الأربعاء، 10 يونيو 2026

المحاكمة الغائبة: وثائق الإدانة والمسؤولية الجنائية لنوري المالكي في سقوط الموصل/ نادية الصمادي

  المحاكمة الغائبة: وثائق الإدانة والمسؤولية الجنائية لنوري المالكي في سقوط الموصل


نادية الصمادي

في العاشر من حزيران (يونيو) من كل عام، تعود إلى الأذهان واحدة من أكثر الفواجع إيلاماً في تاريخ العراق الحديث: سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم "د111اعش" ا-ل-إ-ر-ه-ا-ب-ي عام 2014. هذا الحدث لم يكن مجرد انكسار عسكري عابر أو كبوة ميدانية، بل صُنف عبر أعلى سلطة تشريعية في البلاد كـ "خيانة عظمى" وفق تقارير برلمانية وقانونية رسمية شخّصت بدقة مكامن التقصير والمسؤولية المباشرة التي تقع على عاتق رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك، نوري المالكي.

في هذه القراءة التوثيقية الشاملة، نستعرض بالتفصيل، والتواريخ، والأدلة الدامغة أبعاد المحاكمة الغائبة، ومؤشرات التواطؤ، والتأثير الإقليمي الذي قاده جنرال الظل الإيراني قاسم سليماني لإسقاط ثاني أكبر مدن العراق.

1. التقرير البرلماني الرسمي: وثيقة الإدانة المنسية

في مطلع عام 2015، شكّل مجلس النواب العراقي لجنة نيابية خاصة سُميت بـ "لجنة التحقيق في سقوط الموصل"، ضمت 26 عضواً من مختلف الأطياف السياسية. واستمرت أعمالها 8 أشهر، استمعت خلالها لشهادات 82 شخصية من كبار القادة العسكريين والأمنيين والسياسيين لتقديم الحقيقة للشعب العراقي.

التاريخ المفصلي: 16 آب (أغسطس) 2015.

الحدث: صوت البرلمان العراقي بالأغلبية المطلقة على إحالة التقرير النهائي للجنة إلى الادعاء العام وهيئة النزاهة والقضاء دون حذف أي اسم.

النتيجة والأدلة الموثقة: جاء نوري المالكي على رأس قائمة المتهمين الـ 36 بالمسؤولية المباشرة عن سقوط المدينة. ووفقاً لمحتوى التقرير الرسمي الذي نشرته وكالات الأنباء العالمية والمحلية (مثل فرانس برس والجزيرة):

تضليل الرأي العام وإهمال التحذيرات الاستخبارية: أثبتت الوثائق الرسمية أن مديرية استخبارات نينوى رفعت تقارير مفصلة ومكررة قبل أكثر من شهر من الكارثة (خلال أيار/مايو 2014) تؤكد نية تنظيم دا111111عش شن هجوم واسع وحددت محاوره بدقة، إلا أن القيادة العامة للقوات المسلحة (مكتب المالكي) تعمدت التغاضي عنها ووصفها بـ "الشائعات".

تفكيك وتدمير المنظومة القيادية: حَمّل التقرير المالكي مسؤولية حصرية في اختيار قادة عسكريين يفتقرون للكفاءة والنزاهة، والانغماس في قضايا فساد مالي وإداري مرعب تجسد في ظاهرة "الجنود الفضائيين" (أسماء وهمية لجنود يتقاضى القادة رواتبهم دون وجودهم على الأرض)، مما جعل القوة الفعلية على الورق أضعاف ما هي عليه في الميدان.

2. التسلسل الزمني للأيام الحرجة (يونيو 2014) وأوامر الانسحاب المريبة

تشير شهادات القادة العسكريين الميدانيين أمام اللجنة البرلمانية إلى تخبط واختراق واضح في هرم القيادة المرتبط مباشرة بمكتب القائد العام للقوات المسلحة، مما يثبت شبهة التواطؤ العمدي لإخلاء المدينة:

4 حزيران 2014: بدء تسلل عناصر التنظيم إلى الأحياء الغربية للموصل. ورغم الفارق العددي الشاسع لصالح القوات الحكومية (التي كانت تقدر بقرابة 60 ألف عنصر أمني مجهزين بأحدث الأسلحة الأميركية مقابل بضع مئات من عناصر دا1111عش)، إلا أن غياب القيادة الموحدة والمركزية عطل التحرك الميداني.

8 حزيران 2014: وصول قادة عسكريين مبعوثين حصرياً من بغداد لإدارة الأزمة، وعلى رأسهم معاون رئيس أركان الجيش عبود قنبر وقائد القوات البرية علي غيدان. هؤلاء القادة أداروا المعركة عبر قنوات اتصال سرية ومباشرة مع مكتب المالكي متجاوزين تماماً القيادات المحلية ومحافظ نينوى أثيل النجيفي.

9 - 10 حزيران 2014: صدرت أوامر انسحاب مفاجئة وغير مبررة عسكرياً تسببت في انهيار معنويات المقاتلين بشكل دراماتيكي. الفريق مهدي الغراوي (قائد عمليات نينوى آنذاك) صرّح في شهادات علنية لاحقة وفي وثائق المحاكمات العسكرية بأنه تلقى تلميحات وأوامر مباشرة بالانسحاب من قنبر وغيدان. انسحب القادة الكبار ليلة 9 حزيران تاركين خلفهم مخازن أسلحة فرقتين عسكريتين كاملتين وثقيلتين لتكون لقمة سائغة للتنظيم ال-إ-ر-ه-ا--ب-ي.

3. هندسة السقوط: خيوط التواطؤ بين المالكي وقاسم سليماني

لم يكن سقوط الموصل مجرد فشل تكتيكي، بل كان خطوة مدروسة ضمن رؤية استراتيجية إقليمية أشرف عليها قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني وتولى نوري المالكي تنفيذ أدواتها على الأرض لتحقيق مأربين رئيسيين:

شيطنة الحراك السلمي وتبرير القمع: طوال عام 2013، شهدت المحافظات الشمالية والغربية (ومنها نينوى) اعتصامات سلمية مشروعة تطالب بالإصلاح السياسي والتوازن الإداري. وبتوجيهات ودعم مباشر من طهران، اختار المالكي مواجهة هذه الحراكات بالحديد والنار (مثل مجزرة الحويجة)، مما خلق فجوة هائلة وعداءً مستحكماً بين الأهالي والقطاعات العسكرية، ووفر البيئة النفسية والميدانية لتوغل تنظيم د11111اعش.

تأسيس "الجيش الموازي" وشرعنة النفوذ الإيراني: يرى مراقبون ومؤرخون عسكريون للحرب على دا11111عش أن إضعاف الجيش العراقي النظامي وحل قطعاته في الموصل بصورة فوضوية ومذلة، كان يهدف بالأساس إلى خلق ضرورة وجودية وعقائدية لقوات بديلة موازية للدولة. هذا التخطيط أسفر فوراً عن إطلاق "فتوى الجهاد الكفائي" وتأسيس "الحشد الشعبي"، وهي الصيغة الكربونية التي اعتمدها قاسم سليماني في شتى دول النفوذ الإقليمي (صيغة الحرس الثوري والجيش الموازي) لإضعاف سيادة الدولة الوطنية وجعل القرار الأمني رهيناً للفصائل الولائية.

4. أحكام القضاء العراقي: محاكمة الصغار لحماية "الهالكي"

لو كان هناك قضاء عراقي مستقل وعادل تماماً ومتحرر من سطوة النفوذ السياسي، لكانت التهم الموجهة للمالكي تندرج تحت بنود "الخيانة العظمى، والتقصير العمدي المؤدي إلى هدر أرواح المواطنين وأموال الدولة، وتسليم أراضٍ سيادية ومعدات استراتيجية للعدو".

بدلاً من ذلك، سارت المحاكمات العسكرية بطريقة انتقائية تثير الريبة:

الدليل القضائي: أصدرت المحكمة العسكرية العراقية حكماً غيابياً بـ "الإعدام رمياً بالرصاص" بحق الفريق مهدي الغراوي بتهمة الهروب والتخاذل في حماية الموصل (وتم تعميم الحكم وتأكيده مجدداً عام 2017 وفق وثائق مسربة من وزارة الداخلية).

المفارقة السياسية: في المقابل، حُفظت القضايا المرفوعة ضد المدان الأول نوري المالكي تحت وطأة "التوافقات السياسية، والمحاصصة الحزبية"، والتهديد بـ "جر البلاد إلى بحر من الدماء والفتنة الأهلية". وبدلاً من مثوله خلف القضبان، غادر المالكي فور صدور التقرير البرلماني عام 2015 إلى العاصمة الإيرانية طهران، مطلقاً من هناك تصريحه الشهير الذي رفض فيه نتائج التحقيق واصفاً إياها بأنها: "مؤامرة سياسية حيكت في أربيل ولا قيمة قانونية لها".

الخلاصة والمصادر المرجعية الدقيقة

إن فاجعة سقوط الموصل ستبقى وثيقة إدانة تاريخية وقانونية مسجلة لا تموت بالتقادم، وهي موثقة في المراجع الرسمية التالية:

التقرير النهائي الصادر عن "لجنة التحقيق في سقوط الموصل" والمصادق عليه من مجلس النواب العراقي (آب 2015).

الشهادات الرسمية المسجلة لوزير الدفاع بالوكالة الأسبق سعدون الدليمي ومحافظ نينوى أثيل النجيفي.

التقارير الاستخبارية المسبقة المرفوعة من مديرية استخبارات نينوى والمنشورة في ملحقات التحقيق لعام 2014.

من المنظور الجنائي العسكري الصرف، القائد العام للقوات المسلحة هو المسؤول الأول والأخير عن تحرك وعقيدة وانسحاب القطعات. وإن التواطؤ لإخلاء مدينة بحجم الموصل وترك أهلها لقمة سائغة ل-ل-إ-ر-ه-ا-ب سيبقى وصمة عار وجريمة كبرى تنتظر القضاء العادل لإنصاف الضحايا ومحاسبة الفاعل الحقيقي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق