الجمعة، 2 يناير 2026

الخيانة حين تتخفّى بالأعذار*

 

 الخيانة حين تتخفّى بالأعذار*


ما فعله نواف الزيدان

ليس تفصيلًا في فوضى الاحتلال، ولاحادثة يمكن دفنها تحت ركام التبريرات، بل لحظة كاشفة لانهيار أخلاقي كامل.

القضية لم تكن يوما عدي أو قصي ولاموقفا من نظام، القضية كانت بسيطة وواضحة

عدو أجنبي قطع آلاف الأميال ليحتل بلدا، وطارق باب استجار بصاحبه، هنا لا تُقاس المواقف بالسياسة بل بالكرامة، إما أن تكون إنسانا

أو تتحول إلى أداة، كل ماقيل وسيُقال لتبرير هذا الفعل ساقط. الخوف لايصنع مخبرين ولا يحوّل البيوت إلى إحداثيات عسكرية

عدم تأييد النظام لايمنحك رخصة لتكون دليلًا للاحتلال فالخيانة لا تُقاس بموقفك من السلطة بل بموقفك من العدو، أما ادعاء الانتقام للعراقيين، فهو أقذر الأكاذيب، لأن من يتحدث عن الانتقام كان أصلا ينعم بخيرات النظام، ويُحسب عليه وعاش آمنا في ظل حتى دخل المحتل، فاكتشف فجأة ضميرا وطنيا متأخرا.

هذا ليس انتقاما بل انتهازية رخيصة، قفز من مائدة إلى أخرى، ومن سيد إلى سيد مع فارق أن السيد الجديد محتل، ومن يريد أن ينتقم لشعب، لايفعل ذلك بتسليم مستجير، ولابتحويل البيت العراقي إلى فخ ولا بالوقوف في صف من دمّر المدن ونهب الدولة وأهان الناس.

ثم تأتي القذارة الكاملة

حين نعرف أن الوشاية لم تكن مجانية بل صفقة

ملايين الدولارات مقابل تسليم ضمير مقابل رصيد، وشرف مُسعَّر بالدولار، هنا يسقط آخر قناع، لاخوف، ولاوطن، ولاانتقام، مجرد تجارة سمسرة خيانة وبيع معنى الرجولة بثمن الاحتلال لم يشترِ معلومة، بل اشترى رجلا واستخدمه ثم رماه، كما يُرمى كل من يظن أن الخيانة يمكن أن تكون موقفا، أو مهنة، العار الحقيقي ليس في الأشخاص ولا في التاريخ بل في محاولة تبرير الفعل وتقديم الخيانة كحكمة، أو نجاة

أو موقف وطني.

الاحتلال يرحل والأنظمة تتغير، لكن من سلّم من استجار به وقبض الثمن

يبقى اسمه مرادفا للسقوط لاأكثر.


سيبدأ نواف بعرض روايته على شكل سرد ممنهج، حلقة بعد أخرى، وسيحرص على ذكر كل ما يدّعي أنه سيئ وسيضخّم ويبالغ وربما يؤلف، لا بحثا عن حقيقة بل دفاعا عن صفقة.

هذا النوع من السرد لا يُقدَّم لكشف الوقائع بل لبناء مرافعة نفسية تبرر فعلا لا يُبرَّر، لأن من قبض ثمن الوشاية لايكفيه أن يقول فعلت، بل يحتاج إلى مسلسل كامل ليُقنع نفسه قبل غيره.

أن الخيانة كانت ضرورة

وأن بيع المستجير كان خيارا أخلاقيا.

ولو وُجدت إساءات، ولو وُجدت تجاوزات، ولو كانت الشخصيات سيئة، فذلك لا يغيّر جوهر الفعل، ولا يحوّل البيت إلى فخ، ولا المال إلى مبدأ.

العدو لا يصبح أقل احتلالًا، لأن الرواية قُدمت في برنامج ولا الخيانة تُغسَل بعدد الحلقات، ولا بكثرة الكلام.

من يسلّم من احتمى به ثم يقبض الثمن لايملك رواية بل ذريعة مصوّرة، ولاشهادة، بل دفاعا طويلا عن عار ثابت.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق