أحلاف جديدة تُعقد وأخرى قديمة تغرق في أعماق البحر الأحمر/ 6
د. نزار السامرائي
الجزء الأخير
ومع التحولات السياسية التي شهدها العالم في نهاية عقد السبعينيات انتهى العرس الغربي مع شاه إيران، بعد أن رأى الغرب أن طموحات الشاه أكبر من أن يحتملها، فاندلعت ثورة الشعب الإيراني في خريف 1978، وفي نهاية السنة نفسها بدأت المنطقة بما فيها المملكة العربية السعودية، تسمع خطابا سياسيا طارئا عليها منذ وصول الخميني إلى باريس ومن هناك إلى الحكم في إيران، سبب قلقا مشروعا نتيجة امتلاء فضاء الشرق الأوسط بشعارات نارية أطلقها الخميني حتى قبل أن يمسك بتلابيب الحكم في إيران، كلها تركز على هدفه النهائي بتصدير النموذج الإيراني إلى الخارج بالقوة، ثم جاء اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في الرابع من أيلول 1980 وكأنها التأكيد الميداني على وضع الخطة على طريق التنفيذ وبذلك فقد انتهى عقد من الفوائض المالية التي أحدثت قفزة كبيرة من النهضة العمرانية خاصة في دول الخليج العربي.
وترافق ذلك مع الانجازات العلمية التي حققها الانسان في ثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى بوابات مفتوحة على بعضها، وكانت السعودية تتعامل مع دول الخليج العربي التي استقلت حديثا بمنطق أبوي، أو على الأقل بمنطق الأخ الأكبر الذي يمنح نفسه حق النيابة عن أبيه في ملفات كثيرة فيرفض ما يشاء ويُجيز ما يشاء، ويتحفظ على ما لا يراه موافقا لطموحاته ومصالحه، ولكن الإمارات المتصالحة كما كان يُطلق عليها قبل حصولها على الاستقلال، بدأت تفكر بطريقة أخرى بعد أن شهدت هي أيضا تراكم الثروة لديها، راحت تفكر لنفسها بدلا من أن يُخطط لها أحد من خارج الحدود، حتى ولو من جانب الأخ الكبير فقد وصلت تلك الدول سن الرشد كما ترى، مما يؤهلها لاتخاذ أصعب القرارات، لأنها وجدت نفسها تمتلك ما لدى السعودية من فائض الثروة وشحة الموارد البشرية، وبالتالي لم تجد في استمرار الحال على هذا المنوال أمرا لم يعد مقبولا.
حصل كل هذا من قبل أن تكون السعودية قد أجمعت أمرها فاتجهت إلى تشكيل أول حلف من داخل بيئة جامعة الدول العربية، ولكن المراقب سيفاجئ بأن الكيانات السياسية المنضوية تحت لواء هذا الحلف أو لنقل التكتل السياسي الاقتصادي الاجتماعي الذي يمتلك طموحات عسكرية متواضعة من خلال "قوات درع الجزيرة"، هي نفسها كانت بحاجة إلى ضمانات لأمنها الوطني والإقليمي، بسبب شعورها بالتهديد الخارجي لما تمتلكه من ثروة القرن وشحة في عدد السكان وصغر في المساحة.
ومع ذلك فإن هذا المجلس لم يكن أعضاؤه منسجمين مع بعضهم، لأن المقص البريطاني فعل فعله في إيجاد مشكلات مستعصية على الحل، لأن الجميع يظن أن له حقا في ممتلكات الغير تم منحها لغيره بقرار متعسف من الحاكم البريطاني الذي كان يمتلك حق الفرض والرفض والمنح والحجب، لا سيما بعد ظهور الثروة النفطية التي انهالت على البعض من دون عدالة كما يرى، فاشتعلت حالة التحاسد بين أبناء العمومة الأقارب، وظن المراقبون أن تكدس الثروة بيد الأمراء والحكام سيؤدي إلى نهضة اجتماعية وتعليمية تتناسب مع المداخيل، مما سيطرح لساحة العمل جيلا جديدا من الكوادر المؤهلة لقيادة المجتمع الجديد، ولكن من راهن على هذه النتيجة سرعان ما اصطدم بحقيقة أن النخب الجديدة، كانت أكثر تعصبا لكياناتها الصغيرة وراحت تؤدلج الخيارات الخاطئة لقياداتها وتمنحها شرعية التمسك بما وقع تحت يديها، من دون أن تنسى ما تعتبره حقوقا مغتصبة.
منذ أكثر من أربعة عقود من عمر الخليج العربي، أي منذ تشكيل مجلس التعاون الخليجي عام 1981 والذي فُسر حينها بأنه أول رد فعل إقليمي على ما جرى في إيران من فوضى شاملة أدت إلى سقوط الشاه والإتيان بالخميني على رأس السلطة في البلاد، لا سيما بعد أن ارتفعت في سماء طهران شعارات ثورية تم تثبيتها لاحقا في الدستور، تدعو إلى سيطرة إيران على الخطاب الإسلامي واحتكار تمثيله في العالم الإسلامي كله بقيادة الخميني تحت شعار "ولاية الفقيه"، عاشت منطقة الخليج العربي تحت ضغط أزمة مزدوجة ناتجة عن قلق مشروع من تأثيرات ذلك المشروع.
في ذلك الوقت عاشت المملكة العربية السعودية شعورا بالقوة ربما بالغت به كثيرا، ويأتي في مقدمتها أنها ومن خلال وجود الحرمين الشريفين في الحجاز تستطيع القول بأنها تمثل الإسلام ولا يستطيع أحد أن ينازعها هذه المكانة، غير أن هذه الحقيقة قد لا تدخل في حسابات القوى الدولية الكبرى التي لا يقيّدها شيء في تنفيذ استراتيجيتها، وهناك عوامل أخرى تستطيع السعودية الحديث عنها في كل المحافل العربية، منها ما يتعلق بما تمتلكه من ثروة نفطية هائلة، وفوائض مالية كبيرة، ومن سلاح وصل إليها أو ما وُعدت به من صفقات جديدة، أو رقعة جغرافية شاسعة وإطلالة بحرية طويلة على الخليج العربي والبحر الأحمر.
لكن السلاح وحده ومهما بلغت حداثته وقوته التدميرية، لا يشكل إلا جانبا واحدا من عوامل القوة، لا سيما إذا تعلق الأمر بسلاح الجو، فالقوة لا تقتصر على امتلاك الطائرات الحديثة، بل يجب أن يقترن ذلك بتأسيس قوات مسلحة متكاملة الصنوف، ويبقى سلاح المشاة هو سيد الصنوف، كما يقول العسكريون، أو كما قال لي أحد أصدقائي العسكريين الكبار، ترتفع سارية العلم فوق آخر نقطة يصل إليها جندي المشاة.
هذا حكم عام لكل جيوش العالم، ولكن هناك استثناءً واحدا، وهو ما يتعلق بإسرائيل، وربما يمكن التعامل مع الظاهرة العسكرية الإسرائيلية بطريقة مختلفة جدا، فنظرا لعدد السكان المحدود وعدم توفر فرصة لمزيد من التجنيد وانعدام العمق الجغرافي الاستراتيجي، أو نتيجة لبعده عن إسرائيل إذا افترضنا أن الولايات المتحدة يمكن أن تعوض هذا العمق بسبب ما يربط بينهما من وشائج لن تهتز مهما تأزمت علاقات أي رئيس أمريكي مع أي رئيس للوزراء في إسرائيل، لهذه العوامل تم التركيز على سلاح الجو ليكون الذراع الطويلة لإسرائيل على الأقطار العربية مجتمعة، ليس هذا فقط بل لأن الاستراتيجية الأمريكية، ترى في إسرائيل حاملة طائرات فوق اليابسة في منطقة حيوية جدا لمصالح الولايات المتحدة وخطا دفاعيا مشتركا في منطقة تضم أكبر خزان نفطي في العالم.
ولأن الولايات المتحدة لم تتأخر في الماضي عن تقديم النجدة لإسرائيل في كل مأزق سياسي وعسكري مرت به، كما حصل عام 1973 عندما كادت الكفة أن تميل لصالح العرب في حرب أكتوبر، فقد أقامت الولايات المتحدة أكبر جسر جوي في تاريخها بعد الحرب العالمية الثانية، لنقل العتاد الحربي على عجل من مخازن القواعد الأمريكية في أوربا، غير ما كان يتدفق عليها من الولايات المتحدة نفسها، وخاصة بعد أن همست گولدا مائير بإذن هنري كيسنجر بأن عليه أن يتذكر أنه يهودي وأن إسرائيل لديها السلاح النووي وبكميات تكفي لقصف عدة عواصم عربية ما لم تعد كفة التوازن بين الطرفين إلى ما كانت عليه قبل الحرب، فهم كيسنجر الرسالة فأوصلها على عجل إلى الزعماء العرب المعنيين بالأمر مع تحسينات في النص كي تؤخذ الرسالة على محمل الجد.
ومرت المنطقة العربية منذ تسعينيات القرن الماضي بأحداث مفصلية، أدت إلى تحقيق هدف الغرب الاستراتيجي المتمثل بإخراج العراق من معادلة الأمن القومي العربي، حتى بدا للمراقب إن العراق هو القوة التي كانت تصنع التوازن الإقليمي وتمنع الاختراق الخارجي، وما كاد القرن الواحد والعشرون يطل برأسه على عالمنا، إلا وكانت مناطق كثيرة تفور بالأزمات خاصة بعد خروج الاتحاد السوفيتي من معادلة التوازن الاستراتيجي الدولي وإصرار الولايات المتحدة على اعتبار القرن الحالي قرناً أمريكياً خالصاً لا ينازعها أحد فيه، وتحت لافتة الربيع العربي دخلت المنطقة في دوامة لا قرار لها، فسقطت نظم وطنية وأخرى فاسدة، والتبست الصورة على المواطن العربي البسيط الذي استعصى عليه الفرز بين الخطأ والخطيئة، ولعبت في المشهد أحيانا المصالح المتضاربة التي لم تفقد من رصيدها شيئا وأحيانا من وراء ستار، عند ذاك كان نظام الرئيس علي عبد الله صالح يترنح تحت ضغط عواصف تهب عليه من الجهات الأربع، كثير منها مؤجلة والقليل منه مستحدث بفعل ما عاشته المنطقة العربية، وفي آخر المطاف سقط النظام بفعل توازنات محلية وإقليمية، عبرّ علي عبد الله صالح عنها بقوله كنت كمن يرقص فوق رؤوس الثعابين، بدأ الانقلابيون الحوثيون يستوردون أفكارا من خارج الحدود متأثرين بما يطرح من شعارات في إيران.
وعندما وجدت السعودية أن أمنها الوطني صار ضمن منطقة الخط الأحمر، دخلت على خط الأزمة اليمنية دفاعا عن نفسها ووحدة أراضيها بل دفاعا عن أمن الجزيرة العربية كلها، فأعلنت وسط أجواء احتفالية عن انطلاق عاصفة الحزم، ضمن تحالف عربي متعدد الأهواء والأهداف استنادا إلى فرضية أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي كواكب تدور في فلكها استنادا إلى حسابات قديمة، من دون أن تأخذ بنظر الاعتبار أن هذه الدول بعد أن ذاقت طعم الثروة والسلطة، تكونت لها حساباتها الخاصة ومصالحها التي قد تتصادم مع مصالح بعضها البعض، وهكذا آلت عاصفة الحزم إلى فشل سريع كما بدأ تحالف العاصفة سريعا، ولم يبق في التحالف العربي إلا لسعودية التي صار عليها أن تدفع ثمن تصديها للحركة الحوثية الإرهابية منفردة فتحولت مدنها الجنوبية إلى أهداف ثابتة للصواريخ والمسيرات الإيرانية من جبال اليمن، كما تم استهداف المنطقة الشرقية الغنية بالنفط بما فيها منشآت أرامكو وسط صمت أمريكي أثار دهشة المراقبين.
بل أن الحوثيين لم يرعوا حرمة المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، وذلك بإطلاق الصواريخ والمسيرات نحوهما بصلف تخطى كل الحدود الأخلاقية والدينية والقانونية، وعندما أيقنت السعودية أنها تقاتل لوحدها عدوا يرتدي قناعا يمنيا وفي حقيقة الأمر أنها تواجه إيران بكل ما تحمله من أوهام التوسع، وصلت الرياض إلى يقين أنها تستدرج إلى حرب استنزاف بلا نهاية، ولكنها لم تنجح بتحقيق أهدافها، عند ذاك لجأت إلى الوساطة الصينية من أجل التوصل إلى هدنة مؤقتة مع الحوثيين عبر تحرك عاجل مع إيران، ولكن إيران ومعها كل أدواتها وأذرعها، لا يمكن أن تلتزم بأي تعهد تقطعه، حتى لو وقعّت عليه في أضرحة النجف أو كربلاء أو مشهد.
ويبدو أن السعودية قرأت في التاريخ القريب لعلاقاتها مع دول العالم فلم تجد حليفا أصدق لها من باكستان لأن السعودية راهنت على أن باكستان ستحمل اسم الدولة النووية الإسلامية الأولى فأغدقت عليها المليارات من دون حساب وبالتالي ستحفظ لها الود في الملمات، فوّقعت معها اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك أيلول/ سبتمبر 2025 بقصر اليمامة في الرياض من قبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وهدفها الأساسي المعلن أن "أي اعتداء على أي من البلدين يُعد اعتداءً على كليهما"، ولما تواصلت الاعتداءات الإيرانية المسجلة باسم الحوثي، بلا رادع حقيقي، وظهرت حقيقة الخذلان الباكستاني للسعودية، راحت الرياض تبحث عن جهات تعزز بواسطتها جدار الحماية فتم توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 آب/أغسطس 2026، بقصر الصفا في مكة المكرمة بعد أن انضمت تركيا إليه، ليؤسس حلفا دفاعيا ثلاثيا لتعزيز الأمن الإقليمي وترسيخ الردع، ولكن هذا الحلف وبعد سويعات على توقيع وثيقته تعرّض لأول امتحان جدي لمصداقيته، بل ربما حصل ذلك أثناء التوقيع الثلاثي على الوثيقة، وهكذا تأكد فشل الاحلاف الإقليمية في تحقيق أهدافها، مما يستدعي الاتجاه نحو برنامج وطني للدفاع عن النفس، فقد أثبتت التحالفات السابقة إخفاقها في تأدية أبسط واجباتها، فحلف بغداد السابق لم يوفر للعراق مواجهة حادثة 14 تموز 1958، كما أنه لم يقف إلى جانب تركيا عند نشوب نزاعها مع اليونان، وكذلك كان موقفه من الحرب الهندية الباكستانية التي نشبت عام 1965 أو تلك التي أدت إلى هزيمتها مطلع السبعينيات وانسلاخ باكستان الشرقية ونشوء بنغلاديش، وهنا لا بد من طرح سؤال بسيط ولكنه جوهري في المعادلة السياسية الدولية، ما هي قيمة الأحلاف الجماعية في نصرة أعضائها إذا تحقق واحد من شروط الاسناد المتبادل، الجواب بنفس البساطة، لا شيء بالمرة، فكل حلف يُعقد سيكون لكل من أطرافه، أهدافه الخاصة لا يجرؤ على طرحها على الملأ ولكنه يفعل ذلك في القاعات المغلقة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق