رحيل حارس المبادئ: عوني القلمجي (أبا عمر) ومسيرة نضال لا تنطفئ
نادية الصمادي
تنعى الساحات الوطنية والقومية، ببالغ الحزن والأسى، المفكر والمناضل العراقي البارز عوني القلمجي (أبا عمر)، الذي وافته المنية بعد مسيرة حافلة بالتضحيات والعطاء الفكري والسياسي. برحيله، تفقد الحركة الوطنية العراقية والعربية واحداً من أصلب رجالاتها الذين لم يساوموا يوماً على ثوابتهم، وظلوا متمسكين بهوية العراق وعروبته حتى الأنفاس الأخيرة.
مسيرة حافلة بالالتزام الوطني والقومي
عُرف الراحل الكبير "أبو عمر" بمواقفه المبدئية والصلبة منذ بدايات وعيه السياسي. انخرط في العمل الوطني والقومي مبكراً، مدفوعاً بإيمان عميق بحق الشعوب في الحرية والعدالة والسيادة. عاصر عوني القلمجي محطات مفصلية من تاريخ العراق الحديث، وكان في كل منعطف يختار خندق الشعب والدفاع عن كرامة الوطن، رافضاً كل أشكال التبعية والوصاية والاحتلال.
لم يكن القلمجي مناضلاً ميدانياً وسياسياً فحسب، بل كان مفكراً وكاتباً استثنائياً. سخر قلمه لخدمة قضايا الأمة، وتميزت تحليلاته ومقالاته بالعمق، والقراءة الاستشرافية الدقيقة للأحداث، والجرأة في قول الحق. كان يرى في الكتابة سلاحاً لا يقل أهمية عن النضال السياسي، فخاض بقلمه معارك فكرية شرسة ضد الطائفية، والمشاريع الاستعمارية، ومحاولات تمزيق النسيج الاجتماعي العربي.
المفكر الذي لم تغيره الغربة
رغم سنوات الغربة والمنفى والابتعاد القسري عن ثرى العراق، بقي قلب "أبي عمر" يخفق بحب بغداد. لم تثنِهِ الغربة عن مواصلة دوره التوعوي والتنظيمي، فظل صوتاً هادراً لشعب العراقي، ومدافعاً شرساً عن المقاومة الوطنية، ومنبراً يلتجئ إليه الشباب الباحث عن فهم عميق لجذور الأزمات وكيفية الخروج منها.
امتاز الراحل بـ:
النزاهة والترفع: ترفعه عن المكاسب والمناصب، مفضلاً نظافة اليد والموقف.
الرؤية الوحدوية: إيمانه الراسخ بأن نهضة العراق لا تنفصل عن عمقه العربي والإسلامي.
الوضوح الفكري: رفضه للمساومات الرمادية، ومجاهرته بمواقفه دون مواربة.
إرث باقٍ في قلوب الأحرار
إن غياب عوني القلمجي جسداً لا يعني غيابه فكراً؛ فالأفكار العظيمة لا تموت برحيل أصحابها. يترك الراحل خلفه مكتبة من المقالات، والدراسات، والمواقف التي تمثل مرجعاً لكل باحث عن الحرية والكرامة الوطنية.
"رحل عوني القلمجي ويده قابضة على جمر المبادئ، لم ينحنِ للعواصف ولم تغره الإغراءات، فاستحق أن يخلده التاريخ في سجل الشرفاء."
نعزي أنفسنا، وعائلة الراحل الكريمة، ورفاق دربه، والشعب العراقي والأمة العربية بهذا المصاب الجلل. ستبقى سيرة "أبا عمر" نبراساً يضيء طريق الأجيال القادمة نحو عراق حر، مستقل، وعربي.
رحم الله الفقيد الكبير وأسكنه فسيح جناته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق