولأن الحرب آخر صفحة من صفحات التفاوض، فقد أدخلني الرئيس الأمريكي في حالة انعدام وزن سياسي، لأنه تحدث كثيرا وأطلق على نفسه صفات كانت لافتة في نبش قبور الرؤساء الأمريكان السابقين، وبخاصة الرئيسين باراك حسين أوباما وجوزيف بايدن، فقال في لحظة تجلّي نادرا ما يشعر بها رئيس تخوض بلاده حربا مع بلد آخر، لم يحسن قراءة تقاليده في التفاوض وقدرته على إدخال الأعداء في دوامة لا نهاية لها من الأنفاق والكهوف والدهاليز المظلمة، إذ قال "سأنهي هذه الحرب على طريقتي، لأنني لا أريد ترك أمريكا رهينة لعدو مجنون مع رئيس أمريكي ضعيف لا يمتلك الجرأة على معالجة التهديد الإيراني بنفس الحزم الذي تعاملت به مع إيران"، ولكن ترمب تميّز بأنه أكثر رئيس أمريكي يتحدث للصحافة مع كل احتمالات صدور كلمات لا يقصدها أبدا، وأنه أكثر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة كان يمنح لعدوه مهلا ويتراجع عنها، وأنه كذلك أكثر رئيس كان يتفنن بإطلاق التهديدات ولكنه لم يثبت أنه قادر على تنفيذ أي منها، لأنه ببساطة خاض الحرب ولم يضع لها أهدافا محددة، بل كانت أهدافه تتلاعب بها نتائج ميدانية صغيرة جدا، صحيح أن أهداف الحرب قابلة للتطوير تبعا لنتائج ما يحصل في الميدان، إلا أن ترمب كان متقلبا إلى حدود غير متصورة، فلم يتمكن من إخافة عدوه، ولم ينجح في تطمين حليفه، وعلى سبيل المثال قال إنّ إيران إن أطلقت رصاصة على قطعة واحدة من أسطولنا الذي يفرض حصارا عليها، فإن ذلك سيضع حدا للاتفاق الهش لوقف العمليات العسكرية، ثم اعترف لاحقا بإن زوارق الحرس الثوري استهدفت بوارج أمريكية وزعم أنها تمكنت من معالجة الخطر، ولا ندري هل ابتلع ترمب تهديداته السابقة؟ ثم إنه كان يعطي إيران مهلاً قصيرة ويعود لتمديدها أكثر من مرة، ولكنه انتقل مؤخرا إلى مرحلة انتظار الذي يأتي ولا يأتي.

في الحرب لا يجوز لقائد بلد أن يدّل أعداء بلده على نقاط قوتهم ونقاط ضعف بلده، فهذه تقع في خانة الخيانة العظمى، وكأن الاقتصاد الأمريكي لا يستقيم أوضاع إلا بعد الحصول على استثمارات في إيران في مجال المعادن النفيسة وفي مجالات الطاقة، لقد أعطى ترمب من الوعود ما يمكن أن تصنعه لها الولايات المتحدة إن اتفقتا، كان يكرر تصريحات بعبارات تصلح لعروض الأزياء أكثر من صلاحيتها لعالم السياسة، مما يعطي انطباعا بضعف أطروحة الرئيس، بحيث يبدو وكأنه يستجدي السلام مع دولة لم تحترم تعهداتها أبدا وسجلها حافل بكل الأدلة الناطقة على ذلك، ثم لماذا يتحول ترمب إلى موظف في مكتب وزير خارجية إيران عندما يصّرُ في أكثر من تصريح فيقول "نحن متأكدون أن إيران تريد توقيع اتفاق معنا"، هل سبرَ أغوار الإيرانيين فتحولوا إلى حمامة سلام بين ليلة وضحاها بعد أن كانوا طلاب حرب؟.

كان كثير من خبراء الشأن الأمريكي ثابتين على قناعة لا تتزحزح، بأن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، بل يقولون إن هناك دولة موازية للدولة المعلنة، وهي الدولة العميقة التي تمتلك لجاما قويا من مخلفات أفلام الغرب الأمريكي تستطيع تفعليه متى شاءت، لتوقف الرئيس "أي رئيس" عند حدّه ولو لجأت إلى أساليب غير تقليدية في ما تريد تطبيقه بحقه من إجراءات، ولكن ومن خلال ما حصل خلال فترة رئاسة دونالد ترمب الأولى وما رافقها من أحداث، ثم إفشاله في المنافسة مع بايدن، ثم أخضعته لتحقيقين الأول بتهمة حصوله على دعم روسي بزعم أنه هو الذي رجح كفته في الانتخابات على منافسته هيلاري كلنتون، والثاني تلاعبه بموجودات البيت الأبيض وذلك عندما أجاز لنفسه الاستحواذ على وثائق على درجة عالية من السرية ما كان له حق بأخذها، بما ذلك إجراءات تفتيش مصور في منزله قام به عناصر من جهاز FBI ، أدى زرع بذرة من نزعة الانتقام لديه، إذ يبدو أن ترمب وفريق محاميه، طفقا يدرسان خطط الانتقام ممن فتح ملفات لم تستطع التأثير سلبا على وضع ترمب القانوني، بل على العكس، فقد حقق في انتخابات الرئاسة اللاحقة، عودة ظافرة إلى البيت الأبيض بفوزٍ ساحق، ليس له فقط بل للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه، وفي غرفتي الكونغرس، وهذا ما حوله إلى شخص آخر يفكر بملفين الأول تهديم الهيكل الذي كاد أن يسقط فوق رأسه، فراح يتصرف خارج القواعد المألوفة التي نص عليها الدستور الأمريكي، وخارج كل السياقات التي سار عليها الرؤساء السابقون له، ومع أن الدستور الأمريكي قد رسم حدود صلاحيات السلطات الثلاث في البلاد، إلا أنه في واقع الحال أعطى لرئيس البلاد من الصلاحيات ما لم تعطه أكثر دساتير العالم الثالث دكتاتورية في العالم لرؤسائها، ولكن التقاليد الأمريكية فرضت نفسها على كل الحالمين بالدخول إلى البيت الأبيض، والجلوس في المكتب البيضاوي ليدير شركة مساهمة أسمها الكرة الأرضية، فحوّل الكونغرس إلى هيئة أمم متحدة، فكأن مجلس النواب هو الجمعية العمومية ومجلس الشيوخ هو مجلس الأمن الدولي.

وصادف ترمب نجاحاً هنا وآخر هناك، فظن أن العالم أصبح طوع يديه، فراح يعلن عن برامج خرافية، فتارة يطالب بالحصول على شبه جزيرة غرينلاند بالقوة أو مقابل ثمن، وتارة يدعو إلى ضم كندا وجعلها الولاية الواحدة والخمسين، مستعيداً في ذاكرته ما حصل عام 1867 عندما اشترت الولايات المتحدة الأسكا من روسيا القيصرية بمبلغ مضحك جعل روسيا تتجرع آلام تلك الصفقة في كل 30 آذار/ مارس، وبالمقابل قوبلت تلك الصفقة بسخرية لاذعة من قبل الكونغرس، حيث وصف الصفقة التي وقع اتفاقيتها وزير الخارجية الأمريكية ويليام ستيوارت، بحماقة ستيوارت، وربما أعطت هذه التجربة احساسا جارفا لترمب بأن الرؤساء يُلهمون حكمة مضاعفة بمجرد دخولهم المكتب البيضاوي، ولهذا حاول تجربة حظه في قضايا خاسرة، لأن العالم اجتاز قرنا ونصف قرن من يوم توقيع حماقة ستيوارت.

ما يعرفه المراقبون عن ترمب أنه رئيس وصل إلى منصبه من شارع رجال الأعمال، ولكنه كان يحمل خيالا طموحا فوق طاقة رؤساء جاءوا إلى مناصبهم من مؤسسات تشريعية ومن مناصب حكومية عليا، ومع ذلك فمنهم من نجح ومنهم من فشل، ولكنني أعترف لترمب أنه أتقن واحدة من الدروس التي يتعلمها رجال الإعلام أثناء دراساتهم النظرية وهي قاعدة الهرم المقلوب في إعداد الأخبار، أي حذف الكثير من محتويات المادة الإخبارية كي يصار إلى صياغة الخبر بأقصر مضمون لا يخل بأصل الفكرة وبأقل كلمات، لكن ترمب ارتكب كثيرا من الخطايا، فقد أكثر ترمب من أحاديث عن المستقبل الرائع لإيران إذا ما وقعت اتفاقا مع بلاده وتحولها إلى دولة عظيمة، بسبب امتلاكها لثروات هائلة، وهذا ما جعل غريزة التدلل الإيراني المعهودة ترتفع إلى قمتها، فبدأت بالتمنع وراحت تتحدى توقيتات ترمب وتهديداته التي أيقنت أنها تصريحات رئيس حائر وملول، فبعد أن كان يحدد توقيتات قصيرة لإيران وبعد أن ظل يهدد بإزالة إيران من الخارطة، صار هو الذي يمنحها الذرائع للتأخر في الردود، وبعد أن قال إنه في حال إطلاق الإيرانيين طلقة واحدة على أحدى قطع الأسطول الأمريكي في مضيق هرمز فإن ذلك سيعني تدمير ما تبقى من قطع بحرية إيرانية، ولكنه في النهاية قال بأنه متأكد من أن إيران ترغب بشدة بتوقيع اتفاق مع بلاده، هل سبر غور الشخصية الإيرانية، بحيث صار يبحث لها عن مبررات كي لا يشعر بقليل من الحرج مع نفسه وشعبه وحزبه والحزب المنافس له والصحافة الأمريكية؟.

ولعل ما حصل في حرب الاثني عشر يوما، ما يعكس وجها من وجوه ترمب المتعددة وذلك عندما هاجمت الطائرات الأمريكية بما فيها طائرات B2 وF35، مع الطائرات الإسرائيلية، بين يومي 13 و 24 حزيران 2025، وألحقت دمارا هائلا بالمواقع النووية والدفاعات الجوية وكثير من المنشآت الاقتصادية، وتمت تصفية الخط الأول من قيادات الحرس الثوري والجيش والأمن القومي، يوم ذاك أمر الرئيس الأمريكي رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، بأن يعيد الطائرات الإسرائيلية التي كانت قد دخلت الأجواء الإيرانية والتي كانت مُخَططا لها أن تقصف موقعا كان معدا لعقد اجتماع يضم المرشد الأعلى علي خامنئي مع قيادات سياسية وعسكرية لدراسة كيفية التعاطي مع الأوضاع التي كانت جارية حينذاك، فعادت الطائرات أدراجها، مما يعني أن ترمب هو الوحيد بين الرؤساء الأمريكيين الذي استطاع ترويض رئيس وزراء إسرائيلي منذ عام 1948، بل ويلوي عنقه.

اعتقدَ ترمب حينها أنه حقق كامل أهدافه من الحرب، ولهذا رفع شعارات جعلها أهدافا لا يمكن النقاش فيها وراح يطلق التهديدات غير المسؤولة، كان في مقدمتها إسقاط النظام الإيراني، وتفكيك البرنامجين النووي والصاروخي وفك الرابطة بين إيران وأذرعها الإقليمية، وكذلك ما اصطلح عليه بالتخصيب صفر، ورفعَ من سقف شروطه التي شملت تسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والذي قيلت بشأنه عدة روايات أبرزها أن إيران احتفظت به في مكان آمن، في حين قال ترمب إنه حرص على إصدار أوامر بعدم استهدافه خشية من تلوث نووي قد يتسبب بكارثة بيئية، وقيلت قصص أخرى، ولكنها جميعا كانت محض خيال سياسي مريض يركب عقل المنتصر فيحلق في سماء أخرى غير سمائنا، أو مهزوم يحاول مداراة هزيمته بكلام معسول فيفرك يديه بزهو فارغ ليصدق ما أطلقه من أكاذيب ظنها في عتمة أنها بيضاء فإذا بها كالحة السواد.

وأظن أن ترمب مثل طباخ مبتدئ، توفرت له كل فرص النجاح في إعداد الطعام ومستلزماته، ولكنه لم ينجح في إعداد وجبة صغيرة واحدة، فالولايات المتحدة هي الدولة التي تمتلك كل شيء من عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولكن الرئيس لم يحسن استخدامها لصنع نصر لبلده على دولة صغيرة، فكيف يستطيع إدارة معركة ناجحة مع دولة بوزن روسيا أو الصين؟ وربما لأن ترمب كان يسعى إلى تحقيق نصر له شخصيا.

كان بإمكان ترمب أن يقدم قراءة أكثرَ صوابا لو أنه أدار المعركة مع إيران بلا ملل، لأن إثارة الضجر هو اختصاصها في إدارة معاركها السياسية والحربية على حد سواء، إيران لا تجرؤ على قول لا، ولا ترغب بقول نعم، لأن اللا والنعم، قد تنصبان فخا لها، لأن إيران تضمر شيئا وتصرح بضده، ولهذا لا ثقة لها بأحد، تماما كما أن كل فريق إيراني يتعامل مع الآخرين بالطريقة نفسها.

ثم إن حالة الضجر الهائل وقلة الصبر اللذين تنطوي عليه شخصية ترمب، وسرعة تقلباته، هي التي أخرجت إيران من جلدها وباتت لا تكترث كثيرا لتهديداته وتحولت من حالة الدفاع عن النفس إلى حالة الهجوم على دول معروفة تقليديا أنها صديقة لواشنطن، ليس هذا فقط بل إن إيران عضت بأنياب مسمومة اليد التي طالما امتدت إليها لتسحبها من القلق إلى الطمأنينة وهي سلطنة عمان.

ومن بين مفارقات الحرب، أن الطرف المهزوم عسكريا استطاع أن يتحول إلى منتصر سياسيا، وأن الطرف المنتصر عسكريا فقد كل عناصر نصره وصار يتسول التوقيع على اتفاق أي اتفاق، حتى لو أدى ذلك إلى تخليه عن ثلاثة أرباع شروطه السابقة، وأضاف لإيران مكسبا لم يدخل يوما في حسابات تبادل مكاسب الحرب وهو موضوع حق المرور العابر في مضيق هرمز.

وهناك قضية أخرى أراها في غاية الأهمية، وهي أن الدول العربية التي تعرضت لانتقام إيراني لا مبرر له بكل المقاييس، توسطت من أجل توصل الولايات المتحدة وإيران لحل يجنبها ويلات حربٍ كانت تقول إنها لا ناقة لها فيها ولا جمل، سبب كل هذا هو أن دول الخليج العربي ركنت إلى الأمن المستورد والحماية الخارجية فنامت على زيد الوعود التي تطلقها الدول الكبرى عندما تريد أن توجد لنفسها موطئ قدم في منطقة ما، ولكنها تتنصل عن تعهداتها، لذا لا منجاة للعرب إلا بالقوة الذاتية وبكل أشكالها بلا حدود لعناوين القوة، وعليهم الأخذ بكل أسبابها وجعل أعدائهم يفكرون ألف مرة قبل التفكير بمجرد شن عدوان عليهم، نعم مجرد التفكير.

الخميس، 7 مايو 2026

نشرة انتفاضة شباب تشرين العدد ٥٣ // آيار ٢٠٢٦

نشرة انتفاضة شباب تشرين 

العدد ٥٣ // آيار ٢٠٢٦ 

رابط المجلة الالكتروني 

https://online.anyflip.com/rnvg/rxai/mobile/index.html





















قراءة في تاريخ إيران الجمهورية جزء ٣/ بقلم د. نزار السامرائي

 قراءة في تاريخ إيران الجمهورية

جزء ٣



د. نزار السامرائي

لم تذق منطقة الشرق الأوسط طعم الاستقرار منذ أن وصل الخميني إلى الحكم في إيران، الذي نجح في تصدير الفوضى التي عاشتها بلاده ليس إلى دول الجوار فقط بل إلى كثير من دول العالم حيثما وجد فيها فرصة لخدمة مشروعه لتصدير الثورة.

ولقد انطلت الشعارات التي رفعها في الأيام الأولى لاحتلاله موقع القيادة في إيران، على كثير من الشخصيات والحركات والمنظمات الإسلامية لا سيما في الوطن العربي المأخوذ بطبيعة العرب المجبولة بالنقاء والصدق والمروءة، والمعروفين بتعجلهم بإصدار الأحكام على أسس عاطفية عندما يتعلق الأمر بالإسلام، وكان الطرح الإيراني ينطلق من ثلاثة محاور:

1 - دينياً رفع شعار وحدة المسلمين. 

2 - سياسيا رفع شعار تحرير فلسطين لما كان يعرفه من مكانة فلسطين في الوجدانين العربي والإسلامي من تأثير عاطفي يرتبط بالموقع المقدس للمسجد الأقصى في عقيدة المسلمين.

3 - ثالثا إعلانه العداء للشيطان الأكبر والمستكبرين الغربيين والشرقيين على حد سواء، وبدأ بخطة تسويقه هذه البضاعة على أنها دفاع عن المستضعفين في العالم كله، على الرغم من أنه كان ينطلق من حسابات إيرانية خالصة لم تخرج من حدود إيران، بسبب ما شاب العلاقات الإيرانية الأمريكية من اختلال سياسي واقتصادي.

نعم انطلت هذه الشعارات على الحركات الإسلامية وبخاصة في الوطن العربي، لا سيما التنظيم الدولي لحركة الاخوان المسلمين والتشكيلات المحلية لها، وتوابعها من جمعيات ومنظمات وبعض من يحبون أن يوصفوا بأنهم مفكرون إسلاميون، فقد سارعت شخصيات من هذه المنظمات أفراداً وجماعات إلى تشكيل وفود لزيارة طهران وتقديم التهاني للخميني بنجاح الثورة، وفسرت أجهزة الدعاية المرتبطة بمكتب الخميني على أن هذه الزيارات كان لغرض تقديم البيعة له على السمع والطاعة إماما لكل المسلمين كافة، ولقد تحمست حركة الاخوان المسلمين بما فيها الفرع السوري في هذا التوجه المنحرف، إلى أن حصل الفراق بين الطرفين بعد سلسة حوادث عانى فيها الاخوان المسلمون في سوريا من ويلات البطش الأسدي والذي وصل مرحلة متقدمة عندما تراصف النظام السوري مع إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية، فرد الإيرانيون الجميل لنظام الأسد الأب بدعم مفتوح لا سيما عندما سارعت الحكومة الإيرانية لتقديم الدعم لحكم الأقلية العلوية في قمع الشعب السوري والذي بلغ ذروته في أحداث ثورة الشعب السوري على نظام الأسدين القمعي عام 2011، حينذاك اكتشف الاخوان السوريون حجم الخطأ الذي ارتكبوه بمراهنتهم على إسلامية النظام الذي جاء به الخميني إلى إيران، ومدى الضرر الذي أُلحقه بالإسلام والصورة التي يحاول الاخوان المسلمون تقديم الإسلام للعالم كدين وسطي ينبذ التطرف، وإذا بهم يكتشفون أنهم على متن أكثر المراكب صناعة للإرهاب الدولي وتسويقا له.

وفيما يتصل بالشعار الأول فقد مارس النظام سياسة التقية بأعلى درجاتها لخداع المسلمين وتمرير برنامجه الفقهي الذي اخترعه ولم يحظ بموافقة معظم المراجع الشيعة الكبار في النجف وقم، بل اعتبروه بدعة لا أساس لها في الفقه الجعفري الاثني عشري، ولقد أراد الخميني من هذه الخطوة فرض نفسه على أتباع جميع المذاهب الإسلامية، من خلال خطاب شعبوي فيه من الغوغائية السياسية أكثر مما فيه من الاجتهاد الفقهي، وإذا ما راجعنا خطوات إيران للتعبير عن معنى وحدة المسلمين، فقد قال الخميني في كتاب "تحرير الوسيلة"  بالنص (أما النواصب والخوارج لعنهم الله فهما نجسان من غير توقف)، وقال "الرسائل" (مخالفة العامة من مرجحات باب التعارض)، وفي كتابه "الحكومة الإسلامية"، قال (لأئمتنا مقام لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل)، وهذه الفكرة لا يقول  بها المسلمون.

 وفي مجال التطبيقات فقد أقدم على عدة خطوات كرست في محتواها وفي نهايتها معنى التمزق لا الوحدة، فعلى سبيل المثال جاء إلى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، إذ تم إقرار عيد الوحدة الإسلامية والذي جعله يبدأ بيوم الثاني عشر من ربيع الأول وهو عيد المولد النبوي لدى المسلمين والسابع عشر من الشهر نفسه وهو الذي يحتفل به الشيعة، فتم تكريس التفرقة تحت لافتة الوحدة، وغير هذا هناك مواقف وتصرفات تقع في الإعلام الإيراني تحت عنوان الوحدة ولكنها في حقيقتها معاول تضرب بصرح الوحدة الإسلامية بكل قوة، فضلا عن موقف التعالي على المسلمين ومحاولة السطو على إرادتهم وقناعاتهم.

وربما من المفيد أن أذكر هنا أن بعض الوفود التي زارت طهران اقترحت عليه استبدال اسم الخليج من الخليج الفارسي الذي تعتمده إيران إلى اسم الخليج الإسلامي، لكنه رفض مجرد الخوض في هذه الفكرة أصلا، على الرغم من أن إقليم فارس لا يمتلك إطلالة على الخليج العربي، فالخليج بشاطئيه عربي الأرض والسكان وما زال، ولكن المقص البريطاني الغادر هو الذي ألحق إقليم الأحواز العربي الذي تبلغ مساحته 375 ألف كيلو متر مربع بإيران عام 1925.

ووسط هذه الكثافة من الوفود التي تجشمت عناء السفر إلى طهران لتقديم فروض الطاعة للخميني، وجد أن سعادته تتحقق عندما يرى أن اسمه يتكرر في أجهزة الإعلام العالمية، ويصبح الشغل الشاغل لمختلف الجهات والمنظمات الدولية، فقد توصل فريقه السياسي إلى قناعة بأن وسائل الإعلام في دول العالم الثالث ومهما علا شأنها، فإنها تبقى ذات طابع محلي أو إقليمي في أحسن حالات صعودها، فهي لا تمتلك امكانية الانتشار الذي تتمتع به أجهزة الإعلام الغربية لأسباب عديدة، بسبب الهيمنة الأمريكية والأوربية فنياً وتقنيا ومالياً وسياسياً، فرأى الخميني أنه يجب أن يتوجه إلى افتعال أحداث كبيرة لها قابلية استقطاب الاهتمام الدولي سياسياً وإعلامياً، حتى رأى أن ضربته الأكثر فعالية ستكون في وضع واحد من تحدياته المعلنة موضع التنفيذ، فوجد ضالته في التعرض لمبنى السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز العاملين فيها، فكان ذلك الحدث الشغل الشاغل لأجهزة الإعلام الدولية وليس الأمريكية فقط، وربما أرضى هذا الاهتمام طموح رجل مغمور خرج من المجهول ليتحول إلى الخبر الأول على قنوات التلفزيون الأمريكية والأوربية.

وبعد أن حقق لنفسه دائرة واسعة للعلاقات العامة، عمد النظام الإيراني على فتح الصفحة الثانية وهي فتح نارا سياسية على العراق كان يختزن كثيرا من وقودها منذ أن كان يعيش في العراق لاجئا سياسيا أو دينيا كان مطاردا في بلده فلم يجد بلدا يؤويه إلا العراق، وفي تسارع كبير تحولت تلك المعركة، إلى نيران حرب استمرت ثماني سنوات بلا هوادة، كادت تجر إليها أطرافا شرق أوسطية في منطقة الخزان النفطي الأكبر والأكثر أهمية في حسابات الطاقة الدولية.

واعتمد فريق الخميني السياسي في ذلك على قياس بائس، وهو أن من أسقط الشاه في إيران، سيكون بمقدوره إسقاط نظام الرئيس صدام حسين بسهولة أكبر من خلال الدعم الذي ستحصل عليه إيران من شيعة العراق، فارتفعت في الأجواء تصريحات سياسية لكبار مسؤولي الدولة عن بطلان اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران لعام 1975، لأنها وقعّت بين نظامين طاغوتيين، أحدهما تم اسقاطه والثاني في طريقه إلى السقوط، ولذا أطلق دعوات في نداءات متتابعة أذيعت من أجهزة الإعلام الإيرانية موجهة إلى "شيعة العراق" بالامتناع عن تسديد الضرائب وفواتير الماء والكهرباء والتلفون، وأدت تلك الدعوات الساذجة إلى رد فعل مضاد تمثل بتسديد الفواتير المتراكمة.

وبقدر ما اهتمت أجهزة الإعلام العربية والدولية ببعض التفاصيل الصغيرة من المشهد الإقليمي، وارتفاع حدة التوتر إلى أقصى درجاتها، كان ذهن القيادة العراقية منصرفا لدراسة كل ما يصدر عن طهران من تصريحات حماسية موجهة ضد العراق، لكن ما صدر عن الخميني من آراء تتعلق بجوهر العقيدة الإسلامية التي تنص على (بسم الله الرحمن الرحيم، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فقد كان طموح الخميني يتعدى الساحة العراقية إلى ما هو أبعد بكثير، وأن جميع الدول الإسلامية كانت في متناول خطط الهيمنة الإيرانية، فقد كرر الخميني في خطبٍ وأحاديث مع أنصاره، فكرة خطيرة جدا وهي أن جميع الأنبياء والرسل قد أخفقوا في تأدية رسالاتهم، وأن "صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف" هو الذي سيكمل تلك المهمة، هذه الفكرة تعني أن "نائب الإمام بالحق" وهو الخميني نفسه، هو الذي سينهض بهذه الوظيفة المقدسة، وتأسيسا على هذه الفرضية التي أوكلها الخميني لنفسه ولإيران، فقد تأكد لكثير من دارسي الظاهرة الخمينية أن الرجل مصاب بداء العظمة، ومن هذه النقطة بدأت نوايا الشر بدأت تطل برأسها بقوة تجاه العراق من جاره الشرقي، ولتنطلق إلى الآفاق البعيدة، على الرغم من أن العراق بادر عبر القنوات الدبلوماسية لتقديم التهنئة للخميني بإسقاط نظام الشاه وذلك عندما بعث الرئيس أحمد حسن البكر رحمه الله برقية تهنئة للخميني، الذي أجاب ببرقية جوابية تكّفر النظام الوطني وتخلو من القيم الإسلامية التي حددها الله سبحانه وتعالى عندما قال في محكم كتابه العزيز، فقال بسم الله الرحمن الرحيم "وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوها"، وذلك عندما ختم الخميني برقيته بالقول والسلام على من اتبع الهدى.

و دخلت العلاقات العراقية الإيرانية مرحلة عدم اليقين، إذ لم تعرف فيه حدود البلدين استقرارا حقيقيا وطويلا، وكأنهما مكتوب عليهما أن يعيشا توترا متصلا، يستقطب فيه دخول أطراف إقليمية أو دولية، فالتصريحات النارية التي كان يطلقها الخميني بمناسبة ومن غير مناسبة، عن قضيتين مترابطتين ارتباطا راسخا، هما شعار تصدير الثورة "الإسلامية"، والثاني اعتبار اتفاقية الجزائر لعام 1975، باطلة لأنها وقعت بين نظامين طاغوتيين، أشعلت ضوءا أحمر في نهاية الطريق يحذر من أن السير فيه من دون حذر مضاف قد يعني السقوط في منحدر سحيق، فكأي نظام يشعر أن الأصوات الآتية من حدوده لا تشبه ما كان يرد منها من قبل، لا بد وأن يُخضع الأمر لإعادة تقييم استراتيجي، وهذا ما حصل.

ففي غضون أشهر معدودة، فَقدَ النظامُ الإيراني فضيلة الصبر، وبدأ بتنفيذ خطوات استفزازية على طول الحدود، ويبدو أنها كانت تجسيدا لشعار تصدير الثورة، والذي أُلحق بشعار يخص الساحة العراقية وحدها عندما رُفع شعار آخر وهو شعار "طريق القدس يمر في كربلاء" وكان هذا الشعار متحركا حسب ما تقتضيه الحاجة الإيرانية، فتارة يمر طريق القدس عبر بغداد وتارة أخرى تتوسع الطموحات الإمبراطورية، حتى انحرف مسار الطريق إلى الجنوب ليمر في مكة المكرمة وأحيانا ينزل جنوبا أبعد إلى اليمن، وأخرى يصعد شمالا فيصل إلى إدلب والقصير في سوريا، ومن يدري قد يصل إلى حد المرور في جاكارتا شرقا وتارة لا بد أن يمر في الرباط وطنجة في المغرب.

وتأسيسا لهذا المشروع التوسعي، فقد تعرضت مدن عراقية حدودية لقصف مدفعي عنيف من مدفعية بعيدة المدى من عيار 175 ملم الأمريكي الصنع، والمدفع الروسي 130ملم، ونتيجة لهذا القصف الذي تعرضت له مدن العراق ابتداءً من خانقين شمالا إلى البصرة جنوبا، فقد حصلت هجرة جماعية من معظم المدن الحدودية، ويبدو أن الزعامة الدينية الإيرانية أرادت اختبار مدى صبر القيادة العراقية، لكنها كانت تستحضر من داخل أدراج قيادة الأركان السابقة، كل نوايا العدوان على العراق، استنادا إلى خطط عسكرية معدّة من عهد الشاه، إلا أن القيادة العراقية ما كانت لتتردد في أداء واجبها في الدفاع استقلال البلاد وصيانة كرامة شعبه والمحافظة على الأمن الوطني والقومي، ومع ذلك سعت إيران بكل ما تمتلك من قدرات لإيصال الوضع إلى أقصى درجات التأزم، ولعلّ الحدث الأكثر مغزى هو الذي تم فيه إسقاط طائرة حربية إيرانية من طراز F5، بتاريخ 4 أيلول/ سبتمبر 1980، أي قبل نشوب العمليات العسكرية الكبرى بعدة أسابيع، واحتفظ العراق بقائد الطائرة "حسين علي رضا لشكري" أسيرا لأنّه يعد أهم وثيقة على بدء إيران للحرب حتى تم إطلاق سراحه عام 1998.

قراءة في تاريخ إيران الجمهورية جزء ٦/ بقلم د. نزار السامرائي

  قراءة في تاريخ إيران الجمهورية 

جزء ٦


د.نزار السامرائي

بعد أن وضعت حرب الثماني سنوات أوزارها، وبعد أن خلّفت دمارا هائلا لا سيما في إيران، وخاصة في البنى التحتية وعلى نحو أخص في البنى التحتية النفطية، فضلا عما تكبدته من خسائر بشرية وكذلك في مؤسساتها الاقتصادية الأخرى، اتخذت إيران قراراً استراتيجياً حاسماً وهو عدم السماح للهيب المعارك بدخول أراضيها، على قدر ما تمتلك من جهد وطاقة ومناورة سياسية، ولأن الأمر لا يرتبط برغباتها ولا بنواياها فقط، بل بقدرتها على وضع هذا الهدف موضع التنفيذ، اتخذت قرارا آخر لا يقل أهمية أو خطورة عن قرارها آنف الذكر، وهو توسيع نطاق حدود أمنها الإقليمي إلى أبعد نقطة قادرة على الوصول إليها، ولأنها محكومة بالجغرافية السياسية المعترف بها دوليا، فقد اتجهت إلى إقامة ركائز عقائدية قادرة على التحرك العسكري بتنسيق تنظيمي مع تلك الركائز الأمامية التي يمكن أن نُطلق عليها اسم "حجابات" وفقا لما يتداوله العسكريون في قاموسهم، على وفق لما تُمليه عليها متطلبات الأمن القومي الإيراني.

ولأن إيران رفعت شعار تصدير الثورة منذ الأيام الأولى لوصول الخميني إلى طهران مطلع شباط/ فبراير 1979، فقد كان جلياً أن الأمر ينطوي على صفحتين متلازمتين، الأولى إقامة تنظيمات وجمعيات شيعية ذات طابع عسكري صرف، وإن أخذت لنفسها تسميات تستطيع تخطي الحواجز النفسية للمجتمع الذي ستنشط فيه، كالجمعيات الخيرية والإنسانية، وأحيانا في تقديم الخدمات التعليمية والطبية في الأوساط الفقيرة، إلا أنها في واقع الحال حرصت على ابقائها خلايا نائمة تحركها عندما يحين الوقت لذلك، ولقد اقتبست إيران خبرتها في تأسيس هذه التشكيلات من خبرة الحركة الصهيونية عندما أسست عصابات الهاغانا وشتيرن وأرغون، التي تدربت عناصرها تحت سمع القوات البريطانية ونظرها، وكانت تنتظر ساعة الصفر للتحرك العسكري الموكول إليها، وعندما حانت لحظة تحركها، خرجت من تحت الأرض لترتكب جرائم شنيعة في الأوساط الفلسطينية، ويبدو أن اقتباس تجربة قيام إسرائيل في تأسيس هذه المنظمات الإرهابية، قد خضعت لدراسة معمقة من طرف الفريق السياسي والعقائدي المرافق للخميني في العراق وانتقل معه إلى فرنسا وحط رحاله في محطته الأخيرة في طهران.

ووضعَ أساسُ بنائها بدقة متناهية، كي تبقى ذات ولاء عقائدي مرتبط بولاية الفقيه برباط عقدي عضوي، يمنحها الشرعية الوحيدة المانعة لأي تشكيلات منافسة، وواقع الحال أن هذه الخطوة حددت توجهاً بحكم التراتيبية المذهبية في المذهب الجعفري الاثني عشري والتي تُلزم الشيعي "أي شيعي"، أن يعرف المرجع الذي يقلّده ويتبع أوامره ونواهيه، وهذا ما قد يفرض ثنائية في موضوع الولاء، والمفاضلة بين إتبّاع المرجع أو الولاء للوطن، وقد أسست هذه المدرسة لحالة من الصراع الحاد بين الولاء للمرجع الذي يعتبر أن الولاء له هو ولاء للدين والخروج عنه مبررا للإخراج من الملة، وربما أخذت هذه الظاهرة درجة أكبر من التصادم بين الولاء لمرجع التقليد الذي احتكره الخميني لنفسه مستعيناً بما توفر له من قدرات الدولة الإيرانية وسلطته المطلقة في ولاية الفقيه التي تفرض انقيادا أعمى لتلك الولاية في نفس الوقت الذي حجبه عن بقية المراجع الكبار الذين لا يشاطرونه الأخذ بمبدأ ولاية الفقيه، وهذا ما خلق تصادما بين الروح الوطنية والولاء العابر للأوطان باسم الدين أو المذهب، وهذا ما ظهر جليا أثناء الحرب العراقية الإيرانية عندما انضم عراقيون منشقون ينتمون إلى تيارات وأحزاب سياسية شيعية، إلى  القوات الإيرانية من قوات الحرس الثوري أو البسيج فقاتلوا معها ضد قوات بلدهم، وكذلك عندما جند حزب الله اللبناني كل جهده وطاقته لخدمة المشروع الإيراني الإقليمي، لا سيما مجريات حرب 2026، وهكذا نجح الخميني في تحويل ما رسمه المؤسسون الأوائل للمذهب من مجرد أفكار على الورق، أو أحاديث تتردد على الألسن أو دروس تُلقى في الحوزات العلمية، إلى واقع على الأرض، وقد حدد مسارين متضادين الأول هو الولاء لإيران من خلال الربط المحكم بين العقيدة الدينية وتحويلها إلى مسار سياسي، والثاني الولاء لولاية الفقيه.

أما الصفحة الثانية فكانت في ربط هذه التشكيلات بمكتب حركات التحرر المرتبط بقيادة الحرس الثوري وإن كان ذلك في بدايات تشكيلها، وتم تحويل ارتباطها إلى عمل مؤسسي وجزء من مشروع الدولة الإيرانية من خلال ارتباطها بفيلق القدس أحد أذرع الحرس الثوري، وتم اختيار عناصرها القادرة على حمل السلاح من النواحي العقائدية والبدنية والعمرية، وإخضاعها لبرنامج تدريب عقائدي وقتالي بأعلى ما يستطيع الحرس الثوري توفيره لعناصره، وعلى الرغم من أن الغرب تعامل مع العمليات الإرهابية التي تنفذها أذرع إيرانية معروفة بارتباطها بإيران، إلا أنها كانت تتظاهر بأن إيران غير مسؤولة عنها من أجل كسب ودها ورضاها، وعلى العموم فإن إيران التي أرادت من تلك المنظمات والتشكيلات والحركات خطاً أمامياً لحدود أمنها القومي، فإنها بالنتيجة النهائية شكلت عبئا سياسيا واقتصاديا وماليا ثقيلا عليها، وعكرّت علاقاتها السياسية الإقليمية والدولية مع إيران، مع أن كثيرا من دول العالم كانت تنتفع منفعة مالية كبيرة من خلال شراء النفط الإيراني بثمن يقل كثيرا عن التسعيرة الدولية لبرميل النفط الواحد.

وفي كل مرة عندما تشعر إيران بأنها تواجه مأزقا سياسيا، تلجأ إلى إحدى الساحات التي تشعر أن فصائلها أكثر تأثيرا في تقديم العون لها لمواجهة مأزقها، وتأمره بالتحرك بالكيفية التي تحقق لها أفضل النتائج، وبصفة عامة كانت الساحة اللبنانية أكثر الساحات استعداداً لتقديم النجدة السريعة، فكان حزب الله اللبناني أكثر الأدوات التزاما بالتوجيهات القادمة من الجهات النافذة في طهران، وهو الوحيد من الوكلاء الذي أعلن برنامجاً اندماجياً مع ولاية الفقيه، وذلك عندما أعلن أمينه العام السابق حسن نصر الله، أنه ينظر إلى تجربته على أنها ليست إقامة جمهورية إسلامية في لبنان، وإنما يسعى ليكون لبنان جزء من "الجمهورية الإسلامية في إيران وتحت قيادة الولي الفقيه علي خامنئي.

أما حماس التي لم تعلن موقف التشيع المذهبي، بل ظلت تجاهر بأنها سنية المذهب، فلم تحض بنفس الدعم السياسي والعسكري الذي حصل عليه حزب الله، وربما تفسره طهران بأن ذلك ناجم عن عدم وجود حدود مفتوحة إلى غزة كما تتوفر مع حزب الله عبر سوريا، إلا أن حماس في حقيقة الأمر كانت تضمر التشيع السياسي، وربما كانت تحرص على التعاطي مع القضية الفلسطينية من منظور إيراني بحت، حتى أن خالد مشعل أحد قادة حماس والمؤسسين لها، قال في أحد تصريحاته الأخيرة، "علينا أن نعترف بأننا نقاتل دفاعا عن الأمن القومي الإيراني"، وهذا في حقيقة الأمر أكثر خطورة من التشيع المذهبي، وذلك بسبب التخلي طواعية عن النزعة الوطنية ورهنها بخيار آخر يتصادم مع التوجهات الوطنية، ويجعل من حماس حاملة بريد إيراني وواجهة لطهران في الساحات العربية والإسلامية.

ويسجل المراقبون باهتمام أن وكلاء إيران يهبّون للدفاع عنها ويخوضون معاركها مع استعدادهم لتحمل الخسائر فيها، إلا أن إيران أكدت بشكل قاطع أنها ليست على استعداد لتحمل أدنى مجازفة والانخراط في معركة دفاعا عن أقرب وكلائها إليها، وخاصة حركة حماس والثمن الباهظ الذي دفعته مدينة غزة في معركة غير محسوبة النتائج، وكذلك حزب الله اللبناني، على الرغم من انخراطه في معركة الثأر لمقتل علي خامنئي.

ومن أجل المضي بهذا المخطط بنجاح، فقد تم تخصيص ميزانيات كبيرة لتلك المنظمات التي تحولت بمرور الوقت إلى تشكيلات مسلحة أو شبه مسلحة تظهر بكامل تجهيزاتها، بما ذلك الملابس العسكرية التي تميّزها عما سواها، والأسلحة المتوسطة والثقيلة، وإضافة إلى التنظيمات التي تأسست أثناء الحرب العراقية الإيرانية، لا سيما في الساحتين اللبنانية والعراقية، فقد تناسلت هذه التنظيمات أفقيا وعموديا واتسع مداها الجغرافي على نحو سريع جدا، وظهرت على السطح بعد أن ظلت متخفية لزمن طويل، تبعا لقوة الدولة ومنظومتها الأمنية وقدرتها على تفعيل قوانينها المحلية.

كان الخيار الإيراني الأول قد وقع على الساحة اللبنانية، لما تتمتع به من خصوصية تتصل بالنظام الديمقراطي الليبرالي العريق القائم على المحاصصة الدينية والمذهبية في ذلك البلد، فاستغل الإيرانيون خضوع لبنان لأجواء الحرب الأهلية التي اندلعت في نيسان 1975، وانتشار المنظمات المسلحة على طول الساحة اللبنانية وعرضها، وعلى الرغم من تآكل قوة معظم الطوائف في البلاد، فقد بقي الشيعة لوحدهم الطائفة التي لم تزج نفسها بتلك الصراعات بصفتها هذه، وكأنها كانت تخطط لاستنزاف الجميع وفي اللحظة المناسبة تطفو على السطح لتضع الجميع أمام خيارات صعبة تتمثل أما بالخضوع لإرادتها المسلحة أو الصمت إزاء ما يحصل.

ومع الوقت تحولت حركة "أمل" من حركة مدنية تسعى لإنصاف المحرومين حسب وصف مؤسسيها لها، إلى كيان مسلح فرض حضوره مقابل التشكيلات الفلسطينية والقوى السنية والمسيحية التي خاضت قتالات مختلفة الأسباب والأهداف مع ضدها النوعي أي حزب الله الذي كان يتشكل بدعم من النظام السوري وبشكل خاص من الرئيس السوري السابق حافظ أسد الذي أجاد اللعب على التوازنات لإضعاف الجميع، لأنه أراد تحريك كتلة متماسكة ضد العراق تنفذ مخططاته في الساحة اللبنانية، في تنفيذ عمليات إرهابية ضد المصالح العراقية كما حصل في نهاية عام 1981 بتفجير مبنى السفارة العراقية في بيروت، أو في عمليات إرهابية ضد مصالح أوربية وأمريكية بما ذلك الدبلوماسيون والصحفيون ورجال الأعمال والسياح، إذ تم اغتيال عدد من الصحفيين اللبنانيين والعرب والأجانب وإشاعة جو من الترقب والرعب في نفوس كل من يفكر بانتقاد الدور السوري في لبنان والمنطقة، أو تحالفه مع النظام الإيراني أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وأسست تلك العمليات لمرحلة طويلة لتكميم الأفواه ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم، وكانت الصفقات السياسية لصالح إيران أو النظام السوري تتم بإشراف المخابرات السورية وقوات الردع السورية التي دخلت لبنان بموافقة الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1976.

اللافت أن الدول التي لم تستطع إيران اختراق حدودها، أو هي لم تشأ أن تفعل ذلك لحسابات مرحلية سياسيا واقتصاديا وأمنيا، تجاهلت تماما معاناة المتضررين من إرهاب تلك المنظمات وجرائمها التي كانت تطال المدنيين والمؤسسات الاقتصادية.