مكاشفة
ناجي صبري الحديثي... الرجل الذي حمل العراق إلى موائد العالم
هاتف الثلج
قبل أن تتكلم البنادق، كانت الكلمات تخوض حروبها الهادئة. وقبل أن تُرسم الخرائط بالنار، كان هناك رجال يرسمونها بالحجة، ويؤجلون سقوط الأوطان بما يملكون من عقل ومعرفة وبلاغة. في تاريخ الدول شخصيات تعبر المناصب كما يعبر المسافر الجسور، فلا تترك أثراً في الذاكرة، وشخصيات أخرى تتحول إلى جزء من الذاكرة نفسها، لأنها لم تكن مجرد موظفين في جهاز الدولة، بل كانت تعبيراً عن مرحلة كاملة بكل ما فيها من صعود واختبارات ومواجهات.ومن هذا الطراز يبرز اسم الدكتور ناجي صبري الحديثي، بوصفه واحداً من أكثر الوجوه العراقية حضوراً في ميدان الثقافة والإعلام والدبلوماسية، ورجلاً تشكلت خبرته عبر عقود متصلة من العمل الفكري والإداري والسياسي، حتى أصبح اسمه مرتبطاً بواحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ الدولة العراقية الحديثة.السير المهنية لا تُقرأ باعتبارها قوائم من الوظائف، وإنما باعتبارها خارطة للعقل الذي انتقل من محطة إلى أخرى وهو يضيف لبنة جديدة إلى مشروعه الشخصي وخدمة دولته. وهكذا كانت رحلة ناجي صبري؛ بدأت من الجامعة محاضراً في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب في جامعة بغداد، مؤمناً بأن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب، بل جسر تعبر عليه الحضارات، وأن من يمتلك لغة الآخر يستطيع أن يخاطبه من موقع الند لا من موقع التابع.
وحين انتقل إلى لندن مستشاراً في السفارة العراقية خلال المدة الممتدة من عام 1975 إلى عام 1980، لم يكتفِ بأداء الواجب الدبلوماسي التقليدي، بل أسس الدائرة الصحفية في السفارة، ثم أسس المركز الثقافي العراقي عام 1977، ليؤكد أن صورة الدول لا تصنعها البيانات الرسمية وحدها، بل تصنعها الثقافة، والفكر، والكتاب، والفن، والحوار مع المجتمعات الأخرى. كما أسس ورأس تحرير مجلة أور الناطقة بالإنجليزية، التي قدمت الثقافة العراقية والعربية الحديثة إلى القارئ الغربي بلغة يفهمها ومنهج يحترمه.وعند عودته إلى بغداد، بدأ فصل جديد من العمل الثقافي. أسس دار المأمون للترجمة والنشر مطلع عام 1980، لتصبح واحدة من أهم المؤسسات العراقية التي نقلت المعرفة العالمية إلى اللغة العربية، ورسخت مفهوم الترجمة بوصفها صناعة حضارية لا عملاً هامشياً. وفي الوقت نفسه تولى رئاسة تحرير صحيفة بغداد أوبزرفر الناطقة بالإنجليزية، فكان يدير نافذة إعلامية تخاطب العالم، وتقدم الرواية العراقية بلغته، في زمن كانت فيه معركة الصورة لا تقل أهمية عن معركة السياسة.
ولم تتوقف مساهماته عند الإدارة الإعلامية، بل امتدت إلى تأسيس مجلة كلكامش باللغة الإنجليزية، المتخصصة بالثقافة العراقية الحديثة، وإلى منصب نائب رئيس اللجنة الوطنية العراقية للتربية والثقافة والعلوم، حيث جمع بين العمل الثقافي والإداري، مؤمناً بأن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات، وأن الأمم التي تهمل ثقافتها تضعف قدرتها على حماية سيادتها.وفي مطلع التسعينيات دخل مرحلة أكثر حساسية، فتولى إدارة الإعلام الخارجي، ثم أصبح وكيلاً لوزارة الثقافة والإعلام، قبل أن يعمل مستشاراً في ديوان رئاسة الجمهورية، وهي مسؤوليات فرضت عليه التعامل مع عراق يواجه عزلة دولية وضغوطاً غير مسبوقة، فكان عليه أن يوظف خبرته الإعلامية والثقافية في الدفاع عن صورة الدولة في الخارج، وفي إدارة خطابها أمام عالم تتغير موازين القوى فيه بسرعة كبيرة.ثم جاءت المحطة الدبلوماسية الكبرى عندما عُيّن سفيراً للعراق لدى النمسا، وممثله الدائم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، ومكتب الأمم المتحدة في فيينا. هناك برزت قدرته التفاوضية في واحدة من أكثر الساحات الدولية تعقيداً، حيث لم تعد اللغة مجرد وسيلة تعبير، بل أصبحت أداة لحماية المصالح الوطنية، وإدارة الملفات الحساسة، ومواجهة الضغوط السياسية والقانونية.وعندما تولى وزارة الدولة للشؤون الخارجية، ثم أصبح وزيراً للخارجية عام 2001، دخل العراق أخطر منعطف في تاريخه الحديث. كانت العواصف الدولية تتجمع، وكانت قرارات الحرب تُصاغ في العواصم الكبرى، غير أن ناجي صبري كان من أبرز الوجوه العراقية التي خاضت معركة الدبلوماسية حتى اللحظات الأخيرة، وساهم في الجهد السياسي الذي حال دون حصول الولايات المتحدة وبريطانيا على غطاء دولي صريح يضفي الشرعية على مشروع غزو العراق واحتلاله، وهو دور بقي موضع اهتمام لدى كثير من الباحثين في تاريخ تلك المرحلة، بوصفه مثالاً على استخدام أدوات القانون الدولي والخطاب الدبلوماسي في مواجهة قرارات القوة.ولم يكن رجل سياسة فقط، بل ظل المثقف ملازماً له في كل المناصب. فقد ترجم إلى العربية أعمالاً فكرية وأدبية مهمة، منها كتاب «عبقرية شو» لمايكل هولرويد، وكتاب «أوجه السيرة» لأندريه مالرو، كما نقل عدداً من المؤلفات العربية إلى اللغة الإنجليزية، مؤمناً بأن الترجمة ليست نقل كلمات، وإنما نقل رؤى وتجارب إنسانية، وأن الحضارات لا تتعارف بالسلاح، بل بالمعرفة.إن قراءة سيرة ناجي صبري بعيداً عن الاستقطابات السياسية تقود إلى حقيقة أعمق؛ وهي أن الدولة تحتاج دائماً إلى رجال يجمعون الثقافة والدبلوماسية والإدارة في شخصية واحدة. فالمفاوض الذي لا يقرأ يصبح أسيراً للنصوص، والمثقف الذي لا يعرف الدولة يبقى حبيس التنظير، أما الذي يجمع الاثنين فإنه يتحول إلى عقل مؤسساتي قادر على مخاطبة الداخل والخارج في آن واحد.
لقد مرت الدولة العراقية بمحطات شديدة التعقيد، وتعاقبت عليها أجيال من المسؤولين، لكن القليل منهم استطاع أن يترك بصمة تمتد من قاعات الجامعة إلى المنابر الدولية، ومن مراكز الترجمة إلى أروقة الأمم المتحدة، ومن الصحافة إلى وزارة الخارجية. وهذا التنوع في المسؤوليات لم يكن انتقالاً وظيفياً بقدر ما كان دليلاً على شخصية امتلكت أدواتها في أكثر من ميدان، واستثمرت المعرفة لخدمة موقعها، وخدمة الدولة التي مثلتها.تبقى الشخصيات الكبيرة مادة للتأمل أكثر من كونها مادة للجدل، لأن الزمن يعيد ترتيب التفاصيل، ويجعل الإنجاز المهني هو المعيار الأصدق في تقييم الرجال. وناجي صبري واحد من تلك الأسماء التي لا تُختزل في منصب، ولا في ظرف سياسي، بل تُقرأ بوصفها تجربة عراقية جمعت بين الفكر والثقافة والدبلوماسية، وقدمت نموذجاً للمسؤول الذي أدرك أن قوة الدولة تبدأ من قوة الكلمة، وأن هيبة الوطن تُبنى أيضاً في قاعات الحوار، وعلى طاولات التفاوض، كما تُبنى في ميادين أخرى. ولهذا يبقى حضوره في الذاكرة المهنية العراقية شاهداً على مرحلة كاملة، ورمزاً لمدرسة آمنت بأن الكفاءة والمعرفة والقدرة على تمثيل الوطن بأرفع صورة هي رأس المال الحقيقي لأي دولة تسعى إلى أن يبقى صوتها مسموعاً في العالم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق