حوار بين الاسلاموي والعروبي
د ـ فالح حسن شمخي
( الجزء الاول )
لم تكن الحركات والأحزاب الإسلاموية وما يعرف ( بالإسلام السياسي ) التي ظهرت على الساحة العربية وليدة ما تمر به أرضنا العربية اليوم جراء محاولة الاستيلاء على مقدراتنا وثرواتنا ومحاولة إلغاء هويتنا الوطنية والقومية وحسب ، بل اضافة الى ذلك ولأجله جاءت نتيجة التفسيرات المختلفة للاسلام الرسالي المحمّدي الحنيف على يد البعض من الذين تفقهوا بالدين وارتبطوا باجندات اجنبية بعضها عالمي والاخر اقليمي وبالاجهزة التابعة لكل منها. وهذه حركات وأحزاب كانت موجودة منذ النهضة العربية الحديثة ، لكن وجودها هذا امتاز بالتحجر إزاء الكثير من الأمور المهمة في حياة امتنا وشعبنا و التي تتطلب منا دراسة القوانين المحركة لواقع هذه الحركات والاحزاب ، بهدف إيجاد نظرية عمل مرحلية واستراتيجية تؤمن للإنسان العربي مستقبلاً افضل مبنياً على جوهر تعاليم ديننا الحنيف و المفاهيم قوميتنا المدنية المعاصرة ، ودحض ما نتج عن الحركات الاسلاموية من تشويه وانحراف .
كلنا يعرف إن الرسالات السماوية والحركات السياسية المعبرة عنها في صدر الرسالات كانت ثورية وتقدمية فكراً وممارسة في زمانها ومكانها، آي إنها خاضت صراعاً مريراً ما بين القديم والجديد. وعبر ذلك الصراع ثبتت القيم والمفاهيم الانسانية الاصيلة في حياة الامم والشعوب واجتثت ما هو ضاراً وبالياً. والرسالة الاسلامية نقلت العرب نقلة نوعية من العصر الجاهلي الذي كان من اهم سماته التناحر والتقاتل والتمزق الى بناء دولة عربية اسلامية قوية ومزدهرة ، دولة كان من ابرز سماتها التطور الروحي والثقافي والاجتماعي وحتى الاقتصادي فاين الحركات الاسلامية المعاصرة من كل ذلك؟
ان ظاهرة السلفية بشقيها الداعشي والمليشاوي الحشدوي الذي يؤمن بما يسمى ولاية الفقيه ، هي من ابرز سمات الحركات السياسية الاسلامية في عالمنا العربي في العصر الحديث . سلفيتها تتجلى بنظرتها المتخلفة الى عالمنا المعاصر الذي يتسم بالتقدم العلمي والتكنولوجي وخلق الثروة واستخدامها استخداما كاملا لتحقيق رفاه الانسان .
ان النظرة السلفية لا تقودنا الى طريق التحرر والتقدم والاقتدار في مواجهة التحديات الاستعمارية والصهيونية والفارسية وتحديات العصر الحديث ، بل على العكس من ذلك فهي تتحالف معها وتقود باتجاه الانكسار والهزيمة.
والسلفية التي نعنيها هنا هي ليست العودة للسلف الصالح والاقتداء به واستلهام ماضي الامة المجيد ، بل هي سلفية العودة الى الماضي بهدف مقصود هو تمزيق نسيج الامة على اسس طائفية مقيته ، وافتعال كل ماهو بالي ومتخلف بحجة انه عادات وتقاليد واجتهادات واقحامها في عالمنا المعاصر، وكل ذلك لخدمة مشاريع توسعية ومطامع اجنبية وعلى راسها المشروع التوسعي للنظام الايراني و تفتيت الامة لتحقيق مشروع "اسرائيل الكبرى" .
وعند تحليل الواقع نجد ان من ابرز سمات الاسلام السياسي الذي عبرت عنه الحركات والاحزاب التي تتغلف بغلاف الدين ، من خلال التجربة في العراق بعد الاحتلال الامريكي الصهيوني الصفوي هي ما يلي:
1ـ لم تقم هذه الاحزاب على اساس توحيدي. اي انها بدل من القيام بتوحيدالامة والقطر الواحد والمدينة الواحدة على اساس مبادئ الاسلام الحنيف المعروفة، والمبادئ القومية والوطنية الموحِّدة ،عملت للأسف على نشر بذور الفرقة والشقاق حتى داخل البيت الواحد.
2ـ اعادت هذه الحركات والاحزاب ذكريات الصراعات المذهبية والسياسية في بعض العصور الاسلامية لأهداف سياسية . وبذلك اتصفت بانها طائفية بامتياز ، فهذا حزب سني لا يقبل الجعفري وهذا حزب شيعي لا يقبل السني ، وانتشرت ثقافة الناصبي والرافضي بدلاً من ثقافة الإسلام الواحد الذي كان قوة ومنعة للأمة. وبالتالي فهي تحاول جاهدة ان تُفقِد الاسلام واحدة من اهم واقوى اعمدته وهي وحدة الامة و كذلك الثقافة الوطنية والقومية.
3ـ العداء المطلق لكل ماهو قومي عروبي ، فالحركات والاحزاب الاسلاموية وبمختلف اتجاهاتها شيعية كانت ام سنية ، توحدت في الوقوف بالضد من القومية العربية، وعقيدتها التي تسعى الى توحيد الأمة العربية. وحاربت القيادات القومية التي حملت راية التحرر الوحدوي والقومي مثل حزب البعث العربي الاشتراكي ، والمرحوم جمال عبد الناصر وبهذا انطبقت عليها صفة الشعوبية بامتياز. ولقد قادها موقفها المعادي هذا من حيث تدري او لا تدري الى الاصطفاف بجانب الانظمة الرجعية وحتى بعض الاوساط الاستعمارية ومن ثم خدمتها.
وفي نظرة موضوعية لتحليل الاسباب التي ادت الى ظهور الحركات الدينية المسيسة عموماً نجد انها تعود الى طبيعة النظام الرأسمالي من جهة وما يتسم به من ابتعاد عن الجوانب الروحية وافرازاته التي انعكست على واقعنا العربي. ومادية التوجهات
الماركسية من جهة اخرى والتي انكرت كل ماهو روحي و مثلتها في ذلك الحركات والاحزاب الشيوعية والماركسية. بالاضافة الى العوامل الاخرى التي عاشها ويعيشها الانسان العربي من فقر ومرض وجوع واضطهاد ، الامر الذي جعل الاسلام السياسي يستغل يأس الانسان العربي من الواقع المتردي وتوجهه الى السماء والقيم الروحي في بحثه عن الخلاص .
وقد تم توظيف هذا التطلع من قبل تلك الحركات عبر الاستحضار المنقول لحلول السلف السابق في فهم صلة الانسان بالسماء ، فكانت نتيجته ان يلجأ الانسان الجائع المضطهد المهمَّش الى التوجه الى السلف باساليب وعادات رسمتها له قيادات الحركات والاحزاب الاسلاموية بحجة الخلاص . فكانت النتيجة هي عقود من غياب الحلول العملية والواقعية التي كان من المفترض ان تطرحها تلك الحركات للتصدي للتحديات التي يواجهها المواطن العربي ، والاكتفاء بالفعاليات والممارسات ذات الصفة الرمزية في الغالب ناهيك عن استغلالها كغطاء لأبشع انواع الاستغلال المالي وللتجهيل المنظم للاجيال الصاعدة مما ادى الى اغترابها الكلي عن العصر وبالتالي الامعان في زيادة تخلف الامة عن مواكبة العالم وتطوراته.
-------------------------
حوار بين الاسلاموي والعروبي
( الجزء الثاني )
السؤال الذي يطرح نفسه بعد كل ذلك هل ان ضرب الصدور والبكاء والعويل يقضي على الفقر والفساد ويوفر لنا الامن والامان، اليوم في العراق مثلا ؟. وهل يحرر بلدنا الاحتراب والاقتتال الطائفي الذي شجعت وتشجع عليه القيادات التي تقود الحركات والاحزاب الاسلاموية ؟.
ان الخلاص الحقيقي يكمن في التوجه بسلاحنا نحو المحتل وتابعيه، و العوده الى روح الايمان الحقيقي بالدين الحنيف واستلهام كل ماهو مشرق من قيمه . والايمان بالنفس وقدراتها الخلاقة والعمل في ظل قيادة تنبذ الطائفية هو الخلاص. وللخلاص طرق كثيرة اخرى بعيدة كل البعد عن تلك التي نراها اليوم في العراق وغير العراق على يد فرق الاسلام السياسي.
ومن الاسباب الاخرى التي تؤدي الى ظهور الحركات الدينية بشكلها السياسي الطائفي المعروف هو ردود الافعال السطحية على النكسات المؤقته التي تمر بالامة ، وهي لا تعدو ان تكون مشروع لسد الفراغ مؤقتا بسبب الاستهداف الاستثنائي للقوى الحية في امتنا العربية ومنها العراق ، فعندما تستهدف الحركات السياسية والعقائد ذات قوة جماهيرية وزعامة قوية تحشد طاقات الشعب نحو تحقيق اهدافه الحقيقية والتغلب على تحدياته المعاصرة ، تبرز الحركات الدينية الاسلاموية في محاولة منها لسد الفراغ ، والتجربة في العراق خير دليل على ذلك .
ان تعرض قوى الامة الحية الى هجمة من قبل امبراطورية الشر امريكا وحلفائها من صه،،،اينة وصف،،،ويين ادى الى بروز ظواهر تتستر بالدين كغطاء لتحقيق طموحات شخصية،
بالاستيلاء على السلطة معتقدين ان الظرف الذي يمر به العراق دائم ، فهي لاتعرف ان الاحتلال سوف يزول وهذه هي حتمية التاريخ .
ان الايمان الطبيعي والايجابي بالدين يوفر للانسان طاقة روحية كبيرة تدفعه نحو النضال والتضحية ، غير ان العلة تكمن في تصميم قيادات الحركات والاحزاب الدينية التي تسيطر اليوم على الحياة السياسية في العراق وفي اكثر من قطر عربي هي على عكس ذلك.
فمن الجدير بالتنويه الى انه وبهدف اضفاء الشرعية على الحركات والاحزاب الاسلاموية نجد انها كانت ولازالت تدعي انها تقف في بعض الحالات مواقف مناهضة للوجود الاستعماري او الصهيوني ومصالحه بالمنطقة ، ولكنها في الغالب وعلى صعيد الواقع و المدى الاستراتيجي يصب موقفها في خدمة المخططات الاستعمارية والصهيونية، فالطبيعة الطائفية التي تمتاز بها تلك الاحزاب والحركات معروفة للمحتل وبالتالي فهو تجيد العزف على وترها ، مما يفضي الى تحقيق هدفين اساسيين هما تقسيم الوطن والامة من جهة، والامعان في تعزيز التخلف من خلال التجهيل المنظم لاجيالها الصاعدة من جهة أخرى.
فما يدور في العراق واستغلال المحتل الامريكي والص،،فوي الايراني للحركات والاحزاب الدينية معروف ، فهل القتل المتبادل الذي يعتمد على اسس طائفية يصب في خدمة المحتل ام يصب في خدمة الوطن ؟ ومالذي يفسر وقوف تلك الاحزاب والحركات الدينية السياسية مع المحتل الاجنبي ضد حركة القومية العربية التي تأكد بما لايقبل الشك انها حركة تحرر وحدوي يهدد الوجود والنفوذ الصهيوني والاستعماري في الوطن العربي ، وهل ينسجم موقفها هذا مع موقف الاستعمار الامريكي الصهيوني الصفوي او لاينسجم؟ وماذا يعني تأييد الحركات الاسلاموية لقانون بريمر باجتثاث البعث كفكر قومي عربي تقدمي؟
ولقد شخص الفكر القومي في وقت مبكِّر الحقيقة الموضوعية للآثار الاجتماعية والاقتصادية التي ستنعكس على المجتمع في حالة سيادة الاحزاب الاسلاموية وتمكنها من الواقع السياسي. وبيَّن اثر ذلك على المسيرة الحضارية للشعب وخطوات نهوضه ، ووثق ذلك في التقرير السياسي للمؤتمر القطري التاسع لحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق عام 1982م حيث اشار :
{ لوقدر وان استلمت الحركات والاحزاب الدينية الحكم في العراق او في اي بلد عربي اخر فانها ستحتاج الى (10ـ20) سنة من أجل تدمير البنى السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية القائمة في المجتمع ، واعادة بنائها وفق أسس دينية كما يفترض ذلك ، على افتراض أن هذه العملية ممكنة وستنتهي بالنجاح خسارة ( 10ـ20) سنة في سياق التطور السياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الامة العربية من جهة ، وبين الاستعمار والصه،، يونية من الجهة الاخرى.
وليس صعبا معرفة الجهة التي ستستفيد من ذلك ، غير ان الامر المؤكد هو ان عملية كهذه ، على ما تتطلبه من فترة طويلة ، لايمكن ان تتكلل بالنجاح} .
----------------------
الحوار بين الاسلاموي والعروبي
( الجزء الثالث )
الإسلام السياسي في العراق
العراق من بين الاقطار العربية التي عرفت الاسلام السياسي ، والمقصود هنا هو الاحزاب والتيارات التي تتستر بالاسلام ، كغطاء لتنفيذ اجندتها الداخلية والخارجية ، وهي الاحزاب التي تعتمد الطائفة في تشكيلها وهيكلها التنظيمي ، وبسبب افتقارها للحلول والاستراتيجيات لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الامة في الزمن المعاصر والتي من المفروض ان تُكسِب تلك الاحزاب الجماهيرية المطلوبة ، نجد ان آليات عملها تعتمد على إثارة النعرات الطائفية بين افراد المجتمع الواحد لتحقيق الشعبية والانتشار وللوصول الى اهدافها التي غالباً ما تكون خفية ولاتنسجم مع الاهداف المعلنة .
ان تجربة هذه الاحزاب الطائفية في العراق وخاصة خلال فترة ما بعد احتلاله 2003م دليل حي وواقعي على ما نقول. فمن منا سمع ان عضوا او كادرا في حزب من هذه الاحزاب دعا بالعلن وعلى رؤوس الاشهاد الى تقسيم النسيج العراقي الواحد الى شيعة وسنة باستثناء القلة ؟.
لكننا نعرف من هو الذي يرمي الجثث في شوراع العراق ومن هو الذي يحرق الاخضر واليابس ونعرف ايضا ان تلك الاحزاب لم توجه بنادقها الى المحتل الامريكي بل انها وبسلوكها الطائفي تقدم خدمة مجانية للمحتل بوعي منها او بغير وعي. ويحق لنا ان نتساءل ونحن ابناء الوطن الواحد المتعايش بسلام ووئام بين كل ابنائه، متى عرف ابناء العراق مصطلحات مثل ( الرافضة و النواصب) ؟.
لقد تعزز ذلك في الاعوام 2005-2006 ، وما يحدث اليوم في ساحات التحرير من تدخل بعض تيارات الاسلام السياسي وتصديها للشباب الثائر والمطالب بوحدة العراق ونبذ الطائفية امتداد لتلك الاعوام وبطريقة ابشع واخس وتحت تسميات مختلفة.
والسؤال هو متى عرف ابناء العراق القتل على الهوية والذي تمارسه كل الاحزاب الاسلاموية ؟ ، ومتى عرف ابناء العراق الاغتيالات والخطف وشتى انواع الاعتداءات كما يحدث اليوم مع ثوار وثائرات تشرين الشبابية.
والمتفحص لتاريخ العراق الحديث يجد ان الاحزاب الاسلاموية بقيت تعاني من العزلة عن ابناء الشعب العراقي حتى عن المتدينين الحقيقيين طيلة السنوات التي سبقت الاحتلال لانها لم تجد البيئة الحاضنة والمشجعة لتتحول من خلالها الى ظاهرة.
كما كانت في البعض من الاقطار العربية وما نراه اليوم في ظل الاحتلالين الامريكي والايراني وتابعيهم. والسبب الذي يقف وراء ذلك معروف ، فالاحزاب السياسية الوطنية التي ناضلت في العراق ومنذ تأسيس الدولة العراقية وعلى رأسها حزب البعث العربي الاشتراكي كانت على معرفة تامة ودراية بخطر تأثير هذه الاحزاب الطائفية على الدولة العراقية وعلى نسيج الشعب العراقي ، فما كان منها الا التصدي لتلك الافكار الهدامة في الوقت الذي تتعامل فيه مع المسألة الدينية الحقّة تعاملاً مبدئياً وبصورة ايجابية .
ففكر البعث العربي الاشتراكي لم يدفن رأسه بالرمال فلم يعمل على التعامل مع الدين على انه افيون الشعوب كالفكر الماركسي ، بل على العكس من ذلك فكتابات القائد المؤسس وقادة ومفكري الحزب لاحقاً والامين العام للحزب الرفيق عزة ابراهيم ، قد تعاملوا مع الايمان الحقيقي ومع المسألة الدينية بروح منفتحة دعت الى الوقوف مع الايمان بوجه الالحاد ودعت الى العودة الى الدين كرسالة توحِّد الامة لا تفرقها كما يعمل الاسلام السياسي الذي يتعامل مع الامور الثانوية في الدين ويترك الاصل. ذلك الاصل الذي تمسك به البعث وقيادته في العراق والامة العربية جمعاء .
وقد عمل البعث على زيادة وعي الشعب بمخاطر هذه الظاهرة واتصالها بمصادر تمويلها وتدريبها الخارجي الذي يحركها كما تُحَرَّك الدمى في مسرح العرائس ولأغراض معروفة. فمن منا لايعرف على سبيل المثال لا الحصر ان حزب الدعوة العميل ذو الصبغة الطائفية والاتجاهات المشبوهه كانت تقوده عناصر ايرانية ايام الثمانينات من القرن الماضي وتاريخ هذا الحزب يشهد بذلك.
وقد استفحل تاثير هذه الاحزاب الاسلاموية بعد الاحتلال فلم تصل اي من الاحزاب والحركات الاسلاموية في اي وقت من الاوقات الى مستوى يمكن ان تشكل تهديدا جديا على المجتمع العراق كما هو حاصل اليوم وفي ظل الاحتلال والحكومة العميلة الامر الذي يدعونا الى البحث عن السبب الكامن وراء ذلك ، فنجد ان الاحزاب والحركات الاسلاموية لم تنته ايام النظام الوطني في العراق برغم عزلتها وللاسباب التالية:
1 ـ ان حزب البعث العربي الاشتركي حزب مؤمن أصلا يحترم الدين والذين يمارسون الطقوس الدينية ويدعم رجال الدين والمؤسسات الدينية. والاسلام في الدولة التي يقودها البعث هو المصدر الاساسي والاول للتشريع ، الا ان الحركات الاسلاموية الطائفية استخدمت الاماكن الدينية كمراكز للنشاط واستطاعت ان تغلف نشاطاتها السياسية التخريبية المعادية للعراق ووحدته وتنفذ اهداف واغراض القوى الاجنبية المرتبطة بها تحت ستار ممارسة الطقوس الدينية مستغلة تلك الحرية الدينية وممارسة الشعائر والطقوس والدعم الذي كانت تتلقاه المؤسسات الدينية بكل اطيافها في ظل قيادة البعث للدولة العراقية .
2 ـ اتاح البعث حرية ممارسة العلاقات الطبيعية القائمة بين رجال الدين في العراق مع العالم الاسلامي و الاتصالات بين رجال الدين المسلمين في مختلف البلدان الاسلامية ومن مختلف المذاهب. فالمرجعية الدينية في محافظة النجف الاشرف مثلا كانت تفتح ابوابها لاستقبال الضيوف من كل القوميات والاجناس دون تدخل من جانب الدولة العراقية، ولانها كانت تتعامل باحترام مع رجال الدين ، فالدولة في ظل نظام البعث كانت تفترض حسن النية والصدق والشجاعة في رجال الدين ، فمن يصدر فتوى قبل الاحتلال ويغيرها بعده، ومن يرفع شعار الجهاد قبل الاحتلال وينظم لعمليته السياسية فيما بعد في ظل محتل اجنبي هم بعيدين كل البعد عن التصور المبدئي الذي يتسم به رجال الدين الحقيقيين والذي افترضته قيادة البعث فيهم . فالصدق بالتعامل هو من اهم الشروط التي يفترض انها تتوفر بالمتدينين ورجال الدين، وهذا مالم نجده في قادة الاسلام السياسي فالسياسة حولت رجل الدين الى شيطان ، انتهازي ، منافق ، و قاتل.
3ـ ان من الاسباب التي جعلت ظاهرة الاسلام السياسي (الطائفي) تنتشر بين اوساط البعض من الشباب كانت تعود الى بعض العوامل منها :
أـ الاستهداف الذي تعرضت له حركة القومية العربية وحركة الثورة العربية والتحديات الكبيرة التي واجهتها في العصر الحديث وبخاصة قضية تحرير فلسطين وما الم بها من نكسات.
ب ـ ان ظاهرة التدين عند الشباب وغيرهم من المراتب الاجتماعية تبقى بنسبة معينة ظاهرة طبيعية مرتبطة بالسن، وتتصل بمسألة الايمان والعلاقة بين الانسان والدين وحاجته اليه مع الخصوصيات التي ينفرد بها اغلبية الشباب في مرحلة السن المبكرة وعنفوانها .
ج ـ ان حالة الانتقال الحاسمة من عصر الى عصر اخر ومن مرحلة الى مرحلة اخرى تحدث حالة من الخلل والقلق وعدم التوازن لدى اوساط معينة من المجتمع ، وفي مثل هذه الظروف تبرز ظواهر عديدة كرد فعل على مرحلة الانتقال منها ظاهرة التدين ، حيث يشكل الدين والتدين وعاءا او مناخا ملائما تماما لاستقطاب الحالات السلبية او التي تمر بظروف صعبة تحول دون قدرة الافراد على مواجهتها او التكيف معها. وفي هذه الظروف بالذات يمكن للاسلام السياسي ان يستثمر ذلك لصالحه وذلك في استقطاب الشباب ودفعهم لتحقيق الاغراض التي يريد تحقيقها وهذا ما يحدث اليوم في العراق.
فما نراه اليوم في ظل الاحتلال خير دليل على ما نقول ، فنرى انتشار بعض المظاهر الشاذة واللاعقلانية والمُقحَمة على المجتمع العراقي الضارب عمقه الحضاري لالاف السنين ، فما معنى الزحف على البطون باتجاه المراقد المقدسة في العراق، وجلد الصدور والظهور، والبكاء الهستيري كتعبير عن الايمان ؟.
4 ـ ان الحركات والاحزاب الاسلاموية التي ارتدت قناع التقوى والورع ، والتي رفعت شعارات دينية مخالفة لحقيقتها الخفية ، قد انكشفت بسرعة بعد اربعة سنوات من عمر الثورة العراقية المسلحة على يد رجال المقاومة الشجعان الذين تكسرت على صخرة صمودهم كل الافكار الطائفية الهدامة والتي عمل المحتل على تغذيتها لتحقيق مبدأ فرق تسد القديم الجديد.
ان الحقيقة الواضحة والجلية اليوم هي ان الاسلام السياسي في العراق يمر بمأزق وجودي كبير فالاحزاب والحركات الطائفية التي اشتركت فيما سمي بالعملية السياسية بشقيها الشيعي والسني قد حكمت على نفسها بالموت ، وهذا بالذات هو ما افرزته ثورة تشرين الشبابية في العراق.
ان الترويج الاعلامي في وسائل الاعلام العربية وغير العربية والتي ادعت نهاية الفكر القومي العروبي في العراق وعلى امتداد الساحة العربية مع اجتياح اول دبابة امريكية ارض العراق ، قد دحضته الحقائق التي تفرزها الايام يوما بعد اخر.
فهذه الايام هي ايام الثورة العراقية التي تنادي باستعادة الوطن الواحد والحق والهوية العربية. انها الايام التي اثبتت وتثبت ان الفكري القومي العروبي الموحِّد هو في عنفوانه وانه اصيل و متجذر في الارض العربية وهوالبديل الحقيقي لكل ما يحدث اليوم في العراق ، وان الاحباط الذي اصاب البعض في بداية الاحتلال اخذ يتحول الى امل بمستقبل مشرق لامة العرب، مستقبل افضل واسمى، ينطلق من العراق العظيم عبر ثورة شبابه الكبرى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق