قراءة في تاريخ إيران الجمهورية
جزء ٣
د. نزار السامرائي
لم تذق منطقة الشرق الأوسط طعم الاستقرار منذ أن وصل الخميني إلى الحكم في إيران، الذي نجح في تصدير الفوضى التي عاشتها بلاده ليس إلى دول الجوار فقط بل إلى كثير من دول العالم حيثما وجد فيها فرصة لخدمة مشروعه لتصدير الثورة.
ولقد انطلت الشعارات التي رفعها في الأيام الأولى لاحتلاله موقع القيادة في إيران، على كثير من الشخصيات والحركات والمنظمات الإسلامية لا سيما في الوطن العربي المأخوذ بطبيعة العرب المجبولة بالنقاء والصدق والمروءة، والمعروفين بتعجلهم بإصدار الأحكام على أسس عاطفية عندما يتعلق الأمر بالإسلام، وكان الطرح الإيراني ينطلق من ثلاثة محاور:
1 - دينياً رفع شعار وحدة المسلمين.
2 - سياسيا رفع شعار تحرير فلسطين لما كان يعرفه من مكانة فلسطين في الوجدانين العربي والإسلامي من تأثير عاطفي يرتبط بالموقع المقدس للمسجد الأقصى في عقيدة المسلمين.
3 - ثالثا إعلانه العداء للشيطان الأكبر والمستكبرين الغربيين والشرقيين على حد سواء، وبدأ بخطة تسويقه هذه البضاعة على أنها دفاع عن المستضعفين في العالم كله، على الرغم من أنه كان ينطلق من حسابات إيرانية خالصة لم تخرج من حدود إيران، بسبب ما شاب العلاقات الإيرانية الأمريكية من اختلال سياسي واقتصادي.
نعم انطلت هذه الشعارات على الحركات الإسلامية وبخاصة في الوطن العربي، لا سيما التنظيم الدولي لحركة الاخوان المسلمين والتشكيلات المحلية لها، وتوابعها من جمعيات ومنظمات وبعض من يحبون أن يوصفوا بأنهم مفكرون إسلاميون، فقد سارعت شخصيات من هذه المنظمات أفراداً وجماعات إلى تشكيل وفود لزيارة طهران وتقديم التهاني للخميني بنجاح الثورة، وفسرت أجهزة الدعاية المرتبطة بمكتب الخميني على أن هذه الزيارات كان لغرض تقديم البيعة له على السمع والطاعة إماما لكل المسلمين كافة، ولقد تحمست حركة الاخوان المسلمين بما فيها الفرع السوري في هذا التوجه المنحرف، إلى أن حصل الفراق بين الطرفين بعد سلسة حوادث عانى فيها الاخوان المسلمون في سوريا من ويلات البطش الأسدي والذي وصل مرحلة متقدمة عندما تراصف النظام السوري مع إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية، فرد الإيرانيون الجميل لنظام الأسد الأب بدعم مفتوح لا سيما عندما سارعت الحكومة الإيرانية لتقديم الدعم لحكم الأقلية العلوية في قمع الشعب السوري والذي بلغ ذروته في أحداث ثورة الشعب السوري على نظام الأسدين القمعي عام 2011، حينذاك اكتشف الاخوان السوريون حجم الخطأ الذي ارتكبوه بمراهنتهم على إسلامية النظام الذي جاء به الخميني إلى إيران، ومدى الضرر الذي أُلحقه بالإسلام والصورة التي يحاول الاخوان المسلمون تقديم الإسلام للعالم كدين وسطي ينبذ التطرف، وإذا بهم يكتشفون أنهم على متن أكثر المراكب صناعة للإرهاب الدولي وتسويقا له.
وفيما يتصل بالشعار الأول فقد مارس النظام سياسة التقية بأعلى درجاتها لخداع المسلمين وتمرير برنامجه الفقهي الذي اخترعه ولم يحظ بموافقة معظم المراجع الشيعة الكبار في النجف وقم، بل اعتبروه بدعة لا أساس لها في الفقه الجعفري الاثني عشري، ولقد أراد الخميني من هذه الخطوة فرض نفسه على أتباع جميع المذاهب الإسلامية، من خلال خطاب شعبوي فيه من الغوغائية السياسية أكثر مما فيه من الاجتهاد الفقهي، وإذا ما راجعنا خطوات إيران للتعبير عن معنى وحدة المسلمين، فقد قال الخميني في كتاب "تحرير الوسيلة" بالنص (أما النواصب والخوارج لعنهم الله فهما نجسان من غير توقف)، وقال "الرسائل" (مخالفة العامة من مرجحات باب التعارض)، وفي كتابه "الحكومة الإسلامية"، قال (لأئمتنا مقام لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل)، وهذه الفكرة لا يقول بها المسلمون.
وفي مجال التطبيقات فقد أقدم على عدة خطوات كرست في محتواها وفي نهايتها معنى التمزق لا الوحدة، فعلى سبيل المثال جاء إلى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، إذ تم إقرار عيد الوحدة الإسلامية والذي جعله يبدأ بيوم الثاني عشر من ربيع الأول وهو عيد المولد النبوي لدى المسلمين والسابع عشر من الشهر نفسه وهو الذي يحتفل به الشيعة، فتم تكريس التفرقة تحت لافتة الوحدة، وغير هذا هناك مواقف وتصرفات تقع في الإعلام الإيراني تحت عنوان الوحدة ولكنها في حقيقتها معاول تضرب بصرح الوحدة الإسلامية بكل قوة، فضلا عن موقف التعالي على المسلمين ومحاولة السطو على إرادتهم وقناعاتهم.
وربما من المفيد أن أذكر هنا أن بعض الوفود التي زارت طهران اقترحت عليه استبدال اسم الخليج من الخليج الفارسي الذي تعتمده إيران إلى اسم الخليج الإسلامي، لكنه رفض مجرد الخوض في هذه الفكرة أصلا، على الرغم من أن إقليم فارس لا يمتلك إطلالة على الخليج العربي، فالخليج بشاطئيه عربي الأرض والسكان وما زال، ولكن المقص البريطاني الغادر هو الذي ألحق إقليم الأحواز العربي الذي تبلغ مساحته 375 ألف كيلو متر مربع بإيران عام 1925.
ووسط هذه الكثافة من الوفود التي تجشمت عناء السفر إلى طهران لتقديم فروض الطاعة للخميني، وجد أن سعادته تتحقق عندما يرى أن اسمه يتكرر في أجهزة الإعلام العالمية، ويصبح الشغل الشاغل لمختلف الجهات والمنظمات الدولية، فقد توصل فريقه السياسي إلى قناعة بأن وسائل الإعلام في دول العالم الثالث ومهما علا شأنها، فإنها تبقى ذات طابع محلي أو إقليمي في أحسن حالات صعودها، فهي لا تمتلك امكانية الانتشار الذي تتمتع به أجهزة الإعلام الغربية لأسباب عديدة، بسبب الهيمنة الأمريكية والأوربية فنياً وتقنيا ومالياً وسياسياً، فرأى الخميني أنه يجب أن يتوجه إلى افتعال أحداث كبيرة لها قابلية استقطاب الاهتمام الدولي سياسياً وإعلامياً، حتى رأى أن ضربته الأكثر فعالية ستكون في وضع واحد من تحدياته المعلنة موضع التنفيذ، فوجد ضالته في التعرض لمبنى السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز العاملين فيها، فكان ذلك الحدث الشغل الشاغل لأجهزة الإعلام الدولية وليس الأمريكية فقط، وربما أرضى هذا الاهتمام طموح رجل مغمور خرج من المجهول ليتحول إلى الخبر الأول على قنوات التلفزيون الأمريكية والأوربية.
وبعد أن حقق لنفسه دائرة واسعة للعلاقات العامة، عمد النظام الإيراني على فتح الصفحة الثانية وهي فتح نارا سياسية على العراق كان يختزن كثيرا من وقودها منذ أن كان يعيش في العراق لاجئا سياسيا أو دينيا كان مطاردا في بلده فلم يجد بلدا يؤويه إلا العراق، وفي تسارع كبير تحولت تلك المعركة، إلى نيران حرب استمرت ثماني سنوات بلا هوادة، كادت تجر إليها أطرافا شرق أوسطية في منطقة الخزان النفطي الأكبر والأكثر أهمية في حسابات الطاقة الدولية.
واعتمد فريق الخميني السياسي في ذلك على قياس بائس، وهو أن من أسقط الشاه في إيران، سيكون بمقدوره إسقاط نظام الرئيس صدام حسين بسهولة أكبر من خلال الدعم الذي ستحصل عليه إيران من شيعة العراق، فارتفعت في الأجواء تصريحات سياسية لكبار مسؤولي الدولة عن بطلان اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران لعام 1975، لأنها وقعّت بين نظامين طاغوتيين، أحدهما تم اسقاطه والثاني في طريقه إلى السقوط، ولذا أطلق دعوات في نداءات متتابعة أذيعت من أجهزة الإعلام الإيرانية موجهة إلى "شيعة العراق" بالامتناع عن تسديد الضرائب وفواتير الماء والكهرباء والتلفون، وأدت تلك الدعوات الساذجة إلى رد فعل مضاد تمثل بتسديد الفواتير المتراكمة.
وبقدر ما اهتمت أجهزة الإعلام العربية والدولية ببعض التفاصيل الصغيرة من المشهد الإقليمي، وارتفاع حدة التوتر إلى أقصى درجاتها، كان ذهن القيادة العراقية منصرفا لدراسة كل ما يصدر عن طهران من تصريحات حماسية موجهة ضد العراق، لكن ما صدر عن الخميني من آراء تتعلق بجوهر العقيدة الإسلامية التي تنص على (بسم الله الرحمن الرحيم، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، فقد كان طموح الخميني يتعدى الساحة العراقية إلى ما هو أبعد بكثير، وأن جميع الدول الإسلامية كانت في متناول خطط الهيمنة الإيرانية، فقد كرر الخميني في خطبٍ وأحاديث مع أنصاره، فكرة خطيرة جدا وهي أن جميع الأنبياء والرسل قد أخفقوا في تأدية رسالاتهم، وأن "صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف" هو الذي سيكمل تلك المهمة، هذه الفكرة تعني أن "نائب الإمام بالحق" وهو الخميني نفسه، هو الذي سينهض بهذه الوظيفة المقدسة، وتأسيسا على هذه الفرضية التي أوكلها الخميني لنفسه ولإيران، فقد تأكد لكثير من دارسي الظاهرة الخمينية أن الرجل مصاب بداء العظمة، ومن هذه النقطة بدأت نوايا الشر بدأت تطل برأسها بقوة تجاه العراق من جاره الشرقي، ولتنطلق إلى الآفاق البعيدة، على الرغم من أن العراق بادر عبر القنوات الدبلوماسية لتقديم التهنئة للخميني بإسقاط نظام الشاه وذلك عندما بعث الرئيس أحمد حسن البكر رحمه الله برقية تهنئة للخميني، الذي أجاب ببرقية جوابية تكّفر النظام الوطني وتخلو من القيم الإسلامية التي حددها الله سبحانه وتعالى عندما قال في محكم كتابه العزيز، فقال بسم الله الرحمن الرحيم "وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوها"، وذلك عندما ختم الخميني برقيته بالقول والسلام على من اتبع الهدى.
و دخلت العلاقات العراقية الإيرانية مرحلة عدم اليقين، إذ لم تعرف فيه حدود البلدين استقرارا حقيقيا وطويلا، وكأنهما مكتوب عليهما أن يعيشا توترا متصلا، يستقطب فيه دخول أطراف إقليمية أو دولية، فالتصريحات النارية التي كان يطلقها الخميني بمناسبة ومن غير مناسبة، عن قضيتين مترابطتين ارتباطا راسخا، هما شعار تصدير الثورة "الإسلامية"، والثاني اعتبار اتفاقية الجزائر لعام 1975، باطلة لأنها وقعت بين نظامين طاغوتيين، أشعلت ضوءا أحمر في نهاية الطريق يحذر من أن السير فيه من دون حذر مضاف قد يعني السقوط في منحدر سحيق، فكأي نظام يشعر أن الأصوات الآتية من حدوده لا تشبه ما كان يرد منها من قبل، لا بد وأن يُخضع الأمر لإعادة تقييم استراتيجي، وهذا ما حصل.
ففي غضون أشهر معدودة، فَقدَ النظامُ الإيراني فضيلة الصبر، وبدأ بتنفيذ خطوات استفزازية على طول الحدود، ويبدو أنها كانت تجسيدا لشعار تصدير الثورة، والذي أُلحق بشعار يخص الساحة العراقية وحدها عندما رُفع شعار آخر وهو شعار "طريق القدس يمر في كربلاء" وكان هذا الشعار متحركا حسب ما تقتضيه الحاجة الإيرانية، فتارة يمر طريق القدس عبر بغداد وتارة أخرى تتوسع الطموحات الإمبراطورية، حتى انحرف مسار الطريق إلى الجنوب ليمر في مكة المكرمة وأحيانا ينزل جنوبا أبعد إلى اليمن، وأخرى يصعد شمالا فيصل إلى إدلب والقصير في سوريا، ومن يدري قد يصل إلى حد المرور في جاكارتا شرقا وتارة لا بد أن يمر في الرباط وطنجة في المغرب.
وتأسيسا لهذا المشروع التوسعي، فقد تعرضت مدن عراقية حدودية لقصف مدفعي عنيف من مدفعية بعيدة المدى من عيار 175 ملم الأمريكي الصنع، والمدفع الروسي 130ملم، ونتيجة لهذا القصف الذي تعرضت له مدن العراق ابتداءً من خانقين شمالا إلى البصرة جنوبا، فقد حصلت هجرة جماعية من معظم المدن الحدودية، ويبدو أن الزعامة الدينية الإيرانية أرادت اختبار مدى صبر القيادة العراقية، لكنها كانت تستحضر من داخل أدراج قيادة الأركان السابقة، كل نوايا العدوان على العراق، استنادا إلى خطط عسكرية معدّة من عهد الشاه، إلا أن القيادة العراقية ما كانت لتتردد في أداء واجبها في الدفاع استقلال البلاد وصيانة كرامة شعبه والمحافظة على الأمن الوطني والقومي، ومع ذلك سعت إيران بكل ما تمتلك من قدرات لإيصال الوضع إلى أقصى درجات التأزم، ولعلّ الحدث الأكثر مغزى هو الذي تم فيه إسقاط طائرة حربية إيرانية من طراز F5، بتاريخ 4 أيلول/ سبتمبر 1980، أي قبل نشوب العمليات العسكرية الكبرى بعدة أسابيع، واحتفظ العراق بقائد الطائرة "حسين علي رضا لشكري" أسيرا لأنّه يعد أهم وثيقة على بدء إيران للحرب حتى تم إطلاق سراحه عام 1998.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق